د. خلود يعقوب

باحث أول في وحدة الدراسات الإيرانية

مقدمة

في أعقاب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تلك التي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير 2026م، بدأت منظومة العمل الأمني الإيراني في الخارج تتجاوز الاقتصار على أجهزة الاستخبارات التقليدية أو العمليات السرية التي تستهدف المعارضين، واتجهت نحو توسيع دائرة جمع المعلومات لتشمل الأفراد والجاليات الإيرانية خارج البلاد، عبر أدوات رقمية تتيح للسلطات استقبال البلاغات عن أنشطة من تصفهم بالمعارضين أو المناوئين للدولة.

ويجسد تدشين منصة “علاج” في منتصف شهر سبتمبر 2026 هذا الاتجاه بوضوح، إذ تفتح المنصة المجال أمام الإيرانيين في الخارج للإبلاغ عن تصرفات يُنظر إليها باعتبارها معادية للدولة، مع الحفاظ على سرية هوية المبلغ.

غير أن هذه الخطوة تطرح إشكالية أمنية تتجاوز الهدف المعلن منها؛ فبينما يمكن أن توفر مثل هذه المنصات قناة إضافية لجمع المعلومات ورصد أنشطة المعارضة، فإنها قد تتحول، في الوقت نفسه، إلى سلاح ذي حدين، إذ تتيح احتمالية استغلالها من جانب أجهزة استخبارات معادية، مثل الموساد، لتمرير معلومات مضللة أو بلاغات مفبركة، بما قد يؤثر في تقديرات الأجهزة الإيرانية، ويوجه اهتمامها نحو أهداف غير حقيقية، أو يدفعها إلى اتخاذ إجراءات بناءً على معلومات غير موثوقة.

وتظل هذه الإمكانية افتراضًا تحليليًا يحتاج إلى أدلة تثبت وقوع استغلال فعلي، لكنها تكشف عن تحدٍّ جوهري في أمن المعلومات، ذلك أنه كلما اتسعت قنوات جمع البيانات، ازدادت الحاجة إلى التحقق من مصادرها ودقة محتواها.

ومن هنا، فإن فهم منظومة التجسس والعمليات السرية الإيرانية الحديثة يتطلب النظر إليها باعتبارها بنية متطورة ومتعددة الأدوات، لا تقتصر على الاغتيالات والاختطاف والغطاء الدبلوماسي، وإنما تمتد إلى التجسس الإلكتروني، وتوظيف الشبكات والوسطاء، وجمع المعلومات عبر المنصات الرقمية والمشاركة الشعبية، وفي هذا السياق، تبرز أهمية دراسة التحول من استهداف المعارضين بوسائل مباشرة إلى بناء منظومة أوسع لمراقبة تحركاتهم وعلاقاتهم ومصادر تأثيرهم، وتحليله، مع ما يرافق ذلك من فرص أمنية ومخاطر تتعلق بالتضليل والاختراق وسوء تقدير المعلومات.

أولا: طريقة عمل منظومة التجسس والعمليات السرية الإيرانية

لفهم العمليات الإيرانية في الخارج، فإنه من الخطأ البحث عن جهاز واحد يتحمل المسؤولية عن كل شيء؛ فإيران تمتلك بنية أمنية مزدوجة ومتشابكة، حيث وزارة الاستخبارات والأمن، المعروفة اختصارًا بـMOIS، وهي الجهاز المدني الرسمي للاستخبارات، ولها تاريخ طويل في متابعة المعارضين والشبكات السياسية الإيرانية في الخارج.

وفي المقابل، يمتلك الحرس الثوري منظومته الاستخباراتية الخاصة، ويأتي في قلبها فيلق القدس، الذي تطور من أداة للعمليات الخارجية ودعم الحلفاء والوكلاء إلى جزء مهم من البنية الإيرانية للعمل خارج الدولة؛ ولهذا يمكن أن يجد المراقب في بعض الملفات بصمات واضحة لمؤسسات إيرانية متنوعة، وهذا أمر مهم جدًا؛ لأن قوة النموذج الإيراني لا تأتي فقط من قدرات كل مؤسسة، وإنما من إمكانية استخدام أكثر من قناة في العملية الواحدة.

ومن هنا تجدر الإشارة إلى أن السفارات والقنصليات الإيرانية تاريخيًا تعد جزءًا مهمًا من العمليات الخارجية، وهذا لا يعني بالطبع أن كل دبلوماسي إيراني يعمل في المجال الاستخباراتي، فالدبلوماسي يوفر شيئًا بالغ القيمة للعمليات السرية، وهي العلاقات والقدرة على الاتصال، وأحيانًا الحصانة أو الغطاء الرسمي.

وتوضح قضية أسد الله أسدي هذه النقطة بصورة كبيرة؛ فقد كان أسدي دبلوماسيًا إيرانيًا في فيينا عندما أدين في بلجيكا عام 2021 لدوره في مخطط تفجير اجتماع للمعارضة الإيرانية قرب باريس عام 2018، وحُكم عليه بالسجن عشرين عامًا.

وأوضحت القضية كيف يمكن أن تتداخل الوظيفة الدبلوماسية مع النشاط العملياتي؛ فقد سلم المتفجرات إلى متهمين آخرين قبل إحباط المخطط في عملية أمنية بلجيكية – ألمانية – فرنسية مشتركة، وفي المقابل نفت طهران الاتهامات ووصفت المحاكمة بأنها غير شرعية.

لكن التطور الأهم في النموذج الإيراني هو القدرة على توظيف عدة أدوات ووسطاء في العملية الواحدة، فعندما يكون استخدام عنصر رسمي شديد الخطورة، يمكن اللجوء إلى وسيط أو شخص من الجالية أو وكلاء، وهذا بالضبط ما يظهر في قضية محاولة اختطاف الصحفية والناشطة الإيرانية – الأمريكية في نيويورك “مسيح علي نجاد”، إذ قالت وزارة العدل الأمريكية عام 2021 إن شبكة مرتبطة بالاستخبارات الإيرانية استعانت بمحققين خاصين لمراقبتها وتصوير منزلها وعائلتها، ودرست طرق إخراجها من الولايات المتحدة الأمريكية.

ثانيا: طبيعة الاغتيالات والاختطاف والجريمة المنظمة

يكشف التاريخ القديم للعمليات الإيرانية في أوروبا أن استهداف المعارضين في الخارج لم يبدأ مع التكنولوجيا الحديثة، ففي يوليو 1989، قُتل الزعيم الكردي “عبد الرحمن قاسملو”، ومعه “عبد الله قادري آذر” و”فاضل رسول”، خلال اجتماع في فيينا مع أشخاص جاءوا كممثلين إيرانيين للتفاوض.

وتوضح المصادر التاريخية أن المشتبه بهم تمكنوا من مغادرة النمسا بعد تدخلات إيرانية، وتبقى القضية واحدة من أكثر الأمثلة شهرة على انتقال الصراع الإيراني – الكردي إلى أوروبا، وبعد ثلاث سنوات، جاءت عملية مطعم “ميكونوس” في برلين في سبتمبر 1992، حيث قُتل أربعة من المعارضين الإيرانيين الأكراد، وهم الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني “صادق شرفكندي” وثلاثة من رفاقه في مطعم ميكونوس في برلين.

وبطبيعة الحال لم تعد العمليات الإيرانية في الخارج تعتمد على الاغتيال المباشر وحده، بل تنوعت أدواتها بين الاستدراج والمراقبة ومحاولات الاختطاف والاستعانة بجهات وسيطة، وتوضح قضية الصحفية والناشطة الإيرانية – الأمريكية مسيح علي نجاد هذا التطور؛ فبحسب وزارة العدل الأمريكية، حاول مسؤولون إيرانيون عام 2018 استدراجها إلى دولة ثالثة تمهيدًا لاعتقالها ونقلها إلى إيران، ثم جرت في 2020 و2021 محاولات لاختطافها من الولايات المتحدة بعد مراقبة منزلها وتحركاتها والاستعانة بمحققين خاصين. وبعد فشل هذه المحاولات، انتقل المخطط في 2022 إلى الاستعانة بأفراد من شبكة في أوروبا الشرقية لتنفيذ عملية قتلها، وقد أُدين “رفات أميروف” و”بولاد عمرُوف” في 2025، وحُكم على كل منهما بالسجن 25 عامًا في هذه القضية تحديدا.

وتكشف قضية أخرى أعلنتها وزارة العدل الأمريكية عام 2024 عن استخدام شبكات الاستهداف خارج الحدود لتنفيذ عمليات ضد معارضين إيرانيين، فقد اتهمت السلطات الأمريكية الإيراني “نجي شريفي زيندشتي” وكنديين اثنين بالتآمر لقتل شخصين يقيمان في ولاية ماريلاند، وقالت إنهم استخدموا خدمة المراسلة المشفرة “SkyECC” لتبادل هوية المستهدفين ومواقعهم، والتخطيط للعملية، والتفاوض على المقابل المالي.

وتكتسب هذه القضية بالتحديد أهميتها من أن أحد المتهمين كان موجودًا في إيران، بينما كان الآخران في كندا، بما يوضح نموذجًا لا يعتمد بالضرورة على إرسال عنصر إيراني إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وإنما على ربط جهة موجودة في داخل إيران بوسطاء وشبكات تعمل عبر دول متعددة.

ثالثا: الجاسوسية الإيرانية في عصر البيانات والمنصات الرقمية

التحول الأهم في السنوات الأخيرة هو أن الجاسوسية لم تعد تقتصر على سرقة وثيقة سرية أو زرع عميل داخل مؤسسة حكومية؛ فالمعلومات الشخصية نفسها أصبحت مصدرًا استخباراتيًا مهمًا، كما أن معرفة من يتواصل مع المعارض، وما الملفات والرسائل الموجودة على أجهزته، يمكن أن تكشف شبكة كاملة من العلاقات والنشاط.

وفي 15 سبتمبر 2026، حذرت أجهزة الأمن البريطانية والأمريكية والهولندية من برمجية تجسس إيرانية أطلقت عليها بريطانيا اسم  CHOSEN BRICKاستُخدمت لاستهداف معارضين حول العالم، وتبدأ العملية غالبًا بانتحال شخصية موثوقة عبر واتساب أو تليجرام، وإقناع الشخص بفتح ملف يبدو عاديًا، ثم تمنح البرمجية المهاجم قدرة على الوصول إلى رسائل البريد والتطبيقات وجهات الاتصال، وتصوير الشاشة، وحتى تسجيل الصوت، مع بقائها فعالة بعد إعادة تشغيل الجهاز، وبذلك تتحول حياة الشخص الرقمية نفسها إلى قاعدة معلومات استخباراتية يمكن استخدامها لتحديد علاقاته وتحركاته.

والمهم هنا أن التجسس الإلكتروني لا يعمل منفصلًا عن العمليات التقليدية، بل يخدمها؛ فالمهاجم لا يريد بالضرورة سرقة معلومات عسكرية، وقد يريد معرفة شبكة العلاقات الشخصية للهدف، ومكان وجوده، وأسماء الأشخاص المحيطين به، أو المعلومات التي يمكن استخدامها في التشهير به والضغط عليه.

وفي سبتمبر 2026، ظهرت خطوة أكثر غرابة في هذا المسار، وهي منصة “علاج”، التي قدمتها وسائل إعلام إيرانية بوصفها منظومة لرصد المعلومات وتحديد ومتابعة أشخاص تصفهم السلطات بالمعارضين أو الخونة في الخارج.

وتتيح هذه المنصة استقبال معلومات وبلاغات من الجمهور عبر الإنترنت، بينما تشير تقارير إيرانية معارضة إلى أنها تجمع معلومات تشمل الاسم والصورة وأماكن الإقامة والعمل والحسابات والعلاقات العائلية، لكن حتى الآن، لا يوجد دليل علني كاف لإثبات أن “علاج” جهاز مستقل تابع مباشرة لوزارة الاستخبارات أو للحرس الثوري.

ومع ذلك، فإن القيمة الحقيقية للمنصة ليست في تسميتها جهازًا استخباراتيًا، وإنما في أنها تمثل نموذجًا جديدًا لجمع المعلومات؛ فالدولة تحدد الفئة المستهدفة، والمنصة تفتح الباب أمام شبكة واسعة من المبلغين، ثم يمكن استخدام المعلومات في الرصد أو الدعاية أو الإجراءات القانونية أو الضغط على الأشخاص وأسرهم.

خاتمة

بجمع هذه المراحل السالفة معًا، تظهر صورة مختلفة عن الجاسوس الإيراني التقليدي، فقد بدأ النموذج بعمليات اغتيال سرية في الخارج، ثم تطور إلى استخدام الغطاء الدبلوماسي، ثم إلى الاختطاف والاستدراج، ثم إلى الاستعانة بالشبكات والوكلاء، وأخيرًا إلى التجسس الإلكتروني وجمع البيانات الجماعي، ووراء هذا التطور توجد عقلية سياسية وأمنية لها جذورها في الجمهورية الإسلامية؛ لأن النظام لا ينظر إلى المعارضة في الخارج باعتبارها مشكلة منفصلة عن الداخل، إذ إن المعارض الذي يعيش في الخارج يستطيع أن يخاطب الإيراني داخل إيران عبر وسائل التواصل وأن يؤثر في الرأي العام.

لكن التطور الأكثر أهمية في 2026 هو أن الحدود بين الاستخبارات والدعاية والفضاء الرقمي أصبحت أكثر ضبابية، فـ”علاج” تمثل محاولة لجمع المعلومات عبر الجمهور، كما أنCHOSEN BRICK  يمثل محاولة لجمعها عبر الاختراق الرقمي، وبذلك يمكن فهم حرب الجواسيس الإيرانية باعتبارها حربًا لا تبحث دائمًا عن سر عسكري كبير، ولكن عن هدف يكون الغرض منه معرفة معلومات عادية وبسيطة عن المعارضين، وهذه هي النقلة الأهم من نموذج الاستخبارات التقليدي إلى نموذج الاستخبارات الإيرانية العابرة للحدود، وبالتالي فإن خروج المعارض من إيران لم يعد يعني خروجه من دائرة الصراع.

الكلمات المفتاحية: الاستخبارات الإيرانية – وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية MOIS – الحرس الثوري – فيلق القدس – العمليات السرية – القمع العابر للحدود – المعارضون الإيرانيون – الاغتيالات السياسية – أسدالله أسدي – مسيح علي نجاد – نجي شريفي زيندشتي– CHOSEN BRICK – منصة علاج

الملخص:

ماذا يحدث للمعارض الإيراني عندما يغادر بلاده؟ هل يخرج من دائرة الاستهداف أم تبدأ مطاردته من مكان آخر؟ من الاغتيالات في أوروبا إلى مخططات الاختطاف والقتل في الولايات المتحدة، تطورت أدوات إيران من العميل السري والغطاء الدبلوماسي إلى الوسطاء والاختراق الإلكتروني، واليوم لم تعد المعلومة الاستخباراتية مجرد وثيقة عسكرية، فقد أصبح الهاتف وحسابات التواصل وشبكة العلاقات نفسها هدفًا. يكشف هذا المقال كيف تحولت العمليات السرية الإيرانية إلى منظومة عابرة للحدود تتداخل فيها الاستخبارات والأمن والتكنولوجيا.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version