عبدالله فارس القزاز .. باحث بوحدة الدراسات الإفريقية

شهدت منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر خلال الأسبوع الثاني من سبتمبر 2026 عددًا من التطورات العسكرية والأمنية المرتبطة بالصراعات القائمة والتحركات الإقليمية والدولية، حيث توسعت جماعة أنصار الله الحوثيين  في الساحل الغربي اليمني باتجاه مناطق وجزر قريبة من باب المندب، بالتزامن مع استمرار التفاعلات العسكرية الخارجية داخل ليبيا، وتصاعد الاتهامات السودانية لإثيوبيا بشأن دعم مليشا  الدعم السريع واستغلال الحرب لتحقيق مصالح مرتبطة بالمناطق الحدودية والساحل الشرقي للسودان. وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار التنافس على المواقع ذات الأهمية الجيوسياسية، وتزايد ارتباط التحركات العسكرية داخل هذه الدول بحسابات تتجاوز نطاق الصراعات المحلية.

ويركز التقرير على ثلاثة تطورات رئيسية، تتمثل في التقدم الحوثي على الساحل الغربي وما يرتبط به من تحولات محتملة في معادلة باب المندب، والجدل حول الوجود الأوكراني داخل ليبيا في ضوء نفي وزارة الدفاع التابعة لحكومة الوحدة الوطنية استخدام قاعدة مصراتة في تنفيذ عمليات ضد سفن روسية، إلى جانب تصريحات رئيس أركان الجيش السوداني بشأن التحركات الإثيوبية ودورها المحتمل في الحرب السودانية. كما يبحث التقرير الأبعاد العسكرية والاستراتيجية لهذه التطورات، في ظل ما يمكن أن تفرضه من تغيرات على موازين القوى والبيئة الأمنية المحيطة بمصر.

أعلنت جماعة أنصار الله  الحوثيين توسع سيطرتها على الساحل الغربي اليمني وصولًا إلى جزيرة ميون وذوباب، عقب مكاسب قالت إنها شملت المخا وجزيرة زقر، بالتزامن مع فرض حصار على قوات حكومية في حنيش الكبرى والصغرى. ووفقًا للبيان الحوثي، جرى إبعاد القوات السعودية من ست مديريات في تعز والحديدة، إلى جانب تنفيذ عمليات استهدفت قواتها وطائراتها، في حين أعلنت القوات الحكومية إسقاط خمس طائرات مسيرة انتحارية حوثية شرقي الحزم في الجوف. ويأتي هذا التطور في سياق ميداني أكثر اتساعًا، تتداخل فيه التطورات العسكرية على الساحل اليمني مع التحولات الأمنية المتسارعة في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

استراتيجيا : لا ينبغي قراءة التقدم الحوثي على الساحل الغربي بمعزل عن التطورات المقابلة في القرن الأفريقي، في ظل تشكل المعادلة العسكرية على ضفتي باب المندب في الوقت نفسه. فمن ناحية، تعمل جماعة أنصار الله على توسيع تمركزها في الجانب اليمني وصولًا إلى ميون وذوباب، بينما يتصاعد في الجهة المقابلة الحضور الإسرائيلي في أرض الصومال الانفصالي ، بالتزامن مع تحرك كل من تركيا وباكستان والصومال ضمن ترتيبات أمنية ودفاعية متزايدة. وفي هذا السياق، يتحول باب المندب تدريجيًا من مجرد ممر ملاحي حيوي إلى مساحة تنافس على امتلاك القدرة على مراقبة وتأمين وتهديد حركة الملاحة عبره.وتكتسب تهديدات عبد الملك الحوثي السابقة باستهداف أي تمركز إسرائيلي في أرض الصومال أهمية عسكرية متزايدة بالنظر إلى تقاطعها الجغرافي مع توسع الجماعة باتجاه ميون. فإذا تحولت هذه التهديدات إلى عقيدة عملياتية، فإن أي بنية إسرائيلية محتملة على الجانب الأفريقي من باب المندب قد تدخل ضمن حسابات الحوثيين باعتبارها هدفًا مرتبطًا مباشرة بالبيئة البحرية المقابلة لهم. وبذلك، قد ينتقل الصراع من استهداف الملاحة المرتبطة بإسرائيل إلى محاولة الضغط على البنية العسكرية أو الأمنية التي يُنظر إليها باعتبارها امتدادًا إسرائيليًا في الضفة الأفريقية.وتبرز ميون بوصفها نقطة ارتكاز ذات قيمة جيوستراتيجية، بالنظر إلى موقعها في قلب المضيق وقربها من مسارات العبور البحري. وتشير بيانات الملاحة إلى أن موقع الجزيرة يسمح بمراقبة حركة السفن في نطاق حيوي، بما يجعل أهميتها مرتبطة بموقعها أكثر من مساحتها الجغرافية. وفي حال أضيفت إليها السيطرة أو ممارسة الضغط على المخا وزقر وذوباب وحنيش، فإن الجماعة لا تجمع مجرد مواقع متفرقة، وإنما تعمل على بناء سلسلة من نقاط الارتكاز الساحلية والجزرية، يمكن أن تتحول تدريجيًا إلى منظومة للمراقبة والضغط على حركة الملاحة في باب المندب.وفي موازاة ذلك، تبرز أهمية الاتفاقيات والتحالفات الأمنية المحيطة بالصومال، في ظل تنامي الدور التركي وتوسع الترتيبات الدفاعية الإقليمية. فالتعاون الدفاعي التركي الصومالي لا يقتصر على تدريب القوات، بل يشمل بناء وتجهيز البحرية الصومالية وتعزيز أمن الساحل والمجال البحري، في حين أصبحت باكستان وتركيا جزءًا من ترتيبات دفاعية أوسع مع السعودية، . وهو ما يعني أن الجانب الأفريقي من باب المندب لا يشهد فراغًا أمنيًا، وإنما يشهد عملية بناء تدريجية لقدرات وشبكات أمنية يمكن أن يكون لها تأثير مباشر في معادلات القوة داخل المنطقة.ويؤدي تزامن هذه التطورات إلى تشكيل معادلة عسكرية شديدة الحساسية, إذ تحاول جماعة أنصار الله تثبيت قدرة ضغط متقدمة الجانب اليمني، بينما تتشكل في الجانب الأفريقي شبكة من الشراكات الأمنية تضم الصومال وتركيا وباكستان، إلى جانب الحضور الإسرائيلي المتنامي في أرض الصومال. ومن هنا، تكتسب السيطرة على الجزر والمواقع الساحلية اليمنية قيمة تتجاوز بعدها الميداني المباشر, لأنها تمنح الحوثيين موقعًا متقدمًا في مواجهة شبكة أمنية تتشكل على الضفة المقابلة، وليس فقط في مواجهة القوات الحكومية اليمنية بالإضافة إلي المؤشرات عن وجود ببن الحوثين وحركة الشباب في الصومال في مجال التدريب والتسليح مما يضيف بعد آخر علي تورترات القرن الأفريقي.أما الاتصالات الأمريكية مع الحوثيين، فلا ينبغي النظر إليها باعتبارها مسارًا منفصلًا عن هذه التطورات الميدانية. فوجود قناة اتصال في الوقت الذي تحقق فيه الجماعة مكاسب على الساحل يعكس تعقيد المعادلة التي تواجهها واشنطن. إذ بات الحوثيون يمتلكون أوراقًا ميدانية جديدة قبل أي تسوية بالتزامن مع التصعيد الأمريكي الإيراني وغلق مضيق هرمز ، أصبح التعامل معهم مرتبطًا بقوة تقترب من إحدى أهم نقاط الاختناق البحرية في المنطقة.

بالنسبة للقاهرة ، لا تنظر إلي  احتمال اضطراب الملاحة البحرية فحسب، وإنما في إمكانية إعادة تشكيل ميزان القوة عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. فإذا تمكن الحوثيون من تثبيت وجودهم في ميون والساحل والجزر المحيطة، فإنهم لا يكتسبون مجرد مواقع جغرافية جديدة، وإنما يقتربون من امتلاك قدرة ضغط على الممر الذي يربط البحر الأحمر بقناة السويس. وفي هذا السياق، يصبح أي تصعيد في اليمن قابلًا للامتداد إلى البيئة البحرية المرتبطة مباشرة بالمصالح المصرية.والأخطر أن استمرار هذه التطورات قد يدفع نحو تشكل استقطاب عسكري على ضفتي باب المندب, فمن ناحية، يوجد تمركز حوثي متقدم على الجانب اليمني، ومن الناحية الأخرى تتوسع الترتيبات الأمنية الصومالية مع تركيا وباكستان والصين ، إلى جانب التقارب الإسرائيلي مع أرض الصومال الانفصالي . وكلما ارتفعت القدرات العسكرية واتسعت شبكة الشراكات الأمنية على الضفتين، زادت احتمالات تحول باب المندب من ممر ملاحي إلى منطقة احتكاك بين شبكات أمنية متنافسة.وفي هذا الإطار، يكتسب أي وجود إسرائيلي محتمل في أرض الصومال أهمية إضافية بالنسبة لمصر، ليس فقط بسبب طبيعة العلاقة الإسرائيلية بالمنطقة، وإنما لأن الحوثيين أعلنوا مسبقًا اعتبار أي وجود عسكري إسرائيلي هناك هدفًا محتملًا. وبالتالي، فإن تطور هذا الوجود إلى بنية عسكرية على الضفة الأفريقية قد يمنح الحوثيين مبررًا إضافيًا لتوسيع نطاق المواجهة جنوبًا، بدلًا من حصرها في الساحل اليمني، وهو ما قد يوسع نطاق التهديدات المرتبطة بالممر البحري.كما أن تنامي العلاقات الدفاعية للصومال مع تركيا، وانخراط باكستان في الترتيبات الأمنية الإقليمية، يعني أن أي تصعيد في باب المندب قد لا يظل بالضرورة محصورًا بين الحوثيين و والكيان الإسرائيلي. فكلما اتسعت شبكة الشركاء العسكريين حول الصومال، أصبح أي صدام في باب المندب قابلًا لاستدعاء أطراف إضافية، حتى في حال عدم انخراطها المباشر في العمليات القتالية. ويؤدي ذلك إلى رفع مستوى التعقيد الاستراتيجي بالنسبة لمصر، في ظل ارتباط أمن البحر الأحمر بشبكة أوسع من الترتيبات العسكرية والأمنية.ومن ثم، فإن المسألة الأهم بالنسبة لمصر لا تتمثل فقط في التساؤل حول إمكانية إغلاق الحوثيين باب المندب، وإنما في مدى تشكل بيئة عسكرية تجعل المضيق قابلًا للتحول إلى نقطة اشتباك إقليمية مستدامة. فإذا ترسخت هذه البيئة، فإن تأثيرها على مصر سيتجاوز ارتفاع مخاطر الملاحة، لأنه سيعني انتقال التنافس العسكري إلى أحد الممرات البحرية المرتبطة بصورة مباشرة بأمن قناة السويس.

ومن هنا : قد ينتقل الصراع تدريجيًا من التنافس على السيطرة في الساحل اليمني إلى التنافس على الضفتين المتقابلتين لباب المندب. وفي هذا السياق، تبرز أربعة مؤشرات مترابطة ينبغي متابعتها، تتمثل في مدى قدرة الحوثيين على تثبيت وجودهم في ميون والجزر المحيطة، وطبيعة أي وجود عسكري إسرائيلي في أرض الصومال، وتطور القدرات البحرية والأمنية الصومالية بدعم تركي، فضلًا عن مسار الاتصالات الأمريكية مع الحوثيين، وما إذا كانت ستتحول إلى ترتيبات تحد من التصعيد أم ستظل مجرد آلية لإدارة الصراع مؤقتًا.وفي حال اجتمعت هذه العوامل، فقد يتحول باب المندب من جبهة ضمن الحرب اليمنية إلى عقدة استراتيجية تتقاطع فيها الحرب اليمنية، والتنافس الإسرائيلي.الحوثي، وشبكات الأمن في القرن الأفريقي، وأمن الملاحة المرتبط بقناة السويس. ومن ثم، فإن التطور الأكثر أهمية لا يرتبط بمجرد سقوط مدينة أو جزيرة في يد أحد أطراف الحرب، وإنما بمدى قدرة هذه التطورات المتزامنة على إعادة تشكيل البيئة العسكرية والأمنية المحيطة بأحد أهم الممرات البحرية في المنطقة.

صرح   رئيس أركان الجيش السوداني ياسر العطا إن إثيوبيا تستغل الحرب السودانية لتحقيق مكاسب في مناطق حدودية سودانية، متهمًا إياها بدعم مليشات  الدعم السريع واستخدام أراضيها ومطاراتها في تنفيذ عمليات عسكرية ضد السودان، إلى جانب سعيها للحصول على منفذ على البحر الأحمر. وأشار العطا إلى امتلاك الخرطوم معلومات استخباراتية وصورًا بالأقمار الصناعية بشأن استخدام مطار صوصا في إطلاق طائرات مسيرة باتجاه السودان، على الجانب الآخر قال نغوسي في 4 سبتمبر  إن إسرائيل تعمل على تعزيز القدرات الاقتصادية لإثيوبيا. وتأتي هذه الاتهامات في ظل استمرار الحرب السودانية، وما تفرضه من تحولات في البيئة الأمنية والجيوسياسية المحيطة بشرق السودان والقرن الأفريقي.

عسكرية : إذا كان توصيف العطا يعكس بالفعل طريقة نظر القيادة السودانية إلى التحرك الإثيوبي، فإن القضية تتجاوز مسألة دعم أحد أطراف الحرب إلى محاولة استثمار تراجع قدرة الدولة السودانية على ضبط أراضيها في إعادة تشكيل ميزان القوى على الحدود. وفي هذا النوع من الصراعات، لا تحتاج الدولة المتدخلة إلى فرض سيطرة مباشرة على مساحة واسعة دفعة واحدة، إذ يكفي أن تتشكل مناطق نفوذ ترتبط بها اقتصاديًا أو أمنيًا، ثم تتحول السيطرة الفعلية أو القدرة على التأثير فيها إلى ورقة تفاوضية عند انتهاء الحرب. ومن ثم، فإن قيمة الفشقة والمناطق الحدودية لا تُقاس بمساحتها الجغرافية فقط، وإنما بما يمكن أن توفره من عمق استراتيجي داخل بيئة سودانية مضطربة.ويكتسب الجمع بين الأرض الزراعية والحدود والبحر الأحمر أهمية إضافية عند وضع التحركات الإثيوبية المحتملة ضمن تصور جيوسياسي واحد. فإذا صحت القراءة التي طرحها العطا، فإن الهدف المحتمل لا يتمثل في تحقيق مكاسب حدودية منفصلة، وإنما في تحسين الوضع الجيوسياسي لإثيوبيا بصورة تدريجية بدءًا من تعزيز حضورها في المناطق الحدودية، مرورًا بتوسيع نفوذها داخل البيئة السودانية، وصولًا إلى توظيف هذا العمق في معالجة المعضلة الإثيوبية المرتبطة بالوصول إلى البحر. وفي هذه الحالة، تتحول الحرب السودانية من مجرد أزمة تستفيد منها إثيوبيا إلى فرصة لإعادة تعريف موقعها داخل القرن الأفريقي ، إذ إن امتلاك نفوذ في شرق السودان قد يمنح أديس أبابا خيارات جغرافية وسياسية أوسع من تلك المتاحة لها في وضعها الحالي.وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى العامل الإسرائيلي باعتباره دليلًا على وجود مشروع مشترك داخل السودان، وإنما باعتباره عامل تمكين محتملًا. فقول نغوسي إن إسرائيل تعمل على تعزيز القدرات الاقتصادية لإثيوبيا يفتح تساؤلًا استراتيجيًا حول قدرة أديس أبابا على تحويل علاقاتها الاقتصادية الخارجية إلى أدوات نفوذ إقليمي. وإذا ارتفعت قدرة الدولة الإثيوبية على تمويل مشروعاتها وشراكاتها وتوسيع أدواتها الاقتصادية، فقد تصبح أكثر قدرة على بناء نفوذ تدريجي عبر الاقتصاد والعلاقات والشراكات، دون الحاجة إلى اللجوء إلى القوة المباشرة في كل مرحلة. وبهذا المعنى، قد يصبح العامل الاقتصادي جزءًا من منظومة أوسع لإعادة إنتاج النفوذ الإثيوبي في محيطها الإقليمي.أما الاتهامات المتعلقة باستخدام المطارات الإثيوبية لإطلاق الطائرات المسيرة، فتشير إلى احتمال امتلاك الصراع لبنية إسناد عابرة للحدود. وتكتسب هذه النقطة أهمية استراتيجية مختلفة، لأن الدولة التي توفر عمقًا جغرافيًا لطرف محلي لا تقدم له دعمًا سياسيًا فقط، وإنما تؤثر بصورة مباشرة في معادلة القدرة العملياتية. فإذا امتلك طرف داخل السودان مصدرًا خارجيًا للإسناد، فإن حسابات الاستنزاف تتغير، وتصبح قدرته على مواصلة الحرب أطول من تلك التي تتيحها موارده الذاتية. وبذلك، يمكن أن يتحول الدعم الخارجي من مجرد عامل مساعد إلى أحد العوامل التي تعرقل حسم الصراع، بما يسمح باستمرار البيئة التي تستطيع القوى الخارجية من خلالها بناء نفوذها وترسيخ مواقعها.

إقليما  لا يتمثل الخطر الاستراتيجي في مجرد احتمال حصول إثيوبيا على مناطق سودانية، وإنما في إمكانية تغير وظيفة شرق السودان داخل ميزان القوى الإقليمي. فإذا انتهت الحرب مع بقاء مناطق حدودية تتمتع بنفوذ إثيوبي مستقر، فإن القاهرة ستتعامل مع جنوبها الاستراتيجي في بيئة مختلفة عن تلك التي سبقت الحرب. دولة سودانية أضعف، وحدود أكثر سيولة، ونفوذ إثيوبي أكثر قربًا من المجال الحيوي المصري. وهذا النوع من التحولات لا يحتاج إلى مواجهة مصرية إثيوبية مباشرة حتى تكون له آثار أمنية، إذ يكفي أن تتغير قواعد الحركة والتموضع حول السودان.وتتسق هذه المخاطر مع الموقف المصري الرافض للتدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للدول، والمتمسك باحترام سيادتها ووحدة أراضيها. وفي الحالة السودانية، فإن أي محاولة لاستغلال الحرب لفرض ترتيبات جغرافية أو سياسية جديدة تمس وحدة الدولة أو سيادتها تتعارض مع هذا المبدأ، كما تتعارض مع المصلحة المصرية في بقاء السودان دولة موحدة وقادرة على إدارة أراضيها وحدودها. ومن ثم، فإن أهمية التطورات الحالية بالنسبة للقاهرة لا ترتبط فقط بالطرف الذي قد يستفيد منها، وإنما بما يمكن أن تنتجه من سابقة إقليمية تسمح بتحويل الأزمات الداخلية إلى مدخل لإعادة توزيع الأراضي والنفوذ.وتزداد حساسية هذا المسار عندما يصبح العمق السوداني مرتبطًا بهدف بحري إثيوبي محتمل. فإذا تمكنت أديس أبابا من تحويل نفوذها في شرق السودان إلى ورقة تخدم تحركها نحو البحر الأحمر، فإن الحساب المصري سينتقل من مراقبة تحركات إثيوبيا داخل نطاقها الجغرافي إلى التعامل مع تمدد محتمل لمصالحها الاستراتيجية باتجاه مجال بحري أكثر قربًا من مصر. والأهم أن هذا المسار لا يحتاج بالضرورة إلى سيطرة عسكرية مباشرة؛ إذ قد يبدأ بنفوذ اقتصادي أو أمني أو سياسي، ثم يتحول تدريجيًا إلى قدرة على التأثير في ترتيبات شرق السودان والبحر الأحمر.كما أن استمرار الحرب في ظل وجود عمق خارجي للإسناد يخلق مشكلة استراتيجية بالنسبة لمصر تختلف عن مشكلة الحرب ذاتها. فالحرب يمكن أن تنتهي، بينما قد تستمر شبكات النفوذ التي تتشكل خلالها. وبالتالي، فإن السيناريو الأكثر حساسية لا يتمثل في استمرار الاشتباكات فقط، وإنما في انتهاء الحرب بعد أن تكون قوى إقليمية قد رسخت مواقع وأدوات تأثير داخل البيئة السودانية. وفي هذه الحالة، تصبح استعادة السيادة السودانية الكاملة على أراضي الدولة أكثر تعقيدًا، وهو ما يمس بصورة مباشرة أحد الثوابت التي يقوم عليها الموقف المصري تجاه السودان.ويبرز البعد الإسرائيلي هنا باعتباره جزءًا من البيئة التي يمكن أن تسهم في زيادة قدرة إثيوبيا على بناء نفوذ طويل الأمد، وبعد  تهديدً ضغط غير مباشر علي  مصر. فإذا أدى التعاون الخارجي إلى رفع القدرات الاقتصادية والإمكانات المتاحة لأديس أبابا، فقد تتسع قدرتها على العمل بأدوات غير عسكرية في القرن الأفريقي. ولذلك، فإن قراءة هذه التحولات من منظور الأمن القومي المصري تستدعي النظر إلى مصادر القوة التي يمكن أن تمكن إثيوبيا من توسيع نفوذها، وليس فقط إلى التحركات العسكرية المباشرة على الحدود السودانية.

نفت وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية الليبية صحة تقرير أمريكي تحدث عن استخدام عناصر أوكرانية لقاعدة مصراتة في تنفيذ عمليات ضد سفن روسية، مؤكدة رفض استخدام المنشآت والأراضي والأجواء والمياه الليبية في أعمال عدائية ضد أي طرف. وفي المقابل، أشار التقرير الأمريكي الذي نشرتة شبكة سي إن إن الأمريكية  إلى وجود وحدة أوكرانية متخصصة في تشغيل المسيرات داخل ليبيا منذ نهاية 2025، إلى جانب مشاركة عسكريين أوكرانيين في أنشطة داخل البلاد، في حين لم توضح الوزارة طبيعة وجود هذه العناصر، واكتفت بنفي استخدام المنشآت العسكرية الليبية في أعمال عدائية تتجاوز المهام السيادية للدولة. ويأتي ذلك في ظل استمرار تعدد الارتباطات العسكرية الخارجية داخل ليبيا، بما يضيف بُعدًا دوليًا إلى البيئة الأمنية والعسكرية القائمة.

ميدانيا  : لا تتمثل المسألة العسكرية الأساسية في مجرد وجود عناصر أوكرانية داخل ليبيا، وإنما في طبيعة الوظيفة التي يمكن أن يؤديها هذا الوجود. فوجود فريق متخصص أو مشغل   المسيرات قد يقتصر على التدريب ونقل الخبرات، لكنه يكتسب قيمة عملياتية مختلفة إذا ارتبط بمنشأة عسكرية يمكن استخدامها كنقطة إسناد لمهام خارجية. وفي هذه الحالة، تتحول القاعدة من مجرد منشأة وطنية تستضيف تعاونًا عسكريًا إلى جزء محتمل من منظومة عمليات تابعة لقوة أجنبية، بما يترتب على ذلك من تغير في حسابات الخصوم تجاه المنشأة والدولة المضيفة.وفي هذا السياق، تكتسب الإشارة إلى قاعدة مصراتة أهمية عسكرية، بالنظر إلى أن قيمة القاعدة لا ترتبط بالمنشأة ذاتها فقط، وإنما بوظيفتها داخل سلسلة العمليات. فإذا تجاوز الوجود الأوكراني نطاق التدريب إلى تشغيل المسيرات أو دعم عمليات مرتبطة بالصراع الروسي–الأوكراني، فإن ذلك يعني انتقال التعاون من مستوى نقل القدرات إلى مستوى توظيفها. ويُعد الفارق بين المستويين جوهريًا، إذ يسهم الأول في بناء قدرات لدى الطرف المضيف أو الشريك، بينما قد يجعل الثاني الأراضي الليبية جزءًا من الحسابات العملياتية لصراع عسكري خارجي.كما أن الجمع بين الوجود الروسي والنشاط الأوكراني المحتمل يطرح إشكالية تتجاوز طبيعة كل طرف على حدة. فإذا تحولت ليبيا إلى مساحة تستضيف عناصر أو ترتيبات عسكرية مرتبطة بقوى دولية متنافسة، فإن أي منشأة أو قوة مرتبطة بأحد الأطراف قد تكتسب قيمة عسكرية بالنسبة للطرف الآخر. وهنا يرتفع خطر انتقال التنافس الدولي إلى داخل البيئة الأمنية الليبية، بما يجعل بعض المنشآت والبنى العسكرية الليبية جزءًا من معادلة ردع وضغط لا تتحكم فيها الدولة الليبية وحدها.ويؤدي استمرار هذه الترتيبات إلى إضافة عقبة أمام المسار الأمريكي الرامي إلى توحيد المؤسسات العسكرية وإنهاء الأزمة الليبية, إذ لا يرتبط توحيد المؤسسة العسكرية بالتوافق بين الأطراف الليبية فحسب، وإنما يتطلب كذلك تقليص تعدد شبكات الارتباط والدعم العسكري الخارجي. وكلما اتسعت الترتيبات المرتبطة بقوى دولية متنافسة، أصبح توحيد المؤسسة أكثر تعقيدًا، في ظل إمكانية تحول بعض مواقع النفوذ والقدرات العسكرية إلى أدوات ضمن حسابات خارجية تتجاوز الصراع الليبي ذاته. ومن ثم، فإن الخطر الاستراتيجي لا يتمثل في وجود طرف أجنبي بحد ذاته، وإنما في تحول ليبيا إلى بيئة تتعايش فيها ترتيبات عسكرية خارجية متعارضة، بما يحافظ على تعدد مراكز النفوذ ويصعّب بناء مؤسسة عسكرية موحدة تخضع لقرار وطني واحد.وتبقى المسألة الاستخباراتية الأكثر أهمية مرتبطة بتحديد طبيعة النشاط الأوكراني داخل ليبيا. فالنفي الليبي حسم موقف الحكومة من استخدام المنشآت في أعمال عدائية، لكنه لم يقدم تفاصيل كافية حول طبيعة الوجود الأوكراني الذي تحدث عنه التقرير. وبالتالي، يتمثل الفاصل الحقيقي في تحديد ما إذا كان النشاط يقتصر على التدريب والتعاون الفني، أم يمتد إلى الاستطلاع أو تشغيل المنظومات أو دعم عمليات فعلية. ويُعد الانتقال إلى المستوى العملياتي العامل الذي يمكن أن يحول القضية من مجرد تعاون عسكري أجنبي إلى عنصر مؤثر بصورة مباشرة في ميزان القوة داخل ليبيا وفي علاقاتها بالقوى الدولية.

بالنسبة لمصر، لا تكمن المشكلة الأساسية في جنسية القوة الأجنبية الموجودة داخل ليبيا، وإنما في احتمال تحول الأراضي والمنشآت الليبية إلى عمق عملياتي لصراعات دولية. فهذا التطور يضيف إلى البيئة الأمنية المحيطة بالحدود الغربية المصرية أطرافًا ومصالح عسكرية لا ترتبط بصورة مباشرة بالأزمة الليبية، بما يزيد من تعقيد حسابات الأمن والاستقرار في هذا الاتجاه.وتتضاعف حساسية هذا الوضع إذا تزامن الوجود الروسي مع نشاط أوكراني محتمل، إذ قد تتحول ليبيا عندها من ساحة تتنافس فيها الأطراف على النفوذ إلى مساحة يتقاطع فيها تنافس عسكري دولي مباشر. وفي هذه الحالة، يصبح أي تصعيد بين القوى الخارجية قابلًا لإنتاج تداعيات داخل البيئة الليبية نفسها، بما في ذلك الضغط على المنشآت أو خطوط الدعم أو الترتيبات العسكرية المرتبطة بهذه القوى، وهو ما يرفع مستوى عدم اليقين في المجال الأمني المحيط بمصر.كما أن استمرار تعدد الارتباطات العسكرية الخارجية يتعارض مع الهدف الأوسع المتمثل في بناء مؤسسة عسكرية ليبية موحدة قادرة على فرض قرار أمني وطني. ومن منظور الأمن القومي المصري، يعني استمرار هذا الوضع بقاء ليبيا بيئة متعددة مراكز النفوذ بدل الانتقال إلى منظومة أمنية أكثر توحيدًا، وهو ما يمكن أن يطيل أمد حالة عدم الاستقرار على الحدود الغربية المصرية.ويتسق ذلك مع الموقف المصري الرافض للتدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للدول، والداعم لوحدة الأراضي الليبية وسيادتها، إذ لا تتمثل المسألة بالنسبة لمصر في منح الأفضلية لطرف دولي على آخر، وإنما في منع تحول الأراضي الليبية إلى منصة للصراعات الخارجية، بما يحافظ على قدرة الدولة الليبية ومؤسساتها على التحكم في قرارها العسكري والأمني.

 

 

المصادر .

  1. بيان وزارة الدفاع حكومة الوحدة الوطنية الليبية
  2. https://arabic.rt.com/middle_east/1832631-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86-%D9%8A%D8%AA%D9%87%D9%85-%D8%A5%D8%AB%D9%8A%D9%88%D8%A8%D9%8A%D8%A7-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AE%D8%B7%D9%8A%D8%B7-%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B4%D9%82%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%B2%D9%8A%D9%86/
  3. https://arabic.rt.com/middle_east/1832229-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%81%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%82-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%AA%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A-%D8%A8%D8%B4%D8%A3%D9%86-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%AE%D8%AF%D8%A7%D9%85-%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A9-%D9%85%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D9%82%D8%A8%D9%84-%D8%A3%D9%88%D9%83%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%8A%D9%86/

https://timesofindia.indiatimes.com/world/europe/ukraine-deploys-drone-specialists-to-africa-middle-east-to-target-russian-interests-report/articleshow/134188878.cms#:~:text=Ukraine%20has%20also%20deployed%20naval%20drone%20operators,of%20oil%20tankers%20while%20training%20local%20forces

 

 

 

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version