د. دعاء سيف ( باحثة بوحدة الدراسات الاسرائيلية)
أشارت وسائل الإعلام في إسرائيل إلى أن الاعتراف بصوماليالاند دولة مستقلة أمر مهم لإسرائيل؛ لأنه يخدم مصالحها في الإقليم بشكل عام ومنطقة القرن الأفريقي بشكل خاص. من هنا رحبت وسائل الإعلام برفع الأعلام الإسرائيلية في شوارع صوماليالاند، ابتهاجا بأول اعتراف بها، منذ استقلالها في 1991م. (يسرائيل هيوم 28-12-2025م). وأكدت الصحيفة على أن لإسرائيل مصالح استراتيجية في المنطقة، فهذا الاعتراف يتيح لإسرائيل تواجدا يمنحها ميزة كبيرة وعلى أكثر من ساحة، حيث تسيطر صوماليالاند على ساحل يمتد 740 كيلومترًا على خليج عدن، ويحدها مضيق باب المندب، ويواجه الحوثيين، وقد يمثل التواجد الإسرائيلي هناك ميزة كبيرة.
وأشارت وسائل الإعلام في إسرائيل أيضًا إلى أن اعتراف إسرائيل بصوماليالاند سيخضع للاختبار في جلسة استثنائية لمجلس الأمن الدولي. وسيتم توجيه اتهامات لإسرائيل حول: انتهاك السيادة، وتقويض الاستقرار في أفريقيا، وضعف القانون الدولي. لكن هذا النقد يخفي حقيقة بسيطة: إسرائيل لا تقوض المعايير العالمية، بل تكشف عن مدى انتقائية تطبيقها، ونفاقها، وتسييسها (يسرائيل هيوم 29 سبتمبر 2025م).
هذه الخطوة الإسرائيلية بمثابة تحدٍّ واضح لتركيا ورئيسها أردوجان؛ لأن أنقرة لها أكبر قاعدة عسكرية خارج حدودها في مقديشو، ووقّعت في فبراير 2024م اتفاقية دفاعية مدتها عشر سنوات مع الصومال. فتركيا أرسلت قواتها العسكرية لمساعدة الصوماليين في حماية أمنها، ولم يقتصر وجودها على الجانب العسكري، بل تعدى ذلك، فأنشأت مدارس ومستشفيات وبنية تحتية في الصومال، فضلا عن دورها في استكشاف الغاز والنفط قبالة سواحل الصومال، وذلك في إطار الاتفاقيات المبرمة بين البلدين. وهذا هو الربح الذي ستجنيه تركيا من هذه الصفقة، وستتمتع تركيا بحقوق حصرية للتنقيب عن النفط وإنتاجه حال اكتشافه في هذه المناطق. ولكن لايستبعد بعض الخبراء أن تكون دول عربية أخرى مستهدفة من هذه الخطوة منها مصر واليمن والسعودية والصومال وغيرهم.
ولم تكن المكاسب الاقتصادية بعيدة عن الأنظار الإسرائيلية في هذه الخطوة، فهناك تطلع إلى ارتفاع الصادرات الإسرائيلية إلى أفريقيا. وهنا يصرح مدير شركة “أمورا كابيتال” الإسرائيلية أن أفريقيا في حاجة ماسة للبنية التحتية والطاقة والزراعة والتكنولوجيا، وهي مجالات تتمتع فيها إسرائيل بميزة واضحة.
وتحدثت وسائل إعلام أخرى عن أوجه التشابه بين صعوبات الاعتراف التي واجهت إسرائيل بعيد قيامها وصوماليالاند الآن، مع التأكيد على أن إسرائيل وصوماليالاند أقليتين صغيرتين محاطتين بالعداء، تسعيان ليس فقط للبقاء، بل للازدهار. ويؤكد كاتب المقال على إن إسرائيل وصوماليالاند لديهم أعداء مشتركين، فالأيديولوجيات المتطرفة نفسها التي تسعى إلى تدمير إسرائيل، تهدد الاستقرار والتقدم في صوماليالاند، وكذلك في جميع أنحاء القرن الأفريقي. ولا يعد التعاون الأمني بين إسرائيل وأرض الصومال أمرًا نظريًا، بل ضرورة حتمية، من شأنه أن يسهم في حماية صوماليالاند من أي ضرر، وأن يُعزز أمن إسرائيل والنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة؛ حيث يوفر الموقع الجغرافي لأرض الصومال ميزة استراتيجية مهمة، يمكن استغلالها لتعزيز القيم المشتركة بينهم.
ويؤكد معهد الأمن القومي والاستراتيجية الصهيونية (ميسجاف) في ورقة بحثية على أن هذه الخطوة موجهة أيضا للحوثيين وإيران التي تدعمهم بالسلاح. ويؤكد معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيل INSS على أن الاعتراف الإسرائيلي حظي بالضوء الأخضر الأمريكي، فقبل الخطوة الإسرائيلية زارت صوماليلاند وفود أمريكية عامة ومن البنتاجون خاصة، وأسفر عن ذلك في نوفمبر 2025م، أعلنت صوماليالاند سيطرتها الكاملة على مجالها واشترطت على الطائرات الحصول على إذن مباشر من سلطاتها لعبور أجوائها، وأعلنت أنها لن تعترف بالتأشيرات الصادرة عن حكومة مقديشو. ويشير التقرير إلى أن الاعتراف الدولي من قِبل الدول الأخرى وسيوفر لها الحماية، ويمنحها الشرعية الدولية لإعادة بسط سيطرتها على الإقليم.
ويتحدث المركز في تقريره عن أهمية صوماليالاند في موقعها الجيوسياسي لإسرائيل، حيث يمنح موقع صوماليالاند عند مدخل خليج عدن ميزة جيوسياسية فريدة. كما تبلغ المسافة بين مياه صوماليالاند وأراضيها ومناطق سيطرة الحوثيين في اليمن، كميناء الحديدة على سبيل المثال، حوالي 300 إلى 500 كيلومتر. ويمكن لصوماليالاند أن تكون قاعدة أمامية لمجموعة متنوعة من المهام: المراقبة الاستخباراتية ضد الحوثيين وجهودهم لتعزيز مواقعهم؛ وتوفير الدعم اللوجستي للحكومة اليمنية الشرعية في حربها ضد الحوثيين؛ وقاعدة للعمليات المباشرة ضد الحوثيين هجومياً، وإحباط هجماتهم في البحر أو عبر الطائرات المسيّرة. وقد تكون صوماليالاند بمثابة حجر الأساس لإسرائيل في مواجهة تهديد الحوثيين. وتُبدي صوماليالاند استعدادها الفوري للانضمام إلى “الاتفاقيات الإبراهيمية”.
وأشار تقرير نشرته Geopol report مؤسسة جيوبول إلى أن الاعتراف بصوماليالاند جزء مهم من تطبيق الاتفاقيات الإبراهيمية في قارة أفريقيا، وسيساعد بدوره على ربط موانئ البحر الأحمر بالموانئ الإسرائيلية مثل إيلات، وبالتالي يمنح إسرائيل وصولًا أعمق إلى الأسواق الأفريقية مع تأمين جبهتها البحرية الغربية، وإنشاء قاعدة عسكرية لها على البحر الأحمر، مما يهيئ، في نظر الاستراتيجيين الإسرائيليين، إمكانية تدخل إسرائيل السريع في الوقت المناسب.
وفي الوقت نفسه، سيدعم هذا التعاون حليفًا رئيسيًا، وهو إثيوبيا، من خلال تعزيز وصولها إلى بربرة وتقليل اعتمادها على جيبوتي، حيث النفوذ الصيني الكبير. ويشير التقرير إلأى أن هذا التعاون بين إسرائيل وصوماليالاند تدعمه دول أخرى، ويتضح هذا التعاون في تطوير منشأة عسكرية مشتركة في جزيرة سقطرى اليمنية. وتُعد هذه المنشأة، ذات الموقع الاستراتيجي عند مدخل خليج عدن، مركزاً حيوياً للاستخبارات والإمداد. وتتجلى هذه الشراكة من خلال وجود قاعدة إماراتية إسرائيلية مشتركة بها ضباط إسرائيليين على الأرض، ونشر أنظمة رادار إسرائيلية متطورة ومعدات عسكرية أخرى، ما يُعزز بشكل كبير القدرة على رصد وإحباط هجمات الحوثيين.
ويشير التقرير إلى وجود أنظمة دفاعية مشتركة بطائرات مسيرة إسرائيلية إثيوبية من طرازي أوربيتر وسكايلارك اللذين تستخدمهما قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، إلى جانب تدريب قوات خاصة، ويشير التقرير إلى الدعم الأمريكي المقدم لدعم هذه العلاقات، بحيث يكون للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ممر مائي رئيس على البحر الأحمر يخدم مصالحهما.
تداعيات الاعتراف بصوماليالاند على البعد الجيوسياسي
وهناك عدة سيناريوهات تمعل على تقسيم الصومال. السيناريو الأول المطروح منذ عام 2017م يقسمها إلى ثلاث دويلات: صوماليالاند، وبونتالاند، وجوبالاند. وهناك سيناريو آخر يفتتها إلى سبع دويلات: صوماليالاند، والأقاليم الشمالية، وبونتلاند، وجلمودج، وهيرشابيل، وكونفور جالبيد، وجوبالاند. وقد أعلنت جوبالاند في 7 ديسمبر 2025م، انتقالها من مجرد ولاية صومالية، إلى دولة مستقلة، وقد يكون الإعلان عنها كدولة مثل صوماليالاند مسألة وقت. وأكد تقرير معهد العلاقات الإسرائيلية الأفريقية- الصادر بتاريخ 20 إبريل 2025م- على أن إسرائيل تعمل على تعزيز علاقاتها على الساحة الأفريقية في مجالات التعاون الأمني والاستخباراتي والدبلوماسي، مع صوماليالاند، إلى جانب إثيوبيا وكينيا. وتأتي كينيا في مرتبة مهمة لتعميق هذه العلاقات، بوصفها دولة حدودية مع إثيوبيا والصومال قبل تفتيته.

السيناريو الأول: تقسيم أرض الصومال إلى ثلاث دويلات

السيناريو الثاني: تقسيم الصومال إلى ست دويلات
المخاطر:
– تأييد الأمم المتحدة لقرار الاعتراف بصوماليالاند دولة مستقلة ذات سيادة.
– إنشاء إسرائيل قاعدة عسكرية بحرية على البحر الأحمر.
– تحقيق سيناريو مخطط تفتيت الصومال إلى ثلاث دويلات.
– ضرب الممر البحري لقناة السويس بسبب إندلاع الحرب في القرن الأفريقي.
ختاما : لابد من اتخاذ الإجراءات التالية على المدى القريب والبعيد على النحو التالي:
- -إصدار بيانات رسمية من جامعة الدول العربية ومنظمة الأمم الأفريقية يرفض انضمام صوماليالاند؛ لأنه يشجع على الإنقسامات وتفتيت الدول.
- تعزيز العلاقات العسكرية والاقتصادة والتنموية مع الصومال، وجيبوتي، وإريتريا، وكينيا، وتنزانيا، ووتدعيم العلاقات بإنشاء قواعد عسكرية مصرية على البحر الأحمر في هذه الدول ماكان ذلك ممكنا.
- اللجوء إلى الضغط الدبلوماسي والإعلامي إقليميا وعالميا حول تدخل إسرائيل في الشأن الأفريقي، والاعتراف بدولة ليس لها الحق، في مقابل عدم الاعتراف بالدولة الفلسطينية وبحقوق الفلسطينيين في الأرض.
- تتبني مصر موقف الصومال إقليميا ودوليًّا سياسيًّا واقتصادياًّ.

