حسين محمود التلاوي
المستلخص:
تؤدي التحديات التنموية في القارة الإفريقية إلى تراجع قدرة دولها على التنمية الرقمية، وفي المقابل يساعد تطوير خدمات الإنترنت في وضع دول القارة على الطريق الصحيح لتنمية شاملة مستدامة. لخدمات تكنولوجيا المعلومات أهمية كبيرة في مخططات التنمية الشاملة؛ وبوجه خاص في الشق الاقتصادي، وتؤدي دورًا مهمًّا في تنفيذ خطط الإصلاح الاقتصادي بكل مساراتها. لكن على الرغم من هذه الأهمية البالغة، لا يزال قطاع الإنترنت يعاني في الكثير من مناطق القارة الإفريقية؛ بما يؤثر سلبًا على خطط التنمية في عدد من دوله.
تلقي هذه الورقة الضوء على واقع قطاع الإنترنت في إفريقيا، والعوامل التي أدت إلى تأخره في بعض بلدان القارة، والآثار المترتبة على ذلك في المجالات التنموية المختلفة. وقد اعتمدت الورقة على بيانات واردة في تقارير لعدة جهات؛ منها موقع مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري، والاتحاد الدولي للاتصالات، ومنظمة الأونكتاد.
واقع الإنترنت في إفريقيا
يشهد قطاع خدمات الإنترنت في إفريقيا نموًّا متسارعًا؛ وعلى وجه الخصوص الإنترنت المحمول، إلى جانب توسع قطاع الإنترنت عبر الأقمار الصناعية؛ وهو القطاع الذي تحتل فيه شركة ستارلينك الأمريكية الصدارة. في المقابل يعاني قطاع الإنترنت الثابت ضعفًا على المستويين الكمي والكيفي؛ حيث يواجه عددًا من التحديات التي تؤثر سلبًا في قدرته على الانتشار.
وتحتل دول شمال إفريقيا المراكز الأولى في سرعات الخدمة، ومعها جنوب إفريقيا؛ حيث تأتي مصر في المركز الأول في سرعة الإنترنت الثابت، تليها المغرب وجنوب إفريقيا. لكن العديد من دول جنوب الصحراء لا تزال تعاني من بطء شديد في سرعات التحميل.
وبوجه عام تبلغ نسبة المستفيدين من خدمات الإنترنت المحمول في إفريقيا 39% مع متوسط عالمي يبلغ 73%، لكن نسبة المستفيدين من الإنترنت الثابت لا تتجاوز 0.4% من سكان القارة؛ ما يوضح الفجوة الكبيرة بين الخدمتين؛ وهي فجوة ترجع إلى مجموعة من الأسباب الاقتصادية والاجتماعية. وتعني هذه الأرقام أن نحو ثلثي الأفارقة لا يتمتعون بالوصول إلى الإنترنت، لا عبر خدمات الإنترنت المحمول، ولا الثابت.
وفي أرقام دالة، نجد أن في دولة مثل بوروندي 88.9% من السكان غير متصلين بالإنترنت، وإفريقيا الوسطى بنسبة 88%، إلى جانب تشاد وجنوب السودان ومالاوي بنسبة 86.8%. وبالإضافة إلى ذلك، تشير البيانات أن دولًا أخرى مثل إثيوبيا، أوغندا وتنزانيا تعاني من ضعف البنية التحتية الرقمية، وصعوبة الوصول إلى خدمات الإنترنت.
ومن أفضل قطاعات خدمات الإنترنت أداءً في القارة قطاع التجارة الإلكترونية؛ حيث تشير الإحصاءات إلى أنه من المتوقع أن يشهد القطاع زيادة في حجمه تتجاوز 14 مليار دولار، خلال الفترة بين 2025م إلى 2030م مع توفير ملايين قرص العمل لأبناء القارة.
عوامل عرقلة قطاع الإنترنت
لا يزال قطاع خدمات الإنترنت في إفريقيا دون الواقع المأمول، ويبعد كثيرًا عن أرقام مناطق أخرى من العالم. ومن أهم هذه العوامل:
-تردي البنية التحتية: في العموم لا تتمتع القارة ببنية تحتية قوية في تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات؛ حيث تفتقر العديد من مناطق القارة إلى الألياف الضوئية. ونتيجة لذلك تعتمد الشركات في توفير الإنترنت على شبكات الأقمار الصناعية.
-الصراعات المسلحة: تعاني إفريقيا في مناطق عدة من الصراعات المسلحة سواءً الداخلية أو حتى الخارجية، وتقف هذه الصراعات حجر عثرة في طريق التنمية بوجه عام، والتنمية التكنولوجية بوجه خاص؛ فالاضطرابات وعدم الاستقرار تشكلان العدو الطبيعي للتنمية والاستثمار واستقدام رؤوس الأموال.
-ضعف خدمات الكهرباء: من أجل الحصول على الإنترنت يتعين وجود كهرباء؛ وهو أمر تفتقر إليه مناطق واسعة في القارة على الرغم من تمتع غالبية بلدانها بموارد طبيعية يمكن من خلالها توليد الطاقة؛ مثل الطاقة الشمسية، والسدود على الأنهار.
-ارتفاع مستويات الفقر: ترتفع نسب الفقر في إفريقيا، نظرًا لضعف خطط التنمية، وما تؤدي إليه من ضعف فرص العمل المنتظم، والاعتماد على فرص العمل الموسمية، وانخفاض الدخل في النظامين؛ المنتظم والموسمي. يؤدي انتشار الفقر إلى عدم قدرة المواطن على حيازة أدوات الاستفادة من الإنترنت، سواء الحصول على الأجهزة اللازمة للاتصال بالإنترنت، أو دفع تكلفة الخدمة.
-ارتفاع تكلفة الخدمة: في إفريقيا أعلى تكلفة خدمة إنترنت عالميًّا قياسًا بدخل الفرد؛ ما يجعل من العسير على كثير من أبناء القارة الحصول على الخدمة.
التداعيات على المستويات السياسية والتنموية
هناك أسباب أدت إلى ضعف خدمات الإنترنت في إفريقيا؛ وهو الواقع الذي ترتبت عليه مجموعة من التداعيات، يمكن إيجازها فيما يلي:
أولًا – الخسائر الاقتصادية المباشرة وتراجع النمو :يترتب على ضعف خدمات الإنترنت أو حتى غيابها حرمان الدول المتضررة من الانخراط في منظومة الاقتصاد الرقمي العالمي؛ ما يؤدي إلى تراجع ملموس في معدلات الإنتاجية وضياع فرص جذب الاستثمارات الأجنبية. كذلك يمتد هذا الأثر السلبي إلى تعطيل آليات “الشمول المالي”، حيث يحرم ملايين السكان في المناطق النائية من الوصول إلى الخدمات المصرفية الرقمية وحلول الدفع عبر الهاتف المحمول. يؤدي هذا إلى شلل حركة الأسواق المحلية ويعزلها عن النمو الاقتصادي الحديث.
ثانيًا – تراجع قطاع التعليم وتعميق الفجوة المعرفية :يؤدي الضعف الرقمي إلى عزل المنظومات التعليمية في الدول المتضررة عن مصادر المعرفة الحديثة؛ حيث يفقد الطلاب والباحثون القدرة على الوصول إلى المنصات التعليمية العالمية والمكتبات الرقمية. يكرس هذا الوضع نظم التعليم التقليدية التي لم تعد تواكب متطلبات العصر؛ ما ينتج عنه جيل يفتقر إلى المهارات التقنية الأساسية؛ الأمر الذي يقلل من فرص أبناء البلاد في سوق العمل ويزيد من معدلات البطالة، ويدفع الشركات إلى استقدام خبراء أجانب الأمر، مع ما يعنيه ذلك من رواتب مرتفعة، تؤدي إلى ارتفاع تكلفة الخدمات التي تقدمها الشركات إلى المستخدم النهائي.
ثالثًا – تدهور جودة الرعاية الصحية وإدارة الأزمات :ينعكس غياب شبكات الإنترنت القوية سلبًا على القطاع الصحي؛ لا سيما في قارة تعاني بالأساس من نقص الكوادر الطبية في الأرياف؛ إذ يجهض هذا الضعف فرص تفعيل أنظمة الطب عن بُعد التي يمكنها إنقاذ حياة مواطني المناطق النائية أو ضحايا المناطق المعزولة بفعل الكوارث الطبيعية. علاوة على ذلك، تفقد المؤسسات الصحية القدرة على إدارة السجلات الطبية بكفاءة، وتصعب عمليات تتبع الأوبئة والسيطرة على الأمراض المعدية في الوقت المناسب لغياب التدفق السريع للبيانات.
رابعًا – غياب كفاءة الحوكمة وإطالة أمد البيروقراطية :يحول ضعف البنية التحتية الرقمية دون تطبيق مفاهيم الحكومة الإلكترونية؛ ما يقيد المعاملات الحكومية بالنظام الورقي التقليدي الذي يتسم بالبطء الشديد، ويفتح الباب أمام قضايا الفساد الإداري. يؤدي هذا التعطيل المستمر للمصالح العامة والخاصة إلى ضعف ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، ويشكل عائقًا منفرًا للمستثمرين الذين يبحثون عن بيئات عمل مرنة وشفافة.
خامسًا – تعزيز سلطة الأنظمة الديكتاتورية :يتيح غياب الإنترنت للأنظمة السلطوية السيطرة الكاملة على تدفق المعلومات وتوجيه الرأي العام عبر وسائل الإعلام التقليدية المملوكة للدولة؛ ما يسهل تزييف الوعي السياسي وتمرير الروايات الرسمية دون وجود منصات بديلة للمساءلة أو النقد. يظهر ذلك بوضوح في إدارة الدولة الإثيوبية للصراعات المسلحة الداخلية؛ حيث يؤدي انقطاع الإنترنت إلى غياب كامل للحقيقة، وسيادة الرواية الرسمية التي تعارضها ما يتسرب من شهادات من مناطق النزاع. لذلك يؤدي “العزل الرقمي” الذي تمارسه إثيوبيا على مناطق النزاع إلى منع المواطنين من توثيق انتهاكات حقوق الإنسان، أو إيصال أصواتهم إلى المجتمع الدولي.
خاتمة
على الرغم من الصورة القاتمة التي ترسمها الأرقام والوقائع في القارة الإفريقية من حيث التنمية الرقمية، فقد بدأت بعض الدول الإفريقية بالفعل في رفع نسب الاتصال بالإنترنت بمستويات كبيرة. فعلى سبيل المثال، استفادت دول؛ مثل كينيا ورواندا ونيجيريا، من توسع الاتصالات الرقمية في قطاعات الخدمات المالية عبر الهاتف، والشركات الناشئة، والتعليم الرقمي، والخدمات الحكومية الإلكترونية.
أدى ذلك إلى تحقيق هذه الدول قفزات تنموية هائلة (leapfrogging)؛ لأنها تتخطى المراحل التقليدية للتنمية مباشرة إلى الحلول الرقمية، التي تساعد على تحقيق نتائج تنموية مستدامة. كذلك تشهد القارة توسعًا في استخدام تقنيات جديدة للاتصال بالإنترنت؛ مثل ستارلينك إلى جانب مبادرة بورصة الإنترنت الإقليمية لتعزيز البنية التحتية الرقمية.
الخلاصة أن التحديات التنموية في القارة الإفريقية تؤدي إلى تراجع قدرة دولها؛ وبوجه خاص في جنوب الصحراء، على تقديم خدمات إنترنت تعزز القدرة علي تنفيذ مخططات التنمية الشاملة؛ الأمر الذي يؤدي بدوره إلى تأخر دول القارة في مؤشرات التنمية المختلفة. لكن دولًا، في أقاليم مختلفة من القارة، بدأت تأخذ خطوات جدية وواسعة في التنمية الرقمية؛ بما يمثل إضافة قوية وعصرية لحزمة أدوات التنمية الشاملة.
أحدث المنشورات
- الإنترنت والتنمية الشاملة في إفريقيا: علاقة دائرية
- إعادة دمج إثيوبيا في الحسابات الأمريكية وتداعياته على استقرار المنطقة والدور المصري في إدارة التوازنات
- المعارضة التركية بين المطرقة والسندان
- الانتخابات الإسرائيلية المقبلة وإشكالية بقاء نتنياهو: بين الحرب والأزمة السياسية الداخلية
- الهجرة العقائدية والهندسة الديموجرافية: إسرائيل واستقدام يهود الأطراف
- الصَّدْعُ المجتمعي الاستراتيجي في إسرائيل وتداعياته المجهول الأكبر — قراءة في ضوء المشهد الإعلامي والرقمي
- المطالبة المسبقة برئاسة الحكومة: كيف تعيد الأحزاب الصغيرة في إسرائيل قواعد اللعبة؟
- تاكر كارلسون وكسر الإجماع حول إسرائيل
الإثنين, 1 يونيو
