إعداد: حسين محمود التلاوي
أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال دولة مستقلة؛ وهو القرار الأول من نوعه على مستوى العالم؛ حيث لم يسبق لأي عضو في الأمم المتحدة الاعتراف باستقلال الإقليم الانفصالي.
يكتسب هذا الاعلان أهمية بالغة على مستويات عدة؛ في مقدمتها الاستراتيجية المصرية في البحر الأحمر، وملف تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، بالإضافة إلى عدد من الملفات الأخرى داخل القرن الإفريقي.
الأصل التاريخي: استقلال أم انفصال؟!
في عام 1991 دخلت الصومال في حالة من الفوضى إثر انهيار نظام محمد سياد بري، وتداعت مؤسسات الدولة، وآلت الأمور إلى أمراء الحرب. في ظل هذه الفوضى، أعلن إقليم أرض الصومال أو صوماليلاند انفصاله عن الدولة الصومالية متخذًا من مدينة هرجيسا عاصمة له، استغلالًا لحالة الفوضى في الدولة، وانشغال المجتمع الدولي بترتيبات ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.
يستند دعاة الانفصال إلى أنه بينما كان الإقليم كان تحت الحماية البريطانية، باسم الصومال البريطاني، كانت بقية أراضي الصومال الأخرى تحت الإدارة الإيطالية باسم الصومال الإيطالي. وفي 25 يونيو 1960 نال الصومال البريطاني استقلاله، وبعدها بأيام نال الصومال الإيطالي استقلاله، قبل أن يتحد الطرفان في جمهورية الصومال في 1 يوليو من العام نفسه.
لكن دعاة الانفصال يتجاوزون بذلك حقيقة تاريخية؛ وهي أن الاتحاد لم يكن بين دولتين، بل كان بين شقين من كيان واحد، ومثَّل خطوة نحو إعادة الصومال الكبير الذي تفتت على يد بريطانيا، ومن بعدها إيطاليا؛ حيث أهدت بريطانيا لإثيوبيا جزءًا من الصومال، وضمت بعض المناطق إلى شمال كينيا.
لذلك فإن المحاولات الانفصالية، إذا ارتضت بالوقائع التاريخية حكمًا، فسوف تبقى محاولات انفصالية، وليست “استعادة استقلال”، كما تروج بعض الوسائل الإعلامية المؤيدة للانفصال.
هدف نتنياهو: مزيد من التفكك والتقسيم، وأشياء أخرى
أعلن الإقليم استقلاله عن الدولة الصومالية من جانب واحد عام 1991، فلماذا يأتي الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم بعد 34 عامًا؟! لا يمكن فصل اعتراف نتنياهو بالإقليم بعد هذه المدة من إعلان الاستقلال عن التطورات الجارية في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، وبطبيعة الحال لا يمكن فصله عن الاستراتيجية الإسرائيلية إزاء مصر.
يهدف نتنياهو من اعترافه بالإقليم إلى تحقيق عدد من الأهداف الداخلية والخارجية؛ منها المتعلق بالقضية الفلسطينية، وعلى وجه التحديد قطاع غزة، ومنها المتعلق بإقليم الشرق الأوسط. ويمكن إجمال هذه الأهداف فيما يلي:
1. توسيع نطاق اتفاقات السلام مع الدول العربية. لم يخف إقليم أرض الصومال استعداده لإقامة علاقات مع إسرائيل، والانضمام إلى اتفاقات السلام المعروفة باسم “الاتفاقات الإبراهيمية”. يستند نتنياهو إلى هذه الاتفاقات في تعزيز موقعه الداخلي المأزوم إلى جانب زيادة علاقات إسرائيل مع الدول العربية. وفي حالة أرض الصومال، يكتسب الاعتراف بعدًا شعبيًّا يساعد إسرائيل في “التطبيع الشعبي” مع شعب من الشعوب العربية.
2. تسهيل إعلان مظاهر لتهجير الفلسطينيين من غزة. تواترت أنباء عن قبول إقليم أرض الصومال استضافة سكان قطاع غزة في إطار عملية التهجير التي تسعى إسرائيل لتنفيذها، لكنها اصطدمت بالرفض المصري. تجد إسرائيل في أرض الصومال مكانًا يمكنه أن يستقبل عدة رحلات على متنها فلسطينيون راحلون من قطاع غزة، قد يكونون من المتعاملين مع سلطات الاحتلال، ويرغبون في الرحيل خشية تعرضهم للقتل. تسعى إسرائيل إلى استخدام مثل هذه الرحلات للترويج لفكرة أن التهجير طوعي وليس قسريًّا؛ وهي الفكرة التي يروج لها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب كذلك.
3. التمركز عند مضيق باب المندب. يسعى الإسرائيليون إلى التمركز عند مضيق باب المندب لتكوين قاعدة أمنية وعسكرية تتيح لهم المشاركة في السيطرة على هذا الممر الحيوي، إلى جانب الوجود بجوار اليمن التي أطلق منها الحوثيون الصواريخ والمسيرات على إسرائيل طوال فترة العدوان الإسرائيلي على غزة.
4. الاقتراب من إثيوبيا ودعم الحليف الإثيوبي. بالوجود في أرض الصومال، تقترب إسرائيل أكثر من الحليف الإثيوبي؛ الأمر الذي يساعدها في الحصول على الموارد البشرية المطلوبة لتمويل آلة الحرب وبعض الوظائف الأخرى في قطاعات انهارت تقريبًا بسبب اعتماد جيش الاحتلال على العاملين فيها خلال العدوان على قطاع غزة. ظهر دور اليهود الإثيوبيين جليًّا في الحرب في مختلف خطوط القتال.
بالإضافة إلى ذلك، تسعى إسرائيل إلى دعم جهود الحليف الإثيوبي في الوصول إلى السواحل بالنظر إلى أن إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية. يمثل ذلك دعمًا كبيرًا لإثيوبيا في مواجهة الاستراتيجية المصرية الفعالة في البحر الأحمر بقصره على الدول المشاطئة فيه؛ وهو الأمر الذي سوف نتناوله منفردًا.
5. دعم الحركات الانفصالية في العالم العربي. لا يمكن فصل الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال عن السياسية الإسرائيلية في المنطقة الرامية إلى تقسيمها والقضاء على القوى الكبرى فيها. يترافق إعلان نتنياهو الاعتراف باستقلال أرض الصومال مع تنامي النزعة الانفصالية في جنوب اليمن، والسعي إلى الانفصال بالجنوب وسط أحاديث عن إمكانية وجود علاقات بين الإقليم الانفصالي وإسرائيل على المستويات كافة؛ بما يشمل الجانب العسكري. الأمر كذلك يتكرر في سوريا مع مناطق الدروز.
كذلك يترافق ذلك مع حدث قد يبدو هامشيًّا في سياقه المنفصل، لكنه يدخل في جوهر المسألة؛ وهو إعلان فرحات مهني رئيس حركة تقرير مصير القبائل، المعروفة في اختصارها الفرنسي باسم الماك، إعلان “استقلال” إقليم القبائل الجزائري، في خطوة رمزية من جانب واحد. وعلى الرغم من أن هذا الحدث لا يحظى بأية إمكانية للتطبيق على أرض الواقع، في المستقبل المنظور على الأقل، فإن مهني لا يخفي العلاقات القوية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، كما أنه سارع إلى تهنئة “الرئاسة” في إقليم أرض الصومال، مع وضع منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، أشارها أحدها إلى أن أن “الماك” تقدم التهنئة من مدينة نتانيا في إسرائيل.
الاستراتيحية المصرية في البحر الأحمر
في سياق محاولة مصر الحفاظ على أمنها القومي، وضعت مصر استراتيجية للتعامل مع أمن البحر الأحمر، وترتكز تلك الاستراتيجية على أن أمن البحر الأحمر مسئولية الدول المشاطئة فيه، بحيث لا يتدخل أي طرف غير مشاطئ في أمنه.
أدت هذه الاستراتيجية إلى شعور إثيوبيا بالخطر بالنظر إلى طموحها في أن تصل إلى البحر الأحمر بأية وسيلة؛ وهو ما وصل إلى التهديد بالاعتداء على إريتريا للاستيلاء على ميناء مصوع. تبلور الألم الإثيوبي من الاستراتيجية المصرية في تصريحات نارية ضد مصر ارتباطًا بملف سد النهضة.
جاء التدخل الإسرائيلي في المسألة في سياق المحاولات الإسرائيلية حصار مصر من الجنوب. بدأت هذه الاستراتيجية بسد النهضة، وعندما أظهرت مصر تشددًا في المفاوضات، وبدأت بالتوازي في بناء استحكاماتها المائية، أراد الإسرائيليون والإثيوبيون اختبار مدى استعداد هذه الاستعدادات المصرية، ففتحت إثيوبيا بوابات سد النهضة بصورة محسوبة، لكن ذلك أظهر أن المصريين “يعرفون ما يفعلون، وكيف يفعلونه”؛ لأن المنشآت المائية المصرية استوعبت مياه الفيضان، بل إنها ساهمت في تعزيز مخزونات مصر المائية؛ بما يمهد لإطلاق مشروعات زراعية جديدة.
عاد الإسرائيليون لاختبار القدرات المصرية، عندما استولى الدعم السريع على الجانب السوداني من المثلث الحدودي المصري، لكن القوات المسلحة المصرية، وفق بياناتها، أعلنت تنفيذها عددًا من العمليات داخل الأراضي المصرية لضمان أمن الحدود.
إسرائيل في القرن الإفريقي: اختبار جديد للاستعدادات المصرية
إذن، نشطت مصر علاقاتها الدبلوماسية مع دول القارة الإفريقية، وحققت تقدمًا ملموسًا في دبلوماسية سد النهضة، كما نجحت في احتواء الفيضان، وإيقاف “سلاح الدمار المائي” عند حده. كذلك استطاعت ضبط الوضع في السودان، ومنعه من الانهيار مع الاستمرار في دعم الجيش السوداني، وبدأت استراتيجية أمن البحر الأحمر، التي شهدت استجابة من السودان بتعليق الحوار مع روسيا حول إنشاء قاعدة روسية في ميناء بورتسودان على البحر الأحمر، في تأكيد سوداني على أهمية استراتيجية الأمن في البحر الأحمر وحصره في يد دوله، وعدم السماح بما يربك هذه الاستراتيجية.
لذلك يأتي هذا التحرك الإسرائيلي الجديد بالاعتراف باستقلال أرض الصومال محاولة جديدة اختبارًا جديدًا للقدرات المصرية في التعامل مع مهددات الأمن القومي القادمة من الجنوب. في مواجهة هذا الاختبار، تتعدد الأدوات المصرية؛ ومن بينها:
1. المسار الدبلوماسي. تسعى الدبلوماسية المصرية إلى حشد الرفض العربي، ومنع تمدد الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال إلى دول أخرى؛ بالنظر إلى أن مثل هذا الاعتراف قد يفاقم التوترات الأمنية والعسكرية في تلك المنطقة المأزومة بالفعل.
2. المسار الأمني والعسكري. دخلت مصر في العديد من الاتفاقات الأمنية والعسكرية مع الدول المختلفة في القرن الإفريقي وشرق إفريقيا، وأرسلت قوات مصرية إلى الصومال ضمن قوات حفظ السلام هناك؛ وهي الخطوة التي رآها الإثيوبيون توغلًا مصريًّا مفاجئًا في المنطقة، وفق ما ورد في العديد من تقارير مراكز الأبحاث الإثيوبية.
وفي العموم تتسم الاستراتيجية المصرية بالثبات وعدم التسرع أو الانفعال، وتبنيها “الصبر الاستراتيجي”؛ فلا تصريحات نارية، ولا تهديدات، ولكن تحركات على الأرض؛ وهو الأسلوب المناسب للتعامل مع الملفات الحساسة في القرن الإفريقي، والأوضاع المتقلبة في القارة الإفريقية عمومًا.
إذن، جاء الاعتراف الإسرائيلي باستقلال إقليم أرض الصومال في توقيت بالغ الدقة والحساسية للأطراف كافة، ويعبر عن أن المواجهة مع إسرائيل ليست في الشرق الأوسط فحسب، بل تصل إلى القارة الإفريقية، وأن المواجهة في القارة ممتدة، ولا تقتصر على فقط على السودان أو إثيوبيا، وإنما تشمل القرن الإفريقي، بل تمتد كذلك إلى باقي القارة السمراء التي تشهد حاليًّا إقامة كأس الأمم الإفريقية لكرة القدم التي انطلقت فكرتها من مصر لتعزيز قوى التحرر في القارة؛ بما يشهد على مكانة مصر كقاطرة للتحرر في القارة من الاستعمار القديم؛ وهي المكانة التي تعمل مصر على تطويرها لتصبح قاطرة تحررها من قوى الاستعمار الجديد التي تمثل إسرائيل مخلب قط لها في القارة.

