سعد عبد العزيز محمد
تواجه الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو أزمة مركبة ناتجة عن التزامن بين التصويت على موازنة 2026 واستمرار الخلاف حول قانون تجنيد الحريديم الذي يمثل أكثر القضايا السياسية تعقيدا منذ تأسيس الدولة العبرية. ولا تقتصر الأزمة على ملف تشريعي محدد، بل تعكس ضعفًا بنيويًا في ائتلاف حاكم يقوم على توازنات هشة بين يمين قومي – ديني متشدد، وأحزاب حريدية ترى في الإعفاء من الخدمة العسكرية ركيزة وجودية لهويتها السياسية، فيما يحاول نتنياهو لعب دور الوسيط بين أطراف يصعب التوفيق بينه..
mostbetاقتراب موعد الانتخابات!
لم يكن تصريح رئيس حزب «ديجل هتوراه» موشيه جافني، مؤخرا – والذي ربط فيه دعم حزبه للموازنة بإقرار قانون التجنيد – مجرد ورقة ضغط ائتلافية عابرة لإسقاط حكومة نتنياهو، بل رسالة سياسية واضحة مفادها أن إسرائيل تتجه بخطى متسارعة نحو انتخابات جديدة، يُرجّح أن تُجرى في يونيو المقبل.
عدم القدرة على تحقيق الحسم
يعيش المشهد السياسي الإسرائيلي حالة من الجمود، في ظل انقسام حاد بين معسكرين مغلقين، وغياب شبه تام لأي حركة انتقال بينهما. إذ يتسم الخطاب السياسي في الجانبين بالتشدد والانغلاق ورفض الشراكة، بحيث أن أي تحرك سياسي يبقى محصورًا داخل حدود كل معسكر، من دون قدرة حقيقية على اختراق الطرف الآخر.
وينعكس ذلك الجمود بوضوح في استطلاعات الرأي التي تعيد إفراز نفس النتائج مرة تلو الأخرى، وتثبت عدم القدرة على تحقيق الحسم أو تحقيق أغلبية بديلة. وفي ظل هذا الواقع، يواصل بنيامين نتنياهو البقاء في موقعه، فعليًا إلى أجل غير مسمى، حتى لو أُجريت انتخابات جديدة، طالما لم تتشكل كتلة قادرة على إزاحته.
استبعاد التحول السياسي!
باتت الكتل السياسية الإسرائيلية مغلقة بإحكام، فلا أحد من اليمين سينضم إلى معسكر يضم يائير جولان ومنصور عباس، ولا أحد من الوسط – اليسار سيمنح نتنياهو أو سموتريتش شبكة أمان. الاستثناء المؤقت هو نفتالي بينيت، الذي ينجح حاليًا في جذب طيف واسع من الأصوات، لكنه على الأرجح سيفقد هذا الزخم مع اقتراب موعد الانتخابات وعودة الناخبين إلى انتماءاتهم التقليدية، خصوصًا في ظل ذاكرة تحالفه السابق مع اليسار.
في هذا السياق، ترددت أنباء عن تفكير نتنياهو في دعم إقامة حزب يميني معتدل، على غرار «المفدال» سابقًا، يتموضع بين المعسكرين ويمنع ضياع أصوات اليمين، في حال فشل سموتريتش في تجاوز نسبة الحسم. غير أن استطلاعات أولية تشير إلى أن مثل هذا الحزب لن ينجح في اجتياز العتبة الانتخابية، وهو ما يفسر نفي المقربين من نتنياهو لأي نية لتأسيس حزب جديد.
في المقابل، يحصل بينيت على دعم من ناخبين قادمين من «يش عتيد» و«كحول–لافان» ومن ناخبين جدد، إلا أن فرص تحوله إلى بديل حقيقي تبقى مرهونة بدعم الأحزاب العربية، وهو خيار قد يكون مرفوضًا. أما أفيجدور ليبرمان، فيغلق الباب أمام أي حكومة تضم الحريديم أو الأحزاب العربية، بينما لا يكفي استعداد جادي آيزنكوت ويائير جولان للاعتماد على الأحزاب العربية لإحداث انقلاب سياسي.
صراعات داخلية حادة!
مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، تتجه الأحزاب إلى تشديد هويتها الأيديولوجية، ما يولّد صراعات داخلية حادة. في معسكر الوسط – اليسار، أثار ضم يائير غولان رموز الاحتجاج موجة اعتراض داخل حزب العمل، الذي يرى بعض قادته أنه يفقد ملامحه التاريخية ويتحول إلى نسخة موسّعة من حزب «ميرتس». وفي اليمين، يعاني الليكود من مشاكل في عدة ملفات مركزية، مثل العلاقة مع المؤسسة القضائية وأزمة تجنيد الحريديم، فيما يتصرف بن غفير وسموتريتش بلا قيود، ويعجز نتنياهو عن كبحهما، بل لا يكبحهما حتى يتفادي تفكك المعسكر. حتى داخل الأحزاب الحريدية، تظهر تصدعات، إذ تفشل التيارات الأكثر تشددًا في فرض رؤيتها على التيار المركزي في المجتمع الحريدي، رغم تصعيد خطاب التهديد.
الحريديم وورقة الضغط!
تدرك الأحزاب الحريدية، وعلى رأسها «شاس» و«ديجل هتوراه»، أن الموازنة تمثل ورقة الضغط الأقوى بيدها. فالحكومة لا تستطيع تجاوز هذا الاستحقاق من دون المخاطرة بأزمة دستورية أو الانجرار إلى انتخابات مبكرة. وفي ظل تصاعد الجدل المجتمعي حول «تقاسم العبء» بعد الحرب، وتنامي الحساسية الشعبية تجاه الإعفاءات العسكرية، اختارت هذه الأحزاب رفع سقف المواجهة وتحويل الأزمة إلى لحظة حسم تاريخية.
وخلافًا لجولات سابقة، لا تبدو تهديدات الحريديم هذه المرة تكتيكية فقط. فإقرار الموازنة دون إنجاز قانون تجنيد مُرضٍ سيُضعف قدرتهم التفاوضية مستقبلًا، ويُظهرهم كطرف تراجع تحت الضغط. لذلك، يسعون إلى تثبيت مكاسبهم الآن، حتى لو كان الثمن زعزعة استقرار الحكومة.
نتنياهو في مأزق!
يجد رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه أمام مأزق استراتيجي مركّب:
فإرضاء الحريديم يعني تقديم تنازلات يصعب على اليمين القومي والديني تسويقها لجمهوره، فيما تحدّيهم قد يؤدي إلى إسقاط خطة الموازنة لعام 2026، والدخول في مسار انتخابات مبكرة، في توقيت سياسي وأمني بالغ الحساسية.
وحتى الآن، يفضّل نتنياهو سياسة «شراء الوقت» بدل الحسم، مستخدمًا ممارسات إدارية وسياسية لتأجيل الانفجار، لا لمعالجة جذوره. غير أن هذه المقاربة باتت أقل فاعلية، مع تضاؤل هامش المناورة وتزايد ثقة الشركاء الصغار بقدرتهم على ابتزازه.
السيناريوهات المحتملة أمام حكومة نتنياهو:
1- تمرير الموازنة مقابل صيغة ضبابية لقانون التجنيد ووعود سياسية غير ملزمة، وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القصير، لكنه لا يعالج جوهر الأزمة.
2- فشل تمرير الموازنة: ما يعني الدخول في أزمة حكم قد تقود إلى حل الكنيست أو انتخابات مبكرة.
3- تفكك تدريجي بلا انفجار فوري: ما يعني بقاء الحكومة شكليًا مع شلل تشريعي متزايد، وتصاعد الابتزاز السياسي، وتآكل قدرة نتنياهو على اتخاذ قرارات استراتيجية.
يتبين مما سبق أن: أزمة الموازنة وقانون التجنيد تكشف حدود قدرة بنيامين نتنياهو على إدارة التناقضات البنيوية داخل ائتلافه. فالحكومة لم تعد تواجه معارضة قوية بقدر ما تواجه تصدّعًا من الداخل، حيث بات كل شريك يعمل وفق أجندته الخاصة، مدركًا ضعف المركز. وفي ظل بيئة إقليمية وأمنية معقدة، يبدو أن بقاء الحكومة بات مرهونًا بتأجيل الأزمات لا حلها. وعليه، فإن تفكك الائتلاف لم يعد احتمالًا نظريًا، بل خطرًا مُحققا، حتى لو جرى تأجيله بتسويات مؤقتة.

