حسين محمود التلاوي
تشهد إفريقيا حاليًّا تحركات سياسية ودبلوماسية واسعة النطاق تتجاوز الأقاليم المختلفة، بل حدود القارة نفسها؛ فتترابط قضايا القارة وأزماتها بعضها ببعض، وبالملفات الدولية الكبرى. وتنطلق تلك التحركات في غالبيتها من استراتيجية واحدة؛ وهي التنمية لتحقيق المصالح وحمايتها.
لكن وسط كل هذا النشاط السياسي والدبلوماسي، يبرز سؤال: هل يكون هذا الحراك المرتكز على محور التنمية عنصرًا فاعلًا في تنمية القارة؟، أم تؤدي الخلافات الداخلية في القارة وتضارب مصالح القوى الدولية الناشطة فيها إلى عرقلة هذا الجهد التنموي، وتحويله إلى أداة هيمنة من هذا الطرف أو ذاك؟
تحاول هذه الورقة الإجابة عن هذا السؤال من خلال دراسة تلك التحركات في القرن الإفريقي، بوصفه نموذجًا، وامتداداتها الداخلية والخارجية، ودوافعها، وما يمكن أن تسفر عنه على المستويات كافة؛ الوطنية والقارية والدولية.
مفهوم التنمية
في البداية يتعين توضيح مفهوم التنمية المقصود في هذه الورقة، من أجل ضمان وضوح المفاهيم. تُستخدم التنمية في هذه الورقة بمعناها الشامل الذي يجمع بين البعد الاقتصادي والبعد الجيوسياسي؛ إذ لا تقتصر على إنشاء المشروعات الإنتاجية، بل تمتد إلى البنية التحتية، ومشروعات الطاقة، وشبكات النقل والتجارة، بوصفها أدوات لإعادة تشكيل أنماط العلاقات والتوازنات الإقليمية، وعنصرًا فاعلًا في صيغة العلاقات مع القوى الدولية خارج القارة، وليس فقط أدوات لتحسين المؤشرات الاقتصادية.
القرن الإفريقي والبحر الأحمر
تُعدّ منطقة القرن الإفريقي واحدة من أكثر مناطق القارة تأزمًا في الفترة الحالية؛ حيث تعاني من مختلف الأزمات بين حركات تمرد داخلي، وحركات انفصالية، وصراعات حدودية، وخلافات حول ملفات المياه والموارد المختلفة. لكن في المقابل تشهد المنطقة نفسها تحركات سياسية كبيرة، ظاهرها التعاون في مجالات التنمية المختلفة، لكن محركها الأساس محاولة تحقيق مصالح استراتيجية أو تثبيت مصالح قائمة بالفعل، من خلال السعي إلى إيجاد حلول لأزمات المنطقة وتسويات ترضي الأطراف كافة، أو على الأقل تحفظ مصالح أطراف الاتفاقات.
كانت مصر وإثيوبيا من أصحاب النصيب الأكبر في هذه التحركات؛ حيث وقعت مصر العديد من الاتفاقيات التنموية والدفاعية مع دول في المنطقة؛ من بينها الصومال؛ وهي الاتفاقيات التي تهدف إلى حفظ المصالح المصرية في العديد من الملفات؛ مثل مياه النيل، وأمن البحر الأحمر. كما شهدت إثيوبيا مؤخرًا نشاطًا واسع النطاق تجاوز حدود القارة؛ فانعقدت قمة ثلاثية مع جيبوتي والصومال في إثيوبيا لبحث ملف تصدير الطاقة من خلال محطات توليد الطاقة الواقعة قرب حدود إثيوبيا مع الدولتين.
امتدادات دولية وتشابكات إقليمية
زار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أديس أبابا في سياق الاستراتيجية الإفريقية لتركيا الرامية إلى التبادل التجاري مع دول القارة، وتعزيز النفوذ التركي خارج المجال الحيوي للدولة.
ولم تكن الإمارات بعيدة عن إثيوبيا بتوقيع اتفاق تعاون اقتصادي ثنائي يعزز تواجد الإمارات في هذه المنطقة ذات الأهمية الاقتصادية والأمنية، ويزيد من فرص توغل الإمارات داخل القارة عبر البوابة الإثيوبية. وبطبيعة الحال لم يتردد الإثيوبيون في توقيع الاتفاقات التي تزيد من فرصهم في الوصول إلى منفذ بحري عبر إقليم أرض الصومال الانفصالي الذي يرتبط بعلاقات اقتصادية وطيدة مع الإمارات من خلال ملف الموانئ في المقام الأول.
وفي مؤشر على ارتباط مختلف أزمات القارة بعضها ببعض، شهدت إثيوبيا نشاطًا متعدد المسارات مع الشمال الإفريقي، محركه الأساسي رغبة الجزائر والمغرب في كسب تأييد إثيوبيا في ملف الصحراء الغربية؛ حيث تعتبر إثيوبيا من الدول الرئيسة في القارة، كما تحتضن مقر الاتحاد، كما أنها من الدول الداعمة لموقف الجزائر في ملف الصحراء. لذلك تسعى المغرب إلى تحويل الموقف الإثيوبي؛ وهو ما تسعى الجزائر إلى منعه استغلالًا لعلاقاتها التاريخية مع إثيوبيا. لكن التعاون المغربي مع إثيوبيا أخذ منعطفًا آخر أوسع من ملف الصحراء الغربية، تمثل في التعاون العسكري معها؛ وهو ما يقود إلى ملف المساعي الإسرائيلية لتوطيد الوجود في القرن الإفريقي والقارة ككل.
الوجود الإسرائيلي في إفريقيا
تسعى اسرائيل الى تعزيز وجودها في القارة الإفريقية؛ خاصة بعد تفعيل مصر علاقاتها مع دول القارة في مختلف أقاليمها، وظهور مؤشرات ملموسة على نجاح الاستراتيجية المصرية في القرن الإفريقي والقارة عمومًا.
ترتبط إسرائيل مع إثيوبيا بعلاقات وثيقة؛ من مظاهرها وجود نسبة كبيرة من اليهود أصحاب الأصول الإثيوبية داخل إسرائيل، إلى جانب التعاون الأمني والعسكري والدعم الدبلوماسي لدى الجهات المانحة لإثيوبيا. وفي السياق نفسه، جاءت تصريحات بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل مؤخرًا، التي اعترف فيها بإقليم أرض الصومال الانفصالي دولة مستقلة كأول عضو في الأمم المتحدة يقدم على هذه الخطوة التي لاقت ترحيبًا من إثيوبيا؛ لأنها تعزز فرصها في النفاذ إلى المياه عبر موانئ إقليم أرض الصومال.
يأتي التعاون المغربي الإثيوبي في المجالات العسكرية ليزيد من نفاذ إسرائيل داخل المنطقة عبر مساعي المغرب إلى تفعيل بند الصادرات العسكرية في تبادلاتها مع دول القارة، وتتربع الأسلحة المطورة باستخدام التكنولوجيا الإسرائيلية التي اكتسبتها المغرب من خلال التعاون الثنائي على رأس هرم تلك الصادرات. لذلك يتعزز تواجد إسرائيل داخل المنطقة والقارة عبر الوسيط المغربي من خلال التعاون العسكري بين المغرب وإثيوبيا.
الأزمة السودانية.. تداعيات دولية وإقليمية
وليس بعيد عن القرن الإفريقي، وفي قلب ملف البحر الأحمر، تأتي الأزمة السودانية بكل امتداداتها الإقليمية والدولية؛ حيث تشهد في الفترة الحالية حراكًا كبيرًا يتجاوز حدود الدولة ودول الجوار ليصل إلى الأقاليم المجاورة.
قبل أيام وصل محمد حمدان دقلو (حميدتي) قائد قوات الدعم السريع المتمردة في السودان إلى أوغندا؛ فالتقى بالرئيس الأوغندي يويري موسيفيني، وبحث معه الأزمة السودانية، وأطلق عدة تصريحات جعلت الزيارة تبدو متنفسًا دوليًّا لقائد الدعم السريع أتاح له منصة أمام المجتمع الدولي يعبر فيها عن رؤاه للأزمة ومسبباتها. وكان مالك عقار نائب رئيس مجلس السيادة السوداني الممثل الرسمي للدولة السودانية قد زار الدولة نفسها قبل زيارة حميدتي. من المعلوم أن أوغندا دولة محورية في إقليم شرق افريقيا ومنطقة البحيرات، ويؤشر بدء توافد أطراف الأزمة السودانية عليها إلى محاولة من تلك الأطراف إيجاد حلول “إفريقية” للخروج من شبهة العمل وفق أجندات دولية متصارعة على الأرض السودانية.
ولم تكن منطقة البحيرات بعيدة عن أزمات القرن الإفريقي؛ حيث يرتبط الإقليمان بنهر النيل. ففي سياق الاستراتيجية المصرية إزاء القارة، أنشأت مصر سد جوليوس نيريري في تنزانيا، في مشروع تنموي هائل، لا تقتصر فوائده على الدولة التنزانية بل تمتد إلى دول الجوار؛ وهو ما أشارت مصر من خلاله إلى إمكانية التعاون في بناء السدود على مجاري المياه بما يحقق المصالح المتبادلة بعيدًا عن الاجراءات الأحادية؛ مثلما الحال في ملف سد النهضة حيث ترفض إثيوبيا توقيع اتفاق ملزم لتنظيم تشغيل السد وإدارته بما يحافظ على الحصص المائية لمصر والسودان.
السودان وإقليم الساحل.. بوابات ليبيا وتشاد
وبالعودة إلى الأزمة السودانية نجد أن لها امتدادات مع الأزمة الليبية وكذلك الصراع مع الإرهاب في دول الساحل والصحراء. تعاني السودان من تدفق المقاتلين والأسلحة من دول الساحل والصحراء إلى السودان عبر ممرات شبكات التهريب المنظمة النشطة في المنطقة استغلالًا للفوضى الأمنية فيها بسبب انشغال حكوماتها بالحرب على الإرهاب المتفشي؛ وبوجه خاص في النيجر وبوركينا فاسو ومالي. تستغل شبكات التهريب المنظمة هذا الاضطراب في تهريب المقاتلين والأسلحة والمواد الغذائية إلى قوات الدعم السريع في السودان عبر بوابة تشاد وجنوب ليبيا.
لذلك سعت مصر الى تعزيز علاقاتها الأمنية والاقتصادية مع دول الساحل والصحراء، بالإضافة إلى الشروع في بناء طريق دولي يمتد إلى تشاد عبر ليبيا بهدف تعزيز التبادل التجاري بين مصر والبلدين، وإيجاد منفذ بري بين موانئ البحر المتوسط المصرية والليبية ودول الساحل والصحراء وجنوب الصحراء. وإثر ذلك سعى الجيش الوطني الليبي إلى تشديد قبضته على الحدود بين ليبيا وتشاد لوقف عمليات التهريب، من خلال التعاون العسكري بين البلدين الذي تجلى في الاجتماع العسكري عالي المستوى بين قيادات الأركان الليبية والتشادية. كما يساعد هذا المشروع في إيجاد فرص عمل تستقطب الشباب التشادي بعيدًا عن إغراءات عصابات التهريب وتجنيد المرتزقة لإطالة أمد المعارك في السودان والساحل، وغيرهما من مناطق النزاع في القارة.
عراقيل وتحديات
إلى جانب ذلك هناك زيارة رئيس النيجر الانتقالي الجنرال محمد تياني إلى الجزائر لبحث أنبوب النفط النيجيري المار عبر أراضي النيجر إلى الجزائر للتصدير إلى أوروبا؛ وهو المشروع الذي يدخل في إطار التنافس الإقليمي بين الجزائر والمغرب في مختلف المجالات؛ ومنها تصدير الطاقة إلى أوروبا. يربط هذا المشروع بين التحديات الأمنية في إقليم الساحل والصحراء وجنوب الصحراء مع أزمات الشمال الإفريقي بين الجارتين الجزائر والمغرب.
ويمكن السير طويلًا على هذا المنوال في سرد التقاطعات الدولية والإقليمية في ملفات الأمن والتنمية بين أقاليم القارة بعضها مع بعض ومع القوى الدولية؛ بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية للقارة؛ وبوجه خاص إقليم القرن الإفريقي الذي يطل على أحد أهم المسارات التجارية البحرية في العالم؛ وخصوصًا في مجالات الطاقة. لكن هناك العديد من التحديات والعراقيل التي قد تحول دون تحول هذه المشروعات والتحركات إلى قوة دافعة للتنمية الشاملة في القارة.
تضارب المصالح
يحتل تضارب المصالح موقع الصدارة بين تلك التحديات. ومن أمثلة ذلك مساعي إثيوبيا إلى الحصول على منفذ بحري؛ حيث تصطدم مساعيها في التفاهم مع إقليم أرض الصومال الانفصالي مع السيادة الصومالية؛ لأن الصومال تنظر، بطبيعة الحال، إلى أي علاقات مع الإقليم أو حتى تفاهمات على أنها تعد على سيادتها؛ وهو ما يؤيدها فيه القانون الدولي.
وأيضًا يصطدم هذا المسعى الإثيوبي بالوصول إلى شواطئ البحر الأحمر عبر ميناء عصب الإريتري بالخلافات الإريترية الإثيوبية، وعدم رغبة إريتريا في استغلال إثيوبيا للميناء. كذلك يتعارض المسعى الإثيوبي مع التفاهمات الأمنية بين الدول المتشاطئة بأن أمن البحر الأحمر والسيادة عليه حق حصري للدول المشاطئة.
يحق للإثيوبيين السعي نحو التنمية، لكن ذلك يتعين أن يكون من خلال التفاهمات؛ كأن تسعى إلى الحصول على حق الاستفادة من ميناء مصوع الإريتري تجاريًّا فقط دون استخدام أدوات ترهيب مثل التصريحات الرسمية الأخيرة بشأن حتمية وصول إثيوبيا إلى الميناء سلمًا أو حربًا.
التحديات الأمنية
من أبرز العوائق أمام التنمية في القارة الإفريقية التحدي الأمني. على مستوى داخل القرن الإفريقي تسعى إثيوبيا إلى تثبيت صورتها كمحور تنموي في الإقليم، والقارة تعاني من تحديات أمنية تجعلها غير قادرة على ضمان سلامة المشروعات ومنفذيها. ومن الأدلة على ذلك أن الداخل الإثيوبي يموج بالحركات المسلحة في عدة أقاليم؛ مما يمثل تهديدًا حقيقيًّا لأي تعهدات تنموية. والمثال على ذلك إقليمُ أوجادين، الواقع بين أرض الصومال وإثيوبيا، الذي يسعى إلى الحصول على الحكم الذاتي لضمان توزيع عادل لثروات الإقليم من الطاقة، على وجه الخصوص. وعلى الجانب الآخر من القارة، تبرز الجماعات الإرهابية بوصفها تهديدًا حقيقيًّا بل وجوديًّا لمشروع خط أنابيب النفط بين نيجيريا والنيجر والجزائر.
المظلة الإفريقية
يبقى السؤال: هل يمكن حل تلك الخلافات الجيوسياسية والقضاء على التحديات الأمنية؟؛ بما يحقق الهدف من التحركات الدبلوماسية بتعزيز التنمية في القارة والحفاظ على المصالح؟
على الرغم من صعوبة ذلك بالنظر إلى تعقد الخلافات وتنوعها، يمكن القول إن بناء مظلة إفريقية تقدم الدعم السياسي للعمليات التنموية، وتحول الحراك السياسي إلى طاقة دافعة لقاطرة التنمية في القارة تعد حلًّا موضوعيًّا، بحيث لا تكون بديلًا عن العلاقات الدولية، لكن يمكن استثمارها في تعزيز العلاقات الثنائية والإقليمية بين دول القارة.
ويمثل الاتحاد الإفريقي كيانًا يمكن أن يكون المظلة، أو تنبثق منه مظلة تنموية تحقق هذه الأغراض. وعلى الرغم من الضعف الملحوظ للأدوات التنفيذية للاتحاد الإفريقي، يمكن للتعاون مع المنظمات الإقليمية؛ مثل جامعة الدول العربية وتجمع سادك، والإيجاد ونيباد، وغيرها من المنظمات الإقليمية أن يسهم في التخفيف من حدة تأثير الصراعات، وتدخلات القوى الدولية، وتضارب المصالح على جهود التنمية، وتبقي الحلول إفريقية المنبع.
خلافًا لذلك سوف تبقى التنمية في القارة رهينة التجاذبات السياسية الدولية والإقليمية والداخلية؛ حيث يمكن في لحظة أن تتحول المشروعات التنموية المشتركة إلى أداة هيمنة، أو حتى ابتزاز سياسي، من طرف على آخر يعيد الأمور إلى مربع الأزمة مضافًا إليه فقدان إمكانية التعاون الإقليمي.

