د. محمد محسن أبو النور
رئيس وحدة الدراسات الإيرانية
فاجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العالم عندما أعلن أنه يتطلع إلى إنهاء الحرب على إيران بسرعة، فيما يبدو أن بعض مستشاريه، وعدد من كوادر حركة “ماجا” حثوه على البحث عن خطة خروج من الصراع، وسط ارتفاع أسعار النفط ومخاوف من أن يؤدي نزاع طويل إلى ردود فعل سياسية سلبية داخل دوائر الحكم الأمريكية، قبيل انتخابات التجديد النصفي، فضلا عن الضرر الهائل الذي لحق بحلفاء واشنطن في منطقة الشرق الأوسط والعالم شرقا وغربا جراء تلك الحرب.
فلقد ارتفع سعر النفط في الأسواق العالمية بأكثر من 40 في المئة منذ اندلاع الحرب التي بدأت في الثامن والعشرين من فبراير ليتجاوز مستوى 100 دولار للبرميل، ومن المسلم به أن هذا الارتفاع نتج عن التوترات في مضيق هرمز، لاسيما أن إيران قالت إن الدول التي سيسمح لها بالمرور من المضيق هي التي ستطرد سفراء إسرائيل من أراضيها في إشارة واضحة الدلالة على سيطرتها على مضيق هرمز واستخدامه كورقة ضغط في أتون تلك الحرب.
ورقة مضيق هرمز
في إيران ينظر إلى مضيق هرمز كأحد أهم أوراق الضغط الدولية والإقليمية على اللاعب الأمريكي الذي تضرر بشدة من تحكم إيران في المضيق وإعاقة حركة المرور والملاحة والتجارة خلاله، ويرى قطاع وزان في مجتمع الخبراء بإيران من بينهم خبير السياسات الدولية، مرتضى مكي، بضرورة استخدام ورقة الضغط المتعلقة بمضيق هرمز؛ لإثارة الرأي العام العالمي ولفت الانتباه إلى السياسات الأمريكية والإسرائيلية تجاه إيران إثر هذه الحرب، بهدف انتزاع الاعتراف الدولي بمصالح إيران وحقوقها الإقليمية والدولية.
وعليه لجأت إيران إلى استثمار حالة الفوضى الإستراتيجية والتنافر الراهن في المعسكر الغربي خاصة أن أقرب حلفاء واشنطن أبدوا شكوكا حيال الحرب، ففي حرب الـ 12 يوما، اتجهت الترويكا الأوروبية إلى دعم الولايات المتحدة وإسرائيل بل ودافعت أوروبا عن إسرائيل وتصدت علنا وصراحة للصواريخ والمسيرات الإيرانية، وكان المستشار الألماني فريدريش ميرتس من أبرز الداعمين لإسرائيل.
لكن في الحرب الراهنة ظهرت اختلافات وانقسامات بين الحكومات الأوروبية حول الهجوم على إيران، حتى إن بريطانيا، التي سمحت مبدئيا باستخدام قاعدة دييجو جارسيا، أعادت تقييم موقفها لاحقا، ما اضطر ترامب إلى مهاجمتها وقال إن بلاده ليست في حاجة إلى الحاملات البريطانية وإنها ستخوض معركتها بمفردها ضد إيران.
اللافت هذه المرة أن فرنسا وألمانيا تبنتا موقفين مختلفين، إذ حاول الفرنسيون في البداية الموازنة بين دعمهم للدول العربية والحفاظ على علاقاتهم مع الولايات المتحدة، لكن بعد ردود إيران غير المتوقعة، أعلنوا أنهم لم يضعوا أي قاعدة عسكرية تحت تصرف أمريكا، أما ألمانيا، التي كانت داعمة لإسرائيل خلال حرب الـ12 يوما، فقد أعرب مستشارها عن قلق شديد من تداعيات انعدام الأمن في المنطقة واحتمال تأثير الاضطرابات الإيرانية على أوروبا، داعيا إلى إنهاء الحرب سريعا.
الإستراتيجية الإيرانية في الحرب
في صباح السبت 28 فبراير 2026 شنت أمريكا وإسرائيل هجوما عنيفا ومنسقا ضد إيران، وبالرغم من نجاحه العسكري الأولي، لم يتمكن هذا الهجوم المشترك من إبقاء الحرب محدودة، ولم يشل قدرة إيران على الرد، إذ قامت طهران، عبر إستراتيجية ما يعرف في الأوساط العسكرية الإيرانية بـ”التصعيد الأفقي”، من خلال توسيع نطاق الصراع ليشمل عموم منطقة الخليج العربي، ومن خلال استهداف القواعد الأمريكية والبنية التحتية الإقليمية ومسارات الطاقة، وهي بذلك رفعت كلفة الحرب على عدد أكبر من الدول.
وقبل بداية الحرب أدركت إيران أن قدراتها العسكرية لا تكفي لمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لذلك، وبدلاً من الاكتفاء بـ”التصعيد العمودي” (أي الرد العسكري المباشر عليهما)، بنت إستراتيجيتها على توسيع جغرافيا الصراع، بما يؤدي إلى رفع الكلفة السياسية والاقتصادية والأمنية للحرب بوجه عام.
وفي إطار هذه الإستراتيجية، أصبحت دول المنطقة التي تستضيف قواعد أمريكية تحت النيران، وهو ما زاد من الضغوط السياسية والاقتصادية على الحكومات المتحالفة مع واشنطن، وبالتأكيد فإنها استثمرت نفوذها ومصالح واشنطن معها للضغط على ترامب وإنهاء هذه الحرب سريعا كلما كان ذلك ممكنا.
إيران وخبرتا فيتنام وكوسوفو
الواقع أن إيران حاولت التعلم من الخبرات التاريخية السابقة في حروب أمريكا ضد دول أقل تسليحا وعتادا، إذ تظهر تجارب تاريخية مثل حرب فيتنام (1955 ــ 1975م) وحرب كوسوفو (1988 ــ 1999م) أن التفوق الجوي والضربات الدقيقة لم يؤديا بالضرورة إلى نصر سياسي سريع لأمريكا، بل استطاع الطرف الأضعف، من خلال إطالة أمد الحرب وتوسيع نطاقها، أن يغير المعادلات السياسية ويتمركز في خندق الاستنزاف ويعيق الطرف الأقوى من تحقيق أهدافه الإستراتيجية وتحقيق النصر العسكري الشامل.
والآن تجد الولايات المتحدة الأمريكية نفسها الآن أمام خيارين أحلاهما مر، إما تصعيد الحرب والدخول في صراع طويل الأمد وبالتالي الوصول بسعر النفط إلى ما فوق 150 دولارا للبرميل، وهو أمر لا يمكن أن يتحمله الاقتصاد العالمي لأكثر من شهرين، كما يقول العديد من مجتمع الخبراء من بينهم ديفيد دي روش، على سبيل المثال، أو إنهاء الحرب مع تحمل كلفة سياسية قصيرة المدى، وتقبل أن تروج إيران إلى هذه النهاية وفق سردية النصر على أمريكا التي لم تتمكن من تحقيق غرضها الإستراتيجي المتمثل في إسقاط النظام.
بالتالي يمكن القول إن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية حققت نجاحا تكتيكيا تمثل في اغتيال 49 قائدا من الصف الأول بالبلاد على رأسهم المرشد علي خامنئي، غير أن النجاح التكتيكي لا يعني بالضرورة تحقيق إستراتيجية مستدامة ناجحة، فالرد الإيراني، الذي اتسم باتساعه الجغرافي، وتأثيره المُعطِّل اقتصاديا، وحساباته السياسية هدف إلى تغيير بنية الصراع، والعمل على نقاط الضعف المركزية في الإستراتيجية ــ أو بالأحرى اللا إستراتيجية ــ للرئيس ترامب، ومن خلال توسيع ساحة المعركة وإطالة أمد الحرب، أرادت طهران تحويل هذا الصراع من معركة حول القدرات العسكرية إلى منافسة حول القدرة على التحمل والصمود والدخول في حرب استنزاف تناسبها ولا تناسب الطرف المهاجم.
مستقبل الصراع في عهد مجتبى
في ظل صعود آية الله، مجتبى خامنئي، إلى منصب الولي الفقيه الثالث في إيران، من المتوقع أن تستمر إيران في اتباع سياسة التوسع غير المباشر والمراوغة الإستراتيجية، والميل إلى نهج أكثر تشددا من ذلك النهج الذي اتبعه والده آية الله العظمى علي خامنئي، مستغلة نقاط القوة الجغرافية والجيوستراتيجية.
وقد تتجه إيران نحو:
- تعزيز قدراتها الإقليمية بالوكالة: من خلال زيادة الدعم للأحزاب المسلحة والفصائل في العراق وسوريا ولبنان واليمن لتعميق النفوذ وتقوية قواعد الردع الإقليمي، وجعل حزب الله على سبيل التحديد ورقة مهمة من أوارق التسوية السياسية الشاملة.
- التحكم بأسواق الطاقة: إثر استخدام النفط والغاز كأداة ضغط اقتصادي ودبلوماسي، مع توجيه التأثير نحو آسيا التي تعتمد على نفط الشرق الأوسط بشكل كبير، لاسيما الهند واليابان الحليفتان للولايات المتحدة الأمريكية.
- ترسيخ الصمود الداخلي: عن طريق تحفيز الشعور الوطني والمقاومة السياسية لتعزيز استقرار النظام، مع التركيز على بناء مقاومة اقتصادية وسياسية طويلة الأمد ضد العقوبات والحصار الخارجي.
- اعتماد أدوات ردع نووية: من المرجح بشدة أن يلجأ المرشد الجديد إلى إصدار فتوى اتاحة امتلاك السلاح النووي، بهدف تطوير قدرات الردع غير التقليدية لتغيير معادلات القوة، علما بمبدأ أن الدول النووية لا تهاجَم من الأعداء الخارجيين تأسيا بكوريا الشمالية التي لم تهاجم وتعلما من درس أوكرانيا التي هوجمت، غير أن تلك الخطوة قد تواجه برفض دولي شامل لاسيما من روسيا والصين الضامنتين الكبريين الدولتين لإيران.
خلاصة
باختصار غير مخل، يمكن القول إن إيران حاولت قلب المعادلة الإستراتيجية الأمريكية وإبطال مفعول التفوق العسكري الأمريكي الإسرائيلي من خلال توسيع نطاق المعركة جغرافيا وإغلاق مضيق هرمز ورفع كلفة الحرب على العالم بالكامل، كما أن مستقبل إيران تحت حكم مجتبى خامنئي سيشهد سياسة مروحية بين القوة العسكرية التقليدية، والقوة النووية، والسيطرة الاقتصادية، والتشدد الدبلوماسي، مع التركيز على الصمود الطويل وتحويل أي أزمة إلى فرصة لتعزيز النفوذ الإقليمي والدولي، وفي هذا السياق، ستظل إيران لاعبا يصعب التنبؤ بنقلاته على رقعة الإقليم، قادرًا على تحويل نقاط ضعفها الظاهرية إلى أدوات ضغط إستراتيجية فعالة.

