أ. د مروة إبراهيم

تهدف هذه الورقة إلى بيان التجاذب الحاد الذي يشهده المشهد الإعلامي والسياسي في إثيوبيا والقرن الأفريقي بين سرديتين متناقضتين تعكسان عمق الاستقطاب الداخلي والإقليمي؛ فبينما يحرص الإعلام المؤيد للحكومة الإثيوبية على تسويق الخطاب الرسمي القائم على مفاهيم الأمن الجماعي، وتوسيع الشراكات الإقليمية، وترسيخ الاستقرار، يقدم الإعلام المعارض والمستقل قراءة مغايرة تُبرز تعقد الأزمات الميدانية. وتتجلى معالم هذا التباين في التعامل مع القضايا الحاكمة؛ حيث تستهل الورقة قراءتها بعرض التحديات والاعتداءات الأمنية المتصاعدة ضد الكوادر الإنسانية في إقليم بني شنقول-قمز، ثم تنتقل إلى رصد التوترات السياسية والعسكرية المباشرة والصراع على الشرعية في إقليم تيجراي، وترصد الورقة حملات التشويه الإثيوبي لاستهداف الدور المصري السوداني، وصولاً إلى تحليل الطموحات والتطلعات البحرية لأديس أبابا وانعكاساتها على الاستقرار الإقليمي.

على المستوى الداخلي

أمنيًا

اتهامات تيجراي وتداعياتها في ظل التصعيد الجوي والصراع على الشرعية

أشادت وسائل الإعلام المؤيدة للحكومة — وفق ما نشرته وكالة الأنباء الإثيوبية (إينا) — بالتطورات الحكومية التي وصفتها بالمفصلية والمتكاملة لترسيخ الاستقرار الداخلي وتوسيع الشراكات الإقليمية والدولية؛ حيث شملت إنشاء إدارة مؤقتة في إقليم تيجراي لمدة ستة أشهر لاستعادة الخدمات والتمهيد لانتخابات حرة، وتكثيف الدبلوماسية الاقتصادية لجذب الاستثمارات، فضلاً عن تأكيد السيادة الوطنية خلال إحاطات للملحقين العسكريين وإجراء محادثات هاتفية رفيعة المستوى مع شركاء دوليين، والتأكيد على السعي الاستراتيجي لتأمين منفذ بحري موثوق يدعم التجارة والتكامل الإقليمي، بالتزامن مع التحضير لاستضافة النسخة الثانية عشرة من “منتدى تانا” لبحث قضايا السلم والأمن في أفريقيا.

في المقابل، سلّطت صحف المعارضة (بتاريخ 17 أكتوبر) الضوء على تفاقم الأزمات الأمنية والسياسية في إقليم تيجراي، معتبرةً إياها تحولاً ميدانياً خطيراً. وتمثل ذلك في اتهام جبهة تحرير شعب تيجراي الصريح للحكومة الفيدرالية في أديس أبابا بعسكرة المنشآت والمرافق الجوية في الإقليم واستخدامها لأغراض لوجستية وعسكرية. ولم يتوقف هذا الاتهام عند حدود التصريح السياسي، بل تُرجم فوراً إلى إجراء أمني تحذيري بفرض قيود على حركة المدنيين في محيط المطارات، مما يعكس مخاوف الجبهة من استغلال البنية التحتية الحيوية لتغيير موازين القوى الميدانية على الأرض.

وعلى الصعيد السياسي، يتقاطع هذا التوتر العسكري المباشر مع صراع أعمق حول “الشرعية ونفوذ الحكم”؛ إذ واجهت الجبهة الإدارة المؤقتة الجديدة المُنصّبة من الحكومة الفيدرالية بالرفض القاطع، ووصمتها بكونها مجرد “هيكل تابع لحزب الازدهار الحاكم” يُراد فرضه بالقوة على الإقليم. كما امتد التحذير ليرسم خطوطاً حمراء أمام الهيئات والمؤسسات المحلية والخدمية، متوعداً بمساءلتها واعتبارها طرفاً منحازاً حال التعامل مع هذه الإدارة، مما يفرغ قرارات العاصمة من أي أثر قانوني أو تنفيذي داخل الإقليم.

على ضوء ذلك يُبرز هذا التصعيد الشامل كيف تظل الفيدرالية الإثنية في إثيوبيا مسرحاً لتصادم الرؤى حول السيادة والحكم الذاتي؛ إذ ينظر الإقليم إلى تدخلات العاصمة وتعييناتها الإدارية والتحركات العسكرية في مطاراته على أنها محاولة منهجية لتفكيك خصوصيته القومية والسياسية، وهو ما ينذر باختبار حقيقي لاستقرار المنطقة وإمكانية العودة إلى مربع النزاع المسلح إن لم تُستدرك أزمة الثقة المتفاقمة بين الطرفين.

إدانة استهداف العمل الإنساني في بني شنقول – قمز

في ظل تصاعد التحديات والاعتداءات الأمنية التي تواجه العاملين في المجال الإنساني بمناطق عدة في إثيوبيا، سلطت صحيفة “أديس ستاندرد” – في 16 أكتوبر- الضوء على البيان المشترك الصادر عن جمعية الصليب الأحمر الإثيوبي والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، والذي أدان بأشد العبارات الهجوم المسلح الذي وقع يوم 14 أكتوبر 2026 في مقاطعة دانجور بمنطقة متكل في إقليم بني شنقول – قمز (شمال غربي إثيوبيا، على الحدود مع السودان). وقد أسفر الهجوم عن مقتل سائق سيارة إسعاف وتدمير المركبة أثناء تأديته مهمة إنسانية لنقل أحد المرضى. وشددت المنظمات الإغاثية في بيانها على عدم وجود أي مبرر لاستهداف الكوادر الطبية والمحايدة أو ترهيبها، مطالبةً بمحاسبة الجناة بشكل عاجل، وداعيةً كافة الأطراف والجماعات المسلحة إلى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وضمان أمن وسلامة فرق الإغاثة، وحظر عرقلة جهودها الإنسانية.

على المستوى الخارجي

حملات التشويه الإثيوبي لاستهداف الدور المصري السوداني

سلط موقع شبكة “إعلام أديس أبابا” – المعروف بشعاره “صوت الجيل” – الضوء على خلفيات الغارات الجوية التي وقعت في 10 أكتوبر 2026 واستهدفت مواقع للتنقيب الأهلي عن الذهب (مثل مناجم “حنجلية” و”العقيدات”) بمنطقة شمال الوادي في ولاية نهر النيل الحدودية بين السودان ومصر وفقاً للموقع. وفي إطار تحليله الذي ينطلق من الرؤية الإثيوبية الرسمية، استعرض الموقع العلاقات التاريخية بين القاهرة والخرطوم، مهاجماً ما وصفه بـ “الدعم العسكري المصري المباشر” للجيش السوداني، واعتبره مسعى لفرض النفوذ الإقليمي وإدارة “حرب بالوكالة”.

وأشار التحليل إلى أن العلاقات الأصيلة بين البلدين تشهد تحولاً حاداً مع انتقال القاهرة من مربع الوساطة الدبلوماسية إلى تقديم الدعم العسكري واللوجستي المباشر للقوات المسلحة السودانية في مواجهة قوات الدعم السريع، وذلك حمايةً لأمنها القومي ومصالحها المائية وحدودها الجنوبية.

وقد بلغت التوترات ذروتها إثر تلك الغارات الحدودية قرب مثلث حلايب، والتي استهدفت مواقع التعدين الأهلي وأسفرت عن سقوط عشرات الضحايا من المدنيين؛ مما أثار موجة سخط عارمة وإدانات واسعة من فصائل وشبكات مدنية سودانية انتقدت صمت سلطات بورتسودان، ورأت في التحركات المصرية تدخلاً ينم عن عقلية “وصاية” تنتهك السيادة الوطنية. واختتم الموقع تحليله بالتحذير من أن هذه التدخلات العسكرية تؤدي إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار، وإقصاء المجتمع المدني، وتأجيج العنف والانتقامات الفردية، فضلاً عن تعميق مخاطر اتساع رقعة “حروب الوكالة” وتورط أطراف إقليمية كإثيوبيا، مما يقوض جهود السلام والأمن في منطقة القرن الأفريقي والقارة ككل.

تصعيد إثيوبي إريتري يتقاطع مع تحركات المعارضة العفرية للمطالبة بمحاكمة القيادة الإريترية

تناولت صحيفة “أديس ستاندرد” الإثيوبية ختام فعاليات المؤتمر الشعبى لمنظمة ديمقراطية عفر البحر الأحمر “RSADO” (حركة إريترية سياسية مسلحة معارضة لنظام أسياس أفورقي وتتخذ من إثيوبيا مقراً لها) والذي عُقد بمدينة لوجيا في إقليم عفار الإثيوبي بتاريخ 12 أكتوبر 2026 تحت شعار (من الوحدة إلى النصر)، بمشاركة واسعة من القادة القبليين والمثقفين والنساء والشباب من عفر إريتريا.

وأصدر المؤتمر بياناً ختامياً دعت فيه الحركة إلى تقديم الرئيس الإريتري وحكومته إلى العدالة الدولية لمواجهة اتهامات بارتكاب انتهاكات وفظائع بحق شعب عفر البحر الأحمر، معتبرةً أن “الاستقلال بلا حرية وكرامة أمر غير مقبول”، وطالبت الاتحاد الأفريقي والمنظمات الدولية بالتدخل لوقف الاعتقالات التعسفية والتجنيد الإجباري، مع التأكيد على حق المجتمع العفري في تقرير المصير.

وتأتي هذه التحركات السياسية والميدانية امتداداً لنشاطات الحركة المكثفة انطلاقاً من الأراضي الإثيوبية؛ والتي شهدت تخريج مقاتلين جدد والسعي لتعزيز قدراتهم العسكرية والميدانية وطلب الدعم الدولي، ويتزامن هذا التصعيد مع تدهور حاد وغير مسبوق في العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا، أدى إلى إغلاق أديس أبابا سفارتها في أسمرة وطرد دبلوماسيين إريتريين رداً على ما اعتبرته إثيوبيا “توغلاً وحركات عدائية”، في حين تنفي إريتريا هذه الاتهامات، وتتهم أديس أبابا بالتدبير للوصول إلى البحر الأحمر ودعم المعارضة الإريترية.

وفي سياق متصل، سلطت وسائل الإعلام الإثيوبية المؤيدة للحكومة — ومنها وكالة الأنباء الإثيوبية يوم 19 أكتوبر — الضوء على تقديم السلطات الفيدرالية والإقليمية دعماً مادياً ومعنوياً استثنائياً لإقليم عفر الإثيوبى؛ لمواجهة تداعيات التغيرات المناخية وأزمات الجفاف الحادة التي أضرت بسُبل عيش السكان وأدت إلى نقص الغذاء. ويُقرأ هذا الدعم الحكومي الفيدرالي للاقليم في هذا التوقيت باعتباره تعزيزاً للاستقرار الداخلي ومساندةً للمحيط الاجتماعي الداعم لتلك التوجهات في الإقليم.

روسيا ودول خارجية أخرى تعرض استضافة محادثات بين إثيوبيا وإريتريا وسط تصاعد التوترات

أبرزت الصحف والمواقع الإعلامية مقالات تحليلية بتاريخ (17-10) حول وساطة موسكو في القرن الأفريقي؛ حيث عرضت تسهيل الحوار بين إثيوبيا وإريتريا، وسط تصاعد التوترات بين البلدين الجارين، محذرة من أن تدهور علاقاتهما يمثل مصدراً لقلق موسكو، وأشارت إلى  تصريح نائب وزير الخارجية الروسي، ألكسندر أليموف: بأن موسكو حثت كلا البلدين على ضبط النفس، وتعزيز تدابير بناء الثقة، والسعي لحل خلافاتهما عبر الحوار، وقال أليموف: «إذا كان الطرفان مهتمين، فنحن مستعدون لتوفير منصة لتنظيم الاتصالات بين ممثليهما بغية التوصل إلى حلول وسط، بما في ذلك على هامش قمة «روسيا – أفريقيا» الثالثة في موسكو»، مضيفاً أن موسكو تأمل أن يغتنم البلدان هذه الفرصة. ومن المقرر أن تُعقد القمة يومي 28 و29 أكتوبر في موسكو. وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد وجه الدعوة لرئيس الوزراء الإثيوبي للمشاركة، وذلك خلال لقاءٍ جمع بينهما على هامش قمة «بريكس» في نيودلهي، وهي الدعوة التي قَبِلها أبي أحمد بحسب التقرير. كما يُتوقع حضور الرئيس الإريتري أسياس أفورقي،  ويأتي هذا العرض وسط مخاوف متزايدة من تجدد المواجهة المسلحة على طول الحدود بين إثيوبيا وإريتريا، حيث تشير التقارير إلى تمركز القوات الإثيوبية هناك مع تدهور العلاقات الدبلوماسية بين حكومتي البلدين.

يكشف العرض الروسي عن أبعاد ودلالات استراتيجية لافتة؛ فهو يبرز سعي موسكو المتزايد لتعزيز ثقلها الدبلوماسي في القرن الأفريقي واستغلال علاقاتها المتوازنة مع الطرفين للحد من التوتر الحدودي.

سعي إثيوبيا للوصول إلى البحر: كيف تسوق أديس أبابا طموحاتها البحرية؟

تسوق أديس أبابا طموحاتها البحرية وسعيها الدؤوب للحصول على منفذ بحري عبر خطابها السياسي والإعلامي المؤيد للحكومة (كما ورد في وكالة الأنباء الإثيوبية بتاريخ 18 أكتوبر)، حيث تُغلف هذا السعي بمبادئ ناعمة ومفاهيم زائفة مثل: “الأمن الجماعي”، و”الوحدة الأفريقية”، و”المكسب المشترك”، مؤكدةً أن طموحها البحري يشكل فرصة إقليمية لتعزيز الأمن والتجارة. وتستند إثيوبيا في هذه السردية إلى حقائق زائفة في حفظ السلام وموقعها الاستراتيجي لتسليط الضوء على أهمية سعيها للحصول على منفذ بحري موثوق وسيادي. وهو ما أكد عليه الباحث جيزاشيو أسرات باعتباره خطوة محورية لتعزيز السلام والتكامل الاقتصادي والأمن الجماعي؛ إذ ترى أديس أبابا أنها عبر إمكاناتها الاقتصادية، ومواردها البشرية، وقدراتها الأمنية، تستطيع الإسهام بفعالية في حماية الملاحة البحرية، وتأمين ممر البحر الأحمر.

وييرز هذا الطرح حصول إثيوبيا على منفذ بحري كضرورة ملحة لحماية الملاحة والدفع بالتكامل الاقتصادي، غير أنه يتجاهل تماماً التعقيدات الجيوسياسية الإقليمية في القرن الأفريقي؛ إذ يغيب عنه ذِكر المخاوف المشروعة للدول المجاورة (مثل الصومال وإريتريا وجيبوتي) بشأن السيادة الوطنية وتوازن القوى، متغاضياً عن هذه التطلعات التي تمثل تحركاً أحادياً قد يهدد الاستقرار القائم ويتسبب في مزيد من الاستقطاب في منطقة البحر الأحمر بدلاً من تعزيزه. كما يفترض أن الربط البحري المباشر سينعكس إيجاباً على تقليل العوائق اللوجستية، وتنشيط التبادل التجاري، ويُصرّ على أن تطلعات إثيوبيا البحرية لا تتعارض مع أمن المنطقة، بل تمثل فرصة مشتركة يمكن تحقيقها عبر الدبلوماسية، والمفاوضات السلمية، والشراكات المتبادلة في إطار القانون الدولي لبناء قرن أفريقي أكثر استقراراً وازدهاراً.

ختامًا

أبرزت الورقة من خلال استعراض الطروحات الإعلامية الإثيوبية المؤيدة والمعارضة وجود تناقض بنيوي عميق في سردياتها؛ إذ تحرص أديس أبابا في خطابها الموجه للخارج على تسويق نفسها كراعٍ للأمن الجماعي ومحرك للتكامل الاقتصادي وضامن لسلامة الملاحة البحرية، إلا أن هذا الطرح المثالي يصطدم بمفارقة حادة على أرض الواقع، ويتجلى هذا التناقض في عجز الدولة عن تأمين أقاليمها الداخلية والكوادر الإنسانية، مما يُظهر اتساع الفجوة بين الشعارات الناعمة المرفوعة والممارسات الميدانية الفعلية، ويجعل من أزمة الثقة العقبة الأساسية أمام تحقيق استقرار مستدام في إثيوبيا والقرن الأفريقي.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version