حسين محمود التلاوي

هيمنت أخبار المواجهات الحالية في إثيوبيا بين تحالف المعارضة وجيش أديس أبابا على صفحات الشئون الإفريقية في الصحافة العالمية. وترصد هذه المتابعة أبرز تلك التقارير، مع خلاصة تحليلية لأهم ما ورد فيها من أفكار.

نوبل للحرب..

تناولت افتتاحية لجريدة “جارديان” البريطانية تجدد الحرب في إثيوبيا والتداعيات الإقليمية المحتملة لذلك. وقالت الجريدة إنها تأمل أن يكون اختيار لجنة جائزة نوبل للسلام هذا العام أكثر قدرة على الاستمرارية من اختيارها عام 2019، عندما منحتها إلى رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد”؛ حيث تجدد الصراع المسلح في إثيوبيا وسط تفاعلات جيوسياسية إقليمية ودولية معقدة. وذكرت أن تجدد العنف يرجع إلى إخفاق الأطراف المعنية في تطبيق اتفاق سلام عام 2022 الذي أنهى حربًا استمرت عامين بين جبهة تحرير شعب تيجراي والجيش الحكومي؛ مما أدى إلى ظهور تحالفات جديدة معارضة للحكومة الاتحادية الفيدرالية بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد، إلى جانب توترات مستمرة وانقسامات داخلية تعصف بإقليم تيجراي.

وأضافت الافتتاحية أن هذه الأزمات الداخلية تتشابك مع صراعات إقليمية؛ أبرزها المطالب الإثيوبية بالوصول إلى البحر الأحمر وما يثيره ذلك من مخاوف إريتريا، فضلًا عن الخلافات الحادة مع مصر والسودان بشأن سد النهضة واتهامات متبادلة بدعم فصائل مسلحة بين السودان وإثيوبيا، إلى جانب وجود اصطفافات إقليمية جديدة كزيادة الدعم الإماراتي لإثيوبيا وتأثيرات أزمات اليمن وإيران. ووفق الجريدة فإن هذه العوامل المتشابكة، مضافًا إليها تداعيات أزمة الأسمدة والوقود واستنزاف مساعدات الإغاثة وآثار ظاهرة النينيو، تؤدي إلى تفاقم كارثة إنسانية تمس المجتمعات المحلية المنهكة أصلًا في إثيوبيا.

وخلصت الجريدة إلى أنه في ظل هذه الأجواء، التي تراجع فيها الحماس الشعبي والعسكري للانخراط في حرب جديدة تغذيها قيادات منقسمة، يصبح إبرام هدنة والشروع في إصلاحات سياسية واقتصادية ضرورة ملحة وسط بيئة إقليمية تزداد اضطرابًا وتشابكًا في السودان والصومال واليمن وخارجها.

سد النهضة لخدمة البيتكوين

وفي موضوع يمس بالمجتمعات المحلية المنهكة في إثيوبيا، نشرت جريدة “لوموند” الفرنسية تقريرًا لافتًا يكشف جانبًا مهمًّا من كيفية تسيير حكومة “آبي أحمد” للموارد في إثيوبيا بعيدًا عن أغراض التنمية الشاملة؛ حيث تناولت استخدام الحكومة الإثيوبية الكهرباء المولدة عن سد النهضة في دعم شركات تعدين عملة البيتكوين.

وفي التقرير ورد أن الحكومة الإثيوبية تتجه إلى تقييد نشاط شركات تعدين البيتكوين، وأغلبيتها صينية، في إطار خطة لترشيد استهلاك الكهرباء وإعطاء الأولوية لتزويد المنازل بالمهام الحيوية. وذكر التقرير أن هذا القرار نتيجة تراجع منسوب المياه في السدود الهيدروكهربائية التي تغذي البلاد بـ 90% من طاقتها، جراء الجفاف القاسي الناجم عن ظاهرة النينيو المناخية وانخفاض معدلات هطول الأمطار في الموسم المطير إلى النصف مقارنة بالمعدلات الطبيعية.

وأضاف التقرير أن سد النهضة على النيل الأزرق تأثر بشكل مباشر بهذه الأزمة الجوية باعتباره المصدر الرئيسي لنصف إنتاج الكهرباء في إثيوبيا؛ إذ أدى الجفاف إلى فقدان خزان السد لنحو 20% من حجم مياهه. ودفع هذا الهبوط الحاد في الموارد المائية شركة الكهرباء الإثيوبية إلى تخفيض كميات الطاقة المتاحة لنحو 30 شركة عاملة في مجال العملات المشفرة بنسبة 75%، بغرض “حماية الأمن المائي والكهربائي للبلاد ومواجهة نقص التغذية الممتد إلى مختلف القطاعات”.

تعقيب على دلالات التقرير الفرنسي

يتضح من التقرير الفرنسي الكيفية التي تدير بها الحكومة الإثيوبية موارد البلاد بعيدًا عن أغراض التنمية الشاملة؛ فعلى الرغم من كل الدعاية الإثيوبية بشأن سد النهضة باعتباره وسيلة للتنمية الشاملة في إثيوبيا والقرن الإفريقي بل القارة ككل، اتضح أن استغلاله الرئيسي لم يكن لأغراض التنمية، لكن لخدمة شركات تعدين البيتكوين التي خرجت من الصين لترشيد استهلاك الطاقة في بلادها؛ مما يعني أن السد أصبح وسيلة لتلبية متطلبات الدول التي ساهمت فيه بعيدًا عن تلبية متطلبات الدولة صاحبته.

مختلفة عن 2020 تمامًا

ونشرت جريدة “لا ريبوبليكا” الإيطالية تقريرًا مطولًا عن تجدد الحرب في إثيوبيا ركزت فيه على الجانب الإنساني وخلفيات الصراع. وقال التقرير إن الأوضاع الإنسانية والسياسية في إثيوبيا تشهد تدهورًا متسارعًا عقب تجدد المواجهات المسلحة في شمال البلاد اعتباراً من 21 سبتمبر الماضي، نتيجة استمرار الخلافات حول البنود غير المنجزة لاتفاق بريتوريا عام 2022. وبحسب ما نقلته الصحيفة الإيطالية، فقد تسببت الاشتباكات الأولى في منطقة ألاماتا بمقتل العشرات من المدنيين وإصابة المئات في غضون أيام قليلة؛ مما أعاد إشعال أزمة إنسانية عميقة في المنطقة.

وأشار التقرير إلى أن منظمة العفو الدولية وجهت دعوة عاجلة إلى الاتحاد الإفريقي لعقد اجتماع طارئ لبحث التطورات الميدانية المتسارعة في شمال إثيوبيا؛ لا سيما مع اتساع نطاق المعارك لتشمل إقليم تيجراي وأجزاء من إقليمي عفار وأمهرة. ونقلت المنظمة تقارير موثوقة تؤكد تدمير منشآت ومصالح مدنية جراء القصف الجوي والمدفعي، إلى جانب تصاعد وتيرة التجنيد الإلزامي؛ الأمر الذي قد يرقى إلى انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان. ووفق الجريدة الإيطالية، شددت المنظمة على ضرورة تحرك مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي بشكل استباقي لتفادي وقوع فظائع جماعية، وتفعيل آليات الاستجابة المشتركة قبل فوات الأوان.

وعلى الصعيد السياسي والميداني، لفت التقرير إلى أن الموجة الحالية من العنف تتسم بخطورة بالغة ومختلفة عن سابقتها عام 2020؛ إذ تأتي في بلد يعاني مسبقًا من نزوح نحو 5 ملايين شخص، وتجاوز نسبة الفقر المدقع فيه 45% من إجمالي السكان البالغ عددهم 120 مليون نسمة. وعلى عكس العزلة التي عانتها جبهة تيجراي سابقًا، نجحت الجبهة هذه المرة في توحيد صفوفها مع 6 تشكيلات مسلحة أخرى؛ من ضمنها ميليشيات أمهرة وجيش تحرير أورومو، تحت مظلة “تحالف القوى الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء”، بهدف أساسي يتمثل في الإطاحة بحكومة رئيس الوزراء آبي أحمد.

كذلك سلط التقرير الضوء على التداعيات الإقليمية للأزمة، مبينًا أن التوترات تجاوزت الحدود الوطنية بعد أن وجهت أديس أبابا اتهامات لدول الجوار – وفي طليعتها إريتريا إلى جانب السودان ومصر – بدعم وتمويل فصائل المعارضة المسلحة، وقد أدت هذه الاتهامات إلى أزمة دبلوماسية تمثلت في إغلاق السفارة الإثيوبية في أسمرة وطرد الدبلوماسيين الإريتريين؛ مما أنذر باحتمال نشوب نزاع إقليمي واسع النطاق في منطقة القرن الأفريقي.

وفي سياق الخلفيات التاريخية، أوضح التقرير أن جذور الأزمة تعود إلى نظام الفيدرالية العرقية في إثيوبيا والصراع على النفوذ بين السلطة المركزية والأقاليم. وأوضح التقرير أن هيمنة جبهة تيجراي على المشهد السياسي طوال الفترة من 1991 إلى 2018 ضمنت حكمًا ذاتيًّا للقوميات المختلفة تحت هيمنة مركزية، قبل أن يبادر رئيس الوزراء آبي أحمد بعد توليه السلطة عام 2018 إلى توحيد الأحزاب العرقية ضمن “حزب الازدهار” لتعزيز مركزية الدولة وإضعاف الفيدرالية؛ وهو التوجه الذي رفضته الجبهة معتبرة إياه محاولة لتهميش المكون التيغراني وتفكيك البنية الدستورية للبلاد؛ مما قاد البلاد تدريجيًّا نحو دوامة العنف المستمرة.

يُذكر هنا أن التقرير لم يشر إلى نفي مصر الاتهامات الإثيوبية؛ حيث شددت مصر على رفضها التدخل في الشئون الداخلية للدول؛ مشيرة إلى أن أي تصريحات تقول بغير ذلك “هي والعدم سواء”.

المجتمع الإثيوبي في مواجهة المناخ بلا غطاء حكومي

وفي تقرير آخر عن ظاهرة النينيو، ذكرت الجريدة الإيطالية نفسها أن المجتمع الاثيوبي يعاني من التبعات الاجتماعية والإنسانية الجسيمة التي تفرضها موجات الجفاف المرتبطة بظاهرة النينيو؛ وبوجه خاص الفئات الأكثر هشاشة من النساء والأطفال.

وتكشف البيانات التي أوردها التقرير عن وجود رابط مباشر بين الصدمات المناخية وتصاعد الانتهاكات الاجتماعية؛ إذ أظهرت البيانات السابقة أنه خلال موجات الجفاف التي ضربت منطقة القرن الأفريقي في عام 2022، شهدت المناطق المتأثرة بالجفاف في إثيوبيا ارتفاعًا حادًّا في معدلات زواج القاصرات والزواج المبكر بنسبة بلغت في المتوسط 119%.

وأوضح التقرير أن ظروف الصدمات المناخية والجفاف في إثيوبيا تؤدي إلى تفكك الأسر وزيادة ضغوط الفقر؛ مما يدفع العائلات إلى اتخاذ تدابير استثنائية وقاسية للبقاء على قيد الحياة؛ في مقدمتها التضحية بتعليم الفتيات وتزويجهن مبكرًا، فضلًا عن تعرض الأطفال لمخاطر متزايدة تشمل الانفصال عن ذويهم، والاستغلال، والتسرب النهائي من التعليم.

الحروب والصحة النفسية في إثيوبيا

وفي تقرير الجريدة نفسها عن واقع الصحة النفسية في إفريقيا، قالت الجريدة إن نحو 150 مليون إنسان في القارة يعانون مشكلات في الصحة النفسية يرجع جزء كبير منها إلى الحروب، مشيرة إلى عدة بلدان؛ من بينها إثيوبيا بوصفها نماذج على هذه الأزمة التي يفاقمها النقص الحاد في الموارد الطبية والتمويل الحكومي وتزايد الصراعات.

وفي التفاصيل ذكر التقرير أن الاضطرابات النفسية باتت تشكل نحو 11% من إجمالي العبء الصحي في إثيوبيا؛ حيث يتشابك الاضطراب النفسي بصورة وثيقة مع العنف القائم على النوع الاجتماعي. وتتزايد هذه الأزمة تعقيدًا جراء سنوات الصراع المسلح والنزوح القسري؛ لا سيما مع استخدام الاعتداءات والعنف الجنسي كسلاح في الحرب؛ ما يترك صدمات وآثارًا نفسية عميقة بين الضحايا تتجسد في معدلات مرتفعة من القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة.

وأوضح التقرير أنه للمساهمة في معالجة هذا الواقع الأليم، أُطلق في إثيوبيا مشروع “V.E.R.S.O” بمبادرة من منظمة “أمرف” وبالتحالف مع منظمة “أوكسفام إيطاليا” وبتمويل من الوكالة الإيطالية للتعاون التنموي. ويهدف هذا المشروع إلى تقديم الدعم النفسي والاجتماعي العاجل، وإدماج خدمات الصحة النفسية ضمن الرعاية الصحية الأساسية لمساعدة المتأثرين بالنزاعات على تجاوز أزماتهم النفسية وإعادة بناء حياتهم.

الخلاصة؟!

الخلاصة التي يمكن فهمها من هذه الورقة التى ألقت الضوء على رؤية الإعلام الغربى للأزمات المتداخلة بإثيوبيا أن الحكومة الإثيوبية الحالية بقيادة “آبي أحمد” فعلت كل شيء لضمان هيمنتها على السلطة والإثراء، على حساب الشعب الإثيوبي.

على سبيل المثال، يترك المسئولون الحكوميون الشعب الإثيوبي في مواجهة مختلف الأزمات المناخية والاجتماعية والسياسية والعسكرية من دون غطاء، سوى ما يأتي من الجهات المانحة؛ مثل ايطاليا المستعمِر السابق؛ فلا مساعدات في مناطق الحرب، ولا دعم لمواجهة تداعيات تغير المناخ، ولا ميزانيات للإنفاق على معالجة آثار الحرب على الصحة النفسية. وفي مقابل ذلك يجري إهدار كهرباء سد النهضة على تعدين البيتكوين بعيدًا عن شعارات تصديرها إلى الخارج أو إنارة مختلف مناطق إثيوبيا.

ما سبق يوضح زيف كل التصريحات الإثيوبية بأن غرض السد التنمية، وأن غرض مصر من مطالبتها باتفاق ملزم لإدارة السد وتشغيله هو عرقلة التنمية الإثيوبية؛ لأنه ببساطة لا توجد خطط للتنمية في إثيوبيا؛ وهذا من واقع التقارير الصحفية العالمية الموثقة بأرقام وإحصاءات دولية رسمية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version