د/ محمد أحمد صالح
يشكل الهجوم العلني الذي وجهه وزير الدفاع يسرائيل كاتس إلى رئيس الأركان إيال زامير وقائد المنطقة الوسطى اللواء آفي بالوت تطوراً لافتاً؛ لأن إسرائيل اعتادت تاريخياً إبقاء الخلافات بين المستوى السياسي والقيادة العسكرية ضمن الأطر المغلقة.
هذا الخلاف لا يتعلق بشخصيات فقط، بل يمس أسئلة أساسية، منها من يحدد السياسة الأمنية؟، وما حدود استقلالية الجيش؟، وهل أصبح الجيش طرفاً في الصراع السياسي الداخلي؟ وهل تتراجع الثقة المتبادلة بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية؟
عندما يصل الخلاف إلى الإعلام، فإن الرسالة لا تُوجَّه للداخل الإسرائيلي فقط، بل أيضاً إلى الخصوم الإقليميين الذين يراقبون تماسك منظومة صنع القرار.
دلالات الفرار الجماعي للجنود من قاعدة سديه تيمان
نشرت بعض وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي فيديو يبين فرارا جماعيا لجنود من قاعدة سديه تيمان، وإذا افترضنا- على سبيل التحليل فقط- صحة وجود حالات فرار جماعي واسعة، فإن ذلك ستكون له دلالات متعددة، منها:
-إنهاك القوة البشرية: إسرائيل تعتمد بصورة كبيرة على قوات الاحتياط، والخدمة الإلزامية، والاستدعاء المستمر، والحروب الطويلة تستنزف هذا النموذج. وكلما طالت العمليات العسكرية، ارتفع احتمال الإرهاق النفسي، وانخفاض الدافعية، وزيادة طلبات الإعفاء، واتساع حالات الامتناع عن الالتحاق.
-تآكل الردع الداخلي: أي جيش لا يقاس فقط بعدد الدبابات والطائرات، بل يقاس أيضاً بالانضباط، والالتزام، والروح المعنوية. وإذا ظهرت حالات رفض أو فرار بأعداد كبيرة، فإن ذلك قد يشير إلى وجود ضغوط داخلية تؤثر في جاهزية القوة البشرية.
-ضغط نفسي ممتد: منذ اندلاع الحرب، واجه الجنود الإسرائيليون فترات خدمة طويلة واستدعاءات متكررة، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى الإرهاق، والضغوط النفسية، وانخفاض المعنويات. لكن لا يعني ذلك بالضرورة انهيار المؤسسة العسكرية، إذ ما زالت تحتفظ بقدرات تنظيمية وتقنية كبيرة.
العلاقة بين الأزمة السياسية والأزمة العسكرية
الصدام بين وزير الدفاع ورئيس الأركان قد يعكس اختلافاً في الرؤية حول إدارة الحرب، وأولويات العمليات، والتعيينات، والعلاقة بين الاعتبارات الأمنية والسياسية. وكلما ازداد هذا النوع من الخلافات، ازدادت صعوبة اتخاذ قرارات سريعة ومتوافق عليها.
التأثير على الجبهة الداخلية
أي مجتمع يخوض حرباً طويلة يواجه ضغوطاً مثل الاستنزاف الاقتصادي، والانقسام السياسي، والإرهاق الاجتماعي، والجدل حول أهداف الحرب. وجود خلافات علنية بين كبار المسؤولين قد يزيد من حدة النقاش الداخلي، لكنه لا يعني تلقائياً فقدان الدولة لقدرتها على إدارة الحرب.
السيناريوهات المحتملة
إذا استمرت الخلافات بين القيادة السياسية والعسكرية، فقد تظهر عدة مسارات، منها استمرار الخلاف ضمن المؤسسات مع الحفاظ على تماسك الجيش، وإعادة ترتيب المناصب القيادية بما ينسجم مع توجهات الحكومة، وزيادة النقاش العام حول إدارة الحرب وأهدافها، وضغوط إضافية على قوات الاحتياط إذا استمرت العمليات لفترة طويلة.
ختاما
الصدام العلني بين وزير الدفاع وقيادة الجيش يعد مؤشراً على توتر داخل منظومة صنع القرار الإسرائيلية، وهو تطور مهم من الناحية السياسية والعسكرية. أما الربط بين هذا الصدام وبين “هروب مئات الجنود من قاعدة سديه تيمان” فلا يمكن اعتباره استنتاجاً ثابتاً.
ولو ثبتت بالفعل حالات فرار جماعية محدودة أو واسعة، فإنها قد تُفسَّر كإشارة إلى ضغوط على القوة البشرية والمعنويات والانضباط، لكنها بمفردها لا تكفي للاستنتاج بوجود انهيار عسكري أو استراتيجي. تقييم قوة أي جيش يتطلب النظر إلى مجموعة واسعة من المؤشرات، تشمل الجاهزية العملياتية، والقدرة على التعويض، والتسليح، والقيادة، والدعم اللوجستي، وليس إلى حادثة واحدة بمعزل عن السياق.
