محمود سامح همام – باحث بوحدة الدراسات الأفريقية

 

تشهد منظومة الأمن الإقليمي في القرن الإفريقي تحولات هيكلية بالغة التعقيد، تتقاطع فيها النزعات التوسعية مع الأنساق الاستبدادية التي ترسخها سياسات رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد؛ فمنذ تولي إدارته مقاليد السلطة، سعت أديس أبابا إلى هندسة عقيدة استراتيجية قائمة على الاستعلاء الجيوسياسي والتلون البراغماتي. وقد أفضى هذا النهج إلى تحويل إثيوبيا من دولة ذات دور إقليمي محوري إلى فاعل رئيسي في زعزعة الاستقرار الإقليمي، من خلال التعنت المؤسسي في إدارة ملف الأمن المائي لحوض النيل، والانخراط الوظيفي في صراعات جوارها القومي كالسودان والصومال خدمة لأجندات خارجية، فضلاً عن تقويض القواعد الحاكمة للعمل الدبلوماسي الإفريقي والدولي. إن تفكيك هذه البنية الفكرية والسياسية يمثل ضرورة ملحة لرصد أبعاد التهديد الوجودي الذي تفرضه هذه السياسات على السلم والأمن في الإقليم.

المحور الأول: الجذور العقدية والنبوءات المؤسسة لتفكير أبي أحمد

تستند عقيدة رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد إلى جذور عميقة ونبوءات مبكرة غذت طموحه السياسي والشخصي منذ الطفولة؛ فقد كانت والدته تهمس في أذنه مراراً وتكراراً بأنه سيكون “الملك السابع لإثيوبيا”، وهي النبوءة التي تركت أثراً عميقاً في وجدانه وصاغت رؤيته لنفسه باعتباره شخصية استثنائية ومحورية. لقد نشأ أبي أحمد في بيئة ريفية متواضعة لأب مسلم وأم مسيحية بروتستانتية خماسية، وشهدت طفولته توترات دقيقة بين الهويات الدينية والإثنية، مما منحه قدرة عالية على التلون الأيديولوجي واستخدام الخطاب الديني بحسب الحاجة لاستقطاب الجماهير وتجييش المشاعر الشعبية خلف مشروعه.

ومع انخراطه المبكر في الكنائس الخماسية التي تؤمن بـ “اللاهوت الخلاصي” وتتبنى فهماً حرفياً للنبوءات والمعجزات، انعكس ذلك بوضوح على خطابه السياسي؛ إذ يغلب عليه طابع اليقين المطلق وتصوير صراعاته على أنها معركة بين الخير والشر. إنه يقدم نفسه دائماً كمنقذ مُختار ومكلف من الرب بمهمة مقدسة لا تقبل التراجع، تتمثل في إعادة إحياء الإمبراطورية الإثيوبية التاريخية واستعادة أمجادها الغابرة، متأثراً بتلك النشأة التي غرست في نفسه قناعة راسخة بأنه قدر محتوم لبلاده ومنطقة القرن الإفريقي بأسرها.

وبالتوازي مع ذلك، انضم في شبابه إلى المنظمة الديمقراطية لشعوب أورومو، وتشرب الأدلجة القومية الأورومية الممزوجة بالرغبة في تصحيح المظالم التاريخية المزعومة، ليتحول لاحقاً نحو صياغة فلسفة سياسية خاصة عرفت بـ “الميدمر” أو التآزر والتكامل. وعلى الرغم من أن هذه الفلسفة تُروج ظاهرياً كدعوة للوحدة وتجاوز الخلافات، إلا أنها في باطنها أداة لتفكيك الهياكل الفيدرالية القديمة وصهر الجميع تحت زعامة مركزية مطلقة يسيطر عليها هو ونخبته الجديدة، مستخدماً إياها كغطاء أيديولوجي لإحكام القبضة على مقاليد السلطة في البلاد.

وتتبلور هذه العقيدة في ثنائية استراتيجية مركزية تحكم كافة سياساته الإقليمية، وتقوم على قاعدتين أساسيتين لا تقبلان المساومة في نظره؛ وهما: الوصول الدائم إلى البحر الأحمر، والاستخدام المطلق والأحادية في السيطرة على نهر النيل. يرى أبي أحمد أن تحقيق الحلم الإمبراطوري يقتضي كسر “العزلة الجغرافية” التاريخية عبر فرض السيطرة أو الحصول على موطئ قدم بحري على السواحل المجاورة، باعتبار البحر الأحمر الحد الجغرافي الطبيعي لإثيوبيا الذي يجب استعادته مهما كانت التكاليف والتهديدات التي يفرضها ذلك على سيادة دول الجوار.

وفي ذات السياق، يتعامل مع نهر النيل باعتباره مورداً استراتيجياً واحتكارياً خالصاً لبلاده، حيث يعبر مشروع سد النهضة والسياسات المائية الأحادية عن جوهر هذه العقيدة الاستعلاعية، التي ترفض الاعتراف بالحقوق التاريخية والقانونية لدول المصب كفروست فرض الأمر الواقع. إنه ينطلق من قناعة دينية وسياسية راسخة بأن إثيوبيا هي سيدة الموارد والمنطقة، وأن تسخير النيل ومقدراته هو السبيل الأوحد لتكريس هيمنتها الإقليمية، مستعداً للتضحية باستقرار المنطقة وشعبه في سبيل تحقيق طموحاته الشخصية والإمبراطورية.

المحور الثاني: انعكاسات عقيدة أبي أحمد على أمن واستقرار القرن الإفريقي

إن التقاطع بين عقيدة أبي أحمد الإمبراطورية، والتعنت البنيوي في إدارة الملفات الاستراتيجية، وارتهان قراره لأجندات خارجية، أدى إلى تحويل إثيوبيا في عهده إلى مركز دائم للتوتر والاضطراب في منطقة القرن الإفريقي. فلم تقتصر تداعيات هذه السياسات على الداخل الإثيوبي وتفكك نسيجه فحسب، بل امتدت لتشمل جوارها المباشر، متسببة في أزمات وجودية وأمنية هددت الاستقرار الإقليمي بأسره، وتتجلى هذه التداعيات والانعكاسات المفصلة في المسارات التالية:

أولاً: التعنت المائي وأزمة سد النهضة والتمادي في المشاريع الأحادية:

بسبب عقلية التعنت والرفض التام لمسار التوافق القانوني، واستناداً إلى عقيدة الاستفادة الأحادية من مياه النهر دون أدنى اعتبار لمخاطر إلحاق الأضرار الجسيمة بدول حوض النهر، مرت سنوات عدة وإثيوبيا ما زالت تراوغ وتتمسك بموقفها المتعنت مع مصر والسودان حول أزمة السد الإثيوبي. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل تمادت أديس أبابا في سياساتها العدائية متحدثة عن خطط لهندسة وبناء خمسة سدود إضافية على نهر النيل بالمخالفة لكافة الأعراف والمواثيق الدولية، وبدون أدنى تنسيق أو رجوع للدول المشاركة في مياه النهر. هذا التعنت المستمر والتوتر الناشب مع القاهرة لم يقتصر ضرره على الإضرار بالمصالح الحيوية لمصر فحسب، بل أسس لسابقة خطيرة في العلاقات الدولية تهدم مبدأ الإدارة المشتركة للأنهار الدولية وتهدد الأمن المائي لأكثر من مئة مليون مواطن مصري.

علاوة على ذلك، تستخدم المؤسسة الحاكمة في أديس أبابا ورقة المياه كأداة ضغط سياسي واستعراض للقوة الإقليمية، متجاهلة تماماً المعاهدات التاريخية ومبادئ القانون الدولي المتعلقة بالأنهار الدولية العابرة للحدود. إن هذا السلوك المائي العدائي ينم عن استراتيجية ممنهجة لفرض سياسة الأمر الواقع وتحويل الموارد الطبيعية المشتركة إلى أدوات هيمنة جيوسياسية، مما يضع المنطقة بأسرها على صفيح ساخن ويقوض أي فرص حقيقية للتكامل الإقليمي المستدام القائم على الشراكة واحترام سيادة ومصالح الدول الأخرى.

ثانياً: البراغماتية الوظيفية والارتهان المالي على حساب أمن الجوار السوداني:

تنعكس عقيدة أبي أحمد القائمة على “المصلحة أولاً” في براغماتية مشوهة ومرونة تكتيكية خاضعة للتمويل الأجنبي؛ فحين عرضت دولة إقليمية خليجية ضخ مئات ملايين الدولارات لإنقاذ خزينة أديس أبابا المأزومة وسط الانهيار الاقتصادي المتسارع وتدني الأحوال العامة، لم تتردد حكومة أبي أحمد في الانخراط بوظيفة وكيل إقليمي لخدمة أجندات تخريبية في السودان الشقيق. وقد تمثل ذلك عملياً في فتح الأراضي الإثيوبية لمعسكرات تدريب عناصر قوات الدعم السريع، ونقل المصابين والجرحى من المليشيات لتلقي العلاج في المستشفيات الإثيوبية، وتقديم تسهيلات لوجستية عبر المطارات في الجهة الشرقية، وصولاً إلى تورط استخباراتي وعسكري في ضرب مناطق لوجستية تابعة للجيش الوطني السوداني. هذه الممارسات العدائية دفعت الحكومة السودانية إلى إدانة حكومة أبي أحمد بأشد العبارات لتورطها السافر في زعزعة استقرار البلاد ودعم مليشيات مسلحة تهدد الأمن القومي والمؤسسات الوطنية السودانية.

ولا يتوقف البعد الاستراتيجي لهذا التدخل عند حدود الدعم اللوجستي والعسكري العابر للحدود، بل يعكس فهماً مقلوباً للأمن القومي الإثيوبي الذي يرى في إضعاف واستنزاف مؤسسات الدولة السودانية مصلحة استراتيجية تمنع قيام دولة قوية على حدوده الغربية قادرة على التنسيق مع القاهرة في الملفات المصيرية. إن هذا الانخراط الوظيفي في صراعات الجوار يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن النظام الحالي في أديس أبابا لا يقيم وزناً للأعراف الدبلوماسية أو حسن الجوار متى ما تعلق الأمر بالمكاسب المالية السريعة والأجندات الإقليمية المشبوهة التي تهدف إلى إعادة هندسة الإقليم على حساب استقرار شعوبه.

 ثالثاً: الانفجار الداخلي وتشكيل جبهات التحالف المسلح ضد ديكتاتورية حزب الازدهار:

نتيجة لعقيدته المعقدة ونظرته الإمبراطورية المتعالية التي تتجاهل البنية الفيدرالية وتهمش الأقاليم والمناطق الحدودية مثل أمهرة وتيغراي وباقي القوميات، انفجر الوضع الداخلي في وجه نظام أبي أحمد وحزبه (الازدهار). هذا الاستبداد والإقصاء المنهجي أدى إلى تشكيل تحالفات مسلحة غير مسبوقة، تجسدت في ائتلاف حركات مسلحة من مناطق وأقاليم مختلفة تحت مظلة واسعة باسم تحالف “تسميدو” تهدف إلى إسقاط النظام الديكتاتوري لابي أحمد وحزبه، مما يضع الدولة الإثيوبية برمتها على حافة تفكك شامل وحرب أهلية عارمة تعكس هشاشة البنيان السياسي الذي أقامة نظامه.

وقد أسفر هذا النهج الإقصائي عن تآكل الشرعية الدستورية والسياسية لنظام حزب الازدهار، بعد أن تحولت إثيوبيا إلى ساحة حرب مفتوحة تعاني من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان واستخدام ممنهج لسلاح التجويع والتهجير القسري ضد المدنيين في الأقاليم الثائرة. إن اتساع رقعة المواجهات المسلحة وانضمام مختلف الكيانات الإثنية إلى خيار المواجهة الشاملة يبرهن على أن القبضة الأمنية المفرطة التي يعتمد عليها أبي أحمد لم تعد قادرة على كبح جماح الغضب الشعبي والتناقضات العرقية العميقة، مما ينذر بانهيار دراماتيكي لهيكل الدولة المركزية المزعومة.

رابعاً: العزلة الدبلوماسية وتأزم العلاقات مع مقديشو عبر ملف السيادة البحرية:

تجسيداً لرغبته المحمومة في تحقيق هدفه الاستراتيجي بالوصول إلى البحر الأحمر بأي ثمن، تورط أبي أحمد في توقيع مذكرة تفاهم غير قانونية مع إقليم “أرض الصومال” غير المعترف به دولياً، في انتهاك صارخ لسيادة الدولة الصومالية ووحدة أراضيها ومبادئ القانون الدولي وميثاق الاتحاد الإفريقي. هذه الخطوة أدت إلى توتر بالغ الخطورة في العلاقات مع مقديشو التي اعتبرت الخطوة عدواناً سافراً وتعدياً على سيادتها، مما ألقى بظلاله الكارثية على استقرار منطقة القرن الإفريقي، وألحق ضرراً بالغاً بالسمعة الدبلوماسية لإثيوبيا ومصداقيتها الإقليمية والدولية، لاسيما في مواجهة المواقف الحازمة للاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية المتمسكة بوحدة الصومال ورفض المساس بسيادته.

هذه الخطوة غير المتقيَّدة بالحسابات الدبلوماسية السليمة كشفت عن القصور الاستراتيجي الذي تتسم به القيادة الإثيوبية الحالية في التعاطي مع قضايا السلم والأمن الدوليين، حيث فضلت الاندفاع نحو خيارات أحادية ولو على حساب إشعال توترات جديدة في منطقة عانت طويلاً من النزاعات. إن رفض المجتمع الدولي والقوى الإقليمية الكبرى لهذه التفاهمات الباطلة وضع أديس أبابا في موقف عزلة دبلوماسية غير مسبوقة، وأثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن سياسات أبي أحمد التوسعية أصبحت المصدر الأساسي لتقويض الاستقرار الإقليمي وتهديد السلم والأمن في القارة الإفريقية.

 

ختامًا، يتبين أن العقيدة السياسية والإمبراطورية لرئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد قد أفضت إلى تحويل أديس أبابا من فاعل إقليمي واعد إلى مصدر دائم للتوتر والتهديد الاستراتيجي في منطقة القرن الإفريقي وحوض النيل؛ فمن خلال التعنت المائي، والارتهان للوكالة الإقليمية والتمويل الخارجى، وتأجيج الصراعات البينية والمغامرات الحدودية، نجح نظامه في تقويض ركائز الأمن والاستقرار الإقليمي. وإن هذا النهج الهش والصدامي لا يهدد استقرار دول الجوار فحسب، بل يضع الدولة الإثيوبية نفسها على حافة تفكك بنيوي شامل، مما يجعل التصدّي لهذه السياسات وإعادة ضبط التوازنات الإقليمية ضرورة حتمية لحماية السلم والأمن في القارة الإفريقية.

 

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version