أ/ ورده عبد الرازق
تتسم العلاقات التركية الإسرائيلية بتقلبات مستمرة ترتبط بتفاعل الطرفين داخل بيئة إقليمية شديدة التعقيد، وقد ازداد التوتر بينهما مؤخرا مع بروز خلافات حول مستقبل الترتيبات الأمنية في غزة؛ فقد شكل رفض إسرائيل المتواصل مشاركة تركيا ضمن القوة الدولية المقترحة للاستقرار في القطاع نقطة احتكاك جديدة، إذ تراه أنقرة مؤشرًا على محاولة للحد من حضورها الإقليمي وتقليص دورها في ملف تعتبره محورا أساسيا في سياستها الخارجية. وقد عمق هذا التطور حالة انعدام الثقة بين الجانبين، خصوصًا في ضوء التنافس القائم على النفوذ في الساحة السورية وتقاطعات الأدوار الإقليمية. وفي هذا السياق، تناقش هذه الورقة مؤشرات تصاعد التوتر في العلاقات التركية–الإسرائيلية، والحدود المحتملة للتصعيد، والآليات التي تعتمدها تركيا لمواجهة ما تعتبره تهديدًا لمجال نفوذها الإقليمي.
ملامح التصعيد
شهدت الفترة الأخيرة تصاعدا ملحوظاً في حدة التوتر بين تركيا وإسرائيل، بما يعكس توسع نطاق الخلافات بين الجانبين وتراكم الملفات الخلافية التي تؤثر في مسار العلاقات الثنائية. ويمكن تناول أبرز مظاهر هذا التوتر في الآتي:
الاعتراف الإسرائيلي بتورط تركيا في “إبادة الأرمن”: فقد أحدثت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أغسطس الماضي بوصف أحداث 1915 “إبادة جماعية” تحولا بارزاً في مسار العلاقات التركية الإسرائيلية، لما يحمله هذا الملف من حساسية شديدة داخل الذاكرة السياسية التركية؛ فأنقرة تنظر إلى هذا الموضوع باعتباره ورقة ضغط يمكن استخدامها للتشكيك في شرعيتها التاريخية وتقليص حضورها الإقليمي. ورغم حرص الحكومات الإسرائيلية السابقة على تجنب تبني موقف رسمي من هذه القضية لعقود حفاظًا على العلاقات مع تركيا، فإن تصريح نتنياهو جاء في لحظة تتصاعد فيها حدة التوتر بين الطرفين، لاسيما مع الخلافات القائمة حول العدوان على غزة. ورغم عدم طرح الملف للنقاش في البرلمان التركي، فإن التصريح أضيف إلى سلسلة من التطورات التي عمّقت شعور أنقرة بأن إسرائيل تستخدم ملفات حساسة لإضعاف موقفها في قضايا إقليمية رئيسية. فالملف الأرمني كان ولا يزال يستخدم ضد أنقرة كورقة ضغط في لحظات سياسية حرجة، خاصة وأن الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن سبق وأعلن اعترافه بالمذبحة في ٢٠٢١.
التحركات التركية المضادة: في إطار الحرب الإسرائيلية على غزة، أعلنت تركيا تعليق التبادل التجاري مع إسرائيل، كما وصف أردوغان إسرائيل ب “دولة إرهاب” وذهب إلى تشبيه نتنياهو بزعماء فاشيين، مثل هتلر وموسوليني. وردا على تصريحات نتنياهو حول مسألة الأرمن، تم إعلان غلق المجالين الجوي والبحري والموانئ التركي أمام إسرائيل، وقطع العلاقات التجارية بين البلدين، بعدما أعلن وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، أمام جلسة برلمانية استثنائية خصصت للهجوم الإسرائيلي على غزة والوضع الإقليمي في 29 أغسطس 2025، أن أنقرة قطعت جميع علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع إسرائيل. فضلا عن إطلاق تركيا قافلة الصمود التي تحمل نشطاء أتراك لكسر الحصار على غزة في ٣١ أغسطس الماضي، ومصادقة البرلمان التركي على ما أسماه “وثيقة دولة” كمشروع ستقدمه تركيا في الأمم المتحدة لتعليق عضوية إسرائيل بالمنظمة وجميع المنظمات الدولية، بما يعكس انتقال العلاقات الثنائية من حدود التوتر السياسي إلى مستوى أوسع من الضغوط الاقتصادية والسياسية.
التوتر الإعلامي: بعد الضربة الإسرائيلية على إيران في يونيو 2025، تصاعدت تحليلات في الإعلام الإسرائيلي تربط بين هذا التطور واحتمال توسيع نطاق العمليات الإسرائيلية ليشمل دولا أخرى، وكان التركيز على تركيا كإحدى الدول التي قد تتعرض لضغوط محتملة في حال استمرار التصعيد. وقد تناولت صحف مثل هآرتس فكرة أن تركيا قد تكون “الهدف التالي” بعد إيران، في سياق سيناريوهات أمنية متداولة داخل الإعلام الإسرائيلي، وهو ما يعكس القلق المتزايد بشأن تأثير الصراع على العلاقات الثنائية بين أنقرة وتل أبيب. كما برزت تصريحات فردية من شخصيات إعلامية إسرائيلية تؤيد هذا التوجه، مثل الإعلامي إيال بيركوفيتش على القناة 13 الإسرائيلية. وعليه، عمدت بعض برامج التوك شو في تركيا إلى تخصيص فقرات لتحليل الأهداف الإسرائيلية المحتملة وكيفية الرد.
رفض الوجود التركي ضمن قوة الاستقرار في غزة: إذ رفضت إسرائيل بشكل صريح أي مشاركة للقوات التركية المسلحة في قطاع غزة ضمن القوة الدولية المقترحة لترسيخ وقف إطلاق النار ووقف الحرب، وذلك على الرغم من استعداد أنقرة لإرسال قواتها والمشاركة في ترتيبات وقف إطلاق النار. فقد أكد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر والمتحدثة باسم الحكومة الإسرائيلية في مؤتمر صحفي أن إسرائيل لن تسمح بوجود قوات تركية في غزة، باعتبار أن الدول التي ترسل قواتها يجب أن تكون “منصفة تجاه إسرائيل”، وأن نهج تركيا بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان تجاه إسرائيل عدائي، مما يجعل مشاركة قواتها غير مقبولة في نظر تل أبيب.
القضايا القانونية: وتتمثل في سعى تركيا للضغط على إسرائيل عبر المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، وذلك للرد على العمليات العسكرية في غزة؛ وتشمل هذه الجهود تقديم مشاريع قرارات أو “وثائق دولة” تهدف لتعليق عضوية إسرائيل أو فرض ضغوط قانونية على خلفية ما تعتبره أنقرة انتهاكات، وهو مؤشر إضافي على توتر العلاقات بين الطرفين على المستوى الدولي.
خلافات متراكمة
على ما يبدو أن تصريح نتنياهو ناتج عن خلافات جدية في الرؤيتين التركية والإسرائيلية حول بعض الملفات الإقليمية، مما يفتح المجال أمام قراءات متعددة للمشهد، يمكن توضيح أهمها على النحو التالي:
الملف السوري: حيث تقدم إسرائيل نفسها كحامية وداعمة للأقليات السورية، وخاصة الدروز، كما تبدي استعدادا لفتح قنوات تواصل رسمية مع الأكراد، ويعكس هذا النهج تشجيع النزعات الانفصالية ودفع الأقليات، مثل الدروز والعلويين، نحو إنشاء كيانات ذات أهداف انفصالية على غرار المجلس السياسي لغرب ووسط سوريا والحرس الوطني الدرزي. وعليه، يثير هذا التوجه استياء أنقرة، إذ يضعف تنفيذ اتفاق 10 مارس بين قوات سوريا الديمقراطية والشرع القاضي بدمج قسد في الهياكل السياسية والعسكرية لدمشق، ويؤدي إلى المماطلة في التعاون مع تركيا، ما يهدد بإبطاء مشروع تركيا خالية من الإرهاب ويؤثر على أجندة السياسة الداخلية التركية، بما في ذلك المصالحة مع الأكراد وتوسيع نطاق حقوقهم الثقافية والسياسية والاجتماعية.
كما نفذت إسرائيل عمليات عسكرية طالت منشآت ومعدات تركية في سوريا، بما في ذلك تفكيك أجهزة مراقبة واستماع وتركيب معدات دفاع جوي تركية الصنع، إضافة إلى ضرب أهداف في محيط اللاذقية وحمص. وجاءت هذه العمليات عقب زيارة قائد القوة الجوية السورية لأنقرة ولقائه برئيس هيئة الأركان التركي لتعميق التعاون العسكري، في رسالة مفادها أن التنسيق العسكري التركي السوري يجب أن يظل ضمن الخطوط الحمراء الإسرائيلية.
التقارب المصري التركي: شهدت الأسابيع الأخيرة تصاعدا غير مسبوق في حدة التوتر بين تركيا وإسرائيل، خاصة بعد إعلان نتنياهو عزمه إعادة احتلال قطاع غزة بالكامل، وهو ما رأت فيه أنقرة تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي وانتهاكا صارخاً للقانون الدولي. ولم يقتصر الموقف التركي على الانتقادات الشفهية، بل أبدت تركيا، على لسان وزير خارجيتها، هاكان فيدان، خلال زيارته للقاهرة، دعمها للموقف المصري من حرب غزة ورفضها عمليات التهجير، كما أكد هذا الدعم خلال جولاته الخليجية آنذاك. ويعكس التعاون المصري التركي، بما في ذلك إعلان العمل المشترك على إنتاج المسيرات، محاولة لكل من أنقرة والقاهرة تنسيق مواقفهما لحماية مصالحهما الإقليمية، ويمنح تركيا نوعاً من الغطاء العربي في مواجهة إسرائيل.
كما اهتم الإعلام الإسرائيلي، مثل جيروزاليم بوست، بمسألة التعاون العسكري التركي مع مصر، إذ اعتبرها بمثابة مهدد للتوازن الإقليمي، خاصة بعد مشاركة 80 شركة تركية في معرض إيديكس، واستندت التقارير الإسرائيلية إلى أخرى مصرية، بما في ذلك صحيفة الأهرام الرسمية، التي تؤكد على خصوصية العلاقات بين البلدين وتاريخها الطويل، معتبرة أن التنسيق بينهما اليوم أصبح ضرورة استراتيجية لحماية الاستقرار الإقليمي، ولا سيما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.
استهداف وفد حماس التفاوضي في الدوحة: فقد مثل استهداف إسرائيل لوفد حركة حماس التفاوضي في الدوحة يوم 9 سبتمبر تطورا إضافياً في منحنى التوتر بين الجانبين، بعدما اعتبرته أنقرة تصعيداً خطيرًا يحمل رسائل إقليمية لها رغم عدم ارتباطها المباشر بالحادثة. وقد أسهم هذا التحرك في تعزيز شعور تركيا بعدم الثقة تجاه السياسات الإسرائيلية واتساع مخاوفها من اتجاه إسرائيل إلى خطوات أحادية تزيد من تعقيد المشهد الإقليمي، وهو ما عزز بدوره قناعة أنقرة بضرورة رفع مستوى يقظتها السياسية والأمنية في مواجهة ما تعتبره تحركات إسرائيلية مهددة لمصالحها.
التقارب التركي الأمريكي: حيث أشار السفير الأمريكي لدى تركيا توم باراك إلى أن الرئيس الأمريكي ترامب منفتح على فكرة إعادة تركيا إلى برنامج مقاتلات إف 35، كما وافق رسمياً على تسليم أنقرة مقاتلات إف 16، وتشير تقارير صحيفة هارتس إلى أن المسؤولين الإسرائيليين متخوفون من أن يؤدي شراء تركيا لهذه المقاتلات إلى الإضرار بالتفوق الجوي الإسرائيلي. أضف إلى ذلك، تأييده وجود تركيا ضمن قوة الاستقرار في قطاع غزة، مما يعكس دعماً أمريكيا مباشراً لدور أنقرة الإقليمي. ويظهر التوافق بشكل أعمق مع السياسة السورية، حيث تشارك تركيا والولايات المتحدة الرؤية نفسها بشأن حكومة مركزية موحدة لسوريا، وهو ما يتطلب تعزيز شرعية المؤسسات السورية ورفع بعض القيود والعقوبات السابقة المفروضة على دمشق بعد زيارة الرئيس السوري إلى الولايات المتحدة مؤخراً. ويعكس هذا التوافق الاستراتيجي بين أنقرة وواشنطن دعما متبادلا لمصالحهما الإقليمية، ويزيد من حساسية إسرائيل تجاه الدور التركي في المنطقة، خصوصا فيما يتعلق بقطاع غزة وقضايا الأمن الإقليمي.
وختاما، تسعى تركيا إلى استثمار خطابها السياسي الحاد ضد إسرائيل لتعزيز حضورها الشعبي والإقليمي، غير أنها تدرك من جهة أخرى أن أي قطيعة مع إسرائيل ستضعف اقتصادها وتفقدها أوراقاً مهمة في علاقاتها مع الغرب. وبالتالي يظل التوتر التركي الإسرائيلي جزءًا من معادلة أكثر تعقيدا، تسمح لأنقرة من ناحية بأن ترفع سقف انتقاداتها لإسرائيل سياسيا، بينما تبقي على شراكة اقتصادية تضمن لها الاستقرار في معادلة الأسواق العالمية، وهو ما يجعل العلاقة بين البلدين تصنف بأنها علاقة “تعايش مع الخلاف”، تمكن الطرفان من إدارة خلافاتهما في السياسة والأمن، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تهدد مصالحهما المتبادلة.

