يرصد هذا التحليل الإعلامي كيف أعاد المجمع الصناعي-التكنولوجي-الاستخباراتي الإسرائيلي تعريفَ مفهوم الاستقلالية الاستراتيجية، ليس على مستوى القرار السياسي الخالص، بل من خلال الخطاب الإعلامي المُوجَّه وروايات منصات التواصل الاجتماعي التي باتت تُصنع الإدراك قبل أن تُصنع السياسات.
أولاً : قبل أن نقرأ الخبر، كيف تُعاد كتابة المعنى؟
حين تُطلق شركة “إلبيت” الإسرائيلية بياناً عن منظومة ذكاء اصطناعي جديدة لتحليل صور الاستخبارات، لا يُعيد المتلقي الدولي قراءة الخبر بوصفه إعلاناً تجارياً. يقرؤه بوصفه رسالة.
هذا هو جوهر المشكلة الإعلامية التي تُهيمن على المشهد الأمني الإسرائيلي في الفضاء الرقمي: أن كل حدث تقني أو صناعي أو استخباراتي يُحوَّل تلقائياً عبر آليات الإعلام والسوشيال ميديا إلى خطاب قوة. والخطاب هنا ليس تعليقاً على القوة، بل هو القوة ذاتها في صورتها الاتصالية.
المجمع الصناعي-التكنولوجي-الاستخباراتي ليس مفهوماً أكاديمياً مغلقاً بين دفتي كتاب متخصص. إنه اليوم ظاهرة إعلامية رقمية حية، تتشكّل روايتها على تويتر/إكس وتيليغرام ولينكدإن ومنابر البودكاست الاستراتيجية، وتُعيد كل يوم رسم حدود ما يُعدّ “قوةً مستقلة” في عالمٍ لم تعد فيه الدبابة أهمَّ من خوارزمية.
الاستقلالية الاستراتيجية الجديدة لا تُقاس بعدد الصواريخ، بل بمن يملك البيانات ومن يملك رواية البيانات.
ثانياً: تشريح المجمع، أربعة وجوه إعلامية لكيان واحد
حين نتحدث عن المجمع الصناعي-التكنولوجي-الاستخباراتي الإسرائيلي، نحن لا نتحدث عن بنية صلبة موحدة لها ناطق رسمي ومقر معلن، نتحدث عن نسيج من العلاقات بين الجيش والاستخبارات وشركات التكنولوجيا والجامعات وصناديق الاستثمار الجريء، وهو نسيج يظهر في الإعلام بأوجه مختلفة تكاد تبدو متناقضة.
الوجه الأول: صورة الابتكار المدني البراق
على منصة لينكدإن، تحتل شركات التكنولوجيا الإسرائيلية من أمثال “NSO Group” ،Cellebrite” ،“Check Point” ،“CyberArk” مكانة استثنائية في خطاب الابتكار الرقمي العالمي، وتُقدَّم هذه الشركات في الغالب بوصفها نماذج ريادية في السوق المدني، فيما تظل عتبة الاستخدام الاستخباراتي الأمني غائبة أو مُهمَّشة في الحديث الإعلامي المعتاد.
وهذا الغياب ليس عفوياً، إنه تصميم خطابي يضطلع به مسؤولو العلاقات العامة وكتّاب المحتوى والمحررون الشركاتيون في إعادة إنتاج صورة المجمع بوصفه صناعة معرفية لا صناعة حرب، تُصوَّر خوارزميات التعرف على الوجه على أنها ابتكار في أمن المطارات، وتُصوَّر أنظمة مراقبة الاتصالات على أنها حلول ذكاء اصطناعي للأعمال.
الوجه الثاني: الاستشهاد بالحرب بوصفها معمل ابتكار
في خطاب إعلامي لافت اتسع منذ حرب أكتوبر 2023، بدأت وسائل الإعلام الإسرائيلية وعدد من المنابر الغربية المتخصصة في الدفاع توظيفَ الحرب ذاتها بوصفها دليلاً على فاعلية المنظومة التكنولوجية، تقارير كالكاليست الاقتصادية وتحليلات Defense News ، تتحدث عن غزة بوصفها بيئة اختبار حية لأنظمة الذكاء الاصطناعي القتالي، وهو إطار تأطيري يستدعي ردود فعل دولية حادة لكنه يظل حاضراً بقوة في الخطاب الصناعي-الأمني.
على منصة X، تنتشر هذه السردية في شكل خيوط تحليلية (Threads) تستشهد بأداء منظومات مثل الضربات الدقيقة المؤتمتة أو المنظومة الهجومية المعرفية، دليلاً على تفوق المجمع، ويُعيد الإعلام الغربي التقني – من MIT Technology Review إلى Wired – ، توزيع هذه الروايات بعد تحريرها في قوالب أكاديمية أكثر بروداً، مما يُضفي عليها شرعيةً تحريريةً إضافية.
الوجه الثالث: الاستقلالية تُعلَن قبل أن تُثبَت
في خطاب السوشيال ميديا الإسرائيلي المتعلق بالأمن، ثمة نمط متكرر: الإعلان الاستباقي عن الاستقلالية التكنولوجية قبل أن تُستكمل المنظومة أو يُثبت أداؤها، منظومة الدفاع الصاروخي مقلاع داود، ومنظومة الليزر “المقلاع الحديدي”، وأنظمة الاستهداف بالذكاء الاصطناعي كلها أُعلنت إعلامياً بوصفها إنجازات تحوّلية قبل اختبارها في ظروف الحرب الكاملة.
هذا الإعلان المبكر يؤدي وظيفةً إعلامية محددة، يُرسّخ صورة الاكتفاء الذاتي التكنولوجي في الوعي الجمعي المحلي والإقليمي، ويُقلّل نظرياً من الاعتماد على السردية الأمريكية الداعمة، ويُنتج ما يمكن تسميته الاستقلالية الإدراكية، التي تسبق الاستقلالية الفعلية وأحياناً تستغني عنها.
الوجه الرابع: سردية الشركة الناشئة في الأمة
لا يمكن فهم البعد الإعلامي للمجمع دون استيعاب ما بات يُعرف بـStartup Nation Narrative سردية الأمة الشركة الناشئة، التي تُسوّق إسرائيل بوصفها نموذجاً عالمياً في تحويل التحديات الأمنية إلى طاقة ابتكارية، كتاب أمة الشركات الناشئة للمؤلفَين دان سينور وساؤول سينغر ، الذي تُرجم إلى أكثر من عشرين لغة، ولا يزال المرجع الإعلامي الأكثر توظيفاً في هذا الإطار على منصات التواصل الاجتماعي الدولية.
والأهم إعلامياً أن هذه السردية تحوّلت من كتاب ومقالات رأي إلى هاشتاجات ومحتوى مرئي ورحلات دراسية لرجال أعمال ووفود حكومية، وبهذا التحول، انتقل المجمع من صورته الصناعية الأمنية إلى صورته الاستثمارية الإلهامية في الإدراك الدولي.
ثالثاً — السوشيال ميديا: ساحة الاستقلالية الاستراتيجية الجديدة
لم تعد السوشيال ميديا مجرد ناقل للرسائل الاستراتيجية الإسرائيلية ، بل أصبحت المكان الذي تُولد فيه هذه الرسائل وتُختبر وتُعاد صياغتها في الزمن الحقيقي.
تويتر/إكس: مختبر الفرضيات الاستراتيجية
على منصة تويتر/إكس، ظهر خلال السنوات الأخيرة نمط واضح، محللون أمنيون إسرائيليون يعملون بحسابات موثقة، ينشرون خيوطاً تحليلية (Threads) تستعرض تفاصيل تقنية دقيقة عن منظومات المجمع الصناعي الاستخباراتي، هذه الخيوط ، التي كثيراً ما تُحقق عشرات الآلاف من التفاعلات، لا تُصنَّف في خانة الإعلام الرسمي، غير أنها تؤدي وظيفة خطابية موازية لبيانات المتحدث العسكري.
الفارق الجوهري أن هذا الخطاب يصل إلى جمهور دولي من الصحفيين والمحللين ومراكز الفكر والدبلوماسيين الذين لن يتابعوا البيان العسكري الرسمي بالضرورة، وهكذا تُؤدي السوشيال ميديا وظيفة الاختراق المجتمعي للخطاب الاستراتيجي الإسرائيلي في بيئات إعلامية كانت مغلقة في السابق أمامه.
ظاهرة الـ Miltech Influencer
رصدت دراسة صادرة عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى ظاهرة تنامي ما يُسمى بـمؤثري التكنولوجيا العسكرية (Miltech Influencers) على يوتيوب وإكس، أفراد من خلفيات أكاديمية أو عسكرية سابقة يُنتجون محتوى احترافي مرئياً عن منظومات المجمع، يصل بعض هذا المحتوى إلى ملايين المشاهدات، ويُمارس تأثيراً حقيقياً على نقاشات السياسة الدولية.
التيليجرام: الخطاب المضاد والحرب على السردية
في حين تُهيمن السردية الإسرائيلية على منصات الإعلام الغربي، يُقدّم تيليجرام مشهداً مختلفاً جذرياً. قنوات حزب الله وحماس والفصائل الإيرانية المدعومة تنتج محتوى مصوراً واسع الانتشار يُقدّم تدمير معدات المجمع أو اختراق منظوماته الإلكترونية بوصفه انتصارات رمزية على الاستقلالية التكنولوجية الإسرائيلية.
وتكمن خطورة هذا الخطاب المضاد إعلامياً في أنه لا يحتاج إلى الصدق ليكون فاعلاً ، يحتاج فقط إلى الانتشار، ومع كل مقطع مصور يُظهر درون مُسقطاً أو منظومة رادار متضررة، تتشقق رواية الاستقلالية التكنولوجية الإسرائيلية قليلاً في الوعي الجمعي الإقليمي، حتى لو كانت الصورة مُزوَّرة أو سياقها مُحرَّفاً.
الحرب على السردية لا تُكسب بالحقيقة وحدها، بل بمن يملك سرعة الانتشار وسعة الوصول.
اليوتيوب: التأريخ المرئي للمجمع
اكتسب اليوتيوب أهمية خاصة بوصفه أرشيفاً مرئياً للمجمع الصناعي-الاستخباراتي الإسرائيلي. وثائقيات شركات الدفاع، وتسجيلات مؤتمرات Cyber Week في جامعة تل أبيب، ولقطات الإعلانات التجارية للشركات الأمنية، وتقارير قنوات مثل DW وBBC Arabic، كلها تُكوّن معاً ذاكرة بصرية متاحة للعالم تُعيد رسم صورة المجمع بين عرضٍ للقوة وعرضٍ لـالحلول الأمنية.
والملاحظ إعلامياً أن المحتوى المدني الترويجي لهذه الشركات يُحقق مشاهدات أعلى بكثير من التحقيقات الصحفية النقدية، ما يُنتج بيئة خوارزمية تُعزز الرواية الإيجابية للمجمع بشكل عضوي وليس بالضرورة موجَّهاً.
رابعاً : إعادة تعريف الاستقلالية، من المصنع إلى المنصة
السؤال الجوهري الذي يطرحه المشهد الإعلامي اليوم، ماذا تعني الاستقلالية الاستراتيجية حين ينتقل ميدانها من مصانع الأسلحة إلى خوادم البيانات ومن منصات الإطلاق إلى منصات التواصل؟
من استقلالية الإنتاج إلى استقلالية الرواية
الاستقلالية الاستراتيجية في صيغتها الكلاسيكية كانت تعني القدرة على إنتاج السلاح ذاتياً دون الاعتماد على المورد الخارجي، أما في عصر المجمع الصناعي- التكنولوجي- الاستخباراتي الإسرائيلي، فقد اتسع المفهوم ليشمل القدرة على إنتاج الرواية ذاتياً، أي صياغة الخطاب حول المنظومة بمعزل نسبي عن الاعتماد على وسائل الإعلام الأجنبية وأطرها التحريرية.
ما يميز الحالة الإسرائيلية إعلامياً هو امتلاكها بنيةً إعلامية مزدوجة، إعلام رسمي يتحدث للداخل بلغة الصمود والتفوق، وإعلام موجَّه للخارج يتحدث بلغة الشراكة والابتكار، وبين هذين المستويين يُبنى الإدراك الدولي عن الاستقلالية الاستراتيجية الإسرائيلية.
آلية عمل الرواية الإعلامية في إنتاج الاستقلالية الإدراكية
تعمل الرواية الإعلامية على إنتاج ما يمكن تسميته الاستقلالية الإدراكية عبر ثلاث آليات متداخلة يمكن رصدها في الخطاب الرقمي اليومي:
الآلية الأولى : الإعلان المسبق ورسم الحدود
حين تُعلن إسرائيل عبر وسائل الإعلام المتخصصة عن تطوير منظومة تكنولوجية جديدة، حتى لو كانت في مراحلها الأولى، فإنها ترسم في الوعي الإعلامي الإقليمي والدولي حدوداً لما يُعدّ الممكن التكنولوجي من جهة، والخط الذي لا ينبغي اختباره من جهة أخرى، هذا الرسم الإعلامي المسبق يؤدي وظيفة الردع الإدراكي.
الآلية الثانية : الاحتفاء الدولي واستعادته
حين تحصل شركة إسرائيلية ناشئة على تمويل أمريكي أو أوروبي ضخم، أو حين يفوز نظام أمني إسرائيلي بعقد دولي كبير، تُعيد وسائل الإعلام الإسرائيلية استعادة هذا الاحتفاء بوصفه شهادة دولية على مكانة الاستقلالية التكنولوجية، وبهذه الاستعادة الإعلامية، يتحول القرار الاستثماري الأجنبي إلى دليل على السيادة التكنولوجية في الخطاب الداخلي.
الآلية الثالثة : توظيف الانتقاد بوصفه اعترافاً
والأكثر دلالةً إعلامياً أن الانتقادات الدولية لمنظومات المجمع ، كالتقارير الأممية عن استخدام منظومة بيغاسوس أو مخاوف الاتحاد الأوروبي من Cellebrite تُستثمر إعلامياً إسرائيلياً بوصفها دليلاً على أثر المنظومة ووصولها إلى مستوى يستحق الاهتمام الدولي، هكذا يُقلب الانتقاد إلى شهادة، والمساءلة إلى اعتراف ضمني بالاستقلالية.
حالة نموذجية: NSO Group وأزمة بيغاسوس إعلامياً
حين كشفت تحقيقات مشروع بيغاسوس في يوليو 2021 عن استخدام برنامج التجسس الإسرائيلي لمراقبة صحفيين وناشطين حول العالم، تصادمت روايتان إعلاميتان: الأولى دولية تُطالب بالمساءلة وتُعرّف المجمع بوصفه أداة قمع، والثانية إسرائيلية داخلية تُقدّم الحادثة بوصفها دليلاً على التفوق التكنولوجي الذي أثار حسد المنافسين، كلا الروايتين تعمل على تثبيت صورة الاستقلالية الاستراتيجية ، لكن بعلامات أيديولوجية متعاكسة.
خامساً : الروايات المضادة: صدوع في المنطقة المظلمة
لا يسير الخطاب الإعلامي حول المجمع الصناعي-التكنولوجي-الاستخباراتي الإسرائيلي في اتجاه واحد، ثمة منظومة روايات مضادة نشطة تعمل على تفكيك سردية الاستقلالية الاستراتيجية أو إعادة تأطيرها جذرياً، وهي روايات باتت تجد لها قنوات توزيع رقمية واسعة غير مسبوقة.
الصحافة الاستقصائية الرقمية: الثقب في الجدار
منابر مثل : +972 Magazine” ،“The Intercept” ،Al-Haq” ، أسست نموذجاً صحفياً تحقيقياً يعتمد على مصادر مسرّبة وأدوات تحليل البيانات المفتوحة المصدر (OSINT) لكشف الوجه الخفي للمجمع، هذه المنابر رغم محدودية مواردها قياساً بالإعلام المؤسسي الكب تُحقق اختراقاً إعلامياً واسعاً بفضل قدرتها على التوزيع الرقمي المباشر وتفاعل شبكات المتابعين.
وحين تُنتج هذه المنابر تحقيقاً حول منظومات الاستهداف الآلي أو حول صفقات تصدير تقنيات المراقبة إلى أنظمة سلطوية، تُجبر الخطاب الرسمي الإسرائيلي على الرد الدفاعي، وهو رد يُعترف ضمنياً بأن السردية المضادة قد نجحت في تحديد أجندة النقاش الإعلامي.
الشبكات الأكاديمية وإعادة تأطير المفاهيم
تضطلع مراكز الأبحاث الأكاديمية المتخصصة من جامعة هارفارد إلى معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) ، بدور محوري في إعادة تأطير مفهوم الاستقلالية الاستراتيجية بمصطلحية نقدية. هذه المراكز لا تُقدّم المجمع بوصفه نموذج ابتكار، بل بوصفه ظاهرة انتشار تقنية تُثير إشكاليات قانونية وأخلاقية وأمنية دولية.
وعلى منصة لينكدإن وتويتر، وإكس، يُنتج أكاديميون من هذه المؤسسات محتوى رقمياً يُوصَّل مباشرة إلى صانعي القرار والصحفيين والمحللين، مشكّلاً ضغطاً خطابياً تدريجياً على الصورة الإعلامية للمجمع.
الاستقلالية التكنولوجية التي لا تخضع لمساءلة ديمقراطية هي شكل آخر من أشكال الهشاشة الاستراتيجية.
سادساً : قراءة في ما تقوله السوشيال ميديا ولا تقوله
الفضاء الرقمي لا يعكس الواقع بل يُعيد تأليفه، وفي ما يخص المجمع الصناعي التكنولوجي الاستخباراتي الإسرائيلي، تتجلى هذه الإعادة في ثلاث مناطق صمت مثيرة للانتباه.
ما لا تقوله السوشيال ميديا الإسرائيلية
تغيب من الخطاب الرقمي الإسرائيلي المرتبط بالمجمع ثلاثة موضوعات جوهرية بشكل لافت: أولها : حجم الاعتماد على التصدير كشرط لاستدامة الصناعة، إذ إن الجزء الأكبر من فاعلية المجمع يعتمد على السوق الدولية لا على الطلب الداخلي وحده، وثانيها: إشكاليات التمييز في منظومات الذكاء الاصطناعي العسكري التي تُثيرها تقارير حقوقية معمّقة، وثالثها: التساؤلات المتزايدة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ذاتها حول حدود الاستقلالية التكنولوجية وأثمانها الاجتماعية والسياسية.
ما تُضخّمه السوشيال ميديا بصورة غير متناسبة
في المقابل، تُضخّم السوشيال ميديا بصورة غير متناسبة ثلاثة محاور في خطاب المجمع: الأول هو جاهزية المنظومات وفاعليتها في مواجهة التحديات الأمنية، بما يُرسّخ صورة التفوق الاستراتيجي، والثاني : هو المقارنة مع قدرات الجيران الإقليميين بأسلوب انتقائي يُبرز نقاط القوة ويُهمّش نقاط التقارب، والثالث: هو الاحتفاء بالاعتراف الدولي الانتقائي جوائز الابتكار، وقرارات الاستثمار الأجنبي، والشراكات الأكاديمية بوصفه تأشيرة استراتيجية يُحمل أكثر مما تحتمل دلالتها الفعلية.
خاتمة: حين تُصبح الرواية هي السلاح
المجمع الصناعي التكنولوجي الاستخباراتي الإسرائيلي لا يعيش في المصانع وحدها يعيش في التغريدات والخيوط التحليلية والوثائقيات وتقارير مراكز الفكر والمقالات الرأي والمحادثات المشفّرة، وإعادة تعريف الاستقلالية الاستراتيجية التي يُقدّمها هذا المجمع هي في جوهرها مشروع إعلامي قبل أن تكون مشروعاً صناعياً.
ما يعيد رسم حدود القوة في هذا العصر ليس فقط ما تصنعه الدولة من منظومات، بل ما تستطيع الدولة أن تجعل العالم يُدرك أنها تصنعه، والإدراك الإعلامي لا يأتي بذاته يُبنى بوعي ومنهجية عبر شبكة متكاملة من الخطابات والأطر والقنوات والبوابات.
والحقيقة الإعلامية المُركَّبة في هذه المسألة هي أن المجمع الصناعي التكنولوجي الاستخباراتي الإسرائيلي لم يكتفِ باستثمار الإعلام أداةً للتسويق، بل جعل الإعلام جزءاً لا يتجزأ من بنيته الاستراتيجية ذاتها، وهذا ما يجعل من دراسة خطابه الإعلامي ضرورة لا ترفاً أكاديمياً، لأنك حين تفهم كيف تُصنع الرواية، تفهم أيضاً كيف تُصنع القوة.
الإعلام في هذا الزمن ليس مرآة للاستراتيجية، هو استراتيجية، ومن لا يُدير روايته، تُديره رواية الآخرين.
د. رضا عادل فاضل
