أ/ محمود سامح همام

باحث بوحدة الدرسات الأفريقية

كشفت تقارير وتحقيقات استخباراتية وإعلامية عن وجود تنسيق ودعم لوجستي عبر الأراضي الإثيوبية لصالح قوات الدعم السريع، وهو ما تتزايد مؤشراته الميدانية على أرض الواقع من خلال رصد تحركات وشحنات وإرشادات مرتبطة بهجمات الطائرات المسيرة الموجهة نحو العمق السوداني؛ ومما يثير التساؤلات حول طبيعة هذه التسهيلات التي تحظى بتمويل ورعاية إماراتية، والأهداف والمكاسب الاستراتيجية التي تسعى للتحقيق بها كل جهة من أطراف هذا التحالف.

المحور الأول:

 التسهيلات الإثيوبية الممولة إماراتياً لقوات الدعم السريع ومرتكزات الدعم الميداني

في ظل الأزمات الداخلية المستفحلة التي تعاني منها إثيوبيا، بدءاً من تصاعد نشاط الحركات الانفصالية والنزاعات المسلحة في أقاليمها المختلفة، مروراً بحالة الكساد الاقتصادي الخانق والتضخم الذي تجاوز 30% ونقص العملة الأجنبية، وصولاً إلى حالة النفور والتحفظ من قبل المجتمع الدولي تجاه سياساتها، اتجهت أديس أبابا للانخراط في دعم مليشيا تُزعزع استقرار وأمن دولة السودان ومؤسساتها الوطنية. وتأتي هذه التسهيلات الإثيوبية بدفع ورعاية مباشرة من الإمارات، التي تقود وتُمول هذا المسار كلياً وتُسخر الموارد المالية واللوجستية لتحويل الأراضي الإثيوبية إلى مظلة إسناد استراتيجي لقوات الدعم السريع، عبر المرتكزات والتفاصيل الميدانية التالية:

إنشاء وتجهيز معسكرات التدريب وتجميع الحشود (بتمويل إماراتي):

تسمح السلطات الإثيوبية بتأسيس وتجهيز معسكرات تدريب سرية وقواعد تجميع ذات طاقة استيعابية عالية في المناطق الحدودية (لا سيما في إقليم بني شنقول – قُمز وبالقرب من أصوصا ومناطق معسكر فانا)، وهي المعطيات التي وثقتها تقارير إعلامية ميدانية ومصادر أمنية رسمية رفيعة المستوى (مثل تصريحات محافظ محليتي الكرمك وقيسان السودانيتين ومتابعات شبكات الصحافة الاستقصائية كمنصة “سودان تربيون” وإذاعات “راديو تمازج”).

ويبرز هنا معسكر أصوصا ومحيطه الاستراتيجي الذي تبلغ طاقته الاستيعابية المقدرة بين 8,000 إلى 10,000 مقاتل، والمجهز ببنية تحتية كاملة شملت أجهزة شبكات اتصال فضائي متطورة (Starlink)وخيام إعاشة أمدت بها شبكات الإسناد الخارجي. وتُدار هذه المعسكرات بتمويل وادارة لوجستية مرتبطة بتحالفات إقليمية تتكفل بإنشاء البنية التحتية، ونفقات الميزانية التشغيلية التي تُقدر بنحو 5 إلى 10 ملايين دولار شهرياً لتغطية حوافز مقاتلي الدعم السريع والشركات الأمنية الخاصة المشرفة على التدريب. وقد رُصد –بحسب التقارير الاستخباراتية الميدانية الموثقة في نشرات سبتمبر 2026– نقل آلاف المقاتلين من جنسيات متعددة عبر طائرات نقل وحافلات برية دخلت عبر معابر إثيوبية حدودية باتجاه ولاية النيل الأزرق ومحاور قيسان خلال مراحل التصعيد العسكري الأخيرة.

توفير التسهيلات الجوية وقواعد إطلاق المسيرات بإشراف ورعاية إماراتية:

يُوفر الجانب الإثيوبي مظلة لوجستية عبر فتح مجاله الجوي وإتاحة المطارات القريبة من الحدود (مثل مطار أصوصا ومطارات قريبة من بحيرة تانا) استقبالاً لشحنات العتاد العسكري المباشرة القادمة عبر الجسر الجوي الإماراتي. ورُصدت حركة طيران مكثفة لرحلات الشحن الجوي عبر طائرات من طراز (Ilyushin Il-76) و(Boeing 737-700F) مسجلة لشركات طيران خاصة نفذت ما يزيد عن 60 رحلة جوية لنقل العتاد. وتُستخدم هذه القواعد ومحيطها الجغرافي كمنصات انطلاق وتوجيه للطائرات المسيرة (Drones) المزودة والممولة إماراتياً (مثل طرازات صماد-3 وزالا)، والتي أظهرت الفحوصات الفنية لحطامها في ولايات سنار والقضارف وأم درمان تبعيتها لسلاسل إمداد إماراتية، مع وجود مراكز قيادة وتحكم لاسلكي في منطقتي المقينص وسد النهضة بتغطية تصل إلى 300 كم داخل العمق السوداني.

تأمين خطوط الإمداد السريع والنقل البري المغطاة مالياً:

تُسهل إثيوبيا حركة القوافل البرية وشاحنات النقل التي تحمل الأسلحة والذخائر والمعدات الطبية، والتي يُؤمن تدفقها التمويل الإماراتي. وتشمل هذه الشحنات مئات السيارات رباعية الدفع من طراز (Toyota Land Cruiser) المجهزة بقواعد لرشاشات دوشكا ومدافع ثنائية، إضافة إلى أسلحة نوعية كقذائف حرارية زنة 120 ملم وصواريخ موجهة مضادة للدروع من طراز (Kornet). تُنقل هذه الشحنات عبر المنافذ الحدودية الإثيوبية مباشرة إلى عمق الأراضي السودانية لتفادي حصار سلاح الجو السوداني لخطوط الإمداد التقليدية عبر الصحراء الغربية.

فتح جبهات ضغط إستراتيجية وتشتيت الجهود العسكرية:

يُسهم التنسيق الإثيوبي-الإماراتي، المدعوم بتقديم وديعة مالية واستثمارات مباشرة في البنك المركزي الإثيوبي قُدرت بـ 1 مليار إلى 2 مليار دولار كشريان حياة لاقتصاد أديس أبابا، في تمكين قوات الدعم السريع من التمدد والانطلاق نحو منافذ جديدة في ولايات سنار، والنيل الأزرق، والقضارف. يهدف هذا الانتشار الحدودي المغطى لوجستياً ومالياً إلى إنهاك القوات المسلحة السودانية، وتشتيت قدراتها الدفاعية على جبهات متعددة، وتهديد العمق الزراعي والاقتصادي لشرق وجنوب شرق البلاد واستهداف مقرات عسكرية كحامية السوكي والدندر.

المحور الثاني:

 الدوافع الاستراتيجية والمكاسب الجيوسياسية لانخراط أديس أبابا في المسار السوداني

تتجاوز دوافع الانخراط الإثيوبي في دعم قوات الدعم السريع عبر هذا المسار الحدود الإنسانية أو التكتيكية العابرة، لتلتقي عند تقاطع المصالح الجيوسياسية المعقدة، والضغوط الاقتصادية الممنهجة، وحسابات النفوذ الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي ووضعية حوض النيل. وتتمثل أبرز الدوافع والمكاسب التي تسعى أديس أبابا لتحقيقها من وراء هذه الشراكة الممولة إماراتياً في المحاور التالية:

إعادة هندسة المشهد السياسي والأمني السوداني وفق رؤية إقليمية مناهضة للجيش:

تسعى أديس أبابا إلى ضمان وجود نظام سياسي وعسكري في الخرطوم لا يُشكل تهديداً استراتيجياً لمصالحها، ولا سيما فيما يتعلق بملفات الخلاف الحدودية التاريخية (مثل منطقة الفشقة الزراعية الخصبة التي تقدر مساحتها بنحو 250 ألف هكتار) وإدارة مياه النيل. ويضمن دعم مليشيا مسلحة بديلة عن مؤسسات الدولة الوطنية إضعاف الجيش السوداني، مما يلغي أي قدرة سودانية محتملة على استرداد تلك الأراضي أو مواجهة الضغوط الحدودية، ويوفر بيئة سياسية موالية في الخاصرة الغربية لإثيوبيا.

الاستفادة من حزم الدعم الاقتصادي وحبل النجاة المالي الإماراتي:

في ظل الاختناق المالي الحاد الذي تعاني منه الخزينة الإثيوبية، وارتفاع معدلات التضخم التي لامست أرقاماً قياسية ونضوب الاحتياطيات النقدية من العملات الأجنبية لتغطي بالكاد أسابيع معدودة من الواردات، تُمثل الشراكة مع أبوظبي “مقايضة مصلحية” كبرى. فحصول أديس أبابا على حزم مالية وودائع واستثمارات مباشرة قُدرت بنحو مليار إلى ملياري دولار في البنك المركزي الإثيوبي، شكلت شريان حياة لاقتصاد عانى بشدة من تداعيات الحرب في تيغراي وأمهرة؛ وهو ما دفع الحكومة الإثيوبية لغض الطرف أو تقديم التسهيلات اللوجستية المطلوبة لخطوط الإمداد العسكري، مقابل إبقاء النظام الإثيوبي واقفاً على قدميه.

تأمين العمق الاستراتيجي لمشروع “سد النهضة” وتحييد الضغط السوداني:

يمثل ملف سد النهضة الإثيوبي عنواناً رئيسياً للأمن القومي لأديس أبابا، خاصة مع سعيها لإتمام عمليات الملء والتشغيل الأحادي دون اتفاق قانوني ملزم؛ لذا فإن إشغال الدولة ومؤسسات الجيش السوداني بصراع وجودي داخلي يضمن تحييد الموقف السوداني الموحد والضاغط. إن استنزاف القدرات العسكرية السودانية عبر هذا المسار الحدودي يبعد أي خطر عسكري محتمل يهدد البنية التحتية المائية لمليارات من الامتار المكعبه من المياه المخزنة، ويضمن تمرير السياسات الإثيوبية المائية دون عوائق من جهة الغرب.

استغلال الورقة الأمنية لفرض نفوذ إقليمي متزايد في القرن الأفريقي:

تطمح أديس أبابا لتثبيت أقدامها كقوة إقليمية مهيمنة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، مستغلة تحالفاتها العابرة للحدود لتجاوز عزلتها الدولية والداخلية الناتجة عن الصراعات العرقية التي أدت إلى نزوح داخلي لأكثر من 3 ملايين مواطن إثيوبي. ويمنحها التحكم في بوابات الإمداد العسكري واللوجستي ورقة مساومة قوية مع القوى الإقليمية الكبرى (مثل الإمارات)، مما يعزز موقعها التفاوضي في القضايا الأمنية والسياسية على مستوى القارة ويخفف الضغوط الغربية عن سياساتها الداخلية.

المحور الثالث:

 الدور الإماراتي الاستراتيجي ودوافعه في تمويل وتوسيع الحرب السودانية

في خطوة تعكس تحولات هيكلية في سياساتها الخارجية الإقليمية – لا سيما بالتزامن مع محطات بارزة شملت إعلان انسحابها من منظمة أوبك وانخراطها في تقاطعات الصراع الإقليمي والدولي المرتبط بالتوترات الإيرانية الأمريكية – برزت دولة الإمارات كفاعل رئيسي وممول أساسي للنزاع المدمر في السودان. ولم يقتصر الدور الإماراتي على “المسار الإثيوبي” وحده، بل امتد عبر شبكة معقدة ومتعددة المسارات شملت مطارات ومعابر في شرق تشاد (مثل مطار أم جرس)، وقواعد إمداد في شرق ليبيا، وصولاً إلى الغطاء الدبلوماسي واللوجستي المتواصل لمليشيا الدعم السريع، مدفوعةً بدوافع استراتيجية واقتصادية راسخة تشمل:

الهيمنة على قطاع الذهب والسيطرة على المناجم الاستراتيجية (السبب الرئيسي):

يُعد نهب وسرقة ثروات الذهب السوداني الدافع الأول والأساسي وراء التمويل الإماراتي الضخم لقوات الدعم السريع. تسيطر الميليشيا ميدانياً على مناجم رئيسية بجبل عامر في دارفور ومناطق واسعة في كردفان وولاية نهر النيل، وتُشير التقارير الاستخباراتية وتحقيقات المنظمات الدولية (مثل غлобаل فيتنس وسودان فيوتشر) إلى تهريب ما بين 70 إلى 90% من إنتاج السودان من الذهب سنوياً، والذي تزيد قيمته السوقية عن 2 إلى 3 مليارات دولار سنوياً. تُنقل هذه الأطنان بطائرات الشحن عبر مطارات تشادية وإثيوبية مباشرة إلى الأسواق الإماراتية (التي تُعد الوصلة العالمية الأولى لتجارة وتكرير الذهب الإفريقي)، مما يدر أرباحاً طائلة على شبكات المال والأعمال المرتبطة بأبوظبي.

تقويض الدولة الوطنية ومؤسسات الجيش السوداني لصالح وكلاء محليين:

تتبنى الاستراتيجية العسكرية الإماراتية نهج تفكيك الجيوش الوطنية التقليدية في العالم العربي وأفريقيا عبر بناء شبكات من الميليشيات المسلحة التابعة. يتيح اعتماد قوات الدعم السريع المطلق على التمويل والعتاد الإماراتي — الذي شمل صفقات تسليح بقتالية ومدرعات ومسيرات بمئات ملايين الدولارات — تحويلها إلى ذراع عسكري ووكيل محلي ينفذ أجندات أبوظبي الجيوسياسية، ويضمن عدم قيام دولة مركزية قوية في الخرطوم قادرة على حماية ثرواتها القومية أو سيادتها البحرية على ساحل البحر الأحمر.

السيطرة على الموانئ الاستراتيجية والممرات الملاحية:

تسعى أبوظبي لترسيخ موطئ قدم مهيمن على طول ساحل البحر الأحمر الاستراتيجي ومضيق باب المندب، عبر السيطرة غير المباشرة على الموانئ السودانية والمناطق الحرة المخطط إنشاؤها. ويُعد تمويل هذه الحرب أداة ضغط لتجاوز مؤسسات الدولة وفرض كيانات موالية تضمن توقيع عقود طويلة الأجل للسيطرة على الملاحة البحرية والتجارة العابرة للقارات.

الهروب إلى الأمام ومحاولة فرض النفوذ الإقليمي:

في ظل سعي الإمارات لتأكيد حضورها كقوة إقليمية صاعدة تتجاوز حدودها الجغرافية التقليدية، تستغل أبوظبي الفراغ الدولي وتراجع الاهتمام الغربي بالملفات الأفريقية لفرض حقائق ميدانية بالقوة المالية وبالحرب بالوكالة. هذا الانخراط العدواني يضرب عرض الحائط باستقرار الشعوب ومآسي النزوح التي شردت أكثر من 12 مليون سوداني، لتتحول إلى الراعي الأبرز لواحد من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث متجاهلة كافة النداءات والمواثيق الدولية.

ختامًا، يُظهر تداخل المسار الإثيوبي مع شبكات الإمداد المتعددة والتمويل الإماراتي المكثف أن حرب السودان ليست مجرد نزاع محلي عابر، بل هي صراع مركب على الثروة والنفوذ تتقاطع فيه مصالح أطراف إقليمية تسعى لهندسة جغرافية جديدة للقرن الأفريقي على حساب دماء واستقرار الملايين. وفي المقابل، يظل صمود مؤسسات الدولة الوطنية وتماسك جيشها العقائدي العقبة أمام مشاريع التفكيك والهيمنة، مما يجعل مستقبل البلاد مرهوناً بقدرة الشعب السوداني وحكومته على كسر طوق هذه المؤامرات الخارجية وإحباط استنزاف مقدراته الاستراتيجية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version