الباحثة/ إيمان بخيت أحمد
المقدمة
يتناول هذا التحليل الاستراتيجية السياسية غير المألوفة التي تتبناها أحزاب صغيرة في إسرائيل ليست ذات ثقل سياسي، والمتمثلة في المطالبة العلنية برئاسة الحكومة قبل إجراء الانتخابات وليس خلال المفاوضات الائتلافية اللاحقة. من خلال نموذج حزب “إسرائيل بيتنا” برئاسة أفيجدور ليبرمان، نرى من خلال التحليل كيف تحولت سابقة نجاح حزب صغير برئاسة نفتالي بينيت عام 2021 ” حزب يمينا”، في انتزاع منصب رئيس الوزراء إلى نموذج يسعى آخرون لتقليده، مع تعديل جوهري في التوقيت وآلية بناء الشرعية.
أولاً: تحول قواعد اللعبة الائتلافية
شهد النظام السياسي الإسرائيلي منذ انتخابات 2021 تحولاً بنيوياً عميقاً تمثل في فك الارتباط بين حجم الحزب على الأرض وحقه في المطالبة برئاسة الحكومة. فقد أثبت حزب “يمينا” (6 مقاعد فقط) أن بإمكانه استخدام موقعه كمُكمّل للأغلبية (الـ61 مقعداً) كورقة ضغط لانتزاع أعلى منصب تنفيذي.
هذا التحول لم يعد مجرد حادثة عابرة، بل تحول إلى نموذج يسعى آخرون لتطويره والاستفادة منه. فما كان يُعتبر ابتزازاً لحظياً في غرف المفاوضات المغلقة، أصبح اليوم استراتيجية انتخابية معلنة. يكمن الاختلاف الجوهري في أن النموذج الجديد لا ينتظر لحظة الضعف الائتلافي، بل يبني شرعيته قبل أن يدلي الناخب بصوته، محولاً بذلك الحملة الانتخابية إلى ساحة لفرض حقائق مستقبلية.
ثانياً: بناء الشرعية المسبقة مقابل الابتزاز اللاحق:
تقوم استراتيجية حزب “إسرائيل بيتنا” على ثلاث ركائز أساسية لبناء شرعية مطالباته:
1- شفافية الإجراءات: بإعلان الهدف (رئاسة الحكومة) قبل الانتخابات، حيث يحصّن الحزب نفسه ضد تهم الابتزاز أو تغيير الأهداف بعد الحصول على التفويض. هذا يمنحه ميزة أخلاقية نسبية في المفاوضات المستقبلية، إذ يمكنه القول إن الناخب صوّت له وهو يعلم تماماً بطموحه القيادي.
2- تطبيع الطموح غير المتناسب: تكرار المطالبة برئاسة الحكومة من حزب صغير يعيد تعريف “المعقولية السياسية”. فمع كل حملة انتخابية تتبنى هذا الخطاب، يتراجع الشعور بأن الأمر استثنائي أو غير شرعي (تدريجياً يصبح أمر مألوف وطبيعي)، وتصبح الفكرة جزءاً من البديهيات السياسية.
3- خلق واقع نفسي مسبق: عندما يعلن حزب صغير طموحه القيادي مبكراً، فإنه يجبر الشركاء المحتملين (أحزاب المعارضة الأكبر) على التكيف مع الفكرة ذهنياً قبل الانتخابات. بحلول وقت المفاوضات الائتلافية، لم يعد الطلب مفاجئاً صادماً، بل خياراً مطروحاً على الطاولة منذ أشهر، مما يقلل من المقاومة النفسانية ضده.
ثالثاً: ملاءمة الاستراتيجية لظروف الانقسام القيادي
تزداد فعالية هذه الاستراتيجية بشكل كبير في ظل ظرف سياسي محدد: غياب قائد واضح وحاسم لمعسكر المعارضة. عندما تتوزع المقاعد بين عدة أحزاب متقاربة الحجم (بين 8 إلى 20 مقعداً)، ولا يتمتع أي منها بتفوق كبير يسمح له بادعاء القيادة تلقائياً، فإن فكرة “رئيس الحكومة من الحزب الصغير” تصبح أكثر قبولاً.
في هذا السياق، لا يحتاج الحزب الصغير لأن يكون الأكبر، بل يحتاج فقط إلى إثبات أن الفارق بينه وبين الأكبر ليس كبيراً بما يكفي لحرمانه من الطموح القيادي. منطقياً، إذا كان الحزب الذي يمتلك 15 مقعداً يستطيع المطالبة بالرئاسة، فلماذا لا يستطيع الذي يمتلك 9 مقاعد، طالما أن الفارق لا يصل إلى عتبة تمنح الأولوية المطلقة للأول؟
هذا الوضع وطريقة التفكير تضع الأحزاب الأكبر نسبياً أمام معضلة حقيقية: الرفض القاطع لمطالب الحزب الصغير قد يبدو متناقضاً مع سوابقهم هم أنفسهم، خاصة إذا كانوا قد استفادوا سابقاً من منطق مشابه أو أسسوا حكومات على تحالفات ضيقة مماثلة.
رابعاً: الفارق الجوهري عن النموذج السابق (حزب يمينا بقيادة نفتالي بينيت 2021):
ورغم اعتماد الاستراتيجية الحالية على سابقة حزب “يمينا” برئاسة نفتالي بينت في انتخابات 2021، إلا أن ثمة فروقاً جوهرية تجعل الحالتين غير متطابقتين، وتضفي على الاستراتيجية الجديدة طابعاً أكثر خطورة وحسماً. يتمثل في:
الفرق الأول: في طبيعة الشرعية التي يستند إليها كل نموذج، فبينما استمد بينت شرعيته من ظرفية استثنائية ولحظة تاريخية محددة تمثلت في ضرورة منع عودة بنيامين نتنياهو للحكم بأي ثمن سياسي، تحاول الأحزاب الصغيرة اليوم بناء شرعية مسبقة قائمة على تفويض انتخابي واضح ومعلن قبل الاقتراع.
الفرق الثاني: فيتعلق بتوقيت فرض الطلب، إذ اعتمد بينت على عنصر المفاجأة أثناء المفاوضات الائتلافية عقب الانتخابات، مستغلاً لحظة الضعف والحاجة الملحة لمقاعده، بينما تعلن الأحزاب الصغيرة حالياً عن طموحها القيادي قبل الانتخابات بوقت طويل، مما يحيد عنصر المفاجأة تماماً ويجعل الناخب شريكاً في المعادلة من البداية.
الفرق الثالث والأهم فهو حجم الرهان في الهوية السياسية للحزب، فبالنسبة لبينت كان منصب رئيس الحكومة وسيلة لتحقيق هدف أكبر يتمثل في إسقاط حكومة نتنياهو وتشكيل بديل سياسي، ولم يكن الرئاسة هي جوهر برنامجه الانتخابي أو هوية حزبه، بينما جعلت الأحزاب الصغيرة الحالية من رئاسة الوزراء الهدف الأساسي والمركزي لحملاتها الانتخابية، مما يعني أن الفشل في تحقيق هذا الهدف لن يكون مجرد تراجع تكتيكي عادي، بل قد يُقرأ من قبل الناخبين كهزيمة وجودية للحزب وفقدان لمصداقيته، وهو ما يضفي على الاستراتيجية الجديدة طابع المغامرة المحسوبة حيث يصبح الرهان على القمة أو الانهيار خياراً استراتيجياً وليس مجرد مناورة تفاوضية.
خامساً: تقييم واقعي لفرص النجاح
لا يعتمد نجاح أو فشل استراتيجية المطالبة المسبقة برئاسة الحكومة على حجم مقاعد الحزب الصغير وحده، كما قد يوحي الخطاب الانتخابي، بل يتوقف على أربعة متغيرات رئيسية تحدد بدقة الوزن التفاوضي الحقيقي لأي حزب بعد الانتخابات. وتتمثل تلك المتغيرات فيما يلي:
المتغير الأول: في درجة تقارب الكتلة المعارضة الكبرى من عتبة الـ 61 مقعداً بدون مشاركة الحزب الصغير، فكلما كانت الكتلة أقرب من هذه العتبة الحرجة وكلما احتاجت بشدة إلى مقاعد الحزب لإكمال الأغلبية البرلمانية، ارتفع نسبة التفاوض بشكل حاد وزادت احتمالية قبول مطالبته برئاسة الوزراء أو التناوب عليها.
المتغير الثاني: فيتعلق بمدى قدرة أحزاب المعارضة الكبرى على تشكيل تحالف بديل أو ترتيب إقليمي أو تقني يتجاوز الحزب الصغير، فإذا تمكنت هذه الأحزاب من الاتفاق على قائمة موحدة أو على عدم ترشح أحزاب صغيرة منافسة في نفس الدائرة الانتخابية، فإن القيمة التفاوضية للحزب الصغير تنهار تماماً ويصبح طموحه الرئاسي مجرد شعار انتخابي دون ثقل عملي. المتغير الثالث: في توقيت الانتخابات وطبيعة المرحلة السياسية الأوسع، حيث تزداد قبول الحلول غير التقليدية والمطالب الاستثنائية في فترات الأزمات السياسية أو الحكومات الانتقالية أو الجمود الائتلافي المزمن، بينما تتراجع فرص قبولها في فترات الاستقرار النسبي حيث يعود التمسك بالمعايير التقليدية للشرعية التناسبية.
المتغير الرابع: وهو الأهم على الوضع المباشر، ويتعلق بمدى تجاوب الناخبين مع هذه الاستراتيجية في صناديق الاقتراع، فإذا اعتبر الجمهور أن طلب الحزب الصغير برئاسة الحكومة هو مبالغة طموحة أو انفصال عن الواقع أو حتى نوع من الاستهتار بالعملية الديمقراطية، فإن الحزب قد يدفع ثمناً باهظاً يتمثل في خسارة مقاعد كان يمكن أن يحصل عليها لو ركز حملته على مطالب واقعية، وفي الحالة المعاكسة إذا تقبل الناخبون الفكرة كتطور طبيعي للعبة السياسية بعد سابقة بينت، فإن الحزب قد يحصد مكاسب انتخابية إضافية تصبح في حد ذاتها وسيلة ضغط إضافية في المفاوضات الائتلافية اللاحقة. وبناء على هذه المتغيرات الأربعة، يمكن القول إن التقييم الواقعي الموضوعي يشير إلى أن فرص نجاح هذه الاستراتيجية في الوصول فعلياً إلى كرسي رئاسة الوزراء تبقى محدودة في معظم السيناريوهات المحتملة، لكنها كفيلة بضمان موقع تفاوضي متقدم وأوراق ضغط قوية داخل الائتلاف المستقبلي، حيث يكون الهدف المعلن (رئاسة الوزراء) في هذه الحالة وسيلة لتحقيق أهداف واقعية (حقائب وزارية حساسة، كتل تفاوضية مؤثرة، أولوية في جدول الأعمال الحكومي) مع مكسب صوري إضافي يتمثل في “الشفافية السياسية” التي قد يراها جزء من الناخبين تطوراً إيجابياً في ثقافة اللعبة السياسية الإسرائيلية مقارنة بما كان سائداً في العقود السابقة.
ختاماً:
تمثل استراتيجية حزب “يسرائيل بيتينو” للمطالبة العلنية برئاسة الحكومة قبل الانتخابات اختباراً حقيقياً لما إذا كانت “سياسة الـ6 مقاعد” التي أظهرها نفتالي بينت قد تحولت من حالة استثنائية إلى قاعدة دائمة. الفارق الحاسم بين الحالتين هو أن بينت استخدم الطلب كتكتيك مفاجئ في لحظة تاريخية محددة، بينما يحاول ليبرمان تحويله إلى نموذج قائم بذاته.
المرجح أن نجاح هذه الاستراتيجية سيكون جزئياً ومشروطاً: فقد لا تصل بالحزب الصغير فعلياً إلى كرسي رئاسة الوزراء في معظم السيناريوهات، لكنها ستضمن له موقعاً تفاوضياً متقدماً وأوراق ضغط قوية داخل الائتلاف المستقبلي. في هذا السياق، يكون الهدف المعلن (رئاسة الوزراء) هو وسيلة لتحقيق أهداف واقعية (حقائب وزارية حساسة، كتل تفاوضية مؤثرة)، مع مكسب صوري يتمثل في “الشفافية السياسية” التي قد يراها الناخبون تطوراً إيجابياً في ثقافة اللعبة السياسية الإسرائيلية.
أحدث المنشورات
- الصَّدْعُ المجتمعي الاستراتيجي في إسرائيل وتداعياته المجهول الأكبر — قراءة في ضوء المشهد الإعلامي والرقمي
- المطالبة المسبقة برئاسة الحكومة: كيف تعيد الأحزاب الصغيرة في إسرائيل قواعد اللعبة؟
- تاكر كارلسون وكسر الإجماع حول إسرائيل
- نتنياهو والجيش في مأزق لبنان: من يدفع ثمن الحرب بلا حسم؟
- إسرائيل 2026م: أزمة الميزانية ومأزق الدولة بين الأمن والاستيطان
- الأزمة السودانية في عامها الرابع: كيف تراها إثيوبيا؟
- ديناميات الجماعات المسلحة في أفريقيا (2) حركة الشباب والحوثيون في ضوء رهانات النفوذ الإقليمي والدور المصري لحماية أمن القرن الافريقي
- تداعيات استهداف القيادات الميدانية على التصعيد الإسرائيلي–اللبناني قراءة في قواعد الاشتباك والسيناريوهات المستقبلية
الأحد, 24 مايو
