محمد خيري

باحث بوحدة الشؤون الإيرانية

بين تقدم وانسحاب، وبين سيطرة حوثية ثم إعادة تموضع عسكري للقوات الحكومية الشرعية، ثم استهداف حوثي لمطار الملك خالد في العاصمة السعودية الرياض، ترتسم خريطة الصراع في اليمن بين إيران ومناوئيها، في ظل محاولات أمريكية إسرائيلية لتقويض نفوذ إيران في الإقليم، سواء بضربات في عمق إيران، أو بمحاولات لقطع أذرع إيران في الإقليم وعلى رأسها الحوثيين في اليمن، والذين باتوا رأس حربة النظام الإيراني لتحقيق أكبر قدر من الضغط على دول الخليج وبالتحديد المملكة العربية السعودية، وهو ما ظهر جليا في استهداف البنية التحتية والمناطق المدنية في المملكة، والتي كان آخرها استهداف مشين لمطار الملك خالد بن عبد العزيز وقتل الأبرياء من المدنيين.

خلال الشهر الماضي تقدمت الميليشيات الحوثية على جبهات عدة وأعلنت عن سيطرتها على عدة مناطق إستراتيجية في محافظات يمنية أبرزها تعز والمخا والحديدة، وانتهاء بجزيرة ميون الواقعة في منتصف مضيق باب المندب، لتشكل بذلك قوة ضغط كبرى على حركة الملاحة في المضيق، بنفس الطريقة التي تمثل بها إيران ضغطا على مضيق هرمز، وفي هذا التوقيت أعلن الحوثيون نيتهم استهداف أي سفينة تابعة للمملكة العربية السعودية حال مرورها في باب المندب.

أولا: خريطة النفوذ بين الحوثي والشرعية

تجدر الإشارة إلى أن اللاعبين الفاعلين على الأرض في اليمن يتقاسمون النفوذ فيما بينهم على محافظات البلاد التي تشمل 22 محافظة، حيث تسيطر الحكومة الشرعية على محافظات: عدن، والتي تمثل العاصمة المؤقتة للبلاد، بجانب محافظة حضرموت، والتي تعد أكبر محافظة في اليمن من حيث المساحة، والمهرة، وشبوة، وسيئون، وأبين، وأرخبيل سقطرى.

فيما تسيطر جماعة الحوثي على محافظات: العاصمة صنعاء، وعمران، وذمار، وإب، والمحويت، وريمة، والبيضاء، ويتقاسم الطرفان النفوذ على المحافظات المتبقية وهي مأرب، تعز، الحديدة، الجوف، الضالع، لحج، حجة.

لكن تكمن إحدى معضلات التحرك العسكري الحكومي في اليمن، في إنه شمل دمج قوات ألوية العمالقة التي تدين بالولاء لسلطة المجلس الانتقالي المنحل مؤخرا بجانب بعض الألوية العسكرية التابعة له والمحسوبة على القوات المسلحة الجنوبية، والتي حرص قادتها وجنودها على رفع علم الجنوب في كل تحركاتهم ضد الحوثيين مؤخرا.

ويمثل ذلك محاولة جنوبية لاستعادة الزخم سواء للقضية الجنوبية، أو حتى للإعلان عن أنفسهم في ظل محاولات من الحكومة الشرعية للبعد بقضية الجنوب عن مسألة انفصال جنوب اليمن عن شماله، بتقديم معالجة للقضية تبتعد عن مسألة استعادة دولة الجنوب، على أن تقام دولة فيدرالية في المستقبل بعد إزاحة الحوثيين، وهو ما يشير إلى بوادر صراع مرتقب بين جناحي الحكومة أو حتى المكون العسكري المناهض للحوثيين في المستقبل القريب.

ثانيا: موقف إيران من سيطرة الشرعية على جبال كهبوب

يعيش اليمن على وقع تجاذبات بين قوى إقليمية مختلفة تدعم قوى داخلية في اليمن، حيث تعمل المملكة العربية السعودية على تقديم الدعم الكامل للحكومة الشرعية التي يرأسها رشاد العليمي، وتقدم لها الإسناد الجوي الداعم للتحركات العسكرية على الأرض، والتي انتهت بسيطرة القوات الحكومية المكونة من (ألوية العمالقة الجنوبية وقوات درع الوطن) على مرتفعات كهبوب الإستراتيجية الواقعة إداريا ضمن محافظة لحج، والمطلة على مضيق باب المندب، في إطار عملية “فجر اليمن”، وهي المرتفعات التي تضمن لتلك القوات أفضلية على قوات الحوثي في عدة مناطق إستراتيجية، بجانب كونها مرتكزا ومنطلقا لعمليات مستقبلية لمهاجمة تموضعات الحوثيين القريبة من باب المندب.

كما تمثل سيطرة القوات الحكومية على جبال كهبوب وتبابها وخنادقها محاولة لتعزيز التواجد الحكومي على أحد التباب المطلة على خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر، والقريبة من الساحل الغربي لليمن، ما يسهم في تحقيق تموضع إستراتيجي مواجه للحوثي في تلك المنطقة الحساسة من العالم، وبما يعزز حماية حركة الملاحة في مضيق باب المندب حال سيطرة القوات الحكومية على بقية المناطق الإستراتيجية المتاخمة للمضيق.

وفي الوقت ذاته قدمت إيران للحوثيين الدعم والإسناد الكاملين بنوعين من الأسلحة هما الطائرات المسيرة الانتحارية والصواريخ الباليستية، وهو ما اتضح من خلال نشر وكالات الأنباء الإيرانية سواء الرسمية أو شبه الرسمية المقربة من الحرس الثوري، لبيانات يحي سريع المتحدث باسم قوات الحوثي، والتي أشار خلالها إلى نجاح الحوثيين في استهداف تموضعات ألوية العمالقة في في معسكر قعوة بمنطقة رأس العارة، بجانب استهداف تجمعات وتحشيدات للقوات الحكومية جنوب باب المندب ومنطقة السقيا.

وقد تسببت سيطرة القوات الحكومية اليمنية على كهبوب والمناطق المطلة على باب المندب في تخوفات إيرانية من استعادة نفوذ القوات الحكومية على تلك المناطق، مع احتمالية استمرار الزحف الحكومي على مناطق نفوذ الحوثيين في اليمن وبالتحديد الحديدة ومأرب وصنعاء، إذ حذر مهدي رضا جعفري مسؤول إعلام التوجيه المعنوي في الحرس الثوري الايراني من استمرار التقدم الحكومي في اليمن، ما قد يضعف تمركز الحوثيين وكونهم قوة فاعلة على الأرض بما يمثلونه من ضغط سواء على المملكة العربية السعودية أو حتى على مستقبل السيطرة على حركة الملاحة بمضيق باب المندب.

ثالثا: الموقف الإيراني من استهداف السعودية

إن أهم ملمح من ملامح دعم إيران للحوثيين في استهدافهم للسعودية وخاصة المطارات المدنية هو ما ذكره محسن رضائي أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، والذي هدد بتعطيل مطارات الدول التي تشارك في الحصار على الطيران الإيراني، بعد فرض واشنطن حزم عقوبات تتعلق بمنع حركة الطيران الإيراني في الأجواء، أو حظر استقبال مطارات العالم للطيران الإيراني، وهو ما جعل طهران تلجأ إلى استهداف المطارات المدنية لدول الجوار وخاصة المملكة العربية السعودية ردا على ما تمثله من ضغط على تموضعات الحوثيين في مناطق شمال اليمن.

وقد صاحب ذلك الموقف الإيراني إعلان متحدث الحوثيين توجيه عدة ضربات باتجاه المملكة العربية السعودية باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة على وجه التحديد، والتي استهدفت مطار الملك خالد في الرياض، بجانب تمكن الحوثيين من إسقاط طائرة مسيرة سعودية من طراز CH-4  في أجواء محافظة الجوف، كما استهدفت الميليشيا مطار أبها الدولي وقاعدة خميس مشيط بعدد من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، كما عمدت الميليشيا إلى استخدام نفس السلاح في استهداف ثكنة الدغارير والموسم في جيزان وثكنة عاكفة في عسير.

وقد ظهر الموقف الإيراني الداعم لتلك الضربات العدوانية وغير المشروعة على الأهداف المدنية السعودية جليا في تناول وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية، حيث أشارت وكالة أنباء تسنيم المقربة من الحرس الثوري إلى أن تلك الضربات رد فعل على ما أسمته “الغارات السعودية على اليمن”، حيث تم استهداف مطار الملك خالد على ثلاث مراحل، بالتزامن مع استهداف محطة شقدم الغازية التابعة لشركة أرامكو، ومعمل تناجيب النفطي في المنطقة الشرقية.

كما نقلت وكالة أنباء مهر شبه الرسمية عن صحيفة وول ستريت جورنال تقريرا يشير إلى نفاد مخزون الصواريخ السعودي، بالإضافة إلى تعرض السعودية لأزمة تتمثل في تحول جزء من العاصمة إلى ساحة حرب، بسبب الضربات الحوثية عليها مع ما خلفته من آثار على الوضع الاقتصادي للمملكة، وهو ما يشير إلى دعم إيراني لتلك العمليات التي تعتبرها رد فعل على دعم السعودية للحكومة الشرعية في اليمن، والإسناد الجوي للقوات البرية الراجلة التي تؤثر على تموضعات الحوثيين.

خاتمة

ردت إيران على قرار حظر الطيران الإيراني بضرب المطارات المدنية السعودية وتحديدا مطار الملك خالد بالرياض، نظرا لما يمثله من رمزية سياسية، خاصة وأنه يقع في قلب العاصمة السعودية الرياض، وهو ما يكشف أن الاعتداء عليه بمثابة رسالة من إيران إلى السعودية بتحويل العاصمة إلى ساحة صراع تضغط على الوضع الداخلي السعودي.

ويمثل اليمن معضلة إستراتيجية كبرى في سياق الصراع بين القوى الإقليمية والعالمية الحالية، إذ إن إشراف اليمن على مضيق باب المندب، في ظل دعم إيراني للحوثيين يجعل من المهم لإيران استمرار دعمها للحوثي في إطار محاولتها للسيطرة على المضائق المائية الإستراتيجية في المنطقة، والتي يمثل أمنها ركيزة أساسية للحافظ على الاقتصاد العالمي، وهذا ما يفسر استمرار إيران في تقديم الدعم العسكري واللوجيستي للحوثيين لضمان استمرار واستقرار تموضعاتهم العسكرية في المحافظات التي يسيطرون عليها.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version