د/محمد أحمد صالح
أثار وصول مئات المهاجرين من جماعة “بني منشيه” الهندية إلى إسرائيل جدلًا واسعًا عربيًا ودوليًا، خاصة مع تزايد الحديث عن برامج إسرائيلية طويلة الأمد تهدف إلى استقدام آلاف آخرين خلال السنوات المقبلة. وتُقدَّم هذه العملية رسميًا باعتبارها “عودة يهود الشتات”، بينما ينظر إليها منتقدون باعتبارها مشروعًا استيطانيًا ذا أبعاد ديموجرافية وسياسية وأمنية.
تتناول هذه الورقة الخلفية التاريخية للجماعة، والسياسات الإسرائيلية المرتبطة بها، والأهداف الاستراتيجية المحتملة، إضافة إلى التداعيات الإقليمية والدولية.
“بني منشيه” – الخلفية التاريخية
“بني منشيه” جماعة تعيش في ولايتي ميزورام ومانيبور شمال شرقي الهند قرب الحدود مع ميانمار.
تزعم الجماعة أنها تنحدر من إحدى “القبائل العشر المفقودة” لبني إسرائيل، وتحديدًا قبيلة “منشيه” التي يُعتقد أنها تفرقت بعد سقوط مايسمى “مملكة إسرائيل القديمة”. لكن لا توجد أدلة تاريخية أو جينية حاسمة تؤكد هذا الادعاء. معظم الدراسات تشير إلى أن الجماعة كانت تعتنق ديانات محلية ثم تأثرت بالمسيحية في القرن التاسع عشر. بدأت عملية “التهويد” الحديثة خلال القرن العشرين عبر حركات يهودية ومنظمات إسرائيلية.
الموقف الإسرائيلي الرسمي – الاعتراف الديني والسياسي
في عام 2005م اعترف حاخام إسرائيل الأكبر آنذاك شلومو عمار (1948م- ) بالجماعة باعتبارها ذات “أصول يهودية محتملة”، مع اشتراط إتمام التحول الديني الرسمي لليهودية. منذ ذلك الوقت بدأت عمليات نقل منظمة إلى إسرائيل. شاركت فيها وزارة الهجرة والاستيعاب، والوكالة اليهودية، ومنظمات مثل “שבי ישראל (شافي إسرائيل) العائدون إلى إسرائيل”، التي تعمل على البحث عن جماعات يُعتقد أن لها أصولًا يهودية حول العالم، ومساعدتها على الهجرة إلى إسرائيل، ودعم عمليات التهوّيد والاندماج داخل المجتمع الإسرائيلي. تركّز المنظمة على جماعات مثل “بني منشيه” في الهند، واليهود الذين يعيشون في منطقة جبال الأنديز بأمريكا الجنوبية، خصوصًا في بيرو، والأنديز، وبوليفيا، والإكوادور، وبعض الجماعات ذات الجذور اليهودية في أوروبا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا. توصف المنظمة بأنها تعمل على إعادة مايسمى “يهود الشتات”.
الأهداف الاستراتيجية المحتملة لإسرائيل
-البعد الديموجرافي: يُعد العامل الديموجرافي من أهم دوافع سياسات الهجرة الإسرائيلية. تسعى إسرائيل إلى زيادة عدد اليهود داخل فلسطين المحتلة، والحفاظ على “الأغلبية اليهودية”، ومواجهة النمو السكاني الفلسطيني. أهمية ذلك أن إسرائيل تعتبر التوازن السكاني عنصرًا حاسمًا لبقاء “الطابع اليهودي للدولة”، خاصة مع ارتفاع معدلات الولادة الفلسطينية، وتراجع معدلات الهجرة اليهودية من الغرب، وتزايد الهجرة العكسية لبعض الإسرائيليين.
-دعم المشروع الاستيطاني: تشير تقارير وتحليلات عديدة إلى أن بعض المهاجرين الجدد يُوجَّهون إلى مناطق حدودية، ومستوطنات في الضفة الغربية، ومناطق النقب والجليل، وغلاف غزة، بهدف تعزيز السيطرة السكانية، وخلق وقائع ديموجرافية جديدة، وتوسيع الكتل الاستيطانية.
-البعد العسكري والأمني: بحكم قانون الخدمة العسكرية الإلزامية يتم دمج كثير من المهاجرين في الجيش الإسرائيلي، فتتحول الهجرة إلى مصدر بشري للمؤسسة العسكرية. ويرى بعض الباحثين أن إسرائيل تستفيد من الحاجة الاقتصادية للمهاجرين، والرغبة في الاندماج الاجتماعي، وسهولة توجيههم نحو الخدمة العسكرية.
-أزمة الهوية اليهودية العالمية: تعاني إسرائيل منذ سنوات من تراجع أعداد اليهود الراغبين في الهجرة من أوروبا وأمريكا، وارتفاع معدلات الاندماج والزواج المختلط لدى يهود الغرب، وتراجع الحافز الأيديولوجي الصهيوني التقليدي. لذلك توسعت إسرائيل في البحث عن جماعات ذات “أصول يهودية محتملة” حول العالم، مثل الفلاشا في إثيوبيا، وبني منشيه في الهند، وجماعات في أمريكا اللاتينية وأفريقيا.
الجدل الديني حول “يهودية” الجماعة
يوجد انقسام واضح داخل إسرائيل نفسها، فهناك تيار مؤيد يرى أنهم من نسل بني إسرائيل، ويجب إعادتهم إلى مايسمى “أرض الميعاد”، وتيار معارض يشكك في أصولهم اليهودية، ودوافع تهويدهم، وقدرتهم على الاندماج. كما يخشى البعض من زيادة الفقر، وظهور مشكلات اجتماعية، وتزايد معدلات التوترات العرقية داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
ردود الفعل العربية والفلسطينية
يرى العرب والفلسطينيون المنتقدون لهذه الخطوة أن ما يحدث جزء من سياسة “الإحلال السكاني”، ويهدف إلى تعزيز الاستيطان، ويسهم في تغيير الواقع الديموجرافي للأراضي الفلسطينية المحتلة، فيستخدممون مصطلحات مثل “استيراد بشري”، و”استيطان ديموجرافي”، و”هندسة سكانية”.
البعد القانوني والدولي
يعتمد هذا الإجراء على مايسمى “חוק השבות (حوك هشفوت) قانون العودة” (1950م) الإسرائيلي، الذي يمنح أي شخص يُعتبر يهوديًا حق الهجرة إلى إسرائيل والحصول على الجنسية. لكن الانتقادات الدولية تشير إلى التمييز بين اليهود والفلسطينيين، وحرمان اللاجئين الفلسطينيين من حق العودة، واستخدام قوانين الهجرة لأهداف سياسية.
التأثيرات المستقبلية المتوقعة
-استمرار الهجرة: تشير تقديرات مختلفة إلى إمكانية استقدام آلاف إضافيين حتى عام 2030م، وتوسيع برامج الاستيعاب.
-تعميق الطابع القومي الديني للدولة: قد تؤدي هذه السياسات إلى تعزيز التيارات القومية الدينية، وزيادة النفوذ الاستيطاني، وتصاعد الصراع حول الهوية.
-انعكاسات على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي: يمكن أن ينتج عن ذلك توسيع المستوطنات، وتعقيد فرص التسوية السياسية، وزيادة الاحتكاكات في الضفة الغربية.
القراءة الجيوسياسية الأوسع
لقد وقع الاختيار على الهند مؤخرا؛ لأن العلاقات بين الهند وإسرائيل شهدت تقاربًا كبيرًا خلال العقود الأخيرة، خاصة في الدفاع، والتكنولوجيا، والأمن السيبراني، والاستخبارات. ويمنح هذا التقارب بيئة سياسية مناسبة لتسهيل برامج الهجرة.
ختاما
يمكن فهم مشروع تهجير اليهود من مناطق الأطراف في العالم ضمن أربعة مستويات:
المستوى الهدف المحتمل
ديموجرافي زيادة الأغلبية اليهودية
استيطاني دعم التوسع في الآراضي المحتلة
أمني تزويد الجيش والمجتمع بعناصر جديدة
أيديولوجي ترسيخ فكرة “جمع الشتات اليهودي”
يُنظر إلى قضية “بني منشيه” كنموذج معقد يتداخل فيه الدين، والسياسة، والديموجرافيا، والأمن، والنزاع الإسرائيلي الفلسطيني. وبينما تصف إسرائيل هذه العمليات بأنها “عودة تاريخية ليهود مفقودين”، ينظر إليها منتقدون باعتبارها جزءًا من مشروع استيطاني طويل المدى يهدف إلى إعادة تشكيل التوازن السكاني والسياسي في المنطقة. من المرجح أن يستمر الجدل حول هذه السياس ات مع استمرار برامج الهجرة وتوسعها خلال السنوات المقبلة، خاصة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع فرص التسوية السياسية الشاملة.
أحدث المنشورات
- المعارضة التركية بين المطرقة والسندان
- الانتخابات الإسرائيلية المقبلة وإشكالية بقاء نتنياهو: بين الحرب والأزمة السياسية الداخلية
- الهجرة العقائدية والهندسة الديموجرافية: إسرائيل واستقدام يهود الأطراف
- الصَّدْعُ المجتمعي الاستراتيجي في إسرائيل وتداعياته المجهول الأكبر — قراءة في ضوء المشهد الإعلامي والرقمي
- المطالبة المسبقة برئاسة الحكومة: كيف تعيد الأحزاب الصغيرة في إسرائيل قواعد اللعبة؟
- تاكر كارلسون وكسر الإجماع حول إسرائيل
- نتنياهو والجيش في مأزق لبنان: من يدفع ثمن الحرب بلا حسم؟
- إسرائيل 2026م: أزمة الميزانية ومأزق الدولة بين الأمن والاستيطان
الجمعة, 29 مايو
