محمود سامح همام – باحث في الشئون الأفريقية
تشهد منطقة شرق أفريقيا تحوّلًا مقلقًا في طبيعة الممارسات الانتخابية، حيث لم تعد الانتخابات ساحةً للتنافس السياسي المشروع بقدر ما أصبحت اختبارًا لقدرة الأنظمة على إحكام السيطرة وإدارة المجال العام عبر أدوات الردع والقمع. فالتطورات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية في أوغندا في يناير 2026م، والانتخابات المتنازع عليها في تنزانيا في أكتوبر 2025م، إلى جانب مؤشرات التصعيد المبكر في كينيا قبيل الاستحقاق الانتخابي عام 2027م، تعكس نمطًا إقليميًا يتجاوز الخصوصيات الوطنية نحو ما يمكن وصفه بـ”تطبيع القمع الانتخابي”. وفي ظل تراجع آليات المساءلة الداخلية وتذبذب انخراط الفاعلين الدوليين، تبدو المنطقة أمام لحظة مفصلية تُعيد تعريف العلاقة بين السلطة والانتخاب، وبين الأمن والشرعية.
سباق إقليمي نحو القاع: من إدارة التنافس إلى هندسة المجال السياسي
في الحالة التنزانية، كشفت أحداث ما بعد انتخابات أكتوبر 2025م عن انتقال الدولة من منطق الاحتواء السياسي إلى منطق الحسم الأمني. فعلى الرغم من وجود مؤشرات مبكرة على احتمال وقوع انتهاكات، فإن حجم العنف الذي أعقب الاحتجاجات على نتائج الانتخابات عكس قرارًا سياسيًا باستخدام القوة المفرطة لإعادة فرض السيطرة. الرد الأمني لم يقتصر على تفريق الاحتجاجات، بل اتخذ طابعًا عقابيًا واسع النطاق، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وسط اتهامات بعمليات قتل خارج نطاق القانون واختفاءات قسرية، فضلًا عن قطع متعمد للإنترنت بهدف عزل المجال العام ومنع توثيق الانتهاكات.
هذا التصعيد لم يكن معزولًا عن السياق التراكمي. ففي انتخابات 2020م، برزت أنماط عنف مماثلة، خاصة في زنجبار، دون أن تُفضي إلى مساءلة مؤسسية حقيقية. واستمر التضييق بين الدورات الانتخابية عبر تقارير عن اختفاءات قسرية واعتقالات وترهيب، ما يشير إلى أن العنف الانتخابي لم يعد حدثًا استثنائيًا مرتبطًا بيوم الاقتراع، بل أصبح امتدادًا لبنية حكم تقوم على تقليص الحيز المدني وإعادة تشكيل المجال السياسي بما يضمن تفوق الحزب الحاكم. وقد زاد تعليق وإلغاء بعض برامج الدعم الخارجي المخصصة للانتخابات من هشاشة البيئة الانتخابية، في لحظة كانت تتطلب تعزيزًا للرقابة والضمانات لا العكس.
في أوغندا، ورغم أن مستوى العنف في يناير 2026م لم يبلغ الكثافة ذاتها التي شهدتها تنزانيا، فإن المؤشرات البنيوية تكشف تشابهًا عميقًا في أدوات إدارة المجال السياسي قبيل الانتخابات. فالتقارير عن حالات الاختفاء القسري والاعتقالات الواسعة في صفوف المعارضة، إلى جانب تعليق عمل منظمات حقوقية وحجب الإنترنت في الأيام السابقة للتصويت، تعكس استراتيجية استباقية تقوم على إضعاف البنية التنظيمية للخصوم قبل الدخول في المنافسة الانتخابية. هذه الممارسات تكررت في انتخابات عام 2021م وعام 2016م، ما يدل على ترسخ نمط دوري من الضبط الأمني المصاحب لكل استحقاق رئاسي.
أما في كينيا، فإن المؤشرات المبكرة على تصاعد العنف السياسي منذ 2023م، وما رافقها من اعتقالات واحتجاز وترهيب للنشطاء والمعارضين، توحي بأن مرحلة ما قبل انتخابات 2027م قد تُدار بنفس المنطق الأمني المتشدد. القمع هنا لا يُمارس فقط كاستجابة لاحتجاجات آنية، بل كأداة لإعادة تشكيل ميزان القوى قبل وقت كافٍ من فتح باب الترشح، بما يحدّ من قدرة الفاعلين المعارضين على التعبئة والتنظيم.
اللافت في المشهد الإفريقي الإقليمي هو تنامي أنماط القمع العابر للحدود، سواء عبر التنسيق الأمني أو تبادل المعلومات أو التضييق على المعارضين الفارين إلى دول الجوار، ما يعزز فرضية وجود دينامية إقليمية تُغذي “سباقًا نحو القاع” في معايير الحريات السياسية. وبدل أن تُشكل الانتخابات آليةً لتجديد الشرعية، تتحول تدريجيًا إلى لحظة اختبار لقدرة السلطة على احتواء المجتمع وإعادة إنتاج السيطرة.
مع ذلك، لا تزال هناك نافذة للتحرك. فالمجتمع المدني الإقليمي يُظهر قدرًا من الابتكار في أدوات الرصد والمناصرة الرقمية، كما أن لدى الفاعلين الدوليين خبرة تراكمية في استخدام أدوات الضغط الدبلوماسي والشروط المالية والرقابة الانتخابية للحد من العنف. غير أن فعالية هذه الأدوات تظل رهينة بمدى التنسيق المبكر، والانتقال من ردود الفعل المتأخرة إلى استراتيجيات وقائية تستبق لحظة الانفجار. شرق أفريقيا تقف اليوم أمام خيارين: إما ترسيخ مسار تنافسي سلمي يعيد الاعتبار للشرعية الانتخابية، أو الانزلاق إلى نموذج انتخابي شكلي تُدار فيه السياسة عبر الأمن لا عبر صناديق الاقتراع.
كينيا بين ذاكرة العنف والاستحقاق الرئاسي عام 2027م: هشاشة الضمانات المؤسسية
تقترب كينيا من استحقاق 2027م وهي تحمل إرثًا ثقيلًا من العنف الانتخابي لم يحاسب على تداعياته أحد، يعود إلى أزمة عامي 2007م–2008م، التي مثّلت لحظة مفصلية في تاريخ الدولة الحديثة. فقد أسفرت تلك الانتخابات المتنازع عليها عن مقتل ما لا يقل عن 1100 شخص، بينهم أكثر من 400 على يد الشرطة، ما دفع النخبة السياسية إلى تبني إصلاحات دستورية عميقة تُوِّجت بإقرار دستور عام 2010م. وقد أنشأ هذا الدستور منظومة مؤسسية هدفت إلى تحصين المجال العام من تكرار الانفلات، من بينها الهيئة المستقلة لمراقبة عمل الشرطة، ووحدة الشؤون الداخلية التابعة للشرطة، ولجنة الخدمة الوطنية للشرطة. غير أن المسار اللاحق كشف عن فجوة متنامية بين النص الدستوري والممارسة الفعلية، حيث أُفرغت هذه الآليات تدريجيًا من مضمونها الرقابي.
فشل الدولة في محاسبة المسؤولين عن عنف عامي 2007م–2008م رسّخ معادلة الإفلات من العقاب، بوصفها سابقة سياسية خطرة. ورغم التعهدات العلنية بمنع تكرار المأساة، ظلّت المحاكمات محدودة ونادرة وربما شكلية، ما بعث برسالة ضمنية مفادها أن كلفة العنف السياسي قابلة للاحتواء. وقد أعاد مشهد عام 2017م إنتاج هذه الدينامية؛ إذ قُتل أكثر من 100 شخص خلال الانتخابات المتنازع عليها، معظمهم في نيروبي وغرب البلاد، وسط بطء واضح في ملاحقة المتورطين. ولم تصل إلى القضاء سوى حالات استثنائية، بينما فضّل كثير من المصابين تجنّب المستشفيات خشية الاعتقال، في مؤشر على تآكل الثقة بين المواطن ومؤسسات إنفاذ القانون.
صحيح أن انتخابات عام 2022م بدت أقل عنفًا في لحظتها، إلا أن الاستقرار كان هشًا ومؤقتًا. فقد أعقبتها احتجاجات استندت إلى اتهامات بالتزوير، واستخدمت الشرطة خلالها القوة المفرطة، ما أدى إلى سقوط ما لا يقل عن 35 قتيلًا وفق تقارير رصد العنف السياسي. ورغم توقيع اتفاق سياسي بين الرئيس ويليام روتو والراحل رايلا أودينجا لتعزيز مصداقية الانتخابات وضمان مساءلة الشرطة، فإن التنفيذ الجزئي للاتفاق أبقى جذور الأزمة قائمة، وأبقى احتمالات النزاع مفتوحة.
المقلق أن المؤشرات الراهنة توحي بأن مرحلة ما قبل عام 2027م تُدار بمنطق استباقي يقوم على إعادة ضبط المجال السياسي مبكرًا. فقد اتسمت الانتخابات الفرعية الأخيرة بتجاوزات أمنية ودور لميليشيات شبابية غير رسمية في بعض الدوائر، مع اتهامات بتواطؤ أو غضّ الطرف من قبل الأجهزة الرسمية. وفي مالافا، على سبيل المثال، أفادت منظمات المجتمع المدني أن الشرطة وفّرت غطاءً لما وُصف بـ”البلطجية”، في سياق بدا وكأنه انحياز ضمني لمرشح مدعوم من الدولة. هذه المؤشرات تعكس انتقالًا تدريجيًا من إدارة تنافس انتخابي إلى إدارة ولاءات سياسية عبر أدوات ضغط غير رسمية.
كما يثير نمط التضييق على الشخصيات المعارضة مخاوف جدية. فقد سُحبت الحماية الأمنية من جورج ناتيمبيا بعد دعمه مرشحًا معارضًا وإبداء رغبته في خوض انتخابات عام 2027م، في حين واجه ريجاثي جاتشاجوا تعطيلًا لاجتماعاته العامة من قبل الشرطة وجماعات موالية للحكومة. وتعرّض موانجي، الذي أعلن ترشحه للرئاسة، لتهديدات متصاعدة. هذه الوقائع تشير إلى بيئة سياسية تتجه نحو تقليص هوامش المنافسة قبل وقت طويل من فتح باب الاقتراع.
الأخطر أن موجات القتل خارج نطاق القضاء والاختفاء القسري لم تتراجع، رغم الوعود الانتخابية بإنهائها. فقد شهدت احتجاجات عامي 2024م و2025م انتهاكات جسيمة نُسبت إلى وحدات الشرطة وأجهزة تحقيق، شملت اعتقالات تعسفية وتعذيبًا واختفاءات قسرية. وإذا استمر هذا المسار دون مساءلة فعالة، فإن كينيا قد تجد نفسها تعيد إنتاج دورة العنف ذاتها التي سعت إصلاحات عام 2010م إلى كسرها.
بذلك، تقف كينيا أمام مفترق حاسم: إما إعادة تفعيل ضماناتها الدستورية وتحصين استقلال مؤسسات الرقابة قبل عام 2027م، أو الانزلاق التدريجي إلى نموذج إقليمي يتعامل مع الانتخابات باعتبارها تحديًا أمنيًا يُدار بالقوة لا عملية سياسية تُدار بالقانون. المؤشرات الحالية لا تبعث على قدر كبير من التفاؤل، لكنها لا تزال تتيح نافذة زمنية للتحرك الوقائي قبل أن يتحول القلق إلى أزمة مفتوحة.
مسؤولية دولية متآكلة وحاجة ملحّة لإعادة تفعيل أدوات الردع الوقائي
أظهرت تجربة كينيا في أعقاب أزمة عامي 2007م–2008م أن التحرك الدولي المنسق قادر على لعب دور حاسم في كبح الانزلاق نحو العنف الشامل. فقد بادر الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى تجميد بعض أوجه الدعم الموجه للأجهزة الأمنية، وتعزيز بعثات مراقبة الانتخابات، وتوسيع مظلات الحماية للمجتمع المدني. كما جرى الاستثمار في برامج معالجة الأسباب البنيوية للعنف، وإنشاء آليات إنذار مبكر ساهمت في احتواء مخاطر التكرار. غير أن هذا النموذج من الاستجابة الحازمة لم يُستنسخ بالقدر ذاته في أوغندا وتنزانيا، حيث أُوقفت أو جُمّدت برامج منع العنف الانتخابي عقب تقليص المساعدات الخارجية وتفكيك بعض البنى المؤسسية المعنية بالديمقراطية وحقوق الإنسان.
في تنزانيا، اقتصر التحرك الدولي عقب احتجاجات ما بعد انتخابات عام 2025م على ضغوط دبلوماسية تدعو إلى تشكيل لجنة تحقيق مستقلة وضمان الشفافية والمساءلة. فقد حثّ كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة رئيسة البلاد سامية سولوهو حسن على تبني مسار إصلاحي، غير أن غياب أدوات ضغط أكثر صرامة، مثل الشروط المالية أو العقوبات الفردية، أضعف فاعلية الرسائل السياسية. وفي ظل غياب كلفة ملموسة للانتهاكات، يبقى احتمال التحول الجوهري في سلوك السلطة محدودًا.
إقليميًا، يمتلك الاتحاد الأفريقي ومجموعة دول شرق أفريقيا خبرة سابقة في الوساطة السياسية، كما حدث في تسوية أزمة كينيا عامي 2007م–2008م. إلا أن الدور الإقليمي لاحقًا اتسم بالحذر المفرط، ولم يتطور إلى آلية مستدامة لحماية استقلال المؤسسات الانتخابية وهيئات المساءلة من تدخل السلطة التنفيذية. كان من شأن ترسيخ معايير إقليمية ملزمة بشأن نزاهة الانتخابات واستخدام القوة أن يخلق سابقة إيجابية تُحتذى في أوغندا وتنزانيا، ويؤسس لبيئة ردع معيارية داخل الإقليم ذاته.
على مستوى الدعم العملي، تواصل بعض الحكومات الأوروبية تمويل منظمات المجتمع المدني الكينية المعنية بالشفافية الانتخابية، مع مؤشرات إلى انخراط مانحين متعددي الأطراف في المسار ذاته. غير أن حجم التحديات يتطلب مقاربة أوسع نطاقًا، تشمل حماية المدافعين عن حقوق الإنسان، وتعزيز قدرات الرصد الرقمي، ودعم استقلال الإعلام والقضاء، وربط المساعدات الأمنية بمعايير واضحة للمساءلة. فالاستثمار في الوقاية أقل كلفة سياسيًا وماليًا من إدارة أزمات ما بعد الانفجار.
مع ذلك، تظل المسؤولية الأساسية وطنية في جوهرها. فالعلاقات الوثيقة التي تربط الشركاء الدوليين بالحكومة الكينية تمنحهم نفوذًا، لكنها لا تعفي نيروبي من واجب صون مؤسساتها الدستورية. يتعين على السلطات احترام استقلال الهيئات الانتخابية وأجهزة الرقابة والقضاء، والاستجابة لمطالب إصلاح تمويل الحملات، وتعزيز الثقة في العملية الانتخابية. كما ينبغي الامتناع عن تسييس أجهزة الشرطة أو عرقلة التحقيق في العنف السياسي، وضمان بيئة آمنة للإعلام ونشطاء حقوق الإنسان قبيل عام 2027م. إن إعادة تفعيل أدوات الردع الدولية، بالتوازي مع إرادة سياسية داخلية للإصلاح، تمثلان الشرطين اللازمين لتفادي انزلاق جديد يعيد إنتاج دوامة العنف بالمنطقة

