أ/ مصطفي الحجري

مثل الهجوم الأمريكي – الإسرائيلي المشترك على ايران في فبراير 2026 والذي استهداف بنيتها التحتية النووية والعسكرية، كما أسفر عن اغتيال المرشد الأعلى “على خامئني” وعددًا من قيادات الصف الأول، منعطفًا جيوسياسًا حرجًا في تاريخ الشرق الأوسط تجاوزت ارتداداته نطاق المواجهة المباشرة في المنطقة ليشمل البيئة الأمنية في منطقة البحر الأحمر واقليم القرن الإفريقي.

تشكل منطقة القرن الأفريقي اطارًا جيواستراتيجيًا أساسيًا في معادلات الأمن الإقليمي والدولي، حيث تكتسب أهميتها الإستراتيجية انطلاقًا من عدة اعتبارات، في مقدمتها العمق الجغرافي الإستراتيجي الذي يٌطل على المحيط الهندي من ناحية، ويتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر حيث مضيق باب المندب من ناحية أخرى، والذي يمر عبره نحو 10% إلى 12% من حجم التجارة العالمية، فضلًا عن 30% من تجارة الحاويات العالمية، وما يزيد عن 6 ملايين برميل نفط يوميًا. كما لاتقتصر أهمية القرن الأفريقي فقط على اعتبارات الموقع الجيوستراتيجية، بل تتجاوزها للموارد الطبيعية، كالنفط، والغاز الطبيعي، والذهب. فضلًا عن وجود احتياطات كبيرة من المعادن التي تُستخدم في الصناعات الثقيلة والنووية، مثل: الكوبالت واليورانيوم. علاوة على ذلك يضم الإقليم ثروة حيوانية كبيرة تفوق ربع مليار رأس. بالإضافة إلى ثروة مائية هائلة، حيث تمثل اثيوبيا، المصدر الرئيسي لنهر النيل، ما بين 80- 85% من ايرادته السنوية البالغة 4,936 مليارم3 .

وفي ظل تصاعد حدة المواجهة بين الولايات المتحدة وايران، لاتزال الأخيرة تحتفظ بأوراق ضغط استراتيجية ذات ثقل، والتي يأتي في مقدمتها التوظيف الذكي للممرات البحرية الإستراتيجية كورقة ضغط أساسية لرفع كلفة الحرب على خصومها. تسعي ايران عبر هذه المقاربة إلى بلورة استراتيجية عابرة لنطاق الصراع تهدف لشل حركة الملاحة البحرية على نطاق واسع، وذلك لتوجيه رسالة ردع تحذيرية لكافة القوي الفاعلة من تداعيات الإنخراط في هذه الحرب إلى جانب الولايات المتحدة. هذا التوجه برز جليًا في احكام السيطرة الإيرانية على حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يتدفق عبره نحو 20% من تجارة النفط والطاقة العالمية، رغم المحاولات الأمريكية لنفي هذه المعطيات.

ومن هذا المنطلق، فإن التلويح فقط بسيناريو اغلاق مضيق هرمز لايمثل فقط تهديدًا أمنيًا، بل صدمة عنيفة للإقتصاد العالمي بالنظر للإرتفاع المتوقع في أسعار النفط. هذا الواقع يدفع ايران نحو توسعة رقعة الصراع جغرافيًا عبر استهداف المصالح الأمريكية والإسرائيلية في مناطق حيوية أخري في ظل تبنيها ما يسمي “بالجهاد البحري” الذي يعني انتهاج سياسات تُمكن الدولة من السيطرة أو الوجود القوي بالقرب من الممرات الملاحية، تحسبًا لأي مواجهة عسكرية تهدد مصالحها من قبل القوى الغربية، ومن ثم التوجه غربًا نحو مضيق باب المندب بالإعتماد على وكيلها الإقليمي الأكثر تحفزًا المتمثل فى جماعة الحوثي اليمنية. هذا التمدد ينذر بفرض حالة من العسكرة الشاملة على منطقة البحر الأحمر، مما يهدد حركة التجارة العالمية بشكل مباشر، ويفرض حالة من الفوضى الإقليمية العابرة للحدود تمتد من الخليج العربي لتطال القرن الأفريقي، ما يزيد من حدة مخاوف تحول هذه المنطقة إلى ساحة مواجهة جديدة في ظل الحرب الإقليمية المشتعلة.

أولًا: المرتكزات الإستراتيجية للوجود الإيراني في القرن الأفريقي:

شهد التموضع الإيراني في منطقة القرن الأفريقي تحولات جوهرية. منذ تسعينيات القرن الماضي، عملت ايران على ترسيخ حضورها عبر التقارب مع نظام السودان قبل الانفصال عن جنوب السودان لتأمين تسهيلات لوجستية للبحرية الإيرانية، إلى جانب بناء علاقات أمنية مع إريتريا ومواضع نفوذ في الصومال. لكن هذه الاستراتيجية اصطدمت بقطع العديد من دول المنطقة علاقاتها بإيران بعد عام 2015 بفعل عدة عوامل كضغط القوى الخليجية، وتفاقم العقوبات الاقتصادية، والانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي عام 2018. أدى ذلك إلى تحول التواجد الإيراني إلى نمط براجماتي انتقائي يعتمد بدرجة أساسية على الفاعلين من غير الدول لتقليل التكاليف المباشرة.[1]

تنطلق المقاربة الإيرانية تجاه منطقة القرن الإفريقي من عقيدة “العمق الإستراتيجي الممتدد”، والتي صاغها بالأساس المرشد السابق “على خامئني”، وهي بالأساس تقوم على تحركات أمنية وسياسية تهدف لنقل مسارح الردع والمواجهة بعيدًا عن العمق الجغرافي الإيراني المباشر.

في هذا السياق، تدرك ايران أن تواجدها بالقرب من مضيق “باب المندب” وجنوب البحر الأحمر يمنحها القدرة على مراقبة واستهداف المصالح الحيوية للمحور الأمريكي- الإسرائيلي، لاسيما مع التحركات الإسرائيلية المتزايدة بالمنطقة عبر أليات مختلفة بغية ترسيخ موطئ قدم لها في المنطقة، وذلك عبر التقارب مع كيانات اقليمية كـ “اقليم أرض الصومال”، وبناء قواعد رصد ومراقبة استخباراتية على الجزر الإيرتيرية عند مدخل البحر الأحمر بما يتيح لها رصد التحركات الإيرانية وكذلك وكيلها الحوثي في هذه المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، يمثل التواجد الإيراني في هذه المنطقة ورقة ضغط ومساومة لطهران تتيح لها التأثير في طرق شحن الطاقة والتجارة العالمية، مما يحول أي تضييق بحري عليها في الخليج العربي إلى أزمة موازية في البحر الأحمر والممرات المائية لشبه الجزيرة العربية والشرق الأفريقي.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول بأن ثمة مجموعة من الأليات الإستراتيجية التي توظفها ايران لترسيخ تموضعها في هذا النطاق الحيوي، وذلك على النحو التالي:

  • الوكلاء الإقليميون: وذلك عبر استراتيجية “الردع غير المتكأفي منخفض التكلفة” الذي يركز بالأساس على تنظيم الفاعلين المسلحين من غير الدول كبديل للتواجد العسكري التقليدي المكلف سياسيًا واقتصاديًا.

وتُعد “جماعة الحوثي اليمنية” هي رأس الرمح الإستراتيجي والركيزة الأهم ضمن هذه المقاربة الإيرانية، وذلك انطلاقًا من سيطرتها الجغرافية المباشرة على المناطق التي تطل على خطوط الملاحة في مضيق “باب المندب”، كما أن اعتماها اللوجستي والعقائدي والتسليحي على إيران يجعلها تقوم بدور “الحارس غير المباشر” للمصالح الإيرانية عبر الهجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والزوارق المفخخة على السفن الأمريكية والإسرائيلية.

في هذا السياق، يمكن القول بأن “جماعة الحوثي” في اليمن قد تحولت من مجرد وكيل محلي إلى لاعب جيوسياسي رئيسي لتوسيع نطاق التموضع الإيراني في منطقة القرن الأفريقي، وذلك انطلاقًا من استراتيجية “المنظومة البيئية الموحدة” أو التحالفات العابرة وهو إطار تعاوني سري يربط الحوثيين بحركة “الشباب المجاهدين” الصومالية برعاية وإشراف مباشرين من الحرس الثوري الإيراني. وعلى الرغم من الأختلاف الأيديولوجي والمذهبي بين الجماعتين، فإن هذا التحالف قام على مبدأ  “المصالح البرجماتية المتبادلة” والعداء المشترك للمحور الغربي.[2]

هنا يمكن الإشارة إلى التقرير الأمني الذي أعده معهد “سلدغ” للدراسات الأمنية [3]والذي كشف عن تكوين فريق ارتباط إداري واستخباري دائم يتألف من 10 عناصر قيادية ينتمون للجهازين الاستخباري والدبلوماسي للحوثيين وحركة الشباب يتولى بالأساس إدارة ملفات التسليح، والتمويل، والجهد اللوجستي، خصوصًا في ولاية “بونتلاند” بشمال شرقي الصومال. كما أكد تقرير صادر عن فريق خبراء الأمم المتحدة العام الماضي[4] عن عقد اجتماعات مباشرة بين ممثلي الحوثيين وقيادات حركة الشباب داخل الصومال أثمرت عن إرسال 4 مجموعات قتالية من حركة الشباب، تضم كل مجموعة 30 مقاتلًا، إلى اليمن بين أواخر 2024 و2025، حيث خضعوا لتدريبات مكثفة على أيدي خبراء إيرانيين وحوثيين في الحديدة وصعدة، شملت استخدام المسيرات، والمتفجرات، والأسلحة المضادة للطائرات.[5]

تتيح هذه الشراكة للحوثيين بناء عمق استخباراتي وبحري قبالة المحيط الهندي وخليج عدن، بينما تحصل حركة الشباب على تقنيات تسليح متطورة أتاحت لها شن هجمات نوعية،[6] كهجومها الشهير على قاعدة “ماندا باي” الأمريكية في كينيا، والذي تزامن مع اغتيال قاسم سليماني عام 2020.

في سياق متصل، استغلت ايران القرب الجغرافي الذي يفصل سواحل اليمن عن جيبوتي بـ 26 كم فقط عند أضيق نقطة في باب المندب، و330 كم بين بوساسو والمكلا، وغياب نظام التعريف التلقائي (AIS) لتوريد مكونات التسليح النوعي إلى الجماعات المسلحة في القرن الأفريقي. ووفقًا للمعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، فإن هناك شبكة محددة تضم 3 مستوردين في بونتلاند و3 موردين في اليمن تحتكر أكثر من 84% من تحويلات تجارة السلاح غير المشروعة بقيمة تزيد عن 3.1 ملايين دولار، بالتزامن مع تخصيص حركة الشباب نحو 40% من ميزانيتها السنوية التي تتجاوز 100 مليون دولار للتسليح، حيث يمدها الحوثيون بشحنات أسلحة سنوية تتراوح قيمتها بين 10 و40 مليون دولار كان له عظيم الدور في تنشيط حركة القرصنة بالمنطقة.[7]

لم يقتصر الأمر على دعم الفواعل دون الدول، بل تتطور الأمر إلي محاولات تشكيل خلايا في القرن الأفريقي. إذ أظهرت اعترافات عددًا من الموقوفين في اريتريا في فبراير 2025 اختراقًا إيرانيًا للقرن الأفريقي عبر استهداف قبيلة “العفر” المنتشرة بين جيبوتي وإريتريا وإثيوبيا، لبناء ذراع عسكرية موازية تُماثل “حزب الله”، حيث شكل القياديان الحوثيان “محمد موسى”، “ومحمد علوسان” شبكة تهريب مالي وعسكري تنقل المجندين بحرًا نحو الحديدة وصنعاء لإخضاعهم لدورات طائفية مع تقديم دعم 500 دولار لكل مجند، مع التوجه لاستهداف الأطفال لتسهيل تغيير معتقداتهم السنية والصوفية. كما تتوج هذه الاستراتيجية بتعهدات بتقديم دعم مالي وعسكري إيراني مباشر لتأسيس معسكرات تدريبية ومساعدة العفر على الانفصال عن جيبوتي وإريتريا وإثيوبيا، بما يضمن لها بسط نفوذها على ضفتي البحر الأحمر والتحكم بالملاحة الدولية.[8] علاوة على ذلك، أعلنت عدة دول بالمنطقة ضبط عدة عناصر تابعة للحرس الثوري، كانت تدير عملياتها فـي السودان واريتريا تسمى “سرايا الزهراء”  كانت تعمل لمساعدة القادة المحليين القريبين من ايران للوصول إلى مواقع بارزة.

  • الدبلوماسية الاقتصادية والعسكرية المحدودة:

ينبثق الهدف الرئيسي لهذه الأدوات في الإلتفاف على العقوبات الغربية بالأساس عبر  بناء شبكة من العلاقات العامة والنفوذ الرمزي مع النخب. برز ذلك قبيل اندلاع الحرب الأخيرة في صفقات استراتيجية لبيع النفط والتي كان أبرزها بيع 4 ملايين برميل خام سنويًا لكينيا، وتطوير “مصفاة عصب” الإريترية، والتي توجت بزيارة الرئيس  “إبراهيم رئيسي” للقارة عام 2023، وعقد مؤتمر التعاون الاقتصادي في أبريل 2024، مما أسفر عن إبرام اتفاقيات لتأسيس مصانع سيارات ومسيرات زراعية بكينيا، والتخطيط لبناء مصفاة نفط بأوغندا بخط أنابيب طوله 1443 كم، ومذكرات مع منظمة “إيغاد”، ليرتفع حجم التبادل التجاري مع القارة إلى 1.27 مليار دولار.

بالمقابل، أطلقت طهران “إستراتيجية الذراع الطويلة” للتواجد في خليج عدن والمحيط الهندي بمرافقة 2900 سفينة منذ 2011 وبناء قاعدة بميناء “عصب” الإريتري. بل تجسدت مظاهر هذا التواجد في التحالف التسليحي مع الجيش السوداني، بتقديم خصومات تصل إلى 50% وإنشاء الحرس الثوري لمصنع “جياد” للأسلحة بالخرطوم بإدارة 169 خبيرًا إيرانيًّا، وصولاً لتزويده بمسيرات “مهاجر 6” وإرسال رحلات شحن وتدريب قتالي ميداني بمشاركة عناصر الحرس الثوري للفصائل المتحالفة مع “حكومة بورتسودان” عقب استئناف العلاقات نهاية 2023، لضمان موطئ قدم استراتيجي بميناء “بورتسودان”.[9]

ثانيًا: تداعيات الأزمة على الهشاشة الأمنية الإقليمية:

تنعكس تداعيات هذه الأزمة بشكل مباشر على منطقة القرن الأفريقي عبر تعميق حالة الإستقطاب الحاد وتعميق الهشاشة الأمنية الإقليمية. هذا التأثير المركب يمكن ابرازه من خلال حالة التداخل بين الأجندات الإقليمية والتهديدات المباشرة، وذلك عبر النقاط التالية:

  1. عسكرة الممرات المائية: أدت حالة التصعيد الجارية إلى توسيع بنك الأهداف ليطال البنية التحتية والقواعد الغربية والإقليمية الممتدة على طول الساحل الأفريقي والبحر الأحمر. حيث باتت القواعد والمصالح الأمريكية والإماراتية والإسرائيلية في المنطقة عرضة للإستهداف المباشر من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة التابعة للحوثيين أو إيران. ظهر هذا في تهديد الحوثيون المباشر باستهداف كل من قاعدة “بربرة” في إقليم “أرض الصومال” حال أى تواجد عسكرى إسرائيلى[10]، و”معسكر ليمونييه” الأمريكي في جيبوتي[11].

تضع هذه المعطيات دول المنطقة أمام معضلة جيوسياسية، نظراً لموقعها عند مدخل مضيق “باب المندب” وافتقارها لشبكات دفاع جوي متطورة، مما قد يدفعها للاستعانة بقوي دولية وتوسيع نطاق المواجهة العسكرية. بالتوازي مع ذلك، يتصاعد خطر القرصنة قبالة خليج عدن نتيجة للتنسيق المستمر بين الحوثيين وحركة “الشباب” الصومالية، مستغلين انشغال الدوريات البحرية الدولية بتأمين الملاحة ومحور هرمز، مما يضاعف حالة الانكشاف الأمني البحري بالمنطقة.

  1. استغلال الإنقسامات الأفقية وتنشيط ال‘ختراقات الإستخباراتية: تتداخل تداعيات التصعيد الحالي مع حالة الهشاشة الأمنية وتصاعد الصراعات في القرن الأفريقي، وهو ما يمنح ايران ووكلائها الفرصة لاستغلال هذه الثغرات الأمنية والسياسية.[12]

في هذا السياق، تعمل ايران على تحريك خلاياها لتنشيط العمليات الإستخباراتية والعسكرية ضد المصالح الأمريكية في العمق الأفريقي في دول ككينيا وإثيوبيا. بالتوازي مع ذلك، تتجه لبناء تقاطعات عملياتية مع فصائل مسلحة داخلية في ظل إمكانية توظيف التهديدات ضد إقليم “أرض الصومال” حال سماحه بوجود عسكري إسرائيلي مباشر. كما تقترن هذه التحركات بتعميق الانقسامات السياسية والإقليمية[13]، لاسيما بين المحور الداعم لأرض الصومال والتواجد في الموانئ المتمثل في الإمارات وإسرائيل وإثيوبيا، والمحور الداعم للحكومة المركزية في مقديشو المتمثل في تركيا وقطر ومصر والسعودية، مما يحول التنافس حول الصومال إلى مواجهة استقطابية مفتوحة[14].

  1. تعقد ملفات الصراع وتجمد مسارات السلام: وفي مقدمتها الأزمة السودانية، حيث أن التنسيق العسكري الرفيع بين الجيش السوداني والحرس الثوري الإيراني أضاف بعدًا جيوسياسيًا معقدًا على الحرب، وأربك مسارات الوساطة الإقليمية والرباعية الدولية. علاوة على ذلك، وضع القوي الخليجية في موقف حرج لاسيما السعودية مع استمرار الدعم اللوجستي الإماراتي لقوات الدعم السريع.

بالمقابل، أدى انشغال المجتمع الدولي بالحرب الإيرانية إلى تراجع الضغوط الدبلوماسية الأمريكية والأممية لوقف الحرب في السودان، واحتواء التوترات المكتومة بين إثيوبيا وإريتريا والصومال، مما منح الأطراف المحلية الفرصة للتصعيد وإدارة الصراعات دون خشية من العقوبات الدولية.[15]

ثالثًا: الإرتدادت الإقتصادية:

تجاوزت تأثيرات الحرب الإيرانية نطاق المواجهة المباشرة، لتحدث صدمات هيكلية واقتصادية عميقة في دول القرن الأفريقي عبر قنوات الطاقة، واللوجستيات البحرية، واضطراب سلاسل التوريد، والضغوط التضخمية التي تضاعف من هشاشة مجتمعات المنطقة وهياكلها الاقتصادية.

مثل قطاع الطاقة المحور الأكثر تأثرًا بتداعيات تلك الأزمة، انطلاقًا من اعتماد دول المنطقة شبه الكامل على واردات الطاقة الخليجية، وعليه فقد دفع ارتفاع أسعار الطاقة العالمية وزيادة تكاليف الشحن والتأمين إلى عجز كبير في الميزان التجاري واستنزاف الاحتياطيات النقدية الأجنبية. كما تشير عدة تقديرات إلى تحمل الدول المستوردة للنفط أعباءً إضافية تتجاوز 5% من ناتجها المحلي الإجمالي لمجرد تغطية فاتورة الطاقة. وهو ما نتج عنه تراجع قيم العملات الوطنية أمام الدولار الأمريكي، مما أثقل كاهل الموازنات العامة بكلفة خدمة الديون الخارجية وضغط على الحكومات بين خيارين: إما زيادة الدعم المالي لتأمين الوقود أو رفعه وتمرير الزيادة للمستهلكين، وهو ما أشعل موجات تضخمية طالت الاستهلاك المحلي وسلاسل التوريد الريفية.[16]

في السياق ذاته، فرضت حالة الضبابية والمخاطر في البحر الأحمر وخليج عدن تكاليف باهظة على دول المنطقة، فيما يتعلق باللوجستيات والتجارة البحرية. تجلى ذلك بوضوح في كينيا، التي تمثل مركز لوجستي وجوي يربط الداخل الأفريقي بالأسواق العالمية، والتي تأثرت كنتيجة لاضطراب سلاسل الأمداد والنقل البحري،[17] وكذلك أوغندا التي تعتمد على الممرات الإقليمية لتصدير إنتاجها النفطي المرتقب عبر ميناء دار السلام في تنزانيا. كما تسبب اضطراب الممرات التقليدية وتحول بعض حركة الملاحة نحو طريق رأس الرجاء الصالح في رفع تكاليف النقل الإجمالية وإطالة فترات التوصيل، مما أربك عمليات إيصال المساعدات الإنسانية العاجلة إلى المناطق المنكوبة بالقرن الأفريقي.[18]

فيما يتعلق بالأمن الغذائي، سببت الأزمة مخاطر مباشرة قد تدفع نحو تفتيت الإستقرار الإجتماعي، حيث تسبب تعطيل أو تباطؤ إنتاج الأسمدة في دول الخليج، إلى جانب اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمر من خلاله نحو ثلث تجارة الأسمدة العالمية، في أزمة إمدادات حادة وقفزة قياسية في الأسعار، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على المواسم الزراعية في الدول التي تمثل الزراعة المحرك الرئيسي لإقتصادها، كإثيوبيا، والسودان، والصومال، وهو ما يضيف عبئًا أخر إلى جانب الأزمات الهيكلية والمناخية والإنسانية القائمة، ويجعل من الفئات الحضرية والريفية أكثر عرضة لصدمات الأسعار.[19]

كما أن معدلات النمو الإقتصادي وبيئة الإستثمار لم تكن بمعزل عن هذه التداعيات، إذا دفعت المخاطر الجيوسياسية المباشرة إلى تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتدفقات رؤوس الأموال، ما يهدد باقتطاع نحو 0.2 نقطة مئوية من معدل النمو الاقتصادي الإجمالي للقارة حال استمرار التصعيد لأكثر من 6 أشهر[20]، مع تركز الضرر في إقليم القرن الأفريقي. وبالرغم من أن هذه المخاطر دعت إلى حالة من التقارب الأمني الاضطراري والمؤقت بين القوى الخليجية لضبط الملاحة، إلا أن أدوارها الاستثمارية والتنموية بالقرن الأفريقي تظل متفتتة وتنافسية، حيث يُوجه الدعم المالي والسياسي بطرق متضاربة لدعم أطراف محددة في السودان والصومال وإثيوبيا،[21]، مما يحول دون تشكيل إطار إقليمي موحد لاحتواء الصدمات الاقتصادية الناجمة عن الحرب الإيرانية.[22]

ختامًا، أثبتت الأزمة الإيرانية وتداعياتها أن منطقة القرن الأفريقي قد تحولت من مجرد فضاء جغرافي هامشي إلى جزء أصيل ضمن معادلة التنافس الدولي والإقليمي، حيث أن الترابط العضوي بين الممرات المائية الحيوية “مضيقي هرمز وباب المندب” يجعل اضطراب أحدهما ينعكس مباشرة على الآخر، وهو ما وظفته ايران لتثبيت تموضعها بالمنطقة، ولترسيخ أوراق ضغط استراتيجية. وعليه، فإن غياب منظومة أمنية إقليمية متكاملة للدول المطلة على البحر الأحمر يُبقي هذه الدول الهشة عرضة للاستقطاب ولتحمل التكاليف الباهظة، مما يجعل استقرار مضيق باب المندب هو حجر الزاوية لمستقبل الأمن الإقليمي والدولي.

 

 

في هذا الإطار، يظل مستقبل المنطقة محكومًا بسيناريوهات ثلاث:

السيناريو الأول:

ويعد الأكثر ترجيحًا، هو إدارة الصراع عبر استمرار حالة “لا حرب ولا سلم” الذي يعتمد على الردع الانتقائي والهجمات المتقطعة لتوظيف البحر الأحمر كأداة ضغط مساومة، مما يُبقي دول القرن الأفريقي تحت وطأة الاستنزاف الاقتصادي وعدم اليقين الأمني.

السيناريو الثانى:

التصعيد المفتوح والعسكرة الشاملة،  وهو ما ينذر بتحويل المنطقة إلى ساحة مواجهة مباشرة وتعطيل خطوط التجارة عبر الممرات الحيوية نتيجة الاستهدافات.

السيناريو الثالث:

التوصل إلى تهدئة تفاهمات إقليمية، عبر نجاح الوسطاء في وقف التصعيد، وهو ما يتيح لدول المنطقة التقاط أنفاسها وتخفيف الأعباء الاقتصادية.

قائمة المراجع

أولاً: المراجع باللغة العربية

  1. محمود سامح همام، “تأثيرات محتملة: الحرب على إيران وانعكاساتها على أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي”، مركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية، 9 مارس 2026.
  2. “العلاقات الإستراتيجية بين حركة الشباب وجماعة الحوثي وتداعياتها على الأمن الإقليمي والدولي”، معهد سلدغ للدراسات الأمنية، فبراير 2026.
  3. “تقرير أممي يكشف التعاون المتزايد بين الحوثيين وحركة الشباب”، مجلة منبر الدفاع الأفريقي (ADF)، نوفمبر 2025.
  4. محمد حافظ، “براجماتية المصالح.. لماذا يتجدد التقارب بين حركة الشباب الصومالية والحوثيين؟”، وكالة القاهرة الإخبارية، 11 أغسطس 2026.
  5. محمد ناصر، “اعترافات تكشف عن تشكيل الحوثيين خلايا في القرن الأفريقي”، وكالة الشرق الأوسط للأنباء، 16 فبراير 2025.
  6. “ماذا يفعل الحوثيون في بورتسودان؟، كواليس تحركات تتجاوز حدود اليمن”، وكالة إرم نيوز الإخبارية، 11 أغسطس 2026.
  7. شيماء محمود، “تداعيات الحرب الإيرانية على الاقتصاد الأفريقي”، مركز انترريجونال للتحليلات الاستراتيجية، 16 يونيو 2026.
  8. شيرين ماهر، “تداعيات حرب إيران على القرن الإفريقي: التنافس الخليجي وإعادة تشكيل التوازنات”، موقع قراءات أفريقية، 17 يونيو 2026.

(English References)

  1. Ardemagni Eleonora, “Beyond the Axis: Yemen’s Houthis are Building their Network of Resistance”, The Royal United Services Institute (RUSI), 18 November 2024.
  2. Jalal, Ibrahim & al-Jabari, Adnan,” Dhows, Drones, and Dollars: Ansar Allah’s Expansion into Somali”, Carnegie Middle East Center, 14 March 2025.
  3. Fitton-Brown, Edmund & Toomey, Bridget, “Iran-Backed Houthis Assist Resurgent Somali Pirates”, The Foundation for Defense of Democracies (FDD), May 14, 2026.
  4. “Houthi Attack on Somaliland’s Berbera Port ‘Likely’ as U.S.-Israel War on Iran Escalates”, Parrot Times, 11 March 2026.
  5. Jacopo, Leonardo & Mazzucco, Maria, “Assessing the Houthi Threat to Camp Lemonnier in Djibouti”, Manara Magazine, 2 July 2025.
  6. “Unceasing US–Iran Tensions and The Stakes for The Horn of Africa”, Horn Review, 3 September 2025.
  7. Karr, Liam & DeAngelo, Michael, “Fault Lines in the Horn of Africa: The Gulf States, Turkey, and Israel Battle for Red Sea Influence”, The American Enterprise Institute (AEI), 24 February 2026.
  8. Lons, Camille, “Power struggle: What the Saudi-UAE rivalry means for the Red Sea—and Europe”, The European Council on Foreign Relations (ECFR), 29 January 2026.
  9. Pospisil Jan, “The Iran War and the Wider Horn of Africa: Gulf Rivalries, Regional Realignments, and Economic Spillovers”, Österreichische Institute für Internationale Politik (oiip), Feb 2026.
  • “The US-Israel War on Iran and Africa’s Mounting Dilemma”, The HORN International Institute for Strategic Studies, 25 March 2026.
  • “How is the War in Iran Affecting African Nations?”, Soufan Center, 10 July 2026.
  • Amuge Onome, “Middle East conflict may cut Africa’s 2026 growth by 0.2 percentage points – Report warns”, Business A.M, 3 April 2026.
  • Eljechtimi, Ahmed, “Africa faces sharper growth slowdown if Middle East conflict drags on, report warns”, Reuters, 2 April 2026.
  • Walhad Suleiman, “The Horn of Africa States: Gulf Banking and Finance Under the Seemingly Endless War and Its Impact on the Region”, Eurasia Review, 21 July 2026.

[1] محمود سامح همام، “تأثيرات محتملة: الحرب على إيران وانعكاساتها على أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي”، مركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية، 9 مارس 2026. متاح على الرابط: https://2u.pw/AHq62K

 

[2] Eleonora Ardemagni, “Beyond the Axis: Yemen’s Houthis are Building their ‘Network of Resistance”, the Royal United Services Institute (RUSI), 18 November 2024. Available at: https://www.rusi.org/explore-our-research/publications/commentary/beyond-axis-yemens-houthis-are-building-their-network-resistance

[3]  “العلاقات الإستراتيجية بين حركة الشباب وجماعة الحوثي وتداعياتها على الأمن الإقليمي والدولي”، معهد سلدغ للدراسات الأمنية، فبراير 2026. متاح على الرابط التالي: https://saldhig.org/wp-content/uploads/2026/02/AS-Houthi-Paper-Arabic-FINAL.pdf

[4] “تقرير أممي يكشف التعاون المتزايد بين الحوثيين وحركة الشباب”، مجلة منبر الدفاع الأفريقي (ADF)، نوفمبر2025. متاح على الرابط التالي: https://2u.pw/HZV7k9

[5] Ibrahim Jalal, Adnan al-Jabari, “Dhows, Drones, and Dollars: Ansar Allah’s Expansion into Somalia”, Carnegie Middle East Center, 14 Mar, 2025. Available at: https://carnegieendowment.org/middle-east/research/2025/04/dhows-drones-and-dollars-ansar-allahs-expansion-into-somalia

[6] محمد حافظ، “براجماتية المصالح.. لماذا يتجدد التقارب بين حركة الشباب الصومالية والحوثيين؟”، وكالة القاهرة الأخبارية،١١ أغسطس ٢٠٢٦. متاح على الرابط: https://short-url.cc/1BsMR

[7] Edmund Fitton-Brown, Bridget Toomey, “Iran-Backed Houthis Assist Resurgent Somali Pirates”, The Foundation for Defense of Democracies (FDD), May 14, 2026. Available at: https://www.fdd.org/analysis/2026/05/14/iran-backed-houthis-assist-resurgent-somali-pirates/

[8] محمد ناصر، “اعترافات تكشف عن تشكيل الحوثيين خلايا في القرن الأفريقي”، وكالة الشرق الأوسط للأنباء، 16 فبراير 2025. متاح على الرابط التالي: https://2u.pw/EolrCD6Z

[9]  “ماذا يفعل الحوثيون في بورتسودان؟.. كواليس تحركات تتجاوز حدود اليمن”، وكالة أرم نيوز الأخبارية، 11 أغسطس 2026. متاح على الرابط: https://www.eremnews.com/news/world/7vrku9n

[10] “Houthi Attack on Somaliland’s Berbera Port “Likely” as U.S.-Israel War on Iran Escalates”, Parrot times, 11 March, 2026. Available at: https://parrottimes.co.ke/houthi-attack-on-somalilands-berbera-port-likely-as-u-s-israel-war-on-iran-escalates/

[11] Leonardo Jacopo, Maria Mazzucco, “Assessing the Houthi Threat to Camp Lemonnier in Djibouti”, Manara Magazine, 2 July 2025. Available at: https://manaramagazine.org/2025/07/assessing-the-houthi-threat-to-camp-lemonnier-in-djibouti/

[12] “Unceasing US–Iran Tensions and The Stakes for The Horn of Africa”, Horn Review, 3 September 2025. Available at: https://hornreview.org/2025/09/03/unceasing-us-iran-tensions-and-the-stakes-for-the-horn-of-africa/

 

[13] Liam Karr, Michael DeAngelo, “Fault Lines in the Horn of Africa: The Gulf States, Turkey, and Israel Battle for Red Sea Influence”, The American Enterprise Institute, 24 February, 2026. Available at: https://www.aei.org/research-products/report/fault-lines-in-the-horn-of-africa/

[14] Camille Lons, “Power struggle: What the Saudi-UAE rivalry means for the Red Sea—and Europe”, The European Council on Foreign Relations (ECFR), 29 January 2026. Available at: https://ecfr.eu/article/power-struggle-what-the-saudi-uae-rivalry-means-for-the-red-sea-and-europe.

[15] Jan Pospisil, “The Iran War and the Wider Horn of Africa: Gulf Rivalries, Regional Realignments, and Economic Spillovers”, Österreichische Institute für Internationale Politik (oiip), Feb 2026. Available at: https://www.oiip.ac.at/publikation/the-iran-war-and-the-wider-horn-of-africa-gulf-rivalries-regional-realignments-and-economic-spillovers/#_ftn1

[16] شيماء محمود، ” تداعيات الحرب الإيرانية على الاقتصاد الأفريقي”، مركز انترريجونال للتحليلات الاستراتيجية، 16 يونيو 2026. متاح على الرابط: https://lcss.gov.ly/articles/blog/post-1518/

[17] “The US-Israel War on Iran and Africa’s Mounting Dilemma”, The HORN International Institute for Strategic Studies, 25 March, 2026. Available at: https://horninstitute.org/the-us-israel-war-on-iran-and-africas-mounting-dilemma/

[18] شيرين ماهر، “تداعيات حرب إيران على القرن الإفريقي: التنافس الخليجي وإعادة تشكيل التوازنات”، موقع قراءات أفريقية، يونيو 17, 2026. متاح على الرابط: https://short-url.cc/1Bt7J

[19] “How is the War in Iran Affecting African Nations?”, Soufan center, 10 July 2026. Available at: https://thesoufancenter.org/intelbrief-2026-july-10/

 

[20] Onome Amuge, “Middle East conflict may cut Africa’s 2026 growth by 0.2 percentage points- Report warns”, Business A.M, 3 April, 2026. Available at: https://businessamlive.com/middle-east-conflict-may-cut-africas-2026-growth-by-0-2-percentage-points-report-warns/

[21]Ahmed Eljechtimi, “Africa faces sharper growth slowdown if Middle East conflict drags on, report warns”, Reuters, 2 April 2026. Available at: https://www.reuters.com/world/africa/africa-faces-sharper-growth-slowdown-if-middle-east-conflict-drags-report-warns-2026-04-02/

[22]Suleiman Walhad, “The Horn of Africa States: Gulf Banking and Finance Under the Seemingly Endless War and Its Impact on the Region”, Eurasia Review, 21 July, 2026. Available at: https://www.eurasiareview.com/21072026-the-horn-of-africa-states-gulf-banking-and-finance-under-the-seemingly-endless-war-and-its-impact-on-the-region-oped/

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version