محمد خيري

باحث بوحدة الدراسات الإيرانية

 

حظي إعلان القاهرة استعدادها تقديم الدعم الدفاعي للمملكة العربية السعودية في مواجهة هجمات جماعة الحوثيين باهتمام واسع في وسائل الإعلام الإيرانية، التي تناولت القرار من زوايا متعددة تراوحت بين التحذير الدبلوماسي من اتساع نطاق المواجهة، وإبراز المخاطر التي قد تتعرض لها المصالح المصرية، وطرح الوساطة السياسية بديلًا عن الانخراط العسكري المباشر.

ويعكس هذا التناول تباينًا في طبيعة الرسائل الموجهة إلى القاهرة، وإن تقاطعت معظمها عند الاعتراض على انتقال الدعم المصري من التضامن السياسي والدبلوماسي إلى المشاركة القتالية داخل اليمن، بالرغم من أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نفى قطعيا أي عمليات عسكرية مستقبلية مصرية في الأراضي اليمنية وقد أكد أن الدور المصري سيقتصر على حماية أمن الأراضي السعودية والحفاظ على سلامة حدودها.

أولا: الخطاب الإيراني الرسمي تجاه الموقف المصري من الأزمة اليمنية

وقد برز هذا التوجه في تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي أكد أن مصر تمتلك خبرة كافية لتجنب الانخراط في صراعات إقليمية معقدة، محذرًا من أن أي تدخل خارجي في الشأن اليمني من شأنه زيادة تعقيد الأوضاع، كما أشار إلى أن القاهرة أبلغت طهران أنها لا تعتزم الدخول مباشرة في الحرب اليمنية.

وفي السياق نفسه، شدد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي على أن أمن شبه الجزيرة العربية واستقرارها يحظيان بأهمية لدى إيران ودول المنطقة، معتبرًا أن أي تدخل إضافي قد يفاقم التوترات، وتكشف هذه التصريحات عن محاولة إيرانية للجمع بين خطاب التهدئة والتحذير من تغيير طبيعة الدور المصري.

وبطبيعة الحال لا يمكن قراءة هذه الرسائل باعتبارها تعبيرًا عن موقف إيراني موحد في جميع تفاصيله، إذ ينبغي التمييز بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث بلغة الدبلوماسية والاستقرار الإقليمي، وبين الخطاب الإعلامي الذي يستضيف كتابًا وشخصيات يمنية قريبة من الحوثيين، فضلًا عن تحليلات إيرانية تربط التصعيد بحسابات التنافس الإقليمي.

فوكالة إرنا، بوصفها وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية، تمنح التصريحات الحكومية مساحة لنقل الرسائل السياسية إلى الخارج، بينما تتيح منصات أخرى طرح تقديرات أكثر حدة بشأن كلفة التدخل المصري المحتمل.

ثانيًا: التقدير الإيراني للمشاركة المصرية في عملية “فجر اليمن”

منحت وكالة تسنيم مساحة لمقال الباحثة والإعلامية اليمنية بدور ثابت قائد الديلمي، الذي ناقش سيناريوهات الدور المصري بين الاكتفاء بالمساندة السياسية والدبلوماسية، وتقديم دعم أمني أو بحري محدود، والانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة داخل اليمن.

وقد انطلق المقال من التساؤل عن مدى توافق الحرب مع المصالح المصرية، مستندًا إلى الضغوط التي تواجهها القاهرة على جبهات متعددة، من سيناء وليبيا والسودان إلى تحديات الأمن المائي والاقتصاد، وفي الواقع يستند هذا الطرح إلى حجة مفادها أن توسيع الالتزامات العسكرية قد يفرض أعباء إضافية على الموارد المصرية، ويزيد من تعقيد حسابات الأمن القومي.

وتتجاوز أهمية هذا الخطاب مجرد التحذير من الكلفة العسكرية، إذ يستحضر الترابط بين أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب وقناة السويس، فضلًا عن خطوط نقل الطاقة والبنية التحتية الحيوية.

وفي السياق نفسه، نقلت صحيفة “هم ‌ميهن” الإصلاحية ووسائل إعلام إيرانية أخرى تحذيرات من احتمال تعرض المصالح المصرية لمخاطر إذا تحولت المشاركة الدفاعية إلى مواجهة مباشرة مع الحوثيين.

وتكتسب هذه التحذيرات أهميتها من حساسية الممرات البحرية بالنسبة إلى الاقتصاد المصري، لكنها تظل تقديرات للمخاطر وليست دليلًا على قرار حوثي مؤكد باستهداف قناة السويس أو المنشآت المصرية، ومن ثم، ينبغي الفصل بين التحليل الذي يحذر من احتمالات التصعيد، والتهديد العملياتي الذي يتطلب قرائن مستقلة.

وفي سياق ذي صلة، نقلت وسائل إعلام إيرانية تصريحات رئيس مجلس النواب الخاضع لسيطرة الحوثيين في صنعاء، يحيى علي الراعي، التي حذرت القاهرة من أن الانخراط العسكري قد يهدد أمنها القومي واستقرارها الداخلي، كما نشرت وكالة “مهر” شبه الرسمية، رسالة محمد عبد السلام، المتحدث باسم الحوثيين ورئيس وفدهم التفاوضي، إلى شيخ الأزهر الشريف الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، في أعقاب دعوة الأخير إلى نبذ الحرب وتشكيل مجموعة من حكماء الأمة الإسلامية للوساطة بين الأطراف المتنازعة.

ويمكن قراءة هذه الرسائل باعتبارها محاولة لاستمالة المؤسسات المصرية ذات الثقل السياسي والديني، وتوسيع المسافة بين الدور المصري الدفاعي تجاه السعودية وبين المشاركة في عمليات عسكرية ضد الحوثيين، لكنها لا تثبت، في حد ذاتها، وجود خطة لاستهداف المصالح المصرية، ولا تعني أن القاهرة ستستجيب للمطالب الحوثية.

ثالثا: تباين التقديرات الإيرانية والمسارات المستقبلية للدور المصري

على مستوى الأوساط السياسية والإعلامية، طرح الكاتب علي أصغر زارغار في صحيفة “آرمان ملي” الإصلاحية تصورًا يربط استمرار الحرب بإمكان استفادة إسرائيل من إضعاف البيئة الإقليمية المحيطة بها، محذرًا من أن دخول قوى جديدة إلى الأزمة اليمنية، ومنها مصر، قد يوسع نطاق المواجهة ويطيل أمدها.

وفي المقابل، دعا إلى تدخل طرف ثالث لتسهيل المفاوضات، مع طرح قضايا مثل رفع القيود المفروضة على اليمنيين والتعامل مع الحوثيين بوصفهم طرفًا سياسيًا في التسوية، ولعل هذا الاتجاه يكشف محاولة إيران لتقديم الوساطة باعتبارها خيارًا يتيح احتواء الحرب، مع إبقاء بعض المطالب السياسية للحوثيين ضمن جدول التفاوض.

أما المفكر الأمريكي ذو الأصول الإيرانية، تريتا بارسي، فقد تناول في تحليل نقلته وسائل إعلام إيرانية احتمال اتساع المواجهة إلى حرب بالوكالة تشمل أطرافًا إقليمية إضافية، من بينها مصر وتركيا وباكستان.

كما تداولت صحيفة “سهام نيوز” تقريرًا منسوبًا إلى موقع “أكسيوس” تحدث عن نشر ستة آلاف جندي مصري على الحدود مع اليمن، غير أن هذا الادعاء لا يصح التعامل معه بوصفه حقيقة مؤكدة في غياب تأكيد رسمي أو أدلة مستقلة، وتكمن أهمية تداوله في احتمال تأثيره في تصورات الأطراف الإقليمية بشأن حجم الانخراط المصري، حتى إن لم يكن الرقم دقيقًا، فالمعلومات غير المتحققة قد تتحول إلى عنصر ضغط سياسي وإعلامي في بيئة أمنية شديدة الحساسية.

وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن تصور ثلاثة مسارات مستقبلية مشروطة:

الأول: اقتصار الدور المصري على الدعم الدفاعي والتنسيق السياسي والأمني مع الرياض، بما يقلل احتمالات المواجهة المباشرة مع الحوثيين ويترك مجالًا لاستمرار الاتصالات مع طهران.

الثاني: توسع محدود في أشكال الدعم العسكري أو البحري، وهو ما قد يدفع الخطاب الإيراني والحوثي إلى زيادة التحذيرات من التدخل المصري، من دون أن يعني ذلك حتميّة استهداف المصالح المصرية.

الثالث: دخول قوات مصرية في عمليات قتالية مباشرة داخل اليمن، وهو المسار غير المرجح لا إيرانيا ولا مصريا لأنه قد يرفع احتمالات اتساع المواجهة جغرافيًا وسياسيًا، ويزيد الضغوط على الملاحة البحرية والمنشآت الحيوية، فضلًا عن تعقيد العلاقات المصرية ــ الإيرانية.

ومن المؤكد أن درجة تحقق أي من هذه المسارات تظل مرتبطة بطبيعة التفويض المصري، وحجم الدور الفعلي، وتطور الهجمات على السعودية، واستعداد الأطراف للعودة إلى التفاوض.

خاتمة

لا يقتصر الخطاب الإيراني بشأن الدعم المصري للسعودية على الاعتراض على مشاركة عسكرية محتملة، بل يتضمن تنافسًا على تحديد طبيعة الدور المصري وحدوده، فبينما تؤكد القاهرة تضامنها مع الرياض وحقها في الدفاع عن أمنها، تحذر طهران من أن التدخل الخارجي قد يزيد الحرب تعقيدًا، فيما تسعى الرسائل الحوثية إلى توظيف مكانة مصر السياسية والدينية لحثها على تجنب الانخراط القتالي.

وفي المقابل، يتيح طرح الوساطة مجالًا لاختبار قدرة القاهرة على الجمع بين دعم الأمن السعودي والإبقاء على قنوات خفض التصعيد، وقد أظهرت التحركات الدبلوماسية المصرية، بالتوازي مع تأكيد ضرورة وقف الهجمات والبحث عن حلول سياسية، أن مساري الدعم الدفاعي والتحرك السياسي ليسا بالضرورة متعارضين.

ويظل المسار الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة هو مدى قدرة مصر على ضبط نطاق مشاركتها، ومنع انتقال التحذيرات الإعلامية إلى مواجهة فعلية، مع إبقاء الوساطة خيارًا ممكنًا إذا توافرت شروطها السياسية وقبلت الأطراف المعنية بها.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version