نشر ديوان رئاسة الوزراء في إسرائيل يوم 31/3/2026م بيانا لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للصحافة هنأ فيه الجمهور بمناسبة عيد الفصح اليهودي חג הפסח، وعدد بين ثناياه، مااعتبره، انتصارات إسرائيل في حربها ضد إيران.
لم يكن هذا البيان وصفًا موضوعيًا للحرب ضد إيران، بل جزء من الحرب نفسها: حرب على الإدراك، وتُحوِّل الواقع المعقّد إلى سردية بسيطة، ليؤكد: “نحن على حق، ونحن ننتصر، والتاريخ يقف معنا”.
فالبيان على هذا النحو لا يهدف فقط إلى الإقناع، بل إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي، فيبني رواية متكاملة هدفها تعبئة الجمهور، وتبرير الحرب، وتثبيت القيادة، وإعادة تعريف الواقع لصالحه.
نص البيان ليس مجرد خطاب سياسي، بل أداة لإعادة تشكيل الإدراك من خلال تحويل الصراع من قضية سياسية معقدة إلى قصة بسيطة عن بقاء، وعدالة، ونصر محتوم.
يقوم البيان على أربعة محاور: شرعنة الحرب (وجودية ودينية)، وإظهار التفوق العسكري، وبناء تحالف إقليمي ضد إيران، وتثبيت القيادة داخليًا. لم يكن البيان مجرد بيان عسكري، بل بيان تعبئة شاملة: سياسي ونفسي وديني. من هنا ينظر إلى البيان على أنه حرب نفسية وتثبيت شرعية الضربات العسكرية.
لم يكن اختيار التوقيت، والرموز، واللغة في هذا البيان بريئًا وغير مقصود، بل حمل رسائل مباشرة وغير مباشرة، وكانت مصر جزءا من هذا المجال الرمزي حتى لو لم تُذكر صراحة.
نص البيان
“إخواني وأخواتي مواطني إسرائيل:
عشية الاحتفال بعيد الحرية، إسرائيل أصبحت أقوى أكثر من أي وقت مضى. العالم كله يسمع زئير أسدنا في معركتنا ضد نظام الشر في إيران، معركة حققنا فيها إنجازات عظيمة، إنجازات هائلة.
لكن في الوقت نفسه – هناك أيضًا أثمان مؤلمة. فقد فقدنا أمس فقط أربعة من خيرة أبنائنا. أنقل باسم مواطني إسرائيل، وكذلك باسمي وباسم زوجتي سارة، تعازينا من أعماق قلوبنا لعائلات القتلى والضحايا. نحن جميعًا نحتضن بحب بالغ العائلات التي فقدت أعز ما لديها، ونحتضن بحب كبير جرحانا الأبطال، جرحى الجسد والنفس. لأننا شعب واحد – ونحن مرتبطون بمصير مشترك لضمان وجودنا وضمان مستقبلنا.
مع مرور شهر على معركتنا المشتركة مع الولايات المتحدة، نضرب وبشكل منهجي نظام الرعب، الذي نادى طوال عقود: “الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل”. صحيح، في كل جيل يقفون ويطالبون بإبادتنا، وفي هذا الجيل بالذات بذل نظام آيات الله جهدًا كبيرا لإبادتنا، لتدميرنا، للسيطرة على الشرق الأوسط وتهديد العالم كله. لقد حاول تعزيز هذه الطموحات القاتلة عبر تطوير البرامج النووي والصواريخ الباليستية، وتمويل وتسليح أذرع الإرهاب حولنا، ومواجهة العقوبات الكبيرة التي فُرضت عليه. الآن أريد أن أقول لكم إن كل ذلك كلّف إيران خلال السنوات السابقة ما يقارب تريليون دولار. والآن يمكن القول: إن التريليون ذهبت هباءً.
لكن الثمن الذي حصلنا عليه من إيران لم يقتصر فقط على المال. بروح عيد الفصح الذي يقترب منا، وجهنا منذ بداية حرب النهضة عشر ضربات لمحور الشر: ضربة حماس في غزة، وضربة حزب الله في لبنان، وضربة بشار الأسد في سوريا، وضربة تنظيمات الإرهاب في يهودا والسامرة، وضربة الحوثيين في اليمن، وخمس ضربات إضافية لإيران: ضربة النووي، وضربة الصواريخ، وضربة البنى التحتية للنظام، وضربة قوات القمع، وضربة الكبار، أو في حالتنا – ضربة كبار المسؤولين. من الطاغية خامنئي، مرورًا بعلماء النووي، وصولًا إلى كبار القتلة في الحرس الثوري والباسيج، ناهيك عمّا سبق من ضرب نصر الله، وهنية، والضيف، والسنوار، وغيرهم وغيرهم.
بعد ضربات مصر العشرة، أذكّركم أن فرعون لا يزال يحاول إيذاء بني إسرائيل – ونحن جميعًا نعرف كيف انتهى ذلك. كذلك الحال في المعركة أمام محور الشر الإيراني. المعركة لم تنته بعد – لكن يمكن القول بالفعل الآن، إنه مقابل الضربات العشر التي تلقاها أعداؤنا – حققنا عشرة إنجازات عظيمة في عمليات “كأسد شرس” و”زئير الأسد” وفي حرب النهضة كلها.
أولا – أحدثنا انقلابًا استراتيجيًا. قبل العمليتين كانت إيران تسعى لخنقنا. اليوم نحن نخنقها. نظام آيات الله في إيران أضعف من أي وقت مضى، ودولة إسرائيل أقوى من أي وقت مضى.
ثانيا – وجهنا العالم إلى الخطر الذي تمثله إيران للبشرية كلها. قبل العمليات لم يُصغِ معظم العالم لتحذيراتنا. أريد أن أقول لكم: تحدثت مع قادة في الشرق الأوسط في لقاءات سرية وعلنية. تحدثت مع قادة في أوروبا. وتحدثت أيضًا مع قادة في الولايات المتحدة، مع رؤساء أمريكا. لم يستوعبوا الخطر. اليوم لا يوجد من لا يفهم حجم الخطر. هناك من يقول لي في أحاديث خاصة: “رئيس الوزراء، نحن نفهم. نحن نخاف أن نقول ذلك، لكننا نفهم”. وهناك من يقول: “نحن نفهم” – وبمشيئة الرب يعملون أيضًا.
ثالثا – قبل العمليات حاربنا إيران وحدنا. اليوم نحارب بالتعاون مع الولايات المتحدة – في تعاون تاريخي غير مسبوق بين الرئيس ترامب وبيني، وبين الجيش الأمريكي وجيش الدفاع الإسرائيلي. فلم نعزز فقط التحالف مع الولايات المتحدة، بل نُنشأ أيضًا تحالفات جديدة مع دول مهمة في المنطقة ضد التهديد الإيراني المشترك. آمل قريبًا، مواطني إسرائيل، أن أتمكن من إخباركم بالمزيد عن هذه التحالفات المهمة.
رابعا – قوضنا أسس نظام الإرهاب، الذي بدأ قبل هذه العمليات وكأنه قادر على كل شيء. اليوم، ونتيجة عملية “كأسد شرس” والاحتجاجات في إيران التي جاءت بعدها، ونتيجة الضربات القاصمة التي وجهناها في “زئير الأسد” قوضنا هذا النظام. وأقول لكم: عاجلًا أم آجلًا – نهايته السقوط.
خامسا – ضربنا بشدة وأبعدنا عن أنفسنا تهديدين وجوديين. قبل العمليتين كانت إيران تندفع بسرعة لتطوير سلاح نووي وعشرات آلاف الصواريخ الباليستية. في “كأسد شرس” أبعدنا التهديد السريع، وفي “زئير الأسد” حققنا إنجازًا مكملًا بالقضاء على القدرة الصناعية للنظام على إنتاج هذه الأسلحة التدميرية. خامنئي كان ينوي إخفاء هذه القدرات عميقًا تحت الأرض. عندما فهمت ذلك، عرضته على مجلس الوزراء الأمني وقلت: يجب أن نتحرك، وإلا لن نتمكن من الوصول إلى هذه الأسلحة. كان علينا أن نتحرك – وتحركنا.
سادسا – حطمنا قوة جيوش الإرهاب التابعة لإيران التي أحاطت بنا. صحيح أنه مازالت لديهم قدرة تهددنا، لكنها لم تعد تهدد وجودنا.
سابعا – ثبّتنا مناطق أمنية عميقة خارج حدودنا. في غزة، في أكثر من نصف مساحة القطاع، وفي سوريا من قمة جبل الشيخ حتى اليرموك. وفي لبنان – في منطقة عازلة واسعة تُحبط التهديد بالتسلل، وتُبعد خطر إطلاق صواريخ مضادة للدبابات على بلداتنا.
ثامنا – غيّرنا مفهومنا للأمن: نحن من يبادر ويهاجم، ونحن الذين نفاجأ أعدائنا.
تاسعا – أثبتنا أن منظومتنا الدفاعية هي الأفضل في العالم. أريد أن أقول لكم إن دولًا كثيرة جدًا تتوجه إلينا وتطلب مساعدتنا؛ لأنها تعلم أننا في المركز الأول في الدفاع، وكذلك في المركز الأول في الهجوم.
عاشرا – أظهرنا الصمود المدهش لشعب إسرائيل واقتصاده، الذي يحطم الأرقام القياسية في زمن الحرب.
مواطني إسرائيل،
حققنا هذه الإنجازات الكبيرة بفضلكم، بفضل إيماننا وقوتنا، وهما الضمانة لتأمين وجودنا. الأعداء يأتون ويذهبون – لكن قدرتنا وصمودنا في مواجهتهم، وعند الضرورة ضربهم بشكل موجع هي التي تأمّن مستقبلنا. لقد حولنا معا إسرائيل إلى قوة إقليمية، وفي بعض المجالات قوة عالمية. حققنا ذلك بفضل قادتنا المقاتلين الشجعان في قوات الاحتياط والقوات النظامية، وبفضل قتلانا من جنود إسرائيل، وبفضل صمودكم الكبير، مواطني إسرائيل، وبفضل القرارات الشجاعة التي اتخذناها في حكومة إسرائيل.
وفي الوقت الذي أظهر فيه البعض ضعفًا واستسلامًا، واصلنا نحن الحرب بكامل القوة، وضربنا أعداءنا بعزم وبلا خوف. وفي الوقت الذي كان فيه هناك من استخف بالعلاقات التي أقمناها، بما في ذلك مع الولايات المتحدة، تمسّكنا بالمهمة، وغيّرنا وجه الشرق الأوسط. لقد أوجدنا ظروفًا لتوسيع التحالفات وتوسيع دائرة السلام من حولنا.
واجهتُ لمرات عديدة خلال العامين والنصف الأخيرين قرارات مصيرية: رفح، وفيلادلفيا، وأجهزة النداء (بيجر)، ونصر الله، والدخول إلى مدينة غزة، والإصرار على إعادة كل مخطوفينا حتى آخر واحد منهم – وعدم القيام بمزيد من الصفقات الجزئية، والدخول إلى سوريا لإنقاذ إخواننا الدروز، وبالطبع القرارات الجريئة بشأن “كأسد شرس” و”زئير الأسد”: في كل هذه القرارات استمعتُ إليكم، مواطني إسرائيل، واستَمعتُ إليكم، أيها المقاتلين والمقاتلات.
التقيت بكم في الميدان. قلتم لي: ‘نحن نفهم جيدًا ماالموضوع الملح. نحن أقوياء. رئيس الوزراء، لا تستسلم لأصوات الضعف والإحباط. واصل القتال. واصل قيادتنا من نصر إلى نصر’. وهذا بالضبط ما نفعله!
والآن أريد أن أطرح سؤالًا: أريد أن أسأل الجالسين في الاستوديوهات والمتحدثين باسم المعارضة: ماذا حدث لكم؟ في وقت معركة وجودية، بدل أن تتبنوا سياسة محدودة، ارفعوا معنوياتنا، لا معنويات العدو! تواصلوا مع روح الشعب، مع روح البطولة، مع روح النصر لدى مقاتلينا العظماء!
من جندي المشاة الذي يتقدم إلى الأمام في غزة ولبنان، وحتى الطيار الذي يعبر سماء طهران. المقاتل الإسرائيلي شرس كالنمر، خفيف كالنسر، شجاع كالأسد. سنواصل سحق نظام الإرهاب، وسنُحصّن مناطق الأمن من حولنا، وسنحقق أهدافنا.
جاء في كتاب عيد الفصح: “هو الذي ساند آبائنا وساندنا، إذ لم يقف أحد ضدنا لإفنائنا، والرب ينقذنا من أيديهم”.
إن تراث اليهودية وحقنا في أرضنا هو الذي وقف مع آبائنا، ومعنا. الشعب يقف صامدًا، ونحن جميعًا مطالبون بأن نواصل الوقوف بثبات – وهكذا سنضمن، بعون الرب، خلود إسرائيل.
عيد حرية سعيد لكل اليهود”
البنية العميقة للبيان (Structure Engineering)
يمثل هذا البيان نموذجًا واضحًا لما يمكن تسميته “خطاب تعبوي مركّب”، حيث تتداخل فيه السياسة، والدين، والتاريخ، والتوجيه الجماعي، لإنتاج رواية متكاملة تُعيد تشكيل إدراك الواقع. البيان مبني بطريقة منظمة، غير عشوائية، بل وفق نموذج تعبوي كلاسيكي:
-افتتاح عاطفي (Emotional Hook): تناول البيان حديثا عن القتلى والجرحى، باستخدام مفردات عاطفية مثل: “نعانق، نتألم، شعب واحد”، بهدف خلق رابط عاطفي قبل تمرير الرسائل السياسية وتقليل أية مقاومة داخلية للنقد.
-تأطير الصراع (Framing): “نظام الشر”، و”تهديد وجودي”، و”في كل جيل يريدون إبادتنا”. يسمى هذا في علم السياسة: Existential Framing (التأطير الوجودي)، لتكون النتيجة أن أية معارضة تعني خيانة أو ضعف، وأن الحرب ضرورة وليست خيارًا.
-تصعيد تدريجي (Escalation Narrative): ينتقل البيان من تهديد، إلى حرب، إلى إنجازات، إلى نصر قريب، وهذه تقنيةNarrative Laddering (سلم السرد)
–ذروة دينية/ تاريخية: الضربات العشر، وفرعون، والنص الديني ليست إضافات تضفي جمالا أو بلاغة، بل إعادة تفسير الواقع عبر أسطورة دينية محورية.
التحليل النفسي
يلعب البيان على أربعة مشاعر رئيسية: الخوف كتهديد وجودي، والفخر بإنجازات كبرى، والحزن على الضحايا، والأمل في نصر قريب. هذا مزيج مدروس جدًا، يسمى “تنظيم العواطفEmotional Orchestration”
توظيف التاريخ والدين
تم توظيف التاريخ والدين في هذا البيان بشكل واضح ومحوري على النحو التالي:
-تحويل قصة دينية عن عيد الفصح إلى نموذج سياسي: “في كل جيل يحاولون القضاء علينا”، لتكون الرسالة السياسية هي تحويل الصراع إلى صراع وجودي مقدس، وتعبئة الجمهور نفسيًا ودينيًا، وإعطاء شرعية أخلاقية للحرب، وهكذا تتحول قصة موسى في مواجهة فرعون إلى إسرائيل في مواجهة إيران، هذا يسمىMythic Mapping (الإسقاط الأسطوري).
-“الضربات العشر” كإطار ذهني: لم يقل نتنياهو “عمليات عسكرية” بل قال “ضربات”؛ لأنها مرتبطة بعقاب إلهي توحي بأن النصر الإلهي “حتمي”، مع تشبيه الحرب الحالية بعقاب إلهي ضد إيران.
-إعادة تعريف الزمن: الماضي (التوراة)، والحاضر (الحرب)، والمستقبل (النصر)، يتم دمج هذه العناصر في خط واحد، وهذا يعطي شعورا: “نحن نعيش لحظة تاريخية مقدسة”.
تحليل اللغة (Language as a Weapon)
-ثنائية الخير والشر: إسرائيل تعني نورا/ بقاء/ ضحية، وإيران تعني شرا/ إرهاب/ إبادة. هذا يسمى “تشكيل ثنائية أخلاقية Moral Binary Construction“، الخطير هنا هو أنه يلغي أية مساحة رمادية، ويبرر العنف المطلق.
-تضخيم الإنجازات: “تريليون دولار ضاع”، و”إيران أضعف من أي وقت”، و“نحن الأقوى عالميًا”. هذا يسمى “المبالغة الاستراتيجية Strategic Exaggeration“، هدفها رفع المعنويات وخلق “إحساس النصر” حتى لو الحرب مستمرة.
-لغة السيطرة والتحكم: “نخنق إيران”، و”نضرب”، و”نكتب التاريخ”، ما يدل على تحويل إسرائيل من ضحية إلى فاعل مهيمن.
التحيز والتحليل النقدي البنيوي
التحليل هنا لايعيد ترجمة البيان أو صياغته، بل يكشف التحيزات الكامنة، والافتراضات الضمنية، وأدوات التأثير. يقوم البيان على مجموعة تحيزات رئيسية: تحيز أخلاقي (نحن الخير والعدو شر، وتحيز أمني (أي تهديد وجودي)، وتحيز نفسي (تضخيم القوة وتقليل الخطر)، وتحيز ديني (ربط الحرب بالسرديات الدينية)، وتحيز سياسي داخلي (تقليل شرعية المعارضة)، ومن هذه التحيزات:
-التحيز في تعريف الصراع (Moral Absolutism): “معركتنا ضد نظام الشر”، نجد هنا توصيفا قيميا مطلقا، فيُعاد تعريف الصراع من نزاع سياسي إلى صراع أخلاقي مطلق، فيُستبعد أي توصيف عقلاني أو واقعي، فلا يصف إيران كخصم سياسي أو استراتيجي، بل كشر مطلق، لينتج عنه شرعنة مسبقة لكل فعل عسكري. التحيز هنا يعني إلغاء أي تعقيد سياسي، وتحويل الصراع إلى الخير في مواجهة الشر، مايعني تبرير أي إجراء لاحق باعتباره “مقاومة الشر”.
–توظيف الضحايا لصناعة الشرعنة العاطفية (Emotional Legitimization): “فقدنا أربعة من خيرة أبنائنا… نحن شعب واحد”، يوظف هنا الخسائر الإنسانية الحقيقية (الضحايا) داخل خطاب سياسي تعبوي، فيربط الألم الجماعي باستمرار الفعل العسكري، لينتج عن ذلك تحويل الحزن إلى وقود سياسي، أي أنه يربط التضحية بضرورة استمرار الحرب.
-التحيز في سرد التاريخ (Historical Compression): “في كل جيل يحاولون إبادتنا”، فنجد هنا تعميما تاريخيا شاملا، مع العمل على دمج أحداث تاريخية مختلفة في قالب واحد، فيلغي الفروق بين السياقات، فيخلق من خلال ذلك شعورا دائما بالحصار الوجودي، منطلقا من افتراض أن كل صراع يعني محاولة إبادة، ونفي إمكانية التهدئة والحل السياسي.
–تضخيم التهديد الإيراني (Threat Inflation): “تهديد العالم كله… تريليون دولار”، يعمل هنا على توسيع نطاق التهديد ليشمل العالم أجمع، وتضخيم حجم الخطر، بهدف كسب الشرعية الدولية، وتعزيز الخوف الداخلي، واستخدام أرقام كبيرة بدون سياق دقيق. وهكذا يستهدف تضخيم الخطر هنا زيادة الدعم الدولي والخوف الداخلي.
– إعادة تأطير العمليات العسكرية كأسطورة سياسية: عبر “الضربات العشرة” و”فرعون”، فنجد هنا تحويل العمليات العسكرية إلى رمزية دينية باستخدام مصطلح ديني (الضربات في قصة موسى)، أي إسقاط قصة دينية مقدسة على واقع سياسي آني مٌعاش، وبهذا تتحول الحرب إلى مسار قدري/ تاريخي. يظهر التحيز هنا عبر تحويل العمليات العسكرية إلى فعل ذي بعد مقدس، وإعطاء الحرب شرعية دينية ضمنية.
–تحيز في تصوير النتائج والثقة المفرطة (Overconfidence Bias): “إيران أضعف من أي وقت مضى”، يقدم البيان هنا أحكاما مطلقة وشاملة ونهائية، مع غياب أي مؤشرات أو اعتراف بتعقيد الواقع، بهدف تعزيز الثقة، وتقليل القلق الداخلي، ورفع المعنويات، وتقليل الشكوك.
– التحيز في عرض “الإنجازات العشرة“، أو هندسة النصر (Victory Engineering): يسرد “عشرة إنجازات”، فنجد تنظيما رقميا متوازنا (10 إنجازات مقابل 10 ضربات)، مايخلق إحساسا بالنظام والسيطرة، فيسود إيهام بنصر كامل وشامل ومنهجي، لكنه لا يذكر الخسائر والتحديات.
-إقصاء البدائل أو الضرورة المصطنعة (False Necessity): “كان يجب أن نتحرك – وتحركنا”، هنا نجد تقديم القرار كخيار وحيد، مع إلغاء البدائل الدبلوماسية والسياسية والحلول الأخرى، أي احتكار القرار.
–التحيز ضد المعارضة السياسية وشيطنتها (Delegitimization): “ارفعوا معنوياتنا لا معنويات العدو”، نجد هنا ربط النقد الداخلي بالعدو، وهذا يعني شيطنة المعارضة، بهدف تقليص النقاش الديمقراطي.
-التحيز في تصوير الذات Power Projection Narrative: “نحن الأقوى… نحن نغير الشرق الأوسط”، هنا يتم تصوير إسرائيل كقوة مركزية مهيمنة، فيعمل على تضخيم الذات ودورها.
-التحيز الديني عبر إسقاط الإرادة الإلهية (Sacralization): نجد في هذا البيان اقتباسا دينيا من التراث الديني، بهدف ربط السياسة بالدين، لتعبر السياسة عن الإرادة الإلهية، فيتم تحصين القرار السياسي من النقد، أو على الأقل يقلل من نقد السياسات.
–التحيز في اللغة العسكرية: تضمن البيان كلمات مثل “نخنق”، و”نضرب”، و”نسحق”، وكلها كلمات تعبر عن قوة مفرطة، هدفها تطبيع العنف كأداة أساسية.
تحليل استراتيجي
-البيان كأداة حرب إدراكية: لايستهدف هذا البيان الجمهور الداخلي فقط، بل يستهدف أيضًا الخصوم، والحلفاء، والرأي العام الدولي، فهو جزء من “حرب المعلومات Information Warfare”.
–إعادة تعريف إسرائيل: البيان ينقل إسرائيل من دولة تدافع عن نفسها، إلى قوة تُعيد تشكيل الإقليم.
-إنتاج “نصر مسبق“: حتى قبل انتهاء الصراع، يتم إعلان النصر سرديًا.
النتائج الاستراتيجية
-داخليًا: تعزيز التماسك وتقليل المعارضة.
-خارجيًا: طلب شرعية دولية وردع الخصوم نفسيًا.
-إقليميًا: تثبيت دور قيادي.
التحليل السياسي والرسائل
تضمن هذا البيان رسائل معلنة ورسائل مبطنة موجهة إلى عدد من الفاعلين داخليا وإقليميا ودوليا، ومنها:
أ-الرسائل المعلنة لإيران
-ردع مباشر: البيان يؤكد أن إسرائيل لم تعد في موقع دفاعي بل هجومي.
-إعلان نجاح الضربات: يصور البيان أن البرنامج النووي والصاروخي تم تعطيله.
-رسالة نفسية: “النظام ضعيف وسيسقط” بمثابة محاولة تحفيز الداخل الإيراني ضد النظام.
– توسيع الصراع: وصف “محور الشر” بأنه يشمل كل أذرع إيران (حماس، وحزب الله، والحوثيين، والحشد الشعبي)
ب-الرسائل المبطنة لإيران
حمل البيان عدة رسائل مبطنة لإيران، منها التلميح بأن الضربات وصلت إلى القيادة العليا (خامنئي)، والإشارة إلى قدرة إسرائيل على العمل داخل إيران نفسها، وخلق صورة أن إيران خسرت استثمارًا تاريخيًا (تريليون دولار)، بهدف كسر الردع الإيراني نفسيًا، قبل عسكريًا.
جـ-الرسائل للداخل الإسرائيلي: تعبر عن الصراع السياسي داخل إسرائيل، وهذا الجزء هو الأهم في البيان، ومنها:
– توحيد الجبهة الداخلية: “نحن شعب واحد”، واستدعاء العاطفة (الضحايا والجنود).
-تبرير الحرب: تقديمها كـ”حرب وجودية”.
-مهاجمة المعارضة: اتهامها بإضعاف المعنويات.
-تعزيز صورة القائد وصناعة القائد المنقذ: عرض نتنياهو نفسه كصاحب قرارات تاريخية حاسمة شجاعة تعبر عن رؤية استراتيجية، بهدف تعزيز الشرعية السياسية والاستمرار في الحرب، وهذا يسمى “سردية تمركز القيادة Leader Centralization Narrative”.
-احتكار الشرعية: “أنا أستمع للشعب والجنود”.
د-الرسائل للخارج (أمريكا والعالم)
– الولايات المتحدة: تأكيد الشراكة مع واشنطن، عبر ذكر التعاون مع “ترامب”، بهدف تثبيت الدعم الأمريكي.
–أوروبا والعالم: “العالم بدأ يفهم خطر إيران”، في محاولة لكسب شرعية دولية وتبرير العمليات العسكرية.
-الدول العربية: “تحالفات جديدة قادمة”، مايعني تطبيعا أمنيا محتملا ضد إيران.
هـالرسائل متعددة الطبقات (Multi-layer Messaging)
-الطبقة الأولى – الرسالة الظاهرة: انتصرنا، والحرب مبررة، وسنستمر.
-الطبقة الثانية- الرسالة النفسية: للجمهور الإسرائيلي “لا تخافوا – نحن نسيطر”، التضحيات لها معنى. وللجمهور الإيراني “نظامكم ضعيف وسيسقط”، وهذا يسمى “رسائل الحرب النفسيةPsychological Warfare Messaging”.
-الطبقة الثالثة – الرسالة الاستراتيجية: إعلان انتقال إسرائيل إلى عقيدة الهجوم الاستباقي (Preemptive Doctrine)، بهدف تثبيت إسرائيل كقوة إقليمية مهيمنة.
أخطر فكرة في هذا البيان ليس الهجوم، بل فكرة “نحن لا نرد، نحن نُشكّل الشرق الأوسط”، وهذا يعني الانتقال من الدفاع إلى إعادة هندسة المنطقة. وهكذا يعمل البيان على ثلاثة مستويات متزامنة: المستوى الظاهر لتبرير الحرب، والمستوى العميق للتعبئة النفسية الداخلية، والمستوى الأعمق لإعادة تعريف دور إسرائيل كقوة مهيمنة إقليميًا.
وعلى هذا النحو لا يكون هذا البيان مجرد بيان حرب، بل محاولة لصناعة “رواية تاريخية جديدة” تضع إسرائيل في موقع القوة المركزية في الشرق الأوسط.
و-الرسائل لمصر (غير مباشرة)
لم تكن مصر بمنأى عن هذا البيان، فاختيار التوقيت والمناسبة الدينية، والرموز، ليس عشوائيا، بل يحمل بالفعل رسائل غير مباشرة، فمصر جزء من هذا المجال الرمزي حتى لو لم تُذكر صراحة. لم تكن الرسائل عن مصر مباشرة أو عدائية صريحة، بل رسائل ضمنية (Implicit Signaling)، وتعمل على مستويين: مستوى رمزي/ ثقافي، ومستوى استراتيجي/أمني.
فأحداث عيد الفصح חג הפסח اليهودي مرتبطة بخروج بني إسرائيل من مصر بقيادة سيدنا موسى، وهزيمة فرعون، والتحرر مما يسمونه “العبودية”، ولابد لكل رب أسرة يهودي أن يسرد لأفراد عائلته ما حدث لبني إسرائيل في مصر، خاصة أن التوراة تذكّر بني إسرائيل بأن مصر “أرض العبودية” وغير ذلك من التعبيرات السلبية التي تلقي بظلاها على العلاقة بمصر في الماضي والحاضر. والخطير هنا هو أن نتنياهو لا يستخدم حدثًا دينيًا فقط بل يستدعي سردية تاريخية مرتبطة بمصر تحديدًا.
على المستوى السياسي عندما يقول: “الضربات العشر”، و”فرعون”، و”في كل جيل يحاولون إبادتنا” فهو يربط بين مصر القديمة (فرعون) وإيران الحالية، لتكوت رسالته الضمنية: “التاريخ يعيد نفسه”.
لم يرد ذكر مصر في البيان صراحة، فلم نجد هجومًا على مصر المعاصرة، لكنه استخدم مصر رمزا في سردية القوة، فمصر تظهر في البيان كنموذج تاريخي للعدو الذي هُزم، فيشكل ثلاث دلالات: الأولى رسالة غير مباشرة تقول: “أية قوة تعادي إسرائيل ستنتهي كفرعون”، والثانية إعادة ترتيب رمزية المنطقة: إسرائيل تعني موسى/ الناجي، والعدو يعني فرعون (رمز القوة التي سقطت)، والثالثة تذكير حضاري/ ثقافي للعالم العربي، حتى لو لم يُقصد مصر الحديثة، فالمتلقي العربي يربط فورًا فرعون بمصر.
لكن هناك رسائل استراتيجية تعنى بمصر، وهي الأهم، بعيدًا عن الرمزية، تتسم بالخطورة والحساسية والأهمية، منها:
-إعادة رسم ميزان القوة: البيان يقول ضمنيًا: “نحن القوة المهيمنة الآن”، مايعني لمصر ظهور منافس إقليمي أقوى عسكريًا وتقنيًا.
–“مناطق أمنية في غزة“: هذا يمس الأمن القومي المصري مباشرة، والحدود مع سيناء، بما يمثل ضغطا غير مباشر على مصر، لتكون الرسالة غير المباشرة لمصر: إسرائيل تتحرك عسكريًا في غزة بشكل مستقل، وتشكل وتفرض واقعا أمنيا جديدا قرب الحدود المصرية، وتعيد تشكيل الواقع الأمني دون انتظار موافقة أحد.
-استخدام قصة “فرعون“: استدعاء رمزية مصر التاريخية، لتكون الرسالة الرمزية هي إسقاط تاريخي يوحي بأن “الخصوم (مثل إيران) سيلقون مصير فرعون”، وقد تُفهم أيضًا كرسالة ثقافية موجهة للعالم العربي. أخطر ما يبدو في هذه القصة هي أنها ليست مجرد قصة دينية، بل استدعاء رمز مصري تاريخي قد يُقرأ كرسالة ثقافية مفادها: “من يعادي إسرائيل سينتهي كفرعون”.
-“تحالفات إقليمية“: جاء في البيان “تحالفات جديدة في المنطقة”، لم يسم مصر ولاغيرها، لكن منطقيًا يقصد ضمنيًا دولًا مثل مصر ودول الخليج، لتكون الرسالة: “إسرائيل تبني محورًا إقليميًا ضد إيران”، وكأنها توجه لها دعوة ضمنية للانضمام، أو تضغط عليها للانضمام، إما تكون جزءًا من الترتيب الجديد أو يتم تجاوزها. فعندما يقول نتنياهو “تحالفات جديدة” يطرح تساؤلات: هل مصر جزء من هذه التحالفات؟، إذا نعم فبشروط مصرية، وإذا لا فهذا يعني تهميشا لها. وهل التحالف موجّه ضد إيران فقط؟ أم نواة نظام إقليمي جديد تقوده إسرائيل؟ مايعني محاولة إعادة ترتيب المنطقة سياسيًا وأمنيًا.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا لم يذكر البيان مصر صراحة؟ وهذا سؤال مهم جدًا؛ وإجابته أن مصر لديها اتفاقية سلام مع إسرائيل، فالعلاقة حساسة، لذلك يستخدم الإيحاء والتلميح بدلا من التصريح.
وأخطر فكرة تقرأ بين سطور هذا البيان ليست عن مصر مباشرة، بل: “نحن نُشكّل الشرق الأوسط”، ولو ربطنا هذا التشكيل بغزة، والتحالفات، وإيران، تصبح النتيجة أن مصر تُفهم ضمنيًا كجزء من نظام إقليمي يتم إعادة تشكيله.
وهنا يُطرح سؤالا آخر: هل مصر مستهدفة أم مخاطبة؟، الإجابة تختلف وفق الأبعاد: عسكريا غير مستهدفة، وسياسيا مخاطبة ضمنيًا، ورمزيا مستخدمة بقوة، واستراتيجيا تحت ضغط غير مباشر.
هكذا يكشف هذا البيان أن هناك رسالة لمصر، لكنها ليست تهديدًا مباشرًا، بل إعادة وضعها داخل سردية إقليمية جديدة تقودها إسرائيل. فالبيان لا يهاجم مصر، لكنه يستخدم تاريخها (فرعون) ليقول: “نحن القوة التي تنتصر في النهاية، وأي طرف في المنطقة يجب أن يحدد موقعه من هذه المعادلة.”
قراءة مصرية
لا تتعامل مصر عادة مع البيانات كـ”كلام مرسل”، بل كمؤشرات (Indicators) على نوايا وسياسات قائمة وقادمة، وبالتالي يتم تحليل بيان نتنياهو وفق مستويات النوايا الاستراتيجية، والتغيّر في العقيدة العسكرية، والانعكاسات المباشرة على الأمن القومي المصري.
يؤشر هذا البيان على انتقال إسرائيل من سياسة الاحتواء إلى سياسة إعادة تشكيل الإقليم، مايعني لمصر أن إسرائيل لم تعد تكتفي بردع التهديدات، بل أصبحت تصنع البيئة الأمنية بنفسها، وهذا مؤشر خطير من المنظور المصري.
قراءة مصرية أمنية
تقوم القراءة المصرية على دراسة مجموعة من الملفات التي تعني أمنها القومي، ومنها:
-ملف غزة – النقطة الأكثر حساسية: ما يلفت انتباه مصر أمنيا “مناطق أمنية داخل غزة”، واستمرار العمليات، وغياب أية إشارة لدور مصري، فتُفسّر ذلك باحتمالات تثبيت وجود طويل داخل غزة، وإعادة رسم الحدود الأمنية، وخلق واقع قد يدفع سكان غزة نحو سيناء، ضمن أسوأ سيناريو. وهذا تراه مصر خطرا تدريجيا على التوازن الحدودي.
-سيناء غير مذكورة… لكنها حاضرة: أي تحرك في غزة يعني تأثيرا مباشرا على سيناء، والتساؤلات التي تطرح نفسها: هل إسرائيل تقترب من الحدود؟، وهل إسرائيل تغير قواعد الاشتباك؟، وهل إسرائيل تخلق ضغطًا ديموجرافيًا؟.
-قراءة الرسائل الرمزية (فرعون): لاتتجاهل القراءة المصرية رمزية البيان، لكنها تقرأها بشكل هادئ وموضوعي، فهي ليست رسالة عدائية مباشرة، لكنها توظيف مصر كرمز في سردية انتصار، أي توظيف رمزي لا يستهدف الدولة المصرية، لكن يجب عدم تجاهله ثقافيًا وإعلاميًا.
-قراءة العلاقة مع الولايات المتحدة: يؤكد البيان تحالفا قويا مع واشنطن، وهذا يجب فهمه في سياق أن مصر تاريخيًا تعتمد على تعاون وشراكة مع أمريكا، لكن هنا إسرائيل تقدم نفسها كشريك عسكري أول، مايعني احتمال تقليص الدور المصري نسبيًا، أو إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية.
-قراءة العقيدة العسكرية الإسرائيلية: البيان يعلن بوضوح: “نحن نبادر ونهاجم”، وهذا تحول مهم من دفاع وردع إلى ضربات استباقية وعمل خارج الحدود، وهذا يعني ارتفاع مستوى المخاطرة الإقليمية.
هكذا يمكن القول أن القراءة المصرية للبيان تخلص إلى أنه ليس موجّهًا ضد مصر مباشرة، لكنه يعكس تحولًا استراتيجيًا إسرائيليًا، ويحمل انعكاسات مباشرة على غزة وسيناء، ويشير إلى إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي، فمصر تراقب بحذر، ولا تتصادم، لكنها لا تسمح بتغيير يضر أمنها القومي.

