د.محمد أحمد صالح
تُعد استقالة جوزيف كينت من رئاسة المركز الوطني الأميركي لمكافحة الإرهاب حدثًا مهمًا، وقد ربطها محللون بالتحفظات على الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، سواء في الوضع الراهن أو تداعياتها مستقبلا، خاصة وأن استقالة كينت جاءت وأوار الحرب مشتعلة من ناحية ومن ناحية أخرى أنها جاءت على خلفية وقائع الحرب.
واستنادا إلى القاعدة التي تقول: “عندما يغادر مسؤول استخباراتي في توقيت حساس، فالمشكلة غالبًا ليست في الحدث… بل في التوقعات حول ما سيحدث لاحقًا”. فإن هذا أن الاستقالة قد تعكس خلافًا حول المستقبل، لا الحاضر.
وقد جاء الربط المباشر بين هذه الاستقالة والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران والموقف من إسرائيل في ضوء ما ورد في منشور هذا المسئول على منصة إكس والتي جاء فيها: “بعد تفكير عميق، قررت الاستقالة من منصبي كمدير للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب، اعتبارًا من اليوم… لا أستطيع بضمير مرتاح أن أدعم الحرب الدائرة في إيران. لم تُشكّل إيران أي تهديد مباشر لبلادنا، ومن الواضح أننا بدأنا هذه الحرب نتيجة ضغوط من إسرائيل وجماعات الضغط الأمريكية القوية التابعة لها”
ولكن خبراء آخرون يرون أن هذا التفسير فيه لي للحقائق وعدم فهم جيد لطبيعة العلاقة بين المؤسسات في الإدارة الأمريكية وعلاقة إسرائيل بالولايات المتحدة الأمريكية. من هنا يرون أن تفسير دلالات هذه الاستقالة- خصوصًا ربطها مباشرة بالموقف من ضرب إيران أو من إسرائيل- يتطلب حذرًا وتحليلًا متعدد الأبعاد؛ لأن مثل هذه القرارات غالبًا ما تكون نتيجة تداخل عوامل سياسية ومؤسسية وشخصية.
من هنا يمكن القول إن استقالة جوزيف كينت قد لا تكون دليلًا مباشرًا على رفض ضرب إيران، أو موقف سلبي من إسرائيل. لكنها قد تعكس- في حال وجود سياق داعم- خلافًا داخل المؤسسة حول التصعيد الإقليمي، أو تقييمًا مختلفًا للمخاطر.
من هنا يجب التعامل مع مجموعة من الاعتبارات والعوامل قبل النظر في دلالات هذه الاستقالة، ومنها:
طبيعة المنصب وموقعه ضمن منظومة القرار ودلالات الاستقالة
رئاسة المركز الوطني لمكافحة الإرهاب (National Counterterrorism Center NCTC) منصب حساس جدًا داخل منظومة الأمن القومي الأميركي، ويشمل تنسيق المعلومات الاستخباراتية حول التهديدات الإرهابية عالميًا، وتقديم تقييمات استراتيجية لصنّاع القرار (البيت الأبيض، والبنتاجون، والاستخبارات)، والمشاركة غير المباشرة في صياغة سياسات الرد الأمني. لذلك، أي استقالة من هذا المنصب قد تعني خلافات داخلية في التقييمات الأمنية، و/أو تغيير في توجهات الإدارة الأميركية، و/أو ضغوط سياسية/ بيروقراطية.
رئاسة المركز الوطني الأميركي لمكافحة الإرهاب ليست منصبًا سياسيًا مباشرًا، لكنها تؤثر في تقدير التهديدات (Threat Assessment)، وتوقع ردود الفعل بعد أي عمل عسكري، وتحليل الشبكات المرتبطة بإيران (حزب الله، والميليشيات، والحوثيين…)، فهو منصب “يحدد ماذا سيحدث بعد الضربة”، وليس “هل نضرب أم لا”.
لماذا إيران تحديدًا مهمة؟ وهل الاستقالة تعني اعتراضًا على ضرب إيران؟
لاينظر إلى إيران على أنها مجرد خصم تقليدي، بل تمتلك شبكة وكلاء إقليميين، وتعتمد على حروب غير مباشرة (Proxy Warfare)، ولديها قدرة على ضرب قواعد أمريكية، وتهديد الملاحة، وتفعيل خلايا خارجية. لذلك، أي تقييم من NCTC حول إيران يعني تقييم لانفجار إقليمي محتمل.
من هنا يجيب الفريق الذي يرفض هذا الربط فيري أن الاستقالة اعتراضا على الحرب الدائرة ليست صحيحة بالضرورة، ولكنه احتمال قائم، فيرى إمكانية تحليل الاحتمال من زاويتين: الأولى فرضية الاعتراض (إذا وُجد) لو كانت الاستقالة مرتبطة بإيران، فقد تعكس رفضًا لتصعيد عسكري ضد إيران، وقلقًا من أن الضربة ستؤدي إلى تصاعد الإرهاب الإقليمي، واستهداف المصالح الأميركية، وتوسّع الصراع في الشرق الأوسط. في هذه الحالة، الاستقالة تكون موقفا مؤسسيا مهنيا أكثر منه موقفًا سياسيًا علنيًا. الثانية فرضية عدم الارتباط. في كثير من الحالات المسؤولون الأمنيون يستقيلون بسبب تغيير الإدارة أو السياسات العامة، أو اختلاف في أولويات مكافحة الإرهاب (مثلاً: الصين، روسيا، أو الإرهاب المحلي). لذلك لا يوجد دليل قوي مفاده أن الاستقالة تعني رفض ضرب إيران. وإن كان الاحتمال قائما.
هل تعكس الاستقالة موقفًا سلبيًا من إسرائيل؟
ربط الاستقالة بموقفه من إسرائيل يفتقد إلى دليل قوي ومباشر، حتى لو كان المسئول قد ألمح إلى ذلك في استقالته بشكل غير مباشر. ولكن في العموم ممكن القول، ولو بشكل نظري، إذا كانت الاستقالة مرتبطة بإيران فإن أي اعتراض على ضرب إيران قد يُفسَّر بسواء بشكل مباشر أو غير مباشر على أنه تحفظ على السياسات الإقليمية لإسرائيل، أو التنسيق الأميركي-الإسرائيلي في التصعيد. لكن هذا استنتاج غير مباشر، وليس موقفًا صريحًا. الواقع المؤسسي في الولايات المتحدة الأمريكية يقول إن الأجهزة الأميركية عادة تفصل بين التقييم الأمني والمواقف السياسية تجاه الحلفاء.
وهنا يجب أن تطرح للنقاش مجموعة من القضايا عن العلاقة بين إسرائيل وأمريكا على النحو التالي:
-تشابك العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية: العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل بمثابة تحالف استراتيجي ثابت (عسكريا واستخباراتيا وسياسيا)، لكن في الوقت نفسه توجد خلافات تكتيكية متكررة، خصوصًا حول توقيت التصعيد، وحجمه، ونتائجه الإقليمية. وهذا يعني أن الدعم لايعني تطابق كامل في القرارات.
-هل إسرائيل “تقود” أمريكا في الملف الإيراني؟: هذه فكرة منتشرة إلى حدا ما، لكن الواقع أكثر تعقيدًا، إسرائيل تضغط أحيانًا نحو ضرب إيران، أو التصعيد ضد وكلائها، وتحاول إقناع واشنطن أن الخطر وجودي. لكن في المقابل الولايات المتحدة تتخذ قراراتها بناءً على مصالحها، وليس فقط بناءً على الرغبة الإسرائيلية. أحيانًا ترفض واشنطن التصعيد، أو تؤجله، أو تحدّه.
هنا تندرج استقالة جوزيف كينت- لو ربطناها بالسياق الإقليمي- فتعكس احتمالا مهما هو وجود تيار داخل المؤسسات الأمريكية يقول: “التصعيد الذي يحدث (سواء بدفع إسرائيلي أو غيره) قد يقودنا إلى حرب أوسع”، هذا التيار يرى أن ضرب إيران يعني ردود عبر وكلاء، وتهديد قواعد أمريكية، وفوضى إقليمية. هنا يظهر تحفظ، وليس عداء لإسرائيل.
على هذا النحو يفرق بعض المحللين بين “رفض السياسات” و”إدارة المخاطر”، وعلى مستوى التطبيق يتم التفرق بين موقف ضد إسرائيل، وهذا يعني تغيير التحالف، أو تقليل الدعم. وهذا غير موجود حاليًا بشكل جذري، وبين الأسلوب، وهذا هو الأرجح، واشنطن تقول: “نعم لدعم إسرائيل”، “لكن لا لحرب شاملة الآن”، هذا يسمىStrategic Restraint (الضبط الاستراتيجي).
سيناريوهات الاستقالة
هناك مجموعة من السيناريوهات يمكن ان تفسر اسباب الاستقالة ودوافعها وملابساتها، منها:
-السيناريو الأول- صدام استخباراتي–سياسي: قد يكون كينت قدّم تقديرًا يتضمن “ضرب إيران سيؤدي إلى موجة إرهاب إقليمي وعالمي”، بينما صناع القرار يميلون للتصعيد. ماذا يعني هذا؟، يعني صداما بين التحليل الاستخباراتي (الحذر) والقرار السياسي (التصعيدي). في هذه الحالة الاستقالة تعني رفض غير معلن للمسار التصعيدي، ولكن بدون إعلان رسمي.
السيناريو الثاني- إعادة تعريف “التهديد”: تقلل الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة من التركيز على “الإرهاب التقليدي”، وتركز أكثر على الصين وروسيا والحروب التكنولوجية. وهذا يعني تقليص تدريجي لدور المركز أو يتم إعادة توجيهه، والاستقالة هنا تعني تغييرا استراتيجيا، وليس موقفًا من إيران أو إسرائيل.
السيناريو الثالث- الخلاف حول “وكلاء إيران”: بدل ضرب إيران مباشرة، هناك نقاش داخل واشنطن: هل يتم ضرب: الحوثيين والميليشيات في العراق وسوريا، أم التصعيد المباشر مع إيران؟ دور كينت تقييم مدى ارتباط هذه الجماعات بطهران وتقدير “سقف الرد الإيراني”، فإذا كان تقديره يشير إلى أن “الضربات المحدودة ستتوسع إلى حرب” فقد يكون هذا سبب توتر داخلي.
السيناريو الرابع- التنسيق مع إسرائيل: إسرائيل تدفع غالبًا نحو ردع قوي لإيران، والضربات الاستباقية. لكن داخل واشنطن يوجد تياران: تيار داعم للتصعيد مع إسرائيل، وتيار حذر يخشى الانزلاق لحرب شاملة.
أين يقع كينت؟ إذا كان ضمن التيار الحذر فإن استقالته قد تعكس تحفظًا على الانجرار خلف التصعيد الإسرائيلي. لكن هذا لا يعني “موقفا سلبيا من إسرائيل” بل اختلاف في إدارة المخاطر.
التفسيرات الأكثر واقعية للاستقالة
في التحليل السياسي، هناك أسباب أكثر شيوعًا وإن كانت لاتستبعد الربط بإيران وإسرائيل، منها:
-صراع داخل المؤسسات: خلاف بين الاستخبارات والبيت الأبيض، واختلاف حول تقييم التهديدات.
-تغيير في الاستراتيجية: إعادة توجيه التركيز من “الإرهاب” إلى القوى الكبرى المنافسة (الصين/ روسيا)، والأمن السيبراني.
-ضغوط سياسية: أحيانًا يتم استبدال شخصيات لضبط التوجه العام، أو نتيجة فقدان الثقة.
قراءة الاستقالة
المحللون عادة يهتمون بمجموعة من المؤشرات، فلا ينظرون إلى الاستقالة في حد ذاتها، بل التوقيت (هل مرتبط بالتصعيد مع إيران أو جاء بعده؟، وضربات في المنطقة؟ أو أزمة معينة؟)، والتصريحات الرسمية، والشخصية البديلة ومنهجها (هل هي أكثر تشددًا؟ أم أكثر دبلوماسية؟)، وسياق السياسة الخارجية الأميركية (هل هناك تغييرات أخرى؟ في وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، ووزارة الدفاع (Pentagon)، ومجلس الأمن القومي (NSC). بدون هذه المؤشرات أي ربط مباشر بإيران أو إسرائيل يبقى تحليلًا احتماليًا وليس حقيقة مؤكدة. إذا تزامنت عدة تغييرات وتحققت هذه المؤشرات أو بعضها فهذا يعني حدوث تحول استراتيجي كبير.
وإذا كان بعض المحللين يرون أنه لا يوجد دليل مباشر وقوي على أن استقالة جوزيف كينت تعني رفض ضرب إيران، أو موقفًا سلبيًا من إسرائيل فإن التحليل العميق، يمكن أن يعكس أحد أمرين إما خلاف داخلي حول مخاطر التصعيد مع إيران واحتمال انفجار إقليمي، أو تحول أوسع في العقيدة الأمنية الأمريكية بعيدًا عن “الحرب على الإرهاب”.
وفي سياق متصل تعكس هذه الاستقالة إنقسام المؤسسات الأمريكية غالبًا إلى تيار متشدد يدعم ضرب إيران، وتصعيدا قويا أقرب للرؤية الإسرائيلية، وتيار حذر يخشى حربا إقليمية، وفقدان السيطرة، فيفضل الاحتواء بدل التصعيد. اي أن الاستقالة هنا تعكس صراع بين هذين التيارين.
ختاما:
استقالة جوزيف كينت ليست دليلًا على أن أمريكا ضد إسرائيل، ولا أن إسرائيل “تقود” أمريكا بشكل كامل، لكنها قد تعني وجود قلق داخل واشنطن من التصعيد الإقليمي، وربما تحفظ على بعض السياسات أو التوقيتات الإسرائيلية، مع الإشارة إلى أن العلاقة بين أمريكا وإسرائيل ليست “تبعية”، بل “تحالف فيه تفاوض وخلافات داخلية مستمرة”.

