مقدمة:
مع تصاعد التوترات على الحدود اللبنانية–الإسرائيلية منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023، برزت سياسة الاغتيالات الإسرائيلية باعتبارها إحدى الأدوات الرئيسية التي تعتمد عليها إسرائيل في مواجهة التهديدات الأمنية القادمة من الجبهة الشمالية. وفي هذا السياق، شكّل اغتيال أحد قادة قوة الرضوان التابعة لحزب الله تطورًا لافتًا أعاد طرح تساؤلات حول مستقبل قواعد الاشتباك بين الطرفين، وإمكانية تحول المواجهات المحدودة إلى صراع إقليمي أوسع.
وتُعد قوة الرضوان من أبرز الوحدات العسكرية التابعة لحزب الله، نظرًا لما تمتلكه من خبرات قتالية وقدرات هجومية تعتبرها إسرائيل تهديدًا مباشرًا لأمنها الحدودي. لذلك، تسعى إسرائيل إلى استهداف قيادات هذه القوة ضمن استراتيجية تقوم على الردع الاستباقي وتقليص القدرات العسكرية للحزب، في محاولة لمنع أي تغيير في ميزان القوى على الجبهة الشمالية.
يناقش هذا المقال تداعيات اغتيال قائد قوة الرضوان على مسار التصعيد الإسرائيلي–اللبناني، من خلال تحليل الأبعاد العسكرية والسياسية والأمنية المرتبطة بالعملية، إضافة إلى دراسة انعكاساتها على معادلات الردع، ومستقبل الاستقرار الإقليمي في ظل تزايد احتمالات المواجهة المباشرة بين إسرائيل وحزب الله .
أولا : أهمية القيادات الميدانية في بنية القوة العسكرية
تمثل القيادات الميدانية المستوى العملياتي الذي يربط بين القيادة الاستراتيجية العليا، والقوات المنفذة على الأرض. وغالبًا ما تتكوّن من ضباط ميدانيين، ووحدات نخبوية تتولى تنفيذ عمليات دقيقة داخل بيئات قتالية معقدة ومتغيرة. وفي سياقات الصراعات غير النظامية أو غير المتكافئة، تزداد أهمية هذه القيادات بشكل ملحوظ، نظرًا لقربها من مسرح العمليات، وقدرتها على اتخاذ قرارات فورية تتناسب مع تطورات الموقف الميداني.
ووفقًا لمفاهيم العقيدة العسكرية الحديثة، لا تُعد القيادة الميدانية مجرد حلقة تنفيذ، بل تُشكل جزءًا أساسيًا من “سلسلة صنع القرار” التي تؤثر بشكل مباشر على سرعة الاستجابة ومرونة إدارة العمليات.
كما تضطلع القيادات الميدانية بدور محوري في توجيه العمليات التكتيكية اليومية، بما في ذلك إدارة الاشتباكات، واختيار مواقع التمركز، وتنفيذ مهام الاستطلاع أو الهجوم أو الدفاع. ويُظهر الواقع العملياتي أن وجود قيادة ميدانية كفؤة يمكن أن يُحدث فارقًا جوهريًا في نتائج المواجهات، حتى في الحالات التي يتفوق فيها الخصم من حيث القوة النارية أو الإمكانات التقنية.
وتشير الأدبيات والدراسات العسكرية إلى أن كفاءة القيادة على المستوى التكتيكي تنعكس بشكل مباشر على “فعالية القوة القتالية” ؛ حيث غالبًا ما تكون القرارات اللحظية في ساحة المعركة أكثر تأثيرًا من الخطط الاستراتيجية طويلة المدى.
وفي هذا الإطار، تؤدي القيادات الميدانية وظيفة الوسيط الحيوي بين القيادة المركزية التي تضع التوجهات الاستراتيجية العامة، وبين الوحدات القتالية المنتشرة على الأرض ؛ فهي تنقل التوجيهات العليا إلى خطط تنفيذية قابلة للتطبيق، وفي الوقت نفسه ترفع تقارير ميدانية تعكس الواقع العملياتي، بما يسمح بإعادة تقييم وتعديل الاستراتيجية بشكل ديناميكي ومستمر.
ويُعرف هذا التفاعل في الدراسات العسكرية الحديثة بمفهوم ” حلقة التغذية الراجعة العملياتية ” والذي يُعد عنصرًا أساسيًا في نجاح أي قوة عسكرية تعمل داخل بيئات صراع معقدة وغير مستقرة.
وتجدر الإشارة إلى أنه لا يُنظر إلى استهداف القيادات الميدانية بوصفه خسارة تكتيكية محدودة فحسب، بل باعتباره تحولًا نوعيًا في ديناميكيات الصراع وقواعد الاشتباك. ويعود ذلك إلى أن هذه القيادات تمثل “عقل العمليات ” داخل الميدان، إذ تتولى التنسيق السريع واتخاذ القرار في الزمن الحقيقي، بما يضمن استمرارية الفاعلية العملياتية.
ويترتب على استهداف هذه القيادات عدد من الآثار العملياتية والاستراتيجية المهمة، والتي من أبرزها: إرباك هيكل القيادة والسيطرة بما يؤثر على تدفق الأوامر وتنفيذها، بالإضافة إلى تباطؤ نسبي في سرعة الاستجابة والعمليات الميدانية نتيجة فقدان عنصر اتخاذ القرار المباشر، أضف إلى ذلك إعادة هيكلة عاجلة للقيادة الميدانية لتعويض الفراغ القيادي ، ورتفاع احتمالات التصعيد أو الردود الانتقامية نتيجة الضغط على منظومة القرار العسكري. وفي سياقات النزاعات الحدودية منخفضة إلى متوسطة الحدة، مثل بعض مناطق الجنوب اللبناني، يُفسَّر استهداف القيادات الميدانية غالبًا باعتباره انتقالًا من نمط ” الاشتباك المحدود ” إلى نمط ” الضغط الاستراتيجي” ، وهو ما قد يرفع من احتمالية توسع نطاق العنف ، واتساع رقعة المواجهة.
ثانيًا: سيناريو الاستهداف وتداعياته المباشرة:
1-احتمال رد فوري عبر القصف أو العمليات الحدودية:
في حالات استهداف القيادات الميدانية، غالبًا ما يتخذ الرد الأولي شكلًا سريعًا ومحدودًا جغرافيًا، مثل تبادل القصف أو تنفيذ عمليات على طول الحدود. ويُصنَّف هذا النمط ضمن ما يُعرف في أدبيات الدراسات الاستراتيجية بـ “الردع المتبادل المحدود”، والذي يهدف إلى إظهار القدرة على الرد دون الانزلاق المباشر إلى حرب شاملة، رغم أنه قد يحمل في طياته خطر التصعيد التدريجي.
وتشير تحليلات “مجموعة الأزمات الدولية ” إلى أن ديناميكيات التصعيد بين إسرائيل والجماعات المسلحة في لبنان غالبًا ما تبدأ بردود فعل قصيرة المدى، تتحول تدريجيًا إلى حلقات متصاعدة من العنف إذا استمرت الضربات المتبادلة دون احتواء سياسي أو عسكري.
2 – رفع حالة التأهب في الجانبين:
عقب أي استهداف نوعي، تتجه الأطراف عادة إلى رفع مستوى الجاهزية العسكرية عبر إعادة نشر القوات، وتعزيز أنظمة المراقبة والدفاع، وزيادة النشاط الاستخباراتي. هذا النوع من التصعيد يُعد “تصعيدًا دفاعيًا” في ظاهره، لكنه يعكس في الوقت نفسه حالة توقع متزايدة لردود فعل مضادة، ما يرفع احتمالات سوء التقدير.
وتشير تقارير قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “UNIFIL” إلى أن أي زيادة في النشاط العسكري على الخط الأزرق تؤدي بشكل مباشر إلى ارتفاع مستويات التأهب لدى الطرفين، مما يزيد من خطر الاحتكاك غير المقصود أو التصعيد غير المخطط له.
3 -احتمالية اتساع نطاق الاشتباك:
من أبرز التداعيات الاستراتيجية لاستهداف القيادات الميدانية احتمال انتقال الاشتباك من نطاقه الحدودي الضيق إلى عمق أوسع داخل الأراضي اللبنانية أو شمال إسرائيل. ويحدث هذا الاتساع تدريجيًا من خلال استهداف بنى لوجستية، أو عسكرية أعمق، أو استخدام وسائل بعيدة المدى مثل الصواريخ والطائرات المسيّرة، أو توسيع نطاق الأهداف من تكتيكية إلى استراتيجية.
وتشير تقارير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية “IISS” إلى أن النزاعات غير المتكافئة على الحدود غالبًا ما تبدأ محصورة جغرافيًا، لكنها تمتلك قابلية عالية للاتساع السريع عند استهداف مراكز القيادة أو البنى التنظيمية الحساسة.
4- تأثير الحدث على المدنيين في المناطق الحدودية:
يمثل المدنيون في المناطق القريبة من خطوط التماس الفئة الأكثر تأثرًا بأي تصعيد عسكري، حيث تؤدي عمليات القصف أو الردود المتبادلة إلى نزوح مؤقت، وتعطيل الحياة اليومية، وزيادة المخاطر الإنسانية، إضافة إلى تأثير غير مباشر على البنية التحتية المدنية نتيجة القرب الجغرافي من الأهداف العسكرية.
وتوضح تقارير منظمة “هيومن رايتس ووتش” أن التصعيدات العسكرية في المناطق الحدودية بين لبنان وإسرائيل غالبًا ما تؤدي إلى أضرار مدنية واسعة، حتى عند استهداف أهداف عسكرية، بسبب تداخل المناطق السكنية مع مسار العمليات. كما يشير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة ” OCHA” إلى أن التصعيدات في جنوب لبنان ترتبط عادة بارتفاع مستويات النزوح المؤقت، وتعطيل الخدمات الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.
ثالثًا: التداعيات السياسية:
أ-موقف الحكومة الإسرائيلية من التصعيد:
غالبًا ما ستتجه الحكومة الإسرائيلية إلى تبني خطاب سياسي يركز على “إعادة الردع ” و” إعادة ضبط قواعد الاشتباك”، مع منح المؤسسة العسكرية هامشًا أوسع لتنفيذ عمليات محددة. ويعكس هذا النهج ما تصفه الأدبيات السياسية والأمنية الإسرائيلية بمفهوم ” إدارة التصعيد” بدلًا من الانزلاق المباشر إلى حرب شاملة.
وتشير تحليلات معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب ” INSS” إلى أن إسرائيل في الجبهة الشمالية تعتمد عادة على ردود محسوبة تهدف إلى منع الانزلاق إلى حرب واسعة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مستوى عالٍ من الردع العملياتي.
ب- موقف الحكومة اللبنانية والضغوط الداخلية:
على الجانب اللبناني، يتسم الموقف السياسي بدرجة عالية من التعقيد نتيجة التوازنات الداخلية بين مؤسسات الدولة من جهة، والقوى المسلحة غير الحكومية من جهة أخرى. ويؤدي أي تصعيد عسكري إلى وضع الحكومة اللبنانية تحت ضغط مزدوج: داخليًا بسبب حماية المدنيين، وخارجيًا بسبب تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة ذات كلفة اقتصادية وإنسانية مرتفعة.
وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن لبنان تعاني من أزمة اقتصادية وهيكلية عميقة، ما يجعل أي تصعيد أمني عاملًا إضافيًا في زيادة هشاشة الاستقرار العام ، كما توضح تقارير مجموعة الأزمات الدولية أن الحكومة اللبنانية غالبًا ما تتبنى سياسة “الاحتواء الدبلوماسي” ؛ لتفادي توسع المواجهة وتحولها إلى حرب واسعة.
ج- دور القوى الإقليمية والدولية:
لا يقتصر التصعيد بين إسرائيل ولبنان على الإطار الثنائي، بل يمتد ليشمل تفاعلات إقليمية، ودولية معقدة؛ حيث تتدخل قوى دولية وإقليمية لمحاولة احتواء التصعيد ومنع توسع الحرب.
وتضطلع قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان بدور مراقبة وقف الأعمال العدائية على الحدود الجنوبية ودعم الاستقرار الميداني، والحد من التصعيد بين الأطراف المعنية. وعلى الصعيد الدبلوماسي تنخرط عدة أطراف دولية وإقليمية في مسارات تواصل مباشرة وغير مباشرة بهدف احتواء التوترات ومنع تحولها إلى مواجهة عسكرية واسعة النطاق . وتشير أدبيات بحثية صادرة عن مراكز دراسات دولية متعددة، من بينها مجلس العلاقات الخارجية إلى أن التوترات في جنوب لبنان لا يمكن فصلها عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تتداخل عوامل محلية مع توازنات إقليمية ودور عدد من الفاعلين الدوليين والإقليميين، بما في ذلك علاقات القوى في المنطقة وتأثيراتها على ديناميات الصراع.
د- تأثير الحدث على مسار المفاوضات غير المباشرة:
تؤدي عمليات الاستهداف إلى تعطيل أو تجميد قنوات التهدئة غير المباشرة التي تُدار عبر وسطاء دوليين أو عبر الأمم المتحدة. ومع ذلك، قد تدفع موجات التصعيد المتكررة الأطراف إلى العودة إلى مسارات التهدئة لتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
وتشير تحليلات مجموعة الأزمات الدولية إلى أن التوترات على الحدود اللبنانية الإسرائيلية غالبًا ما تتبع نمطًا متكررًا يتمثل في “التصعيد ثم التهدئة عبر الوساطة”، حيث تلعب الأطراف الدولية دورًا محوريًا في إعادة ضبط قواعد الاشتباك ومنع الانفجار الشامل.
رابعًا: التداعيات العسكرية والاستراتيجية:
أ- إعادة تقييم قواعد الاشتباك:
يؤدي استهداف القيادات الميدانية غالبًا إلى دفع الأطراف إلى إعادة تقييم ما يُعرف بـ“قواعد الاشتباك” غير المعلنة التي تنظّم سلوك التصعيد على الحدود. ورغم أن هذه القواعد لا تُعد اتفاقًا رسميًا، فإنها تتشكل عبر تراكم طويل من الردود المتبادلة، بما ينتج عنه ما يمكن وصفه بـ “توازن ردع هش ” أو ” توازن حذر”.
وتشير تحليلات مجموعة الأزمات الدولية إلى أن التغيّر في طبيعة الأهداف المستهدفة—خصوصًا عند الانتقال إلى استهداف شخصيات قيادية—يؤدي عادة إلى إعادة ضبط غير مباشرة في أنماط الرد العسكري، سواء عبر توسيع نطاق بنك الأهداف أو تعديل شدة العمليات أو تغيير توقيتها.
ب- احتمالات تغيير تكتيكات الردع:
في سياقات التصعيد المحدود، يتحول مفهوم الردع من “منع الفعل العسكري” إلى ” إدارة الكلفة “، حيث يسعى كل طرف إلى رفع تكلفة أي استهداف دون الانزلاق إلى حرب شاملة. وينعكس ذلك في تغير أدوات العمل العسكري نحو أساليب أكثر دقة ومرونة.
ومن أبرز التحولات التكتيكية:
1- زيادة الاعتماد على الضربات الدقيقة بدل العمليات الواسعة النطاق.
2- توظيف الطائرات المسيّرة وقدرات الاستطلاع الاستخباراتي بشكل مكثف.
3- الانتقال من استهدافات واسعة إلى ضرب أهداف عسكرية محددة وذات قيمة عالية.
وتشير دراسات معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب “INSS ” إلى أن الجبهة الشمالية تشهد نمطًا متزايدًا من “الردع المتبادل المحدود”، حيث يسعى الطرفان إلى تجنب الحرب الشاملة مع الحفاظ على القدرة على إيقاع خسائر محسوبة.
ج- تأثير الضربات الاستباقية أو العمليات الخاصة:
يرتبط استهداف القيادات الميدانية غالبًا باستخدام أدوات مثل: “الضربات الاستباقية”، أو “العمليات الخاصة”، والتي تهدف إلى تعطيل قدرة الطرف الآخر على التخطيط والتنفيذ. ومع ذلك، فإن هذا النوع من العمليات يُعد من أكثر أدوات التصعيد حساسية، نظرًا لأنه يُفسَّر عادة كاختراق جوهري لقواعد التوازن القائم.
وتوضح تحليلات معهد “بروكينجز” أن العمليات الاستباقية في النزاعات غير المتكافئة قد تحقق مكاسب تكتيكية قصيرة المدى، لكنها غالبًا ما تحمل احتمالات مرتفعة لتوليد تصعيد استراتيجي غير متوقع على المدى المتوسط أو الطويل.
د- احتمالية فتح جبهة أوسع:
يُعد تحول الاشتباك المحدود إلى صراع أوسع أحد أخطر السيناريوهات المحتملة، خاصة عندما يمتد الاستهداف ليشمل قيادات بارزة، إذ يُفسَّر ذلك على أنه ضرب للبنية التنظيمية وليس مجرد خسارة ميدانية ظرفية.
وتشير تقارير قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان إلى أن أي تصعيد كبير على طول الخط الأزرق قد يؤدي إلى توسع العمليات العسكرية خارج نطاقها التقليدي، مما يهدد الاستقرار الأمني في المنطقة بأكملها.
كما توضح تحليلات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية “IISS ” أن النزاعات الحدودية في الشرق الأوسط تتميز بارتفاع قابلية الانتشار السريع، نتيجة تداخل الجغرافيا العسكرية مع الكثافة السكانية والبنية المدنية، مما يجعل احتواء التصعيد أكثر تعقيدًا.
خامسًا: البعد الإقليمي والدولي
أ- تأثير التصعيد على استقرار الشرق الأوسط:
لا يقتصر أي تصعيد عسكري على الحدود اللبنانية–الإسرائيلية على المستوى المحلي، بل يمتد تأثيره ليشمل الإقليم الأوسع في شرق المتوسط ، نظرًا لتشابك الملفات الأمنية، والاقتصادية، والبحرية في المنطقة. فارتفاع وتيرة العمليات العسكرية قد ينعكس على استقرار أسواق الطاقة، ويزيد من مستويات المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالممرات البحرية والتجارية الحساسة.
وتشير تحليلات البنك الدولي إلى أن عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وشرق المتوسط يرتبط بشكل مباشر بتراجع مؤشرات النمو والاستثمار، خصوصًا في الدول التي تعاني من أزمات اقتصادية وهيكلية، مثل لبنان.
ب- موقف القوى الكبرى من توسع الصراع:
تتعامل القوى الدولية مع التصعيد على الجبهة اللبنانية بوصفه ملفًا عالي الحساسية يرتبط مباشرة بالأمن الإقليمي، ومنع الانزلاق إلى حرب واسعة، وتتبنى الولايات المتحدة مقاربة تركز على خفض التصعيد ومنع توسع نطاق المواجهة، بينما تركز بعض الدول الأوروبية على البعد الإنساني، والاستقرار الإقليمي وتفادي موجات نزوح جديدة.
وتشير تحليلات مجلس العلاقات الخارجية إلى أن أي تصعيد بين إسرائيل ولبنان لا يمكن فصله عن التوازنات الإقليمية الأوسع في الشرق الأوسط، بما في ذلك دور إيران وتأثير ذلك على ديناميكيات الصراع.
ج- دور قوات حفظ السلام في جنوب لبنان:
تقوم قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان بدور في مراقبة الالتزام بوقف الأعمال العدائية على امتداد الخط الأزرق، إضافة إلى توثيق التطورات الميدانية وتسهيل قنوات التواصل غير المباشر بين الأطراف المعنية، بما قد يساهم في تقليل احتمالات الاحتكاك العسكري المباشر.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن وجود هذه القوة يرتبط بدرجة من الاستقرار النسبي في جنوب لبنان، إلا أن فاعلية دورها تبقى محدودة وتعتمد بدرجة أساسية على مستوى التزام الأطراف بقواعد الاشتباك وتطورات الموقف الميداني.
د- مخاوف المجتمع الدولي من توسع النزاع:
ينظر المجتمع الدولي إلى أي تصعيد في جنوب لبنان باعتباره تهديدًا محتملًا للاستقرار الإقليمي، خصوصًا في ظل تداخل الساحات العسكرية في لبنان، وسوريا، وغزة. هذا الترابط يجعل من أي حادث محلي عاملًا محتملًا لإشعال سلسلة أوسع من التفاعلات الإقليمية.
وتشير مجموعة الأزمات الدولية إلى أن النزاعات في شرق المتوسط أصبحت بشكل متزايد “متداخلة ومتعددة المستويات”، بحيث يمكن لأي تصعيد محلي أن يتوسع بسرعة ليشمل أبعادًا إقليمية، ودولية نتيجة تشابك أطراف الصراع وتعدد الفاعلين.
خاتمة :
يمكن القول إن استهداف القيادات الميدانية في سياق التصعيد الإسرائيلي–اللبناني يمثل نقطة تحول مهمة في ديناميكيات الصراع، إذ يتجاوز كونه خسارة تكتيكية محدودة ليؤثر مباشرة في قواعد الاشتباك غير المعلنة وفي توازن الردع القائم، بما ينعكس على مستوى الاستقرار الإقليمي ؛ فوفقًا لأدبيات دراسات الردع وإدارة الصراع، فإن استهداف عناصر القيادة يزيد من احتمالات إعادة تفسير النوايا العسكرية بين الأطراف، وهو ما يرفع بدوره من احتمالية التصعيد المتبادل السريع.
كما تشير عقيدة القيادة والسيطرة الحديثة إلى أن تعطيل أو استهداف مستويات القيادة الميدانية يؤدي إلى اضطراب في منظومة القيادة والسيطرة ، بما ينعكس على سرعة اتخاذ القرار وكفاءة الاستجابة العملياتية.
وعلى المستوى الإقليمي، تؤكد تحليلات مجموعة الأزمات الدولية أن أنماط التصعيد في الساحات الحدودية غالبًا ما تتسم بدورة متكررة من التوتر والتهدئة، إلا أن استهداف الشخصيات القيادية قد يرفع مستوى عدم الاستقرار ويزيد من قابلية توسع الاشتباك جغرافيًا وسياسيًا
وفي السياق الإنساني، تُبرز تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن أي تصعيد في المناطق الحدودية يؤدي بشكل مباشر إلى تعريض المدنيين لمخاطر متعددة تشمل النزوح المؤقت، وتضرر البنية التحتية وتعطّل الخدمات الأساسية.
وفي ضوء ذلك، يتضح أن استقرار هذا الملف لا يرتبط فقط بالاعتبارات العسكرية، بل يعتمد بشكل أساسي على قدرة الأطراف المحلية، والدولية على احتواء التصعيد وإدارته ضمن حدود مضبوطة، وهو ما تعكسه معظم التحليلات الاستراتيجية الحديثة التي ترى أن إدارة الأزمة ومنع التصعيد أصبحت أكثر أهمية من الحسم العسكري المباشر في مثل هذه النزاعات المعقدة.
المصادر:
-Murray, Williamson & Grimsley, The Making of Strategy: Rulers, States, and War ,Cambridge University Press .
– U.S. Army, ADP 6-0, 2019; FM 3-0, 2022; NATO C2 Doctrine; Clausewitz, On War.
– Institute for National Security Studies (INSS) – Israel.
– International Crisis Group – Lebanon/Israel Reports.
– UNIFIL – United Nations Interim Force in Lebanon.
– Council on Foreign Relations (CFR), Middle East Analysis.
– International Crisis Group (ICG) – Conflict Dynamics Reports
-Institute for National Security Studies (INSS) – Israel Security Analysis
– Brookings Institution – Preemptive Strategy Studies
– UNIFIL – United Nations Interim Force in Lebanon Reports
-International Institute for Strategic Studies (IISS) – Regional Conflict Analysis
– https://www.crisisgroup.org/
– https://unifil.unmissions.org/
– https://www.unocha.org/lebanon
– https://www.worldbank.org/en/country/lebanon
