الباحثة / رضوى أحمد عبد الحميد
الباحثة بوحدة الدراسات التركية
في ظل إعادة تشكيل خريطة الاقتصاد العالمي، وتغير أنماط الاستثمار وسلاسل الإمداد، وتزايد أهمية التكنولوجيا والطاقة والقطاعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، انعقدت في نيويورك خلال الفترة من 21 إلى 23 سبتمبر 2026 النسخة التاسعة عشرة من مؤتمر الاستثمار التركي–الأمريكي «TRICON 2026»، الذي ينظمه مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي (DEİK) ومجلس الأعمال التركي–الأمريكي (TAİK) بالتزامن مع أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة. وجمع المؤتمر مسؤولين أتراكًا، ومؤسسات مالية واستثمارية، ومديري صناديق، وكبار ممثلي الشركات التركية والأمريكية، لبحث توسيع التجارة والاستثمارات المتبادلة، وفتح مجالات جديدة للتعاون في الطاقة والتكنولوجيا والصناعة والتمويل والتحول الرقمي.
ولا يمثل TRICON 2026 حدثًا منفصلًا عن مسار سابق؛ فقد أصبحت نيويورك محطة متكررة للحوار الاقتصادي والاستثماري التركي–الأمريكي. فقد عُقدت النسخة السابعة عشرة في سبتمبر 2025، بينما استضافت نيويورك في 13 أبريل 2026 النسخة الثامنة عشرة، بالتعاون مع Citi، بمشاركة محمد شيمشك، وزير الخزانة والمالية التركي، وفاتح قره خان، محافظ البنك المركزي التركي، وأكثر من 40 ممثلًا عن مديري صناديق الاستثمار الأمريكية. وركزت النسخة الثامنة عشرة على الاقتصاد الكلي، ومسار خفض التضخم، والسياسة النقدية، وتحسين مناخ الاستثمار.
وجاءت النسخة التاسعة عشرة بأجندة أكثر اتساعًا، شملت الاقتصاد الكلي والاستثمار، والصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، والطاقة، والتمويل، والشراكات بين الشركات، والأمن السيبراني والتحول الرقمي، إلى جانب لقاءات مباشرة مع كبار مسؤولي الشركات الأمريكية.
اليوم الأول – 21 سبتمبر 2026.. الاقتصاد التركي وفرص الاستثمار والصناعة المتقدمة
بدأت فعاليات المؤتمر في 21 سبتمبر بجلسة «نظرة على الاقتصاد التركي وفرص الاستثمار» بالتعاون مع Citi، بمشاركة محمد شيمشك (وزير الخزانة والمالية التركي) وفاتح قره خان (محافظ البنك المركزي التركي)، إلى جانب مستثمرين أمريكيين مباشرين. وتركز النقاش على برنامج تركيا الاقتصادي متوسط الأجل، والبيئة الاستثمارية، والحوافز الموجهة إلى الاستثمارات ذات التكنولوجيا المتقدمة والقيمة المضافة المرتفعة، فضلًا عن القطاعات التي ترى أنقرة أنها توفر فرصًا أمام رأس المال الدولي. عرض شيمشك للمستثمرين عددًا من المؤشرات التي اعتبرتها الإدارة الاقتصادية التركية عناصر داعمة للاستقرار المالي، من بينها انخفاض نسبة الدين، واتساع المجال المالي، وارتفاع الاحتياطيات، وتراجع بعض مواطن الهشاشة الخارجية، إلى جانب استمرار عملية الخروج من ودائع العملة المحمية. أما قره خان فقدم عرضًا حول التضخم والآفاق الاقتصادية الكلية، موضحًا أن البيانات تشير إلى استمرار مسار خفض التضخم رغم صعوبة ظروف جانب العرض، مع استمرار وجود تفاوت بين مكونات تضخم الخدمات.
الصناعة والتكنولوجيا.. التركيز على الاستثمارات عالية القيمة
انتقلت أجندة اليوم الأول إلى مائدة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، بمشاركة محمد فاتح كاجير (وزير الصناعة والتكنولوجيا التركي)، وبالتعاون مع Concordia. وناقشت الجلسة التحولات التي تشهدها سلاسل الإنتاج والتوريد العالمية، ومجالات الاستثمار في أشباه الموصلات، والتنقل، والطاقة الخضراء، والتصنيع المتقدم، والصحة، والتقنيات الرقمية، والاتصالات والفضاء.
كما عُرض برنامج HIT30 للحوافز الاستثمارية باعتباره أحد الأدوات التركية لجذب استثمارات تكنولوجية وصناعية ذات قيمة مضافة مرتفعة، مع التركيز على نقل التكنولوجيا، وتطوير سلاسل التوريد، وخلق وظائف تتطلب مهارات متقدمة.
من قلب نيويورك. استقبال يجمع أكثر من 400 ممثل من قطاعي الأعمال
وفي المساء، استضافت مكتبة نيويورك العامة حفل الاستقبال الخاص بمؤتمر الاستثمار التركي، بحضور أكثر من 400 ممثل من مجتمعَي الأعمال التركي والأمريكي. وشارك في اللقاء عمر بولات (وزير التجارة التركي)، ومحمد فاتح كاجير (وزير الصناعة والتكنولوجيا)، وفاتح قره خان (محافظ البنك المركزي)، ونايل أولباك (رئيس مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي DEİK)، ومراد أوزييجين (رئيس مجلس الأعمال التركي–الأمريكي TAİK)، إلى جانب مسؤولين وممثلي شركات ومؤسسات استثمارية. ووفّر اللقاء مساحة مباشرة لبحث فرص الاستثمار والشراكات بين الشركات من البلدين.
اليوم الثاني – 22 سبتمبر 2026.. الطاقة والتمويل في قلب أجندة الاستثمار
في 22 سبتمبر انتقل التركيز إلى قطاع الطاقة، من خلال مائدة الطاقة التي شارك فيها ألب أرسلان بيرقدار (وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي)، بالتعاون مع American Turkish Business Roundtable وAtlantic Council Türkiye وFranklin Templeton. وناقشت الجلسة فرص الاستثمار في الطاقة المتجددة، والطاقة النووية، بما في ذلك المفاعلات المعيارية الصغيرة SMRs، إلى جانب الغاز الطبيعي المسال، والمعادن الحرجة، وتخزين البطاريات والشبكات الذكية.
وكشف بيرقدار عن الرؤية التركية للطاقة حتى 2040، القائمة على الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة والطاقة النووية والنفط والغاز والمعادن، بدعم من الرقمنة والبنية التحتية والربط الإقليمي. وتُقدَّر الاستثمارات المطلوبة في الطاقة والتعدين بأكثر من 300 مليار دولار، إلى جانب 80 مليار دولار تقريبًا لتطوير شبكتي نقل وتوزيع الكهرباء، مع سعي تركيا لخفض فاتورة واردات الطاقة البالغة 70–80 مليار دولار سنويًا وتحقيق الحياد الكربوني بحلول 2053. وفي المجال النووي، أعلنت شركة TÜNAŞ تعاونها مع USTDA الأمريكية لبحث تطوير والاستثمار في المفاعلات المعيارية الصغيرة.
الجلسة الرئيسية.. الاقتصاد الكلي أمام المستثمرين الأمريكيين
استضافت Citi كذلك الجلسة الرئيسية لمؤتمر الاستثمار التركي بمشاركة عمر بولات (وزير التجارة)، ومحمد شيمشك (وزير الخزانة والمالية)، وفاتح قره خان (محافظ البنك المركزي)، إلى جانب مستثمرين مؤسسيين أمريكيين ومديري صناديق وممثلي مؤسسات مالية. وتناولت المناقشات السياسة النقدية، ومسار التضخم، وبرنامج مكافحة التضخم، والانضباط المالي، والبيئة الاستثمارية في تركيا، إلى جانب فرص التعاون بين الشركات التركية والأمريكية في دول ثالثة.
وفي اليوم نفسه عُقد Global Turks New York Forum في مقر Meta بنيويورك، وهو برنامج موازٍ للفعاليات الاقتصادية في المدينة وليس إحدى جلسات TRICON الأساسية. وجمع المنتدى مهنيين وأكاديميين وقادة أعمال أتراكًا يعملون في مناطق مختلفة من العالم، وشارك فيه أحمد بوراك داغلي أوغلو (رئيس مكتب الاستثمار والتمويل برئاسة الجمهورية التركية)، إلى جانب شخصيات من قطاعات التكنولوجيا والأعمال والعلوم. كما شهد إطلاق المرحلة الثانية من بحث Global Turks par Excellence حول القيادة التركية العالمية.
اليوم الثالث – 23 سبتمبر 2026.. اللقاء الرئاسي والشراكات مع كبرى الشركات الأمريكية
اختُتم المؤتمر في 23 سبتمبر بفعالية المستوى الرئاسي، حيث التقى رجب طيب أردوغان (رئيس الجمهورية التركية)، ممثلي مجتمع الأعمال التركي والأمريكي في البيت التركي «Türkevi» في نيويورك، في إطار مائدة مستديرة بالتعاون مع مجلس الأعمال التركي–الأمريكي التابع لغرفة التجارة الأمريكية USTBC.
وشارك في اللقاء عمر بولات (وزير التجارة)، وألب أرسلان بيرقدار (وزير الطاقة والموارد الطبيعية)، ومحمد فاتح كاجير (وزير الصناعة والتكنولوجيا)، ومحمد شيمشك (وزير الخزانة والمالية)، وهاكان فيدان (وزير الخارجية التركي)، وفاتح قره خان (محافظ البنك المركزي)، ونايل أولباك (رئيس DEİK)، ومراد أوزييجين (رئيس TAİK)، وحمدي أولوكايا (رئيس مجلس الأعمال الأمريكي–التركي).
وضمت قائمة الشركات الأمريكية المشاركة ممثلين عن شركات كبرى مثل Mastercard وUber وVisa وLockheed Martin وJ.P. Morgan وP&G وCarrier Energy وZynga وGE Aerospace وCiti وFord وPepsiCo وBoeing وFedEx وMicrosoft. وتركزت المناقشات على قطاعات الطاقة والتمويل والتكنولوجيا والطيران والسيارات والمنتجات الاستهلاكية، إلى جانب فرص الاستثمار والإنتاج ونقل التكنولوجيا وإقامة مشروعات مشتركة في دول ثالثة.
وفي السياق نفسه، طُرح مجددًا هدف رفع حجم التجارة الثنائية إلى 100 مليار دولار، مع ربط هذا الهدف بتوسيع الاستثمارات والشراكات الإنتاجية والتكنولوجية، وليس التجارة السلعية وحدها.
الأمن السيبراني.. البعد الرقمي للعلاقة الاقتصادية
واختتمت أجندة المؤتمر ببحث الأمن السيبراني من خلال مائدة مستديرة بالتعاون بين AmCham Türkiye وMastercard، جمعت ممثلين عن منظومتي التكنولوجيا التركية والأمريكية. وتركز النقاش على تطور الاقتصاد الرقمي، والأمن السيبراني، والحوكمة الرقمية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاع الحكومي، والتقنيات التي يمكن أن تدعم بناء بيئة رقمية أكثر أمانًا، إلى جانب مجالات التعاون التكنولوجي بين البلدين.
التجارة والاستثمار.. الأرقام التي تحدد حجم العلاقة
تظهر البيانات التي طُرحت خلال المؤتمر اتساع قاعدة العلاقات الاقتصادية بين البلدين. فقد بلغ حجم تجارة السلع بين تركيا والولايات المتحدة 38.6 مليار دولار في 2025، بينما سجلت التجارة خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 نحو 28.4 مليار دولار، بزيادة 14.5% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وفق الأرقام التي عرضها وزير التجارة التركي عمر بولات. كما أشار بولات إلى وصول الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتراكمة إلى تركيا إلى 294.7 مليار دولار خلال الفترة من 2002 حتى يوليو 2026.
أما الهدف الذي يجمع الجانبين فيتمثل في الوصول إلى 100 مليار دولار للتجارة الثنائية، مع توسيع التعاون ليشمل الطاقة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية والدفاع والطيران والاستثمارات الصناعية.
وتعكس هذه الأرقام أن العلاقة الاقتصادية لا تتحرك فقط عبر التجارة التقليدية، بل تتجه بصورة أكبر إلى الاستثمار والإنتاج والتكنولوجيا وسلاسل التوريد والطاقة والتمويل.
نظرة مستقبلية.. من التجارة إلى شراكات أوسع
تكشف أجندة TRICON 2026 عن اتساع نطاق الملفات التي يجري من خلالها بحث العلاقات الاقتصادية التركية–الأمريكية. فإلى جانب هدف التجارة البالغ 100 مليار دولار، تركزت المناقشات على زيادة الاستثمارات المتبادلة، وتطوير مشروعات الطاقة، وجذب استثمارات التكنولوجيا المتقدمة، وتعزيز التعاون في الصناعات التحويلية والطيران والسيارات والاقتصاد الرقمي. كما تبرز أهمية الموقع الجغرافي والبنية الصناعية وسلاسل الإمداد التركية بالنسبة إلى الشركات التي تبحث عن قواعد إنتاج وأسواق تربط أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، بينما توفر السوق الأمريكية ورأس المال والتكنولوجيا والشبكات العالمية مجالات واسعة أمام الشركات التركية.
ومن هذا المنظور، فإن الأرقام التي طُرحت خلال المؤتمر تمثل نقطة قياس لمسار العلاقات الاقتصادية، بينما ستتوقف ترجمة الأهداف المعلنة إلى مشروعات واستثمارات فعلية على تطورات التجارة، والسياسات الاقتصادية، وتكاليف التمويل، والطاقة، وسلاسل الإمداد، وقدرة الشركات في البلدين على تحويل اللقاءات إلى مشروعات مشتركة.

