بقلم الباحثة: إيمان بخيت أحمد
المقدمة:
قبل نحو شهرين من الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر 2026، أعلن العميد احتياط عوفر فينتر دخوله رسميًا إلى الحلبة السياسية، كاشفًا عن حزب جديد يحمل اسم «عمخا يسرائيل» (עמך ישראל)، أي «شعبك إسرائيل». ولا تكمن أهمية الإعلان في إضافة حزب آخر إلى الخريطة الحزبية الإسرائيلية المزدحمة فحسب، بل في طبيعة المساحة التي يسعى فينتر إلى احتلالها: يمين قومي وأمني متشدد، مؤيد من حيث المبدأ لحكومة يقودها بنيامين نتنياهو، لكنه يحاول استقطاب الناخبين الساخطين على أحزاب الائتلاف القائم، ولا سيما حزب «الصهيونية الدينية» بزعامة بتسلئيل سموتريتش.
من المؤسسة العسكرية إلى السياسة
يستمد عوفر فينتر جانبًا مهمًا من حضوره العام من خلفيته العسكرية. فقد تولى عدة مواقع قيادية في الجيش الإسرائيلي، من بينها قيادة لواء جفعاتي والفرقة 98، كما شغل منصب السكرتير العسكري لوزير الدفاع. إلا أن مسيرته ارتبطت كذلك بخلافات داخل المؤسسة العسكرية، وانتهت بخروجه من الخدمة الفعلية عام 2024 بعد عدم ترقيته إلى رتبة لواء.
وتزامن ذلك مع تكريس صورته لدى قطاعات من اليمين الديني والقومي باعتباره ضابطًا هجوميًا ذا خطاب ديني واضح، لم يحصل على المكانة التي يستحقها بسبب تحفظ المؤسسة العسكرية على توجهاته. وهذه الصورة، سواء عكست حقيقة الخلافات المهنية كاملة أم لا، تمنحه نقطة انطلاق سياسية تقوم على الجمع بين الخبرة العسكرية وشعور “المظلومية المؤسسية”.
يأتي دخوله السياسة أيضًا في لحظة أصبح فيها العمل العسكري أحد أهم مصادر الشرعية الانتخابية في إسرائيل. فالهجوم الذي وقع في 7 أكتوبر 2023 وما أعقبه من حروب ممتدة أدى على إضعاف الثقة في القيادة السياسية والمؤسسة الأمنية، وفي الوقت نفسه فتحا المجال أمام شخصيات عسكرية سابقة لتقديم نفسها باعتبارها بديلًا قادرًا على استعادة الردع والكفاءة. وهو ما يظهر كذلك في صعود حزب «يشَار» بقيادة رئيس الأركان السابق جادي آيزنكوت، وفي اعتماد قوى أخرى على شخصيات ذات خلفيات أمنية وعسكرية.
غير أن فينتر لا يقدم نفسه باعتباره نسخة يمينية من آيزنكوت فحسب، بل بوصفه ممثلًا لاتجاه أكثر تشددًا في استخدام القوة وفي إدارة الصراع مع الفلسطينيين.
ملامح الهوية السياسية للحزب
تكشف تصريحات فينتر خلال إطلاق الحزب عن ثلاث مكونات أساسية لهوية “عمخا يسرائيل”.
أولًا: تقديم الحزب باعتباره إطارًا «جديدًا» لم يشارك أعضاؤه في إخفاقات السابع من أكتوبر. فقد رفع فينتر شعار «سياسة أقل وقيادة أكثر»، مؤكدًا أن قائمته تضم أشخاصًا قاتلوا أو دفعوا أثمانًا شخصية خلال الحرب. وتخدم هذه الصياغة محاولة تحويل الانتخابات من منافسة بين برامج سياسية إلى محاكمة للنخب التي تحملت مسؤولية إدارة الدولة قبل الهجوم وبعده.
ثانياُ: تبني مفهوم شديد الهجومية للأمن، لا يقتصر على استعادة الردع، وإنما يقوم على المبادرة والحسم وفرض عواقب إقليمية على الخصوم. فقد أعلن فينتر رفضه إقامة دولة فلسطينية، وطرح «الهجرة» بوصفها حلًا لقطاع غزة، كما أكد أن الطرف الذي يبدأ حربًا ضد إسرائيل يجب أن يدفع «ثمنًا إقليميًا» يتمثل في خسارة الأرض. وهذه المواقف تضع الحزب في أقصى اليمين فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، حتى وإن حاول التمايز اجتماعيًا وتنظيميًا عن الصهيونية الدينية.
ثالثًا: محاولة بناء يمين قومي أكثر اتساعًا وأقل ارتباطًا حصريًا بالمستوطنين أو بالتيار الديني القومي المنظم. فقد أكد مقربون من فينتر أن الحزب سيضم أغلبية علمانية، وأنه لا يمثل قطاعًا دينيًا أو استيطانيًا محدودًا. وتضم القائمة الأولية شخصيات عسكرية وإعلامية ومدنية، وأفرادًا من عائلات فقدت أبناءها في الحرب، إلى جانب الناشط العربي الإسرائيلي المؤيد للصهيونية يوسف حداد.
يعكس هذا التكوين محاولة واعية لصناعة قائمة «إسرائيلية» تتجاوز الصورة التقليدية لحزب ديني أو استيطاني، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه ببرنامج قومي متشدد. وهنا تتمثل نقطة الاختلاف الأساسية عن سموتريتش: ليست خلافًا جوهريًا حول الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، بقدر ما هي اختلاف في الهوية الاجتماعية وطريقة تقديم اليمين للجمهور.
منافس لسموتريتش أكثر منه منافسًا لنتنياهو
تشير الاستطلاعات الأولية إلى أن حزب فينتر يتحرك على حافة نسبة الحسم البالغة 3.25%. ففي استطلاع لهيئة البث الإسرائيلية، حصل الحزب في صورته الأولية على 2.5% فقط، لكنه ارتفع إلى خمسة مقاعد عند إدراج شخصيات مثل يوسف حداد وليلي درعي ونتعلي شيم توف ضمن قائمته. وفي هذا السيناريو تراجع حزب الصهيونية الدينية إلى 3%، أي دون نسبة الحسم.
أما استطلاع «القناة 12» الذي أجراه معهد «ميدجام»، فمنح حزب فينتر أربعة مقاعد، مقابل سقوط حزب سموتريتش إلى 2.4%. ووفق هذا السيناريو يحصل حزب آيزنكوت على 24 مقعدًا، والليكود على 21، وتحالف نفتالي بينيت ويائير لابيد على 16، والديمقراطيون على 11، وإسرائيل بيتنا على تسعة، بينما يتراجع المعسكر المؤيد لنتنياهو إلى 49 مقعدًا.
لكن الأرقام تستدعي قراءة أكثر حذرًا. فحصول حزب فينتر على أربعة مقاعد لا يعني أن أربعة مقاعد جديدة أضيفت إلى اليمين، وإنما قد يمثل انتقالًا للأصوات بين مكوناته. وإذا أدت هذه الحركة إلى سقوط حزب سموتريتش تحت نسبة الحسم، فإن آلاف الأصوات اليمينية قد تُهدر ولا تُترجم إلى مقاعد، فيخسر المعسكر مقاعد أكثر مما يربح.
لذلك يمثل فينتر تهديدًا مباشرًا لسموتريتش، وتهديدًا غير مباشر لنتنياهو. أما بن جفير، فيحتفظ بقاعدة أكثر تماسكًا تقوم على خطاب شعبوي وأمني واضح وقيادة شخصية قوية، بينما يجد سموتريتش نفسه محصورًا بين بن جفير من ناحية، وفينتر الذي يجمع بين التشدد الأمني والخلفية العسكرية من ناحية أخرى.
العلاقة الملتبسة مع نتنياهو
حرص فينتر على تحديد موقعه داخل اليمين، معلنًا رغبته في إقامة «حكومة يمينية واسعة» برئاسة نتنياهو وبمشاركة أكبر عدد ممكن من القوى الصهيونية. ونُقل عنه استعداده لمنح نتنياهو «الإصبع الحادي والستين» اللازم لتشكيل الحكومة.
ومع ذلك، لا تبدو العلاقة بين الطرفين مستقرة. فنتنياهو يدرك أن الحزب الجديد قد يسحب أصواتًا من الليكود والصهيونية الدينية، أو يهدرها إذا أخفق في تجاوز نسبة الحسم. ولهذا بدأ التحذير من التصويت للأحزاب اليمينية الصغيرة، في تكرار لاستراتيجية استخدمها في انتخابات سابقة لدفع الناخبين نحو الليكود ومنع تفتت أصوات المعسكر.
في المقابل، لا يريد فينتر أن يتحول إلى تابع لنتنياهو أو سموتريتش قبل الانتخابات؛ لأن استقلاله هو العنصر الذي يمنحه جاذبيته لدى ناخبين يمينيين يرغبون في استمرار الحكم اليميني، لكنهم غير راضين عن تركيبة الحكومة الحالية.
والأهم أن فينتر لا يطرح حكومة ضيقة تعتمد بالكامل على الأحزاب الحريدية. فقد أعلن مقربون منه أنه يسعى إلى حكومة يمينية واسعة تضم شركاء صهيونيين، حتى لا تصبح رهينة للأحزاب الدينية في ملف التجنيد. وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية في الحزب: فهو أكثر تشددًا من الليكود في القضية الفلسطينية، لكنه قد يكون أقل استعدادًا من نتنياهو لتقديم تنازلات للحريديم في مسألة الخدمة العسكرية.
هذه الازدواجية قد تجعله شريكًا مناسبًا لنتنياهو في قضايا الأمن والأرض، وشريكًا صعبًا في إدارة التركيبة الائتلافية التي اعتمد عليها نتنياهو خلال السنوات الماضية.
انتخابات ما بعد السابع من أكتوبر
تُجرى الانتخابات المقبلة في سياق مختلف جذريًا عن انتخابات 2022. فهي الأولى منذ هجوم السابع من أكتوبر، وبعد سنوات من الحرب في غزة والمواجهات في لبنان وسوريا واليمن وإيران، وفي ظل انقسام داخلي حاد حول المسؤولية عن الإخفاق الأمني، وقضية تجنيد الحريديم، والإصلاحات القضائية، ومستقبل الحرب والعلاقات مع الولايات المتحدة.
وقد حُدد يوم 27 أكتوبر 2026 موعدًا رسميًا للانتخابات، التي ستُجرى لاختيار أعضاء الكنيست الـ 120، في نظام يقوم على التمثيل النسبي ويحتاج فيه أي ائتلاف إلى 61 مقعدًا.
وتشير الاتجاهات الحالية إلى تقدم أحزاب المعارضة مجتمعة على أحزاب الائتلاف السابق، لكن ذلك لا يضمن قدرتها على تشكيل حكومة. فالتباينات بين آيزنكوت وبينيت وليبرمان والديمقراطيين، إلى جانب استمرار التحفظ على الاعتماد على الأحزاب العربية، قد تعيد إنتاج حالة الجمود، حتى لو خسر معسكر نتنياهو أغلبيته. ويرى تحليل نشره «تشاتام هاوس» أن المعارضة تتقدم في الاستطلاعات، لكنها لا تزال تواجه صعوبة في الوصول إلى أغلبية مستقرة من دون تغيير مواقف بعض مكوناتها أو التعاون مع حزب عربي.
في هذا السياق، قد يكون تأثير «عمخا يسرائيل» أكبر من حجمه العددي. ففي نظام انتخابي شديد الحساسية لنسبة الحسم، تستطيع قائمة تتأرجح بين ثلاثة وخمسة مقاعد أن تحدد مصير كتلة كاملة: إما بمنح نتنياهو المقاعد المكملة للأغلبية، أو بإسقاط آلاف الأصوات اليمينية خارج الكنيست.
حدود الفرصة أمام الحزب
يمتلك حزب فينتر عدة عناصر قوة: خلفية عسكرية تتلاءم مع مركزية الأمن في الانتخابات، وخطابًا يمينيًا واضحًا، وقائمة تحاول الجمع بين المتدينين والعلمانيين وسكان الأطراف وعائلات قتلى الحرب. كما يستطيع استقطاب جزء من الناخبين الذين لا يرغبون في التصويت لسموتريتش أو بن غفير، ولا يرون في الليكود عنوانًا كافيًا للمحاسبة والتغيير.
لكن الحزب يواجه في المقابل تحديات حقيقية. فهو لا يزال شديد الارتباط بشخص مؤسسه، ولم يطرح حتى الآن برنامجًا اقتصاديًا واجتماعيًا ومؤسسيًا متكاملًا. كما أن الانتقال من المكانة العسكرية إلى القيادة السياسية ليس مضمون النجاح، خصوصًا في ظل منافسة شخصيات أكثر خبرة مثل آيزنكوت وبينيت ونتنياهو.
كذلك قد يتقلص هامش استقلال فينتر مع اقتراب موعد الانتخابات. فإذا أظهرت الاستطلاعات أنه لا يتجاوز نسبة الحسم بصورة مستقرة، فسيتعرض لضغوط شديدة للاندماج مع حزب آخر أو الانسحاب. أما إذا استقر عند أربعة أو خمسة مقاعد، فسيتحول إلى هدف لمحاولات الاحتواء من جانب الليكود، وإلى خصم وجودي بالنسبة إلى سموتريتش.
الخلاصة
لا يعبر ظهور حزب «عمخا يسرائيل» عن تحول أيديولوجي كبير داخل إسرائيل بقدر ما يعكس إعادة تشكيل المجال اليميني بعد السابع من أكتوبر. فالحزب لا يقدم بديلًا معتدلًا لسياسات اليمين، بل يعيد صياغة اليمين المتشدد في صورة عسكرية، وطنية .
وقد يبدو فينتر حليفًا طبيعيًا لنتنياهو بسبب مواقفه من الدولة الفلسطينية وغزة واستخدام القوة، إلا أن الحساب الانتخابي يجعله في الوقت نفسه خطرًا على بقاء معسكر نتنياهو. فالمشكلة بالنسبة إلى رئيس الليكود ليست في موقف فينتر بعد الانتخابات فقط، وإنما في عدد الأصوات التي قد يسحبها من أحزاب المعسكر، وفي احتمال سقوط إحدى قوائم اليمين تحت نسبة الحسم.
وعليه، ستتحدد أهمية الحزب خلال الأسابيع المقبلة وفق ثلاثة مؤشرات: قدرته على تثبيت نفسه فوق نسبة الحسم، واتساع قاعدته خارج الصهيونية الدينية، وموقفه النهائي من شكل الحكومة التي سيدعمها. فإذا تجاوز هذه الاختبارات، قد يصبح فينتر شريكًا حاسمًا في تشكيل الحكومة المقبلة. أما إذا بقي على حافة نسبة الحسم، فقد يتحول من رصيد محتمل لليمين إلى أحد الأسباب المباشرة لخسارة نتنياهو الانتخابات.
المصادر:
1. Hirschman, E. (2026, August 25). עופר וינטר בהצגת המפלגה החדשה [Ofer Winter presents his new party]. N12. https://www.mako.co.il/news-israel-elections/2026_q3/Article-6a69100062930a1026.htm
2. The Times of Israel. (2026, August 23). Poll shows Winter’s new party has potential to enter Knesset, sink Smotrich’s party. https://www.timesofisrael.com/liveblog_entry/poll-shows-winters-new-party-has-potential-to-enter-knesset-sink-smotrichs-party/
3. Israel National News. (2026, August 25). Poll: Winter’s party sends right-wing bloc to new low. https://www.israelnationalnews.com/news/432185
4. Central Elections Committee. (n.d.). The Central Elections Committee. Government of Israel. Retrieved August 25, 2026, from https://www.gov.il/en/departments/central-elections-committee
5. Mekelberg, Y. (2026, July 22). Israel’s general election will be like no other before. Chatham House. https://www.chathamhouse.org/2026/07/israels-general-election-will-be-no-other
أحدث المنشورات
- رؤية إسرائيلية للأبعاد الخفية للاستثمار السعودي في باريس!
- اتفاقيات أبراهام في مهب التحول الإقليمي تآكل النموذج الإسرائيلي وصعود شرق أوسط متعدد الشبكات
- حزب «عمخا يسرائيل» بقيادة عوفر فينتر: ورقة قوة لليمين أم تهديد جديد لمعسكر نتنياهو؟
- قلنديا وما بعد الأونروا تفكيك الوجود الأممي وقضية اللاجئين في القدس قبيل الانتخابات الإسرائيلية 2026م
- أزمة الشمال” في الأوراق البحثية الإثيوبية عجز ميداني وغياب الحلول السياسية
- التنافس الأمريكي – الصيني في الذكاء الاصطناعي التداعيات الاستراتيجية على إسرائيل
- السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية من إدارة الصراع إلى الضم الفعلي وإعادة إنتاج الجغرافيا
- القرن الأفريقي في مرحلة إعادة تشكيل القوة
الخميس, 27 أغسطس
