حسين محمود التلاوي
المستلخص: حظيت التطورات في شمال إثيوبيا باهتمام أوراق بحثية إثيوبية، وتتابع هذه الورقة تلك التغطيات وتستخلص منها عدة محاور. تناولت التقارير والتحليلات البحثية الإثيوبية عدة موضوعات، من أهمها متابعة التطورات في شمال إثيوبيا عند إقليم تيجراي المتوتر والحدود مع إريتريا. وتلقي هذه الورقة الضوء على أبرز تلك الأوراق وما تكشف عنه من اتجاهات عند الباحث وصانع القرار في إثيوبيا.
خيارات “الردع والسلام”
في موقع معهد الشئون الخارجية الإثيوبي تحليلًا للباحث “إمراكيل سيليشي” بعنوان “تأمين الشمال: خيارات الاستقرار والردع والسلام”، يقول فيه إن التطورات العسكرية المتزامنة شمال إثيوبيا في أغسطس 2026م تكتسب أهمية استراتيجية بالغة بالنظر إلى أنها تمثل جزءً من ضغوط حدودية متعددة يمكن أن تحتشد جميعها في نقطة حرجة واحدة، تشكل خطرًا على الأمن القومي الإثيوبي عمومًا . وفي تفصيل ذلك يشير إلى المواجهات المحدودة التي وقعت بين جبهة تحرير شعب تيجراي والقوات الفيدرالية الإثيوبية فيقول إن ما سماه “التصدي لمحاولة التوغل المسلحة ببلدة شيرارينا” مع التحركات والرسائل المباشرة للقادة الإريتريين في زالمبيسا بإقليم تيجراي تؤدي إلى تضييق مساحة المناورة أمام القيادة الإثيوبية؛ الأمر الذي يفرض الوقوف أمام “معضلة التوازن بين حفظ الردع ومنع الانزلاق نحو تصعيد إقليمي يعيد فتح مواجهات واسعة النطاق”. ولحل هذه المعضلة، وانطلاقًا من الواقع المتمثل في استمرار الهشاشة في بيئة ما بعد اتفاق بريتوريا بين الدولة وجبهة تيجراي عام 2022م (الذي أنهى حربًا استمرت عامين) وتزايد المخاطر الناجمة عن الصراع في السودان، يرى الباحث أن هناك حاجة إلى تبني سياسة ردع تعتمد على “ضبط النفس الاستراتيجي” عبر تعزيز الجاهزية الميدانية والاستخباراتية للحدود، وتفعيل آليات الرقابة التابعة للاتحاد الأفريقي، وتطوير قنوات الاتصال مع السودان وإريتريا لتقليص فرص استغلال الثغرات “من دون الانجرار وراء الاستفزازات المتدرجة”.
وعلى الرغم مما قد يبدو على التحليل من تماسك في الطرح، فلا يخلو من الثغرات الموضوعية والمنهجية، بعضها شائع في التحليلات الإثيوبية، والبعض الآخر مستجد. ومن أبرز تلك الثغرات:
أولًا.. إغفال “العامل الإثيوبي”: دأبت الأوراق البحثية والمقالات الإثيوبية على تجاهل أي دور لسياسات الدولة الإثيوبية داخليًّا وخارجيًّا في تأجيج الصراعات الداخلية أو الإقليمية. وهذا التحليل ليس استثناءً؛ فلا يوجد فيه إشارة إلى مسئولية سياسة التجاهل التنموي من الدولة إزاء إقليم تيجراي وعدم وفاء الحكومة بالتزاماتها من اتفاق بريتوريا عن تفاقم السخط العام داخل الإقليم إزاء الدولة. كما يغفل التحليل التصريحات العدائية الإثيوبية تجاه إريتريا في ملف الوصول إلى البحر الأحمر، والنزاعات الحدودية بين البلدين، ولا يرى أن السياسات الإريترية إزاء إثيوبيا مجرد رد فعل لتلك التوجهات العدائية الإثيوبية.
ثانيًا.. التعويل على الاتحاد الإفريقي: يغفل الكاتب كذلك الجمود والشلل اللذين يعاني منهما الاتحاد الإفريقي سياسيًّا واداريًّا إزاء النزاعات في القارة، كما يغفل أن إثيوبيا نفسها تجاهلت الاتحاد الإفريقي في أكثر من مناسبة؛ ومن بينها الصومال عام 2006م، على الرغم من أن إثيوبيا دولة مقر الاتحاد.
ثالثًا.. غياب الواقعية في الحلول: يرى الكاتب أن على إثيوبيا فتح قنوات اتصال مع إريتريا والسودان لتسوية الملف الأمني في تجاهل لحقيقة أن إثيوبيا نفسها تمثل مصدر تهديد لأمن هاتين الدولتين؛ ما يجعل التنسيق الأمني أمرًا بالغ الصعوبة. من ناحية السودان، لا يقتصر تهديد إثيوبيا للأمن السوداني على تقديم الدعم لقوات الدعم السريع المتمردة؛ حيث يرتبط كذلك بسد النهضة الاثيوبي بالتسبب في فيضانات في السودان جراء فتح بوابات السد من دون تنسيق مع السلطات في السودان. ولا يختلف الأمر في إريتريا التي يخرج المسئولون الإثيوبيون، بين الحين والآخر، بتصريحات عدائية تجاهها بداية من استخدام القوة العسكرية لاستغلال ميناء عصب الإريتري حتى التهديد بالإطاحة بالنظام الحاكم في البلاد.
رؤية أخرى لـ”السلام الدائم”
وفي تحليل آخر على الموقع نفسه بعنوان “إثيوبيا ما بعد الحرب: طريق شمال إثيوبيا نحو الاستقرار الدائم”، تقدم الباحثة “إيمان فِريد” رؤية لكيفية إحلال “السلام الدائم” في شمال إثيوبيا بعد التغلب على التوترات الحالية. تقول الباحثة إن أهمية التطورات في شمال إثيوبيا تتجاوز مجرد صمت المدافع عقب اتفاق بريتوريا عام 2022م؛ إذ يفرض الواقع الانتقالي الانتقال من مجرد إدارة وقف إطلاق النار إلى “بناء نظام سياسي واستراتيجي مستدام” يمنع تجدد الصراع.
وتفسر الباحثة استمرار الهشاشة الأمنيّة بأنه يعود إلى التأخر في تنفيذ البنود المتعلقة بنزع السلاح وإعادة دمج القوات غير الفيدرالية واستعادة الإدارة الدستورية “من جانب الأطراف المحلية”؛ وهو ما يتزامن مع مخاطر إقليمية متزايدة تنبع من الحضور العسكري الإريتري والحرب في السودان، “وما يوفره الصراع السوداني” من مساحات لوجستية وتدفقات للنازحين تزيد من فرص تدويل النزاعات الداخلية.
وللتغلب على هذه المعضلات، تقول الباحثة بضرورة التعامل مع إعادة الإعمار الشامل والمصالحة الوطنية وتعزيز كفاءة المؤسسات القضائية والأمنية الفيدرالية باعتبارها ركائز أساسية لحماية السيادة الوطنية؛ ما يضمن تحويل التنافس السياسي إلى قنوات دستورية سليمة و”تقليص قدرة الفاعلين الخارجيين” على تحويل ما سمتها “الثغرات الداخلية” إلى أدوات ضغط إقليمية.
غياب الضمانات والتمويل
لكن هذه النظرة المتفائلة تصطدم بعوائق واقعية تعود، في أغلبها، إلى الدولة الإثيوبية. فإلى جانب تحميل إريتريا وجبهة تحرير شعب تيجراي “الشرور كلها”، وتجاهل المسئولية الإثيوبية في التوترات الداخلية والخارجية، تقدم الباحثة حلولًا غير قابلة للتطبيق نورد بعضها فيما يلي:
أولًا.. نزع سلاح تيجراي: تطالب الباحثة بتطبيق اتفاق بريتوريا، لكن حديثها ينصب على جانب واحد فقط؛ هو تنفيذ جبهة تحرير شعب تيجراي هذه المتطلبات دون الإشارة إلى ضرورة تنفيذ الطرفين لالتزاماتهما. ومن بين هذه الالتزامات نزع سلاح الجبهة؛ وهو الأمر الذي يستحيل في ظل الحشد العسكري الحكومي وعدم تقديم الدولة الإثيوبية أية ضمانات أو وجود ما يلزمها بتنفيذ ما عليها من مقررات الاتفاق. يضاف إلى ذلك أن إقليم تيجراي محاصر بقوى مسلحة؛ مثل القوات الإريترية والقوات الإثيوبية والحركات المسلحة في الأقاليم المجاورة، إلى جانب الحرب في السودان. وفي ظل الولاءات المتغيرة في هذه المنطقة وعدم وجود مظلة دفاعية للإقليم سوى سلاح الجبهة، يصبح الحديث عن نزع سلاحها نوعًا من القفز على حقائق الواقع، كما هو معتاد في كتابات الباحثين الإثيوبيين.
ثانيًا.. سلاح الإفقار: تقول الباحثة إن على الحكومة البدء في مشروعات تنموية في الإقليم؛ وهي دعوة إيجابية، لكنها تصطدم بعدة عقبات؛ في مقدمتها عدم رغبة السلطات الإثيوبية نفسها في تنفيذ تلك المشروعات؛ فلو أرادت، لنفذتها مباشرة بعد اتفاق بريتوريا، لكن الدولة الإثيوبية تخشى أن يصب أي منجز تنموي في مصلحة جبهة تيجراي؛ ما يعني استخدام الإفقار والحرمان التنموي سلاحًا للعقاب الجماعي لأهل الإقليم. ومن العقبات الأخرى حاليًّا عدم توافر مصادر التمويل اللازمة للبدء في تلك المشروعات، التي تفتقر إليها مناطق أكثر استقرارًا من إقليم تيجراي داخل إثيوبيا. ويرجع ذلك إلى الضغوط التي يتعرض لها الاقتصاد الإثيوبي بسبب تداعيات حرب إيران، وعدم رشادة استخدام القروض والمنح في العملية التنموية وتوجيهها إلى تمويل التسليح وترسيخ أركان النظام.
ثالثًا.. إهمال التوترات الداخلية: يتعامل التحليل في قراءته للشمال؛ والتعامل مع إقليم تيجراي، بمعزل عن الصراعات الداخلية المشتعلة في إقليم أمهرا المجاور؛ إذ أن استمرار النزاع المسلح في أمهرة وغيره من الأقاليم يعيق عمليًّا أية ترتيبات أمنية أو إدارية مستدامة لشمال البلاد؛ ما يعني أن على إثيوبيا ايجاد مقاربة شاملة لتسوية النزاعات داخلها.
تيجراي.. المشكلة في “الصقور”!
نشر المعهد كذلك تحليلًا بعنوان “إريتريا وصقور جبهة تيجراي والمخاطر أمام شمال إثيوبيا”، حاول كاتبه “بروك جيبريميدينا بريجا” التأكيد على أن هناك انقسامًا داخل جبهة تيجراي، وأن من يتولون أمرها الآن من الجناح المتشدد أو “الصقور” المتحالفين مع إريتريا “المتحالفة بدورها مع مصر” لإضعاف اثيوبيا، ويقدم مجموعة من الحلول لعرقلة ذلك. في البداية يقول الباحث إن المخاطر الأمنية في شمال إثيوبيا تترافق مع تعقيدات المشهد الانتقالي عقب اتفاق بريتوريا؛ حيث يبرز تقارب المصالح بين “فصيل” من جبهة تحرير شعب تيجراي بقيادة ديبريتسيون جبريميكائيل وإريتريا كتحول استراتيجي يتيح أوراق ضغط خارجية تتجاوز التنافر التاريخي بين الطرفين.
ويزعم الباحث أن هذا التوتر يتفاقم “جراء الانقسام السياسي الداخلي في الإقليم ومحاولات الاستقواء بأطراف جوار” تزامنًا مع اضطرابات السودان و”التحركات الإقليمية في البحر الأحمر”. وفي المقابل يقول الكاتب إن من الضروري حماية مكتسبات اتفاق السلام عبر تغليب المسارات الدستورية، وتوسيع المشاركة السياسية الشرعية، وتعزيز السيادة الوطنية لـ”منع تحويل الخلافات الداخلية إلى مدخل للمساومات الإقليمية”.
وبنظرة تحليلية على تلك الورقة يمكن استخلاص ما يلي:
أولًا.. اللعب على ورقة الانقسام: يحاول الباحث تمرير رسالة إلى ما يراه “الجناح المعتدل” من جبهة تيجراي مفادها أن “الجناح المتشدد” السبب في الأزمة الحالية في الإقليم، في تجاهل جديد للسخط الداخلي تجاه ازدراء الدولة جراء الإهمال التنموي وجرائم الحرب التي ارتكبتها القوات الإثيوبية في تيجراي خلال الحرب الأخيرة.
ثانيًا.. تبرئة الساحة الإثيوبية: تناول الباحث عوامل في تيجراي وإقليم القرن الإفريقي والبحر الأحمر باعتبارها السبب في مشكلة الإقليم دون الإشارة إلى أي دور للدولة الإثيوبية في النزاع بسياساتها في تيجراي أو مع دول الجوار. وحتى مع افتراض وجود تأثير لملف البحر الأحمر في الأزمة فهو يرجع إلى السياسات العدائية الإثيوبية إزاء إريتريا والنبرة الاستعلائية في التعامل معها فيما يخص الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر.
ثالثًا.. إقحام مصر في الأزمة: يقحم التحليل الدور المصري والعلاقات المصرية الإريترية في معادلة الشمال بشكل زائد، معترفًا بنفسه بغياب دليل على وجود “تحالف ضد إثيوبيا”؛ ما يجعل الحديث محاولة لإبراز أديس أبابا في مظهر المحاصرة إقليميًّا لاستجداء التعاطف الشعبي المشكوك فيه في ظل الضغط المعيشي الذي يعانيه الإثيوبيون.
الخلاصة
مما سبق من رؤى إثيوبية يمكن استخلاص مجموعة من النتائج، منها:
1- يدرك الإثيوبيون أن الحل العسكري غير قابل للتطبيق لأسباب تتعلق بالقدرة العسكرية للجيش الإثيوبي، إلى جانب عدم تقبل المجتمع الدولي لحرب جديدة في الإقليم بعد الانتهاكات الحقوقية التي شابت الحرب الأخيرة، إلى جانب عدم قدرة الاقتصاد الإثيوبي على تحمل ضغوط حرب جديدة تضاف إلى ما يعانيه من هشاشة نتيجة سياسات داخلية وأزمات دولية.
2- يحاول صانع القرار الإثيوبي (المتمثل فى المراكز البحثية الحكومية) إلقاء اللوم على الأطراف الخارجية في تفاقم الصراع في تيجراي لإبعاد النظر عن أي تقصير حكومي في إدارة الملف، ولإرجاع العجز عن القيام بعملية عسكرية حاسمة إلى وجود تحالف دولي ضد البلاد لا إلى عجز حقيقي في القدرات الإثيوبية.
3- يحاول النظام الإثيوبي الاستمرار في المواجهة الباردة مع جبهة تيجراي بعيدًا عن سخونة الميدان، من خلال استمالة “الجناح المعتدل” للانشقاق عن “الجناح المتشدد”، بحسب رؤية المحللين الإثيوبيين، في تطبيق لسياسة “فَرِّقٍ تَسُدٍ!” الشهيرة؛ ما يعد دليلًا إضافيًّا على عدم قدرة الدولة على الدخول في مواجهة ميدانية مباشرة ضد الجبهة والعمل على استفزازها بمناوشات محدودة لإجبارها على الدخول في مواجهة في التوقيت والحجم المناسبين لأديس أبابا.
4- يتضح أثر التحركات المصرية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر على إثيوبيا؛ حيث أدت الاستراتيجية المصرية إلى “غلّ” يد إثيوبيا في ملفات مختلفة؛ وهو ما وضع في تصعيد التصريحات ضد مصر في ملفات عدة؛ أبرزها سد النهضة مؤخرًا

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version