أ.د/محمد أحمد صالح (رئيس وحدة الدراسات الاسرائيلية)
لا يمكن قراءة الدعوى التي أقامها رونين بار، الرئيس السابق لجهاز الأمن العام الإسرائيلي “شاباك”، ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، باعتبارها مجرد نزاع شخصي حول التشهير أو التعويض المالي، فالدعوى تعكس صراعاً أعمق على تحديد المسؤولية السياسية والأمنية عن هجوم7 أكتوبر 2023م، وعلى من يملك حق صياغة الرواية الرسمية للأحداث، وعلى حدود المساءلة التي يمكن أن تطال رأس السلطة التنفيذية في إسرائيل.
تكتسب الدعوى أهميتها من ثلاثة مستويات مترابطة: أولها قضائي، يتعلق باتهام نتنياهو بنشر معلومات يصفها بار بأنها كاذبة ومسيئة إلى سمعته؛ وثانيها أمني وسياسي، يتعلق بالتعارض بين روايتين بشأن التحذيرات السابقة للهجوم، وسياسة التعامل مع منظمة المقاومة الفلسطينية “حماس”، وطبيعة المعلومات المتوافرة في الساعات التي سبقت الهجوم؛ وثالثها انتخابي، يتعلق بإمكان توظيف المسؤولية عن الإخفاق الأمني في إعادة تشكيل الاصطفافات الحزبية والشخصية قبل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.
وتتمثل الفرضية المركزية التي تقوم عليها صحيفة الدعوى في أن نتنياهو، وفقاً لرواية بار، يحاول نقل النقاش من القرارات الاستراتيجية التي اتخذتها الحكومات الإسرائيلية قبل الهجوم إلى أداء الأجهزة الأمنية في الليلة السابقة له، ثم تركيز الاتهام على شخص رئيس شاباك السابق باعتباره مسؤولاً عن عدم التحذير وعدم إخلاء المواقع المستهدفة. وفي المقابل، يقدم بار نفسه باعتباره مسؤولاً أمنياً يعترف بمسؤولية جهازه عن الإخفاق، لكنه يرفض تحويل هذه المسؤولية إلى غطاء لإعفاء المستوى السياسي من المساءلة.
وتشير الصحيفة إلى أن بار يطلب تعويضاً قدره ثلاثة ملايين شيكل إسرائيلي، إلى جانب نشر تصحيح أو نفي للمنشورات محل الدعوى وتحميل نتنياهو المصروفات القانونية، غير أن القيمة الحقيقية المحتملة للقضية تتجاوز المبلغ المالي؛ إذ يمكن أن تتحول إجراءاتها، وما قد تستلزمه من تقديم مستندات وكشف تسلسل القرارات والاتصالات، إلى ساحة إضافية للصراع على رواية7 أكتوبر.
والاستنتاج الاستراتيجي الأهم هو أن الدعوى قد تمنح نتنياهو فرصاً سياسية ودعائية، حتى لو لم يكن هو الطرف الذي بادر إلى رفعها، لكنها قد تفتح عليه في الوقت نفسه مخاطر يصعب احتواؤها إذا انتقل النقاش من المنشورات المتبادلة إلى الوثائق والتحذيرات والقرارات التي سبقت الهجوم، ولا يعني ذلك أن نتنياهو سيحقق هذه المكاسب حتماً؛ فالأثر النهائي يتوقف على الأدلة، ومسار القضية، وطريقة استجابة الجمهور الإسرائيلي، ومقدار ما ستكشفه الإجراءات من معلومات قابلة للتحقق.
الإطار الزمني والسياسي للدعوى.. لماذا الآن؟
تتحدد أهمية التوقيت بصورة مباشرة من اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في27 أكتوبر2026 م، وقد أكدت مصادر إسرائيلية ودولية أن الانتخابات ستُجرى في هذا الموعد، وأنها تأتي في ظل استمرار الجدل حول إخفاقات7 أكتوبر ومكانة نتنياهو السياسية والأمنية.
وهنا ينبغي الانتباه إلى أن صحيفة الدعوى لا تُقرأ بمعزل عن التنافس الانتخابي؛ فقد نُشر المنشور الذي يطعن فيه بار يوم28 سبتمبر 2026م، بينما رُفعت الدعوى في أكتوبر، أي خلال الفترة التي تتكثف فيها الحملات الانتخابية ويزداد فيها أثر الرسائل السياسية والإعلامية على الناخبين.
–2023م7 أكتوبر.. الحدث المؤسس للأزمة: هجوم حماس وما ترتب عليه من انهيار أمني واسع، وما أثاره من أسئلة بشأن الاستخبارات والجاهزية والقرارات السياسية السابقة للهجوم.
–2025م أبريل – يونيو.. انتقال الخلاف إلى مواجهة علنية: وفقاً للدعوى، قدم بار إفادة في سياق الطعن المتعلق بإقالته، ورد نتنياهو عليه باتهامات علنية، ثم انتهت خدمة بار في رئاسة شاباك في يونيو2025م بعد إعلانه تحمله مسؤولية إخفاقات الجهاز.
–28 سبتمبر 2026م.. المنشور محل الدعوى وتجديد الاتهام الشخصي: أعاد نتنياهو تحميل بار مسؤولية عدم إبلاغه بالهجوم وعدم التحذير أو الإخلاء، وربط إرسال قوة “وحدة تيكيليا יחידת טקילה” بمعرفة مسبقة بخطر حقيقي، وهي قوة نخبوية صغيرة نسبيًا، عالية التدريب ومخصصة للاستجابة السريعة للتهديدات الإرهابية، قوتها الأساسية في التدخل الميداني السريع والاشتباك، لا في صد هجوم واسع بمفردها.
-أكتوبر 2026م.. ما قبل الاقتراع وتحويل الخلاف إلى ساحة قضائية: أصبحت المواجهة جزءاً من نقاش عام حول المسؤولية عن7 أكتوبر، بالتزامن مع انتخابات يُنتظر أن تؤثر نتائجها في مستقبل الحكومة وتوازنات الائتلافات.
أ-التوقيت ليس دليلاً كافياً على وجود مؤامرة انتخابية
إن وقوع الدعوى في الأسابيع السابقة للانتخابات يتيح افتراض وجود اعتبارات انتخابية لدى أطراف الصراع، لكنه لا يثبت وحده أن الدعوى صُممت لخدمة مرشح أو لإسقاط آخر، ويجب التمييز بين ثلاثة أمور:
التوقيت الموضوعي: الدعوى جاءت في مرحلة انتخابية شديدة الحساسية.
التوقيت الاتصالي: المنشور والرد عليه قد يؤثران في النقاش العام وفي صورة المتنافسين.
القصد السياسي: لا يمكن الجزم به إلا استناداً إلى أدلة تتجاوز مجرد التزامن الزمني.
والأرجح تحليلياً أن التوقيت يجعل القضية أكثر قابلية للاستثمار السياسي، سواء من بار الذي يريد وقف ما يعتبره تشهيراً متكرراً، أو من نتنياهو الذي يستطيع تقديمها بوصفها جزءاً من حملة تستهدفه وتحاول تحميله مسؤولية الإخفاق.
ب-القضية تمثل تهديداً خاصاً لنتنياهو
تنبع حساسية القضية من أن نتنياهو لا يخوض الانتخابات بوصفه رئيس حكومة يتعرض لانتقادات عادية، بل باعتباره المسؤول السياسي الأبرز عن الدولة في الفترة التي سبقت الهجوم، ومن ثم فإن أي نقاش موثق بشأن التحذيرات التي تلقاها، وطبيعة الردود التي قدمها، والخيارات التي رفضها أو أرجأها، يمكن أن يعيد طرح سؤال القيادة والمسؤولية. وفي المقابل، يستطيع نتنياهو القول إن رئاسة الحكومة لا تعني القدرة على الاطلاع الشخصي الفوري على كل معلومة استخباراتية، وإن الأجهزة الأمنية تتحمل مسؤولية مستقلة عن تحليل المؤشرات وتحويلها إلى تحذيرات عملياتية واضحة.
وهذا هو جوهر التنافس: هل كان الإخفاق أساساً إخفاقاً استخباراتياً وعملياتياً في ليلة الهجوم، أم أنه كان أيضاً إخفاقاً استراتيجياً وسياسياً تراكم خلال سنوات؟ لا تجيب الدعوى وحدها عن السؤال بصورة نهائية، لكنها تحاول نقل مركز الثقل من الساعات السابقة للهجوم إلى السياسات التي سبقته.
من صاحب الدعوى، وما يميز موقعه؟
رونين بار ليس خصماً سياسياً تقليدياً لنتنياهو، وفق الصورة التي تقدمها الصحيفة، بل مسؤول أمني سابق قاد جهاز شاباك بين عامي2021 م و2025م، وكان في قلب منظومة صنع التقديرات الأمنية والتعامل مع التهديدات الفلسطينية. وتكمن أهمية موقعه في أنه يجمع بين صفتين تبدوان متعارضتين ظاهرياً:
المسؤولية المؤسسية: يقر بأن الشاباك أخفق في تقديم التحذير اللازم بشأن حجم هجوم7 أكتوبر وتوقيته، ويتحمل المسؤولية عن إخفاقات الجهاز.
المعرفة المباشرة بمسار القرار: يقول أنه نقل إلى نتنياهو تحذيرات وتوصيات استراتيجية، وأن سياسات الحكومة قيدت قدرة الأجهزة على المبادرة الهجومية ضد حماس.
هذا الجمع يمنح روايته قوة سياسية محتملة؛ لأنه لا يقدم نفسه باعتباره شاهداً من خارج المنظومة، بل باعتباره مسؤولاً سابقاً يعترف بنصيب مؤسسته من الفشل، ثم يطعن في محاولة تحميلها كامل المسؤولية.
ومع ذلك، فإن قرب بار من مركز القرار لا يجعله شاهداً محايداً تلقائياً، فهو طرف في النزاع، وتضررت سمعته المهنية، كما أن له مصلحة مباشرة في الدفاع عن قراراته خلال الفترة التي قاد فيها الجهاز. ولذلك يجب دراسة روايته ووثائقه بالمعايير نفسها التي ينبغي تطبيقها على تصريحات نتنياهو.
مضامين صحيفة الدعوى
تتوزع صحيفة الدعوى على أقسام قانونية وواقعية، وتستند إلى مرفقات ومستندات وتفريغات وتقارير إعلامية، وتعرض رواية مفصلة للخلاف بين رئيس الحكومة السابق ورئيس الشاباك السابق.
ويمكن اختزال بنيتها الحجاجية في ستة محاور رئيسية:
| المحور | ما تقوله الدعوى | أهميته السياسية والاستراتيجية |
| التشهير | نتنياهو نسب إلى بار أفعالاً وقرارات
تقول الدعوى إنها غير صحيحة |
تحويل الخلاف من تبادل اتهامات
إلى نزاع حول صحة وقائع محددة |
| سياسة
غزة |
نتنياهو فضّل، بحسب الدعوى،
الحفاظ على الهدوء وتأجيل المواجهة |
توسيع المسؤولية من الليلة السابقة
للهجوم إلى سنوات من السياسة الأمنية |
| الأموال القطرية | الدعوى تقول إن التحذيرات من استفادة الجناح العسكري لحماس لم تؤد إلى تغيير السياسة | مساءلة تقدير المخاطر الذي استندت
إليه سياسة احتواء حماس |
| التحذيرات السابقة | بار يقول إنه حذّر من تآكل الردع
واحتمال حرب متعددة الجبهات |
التشكيك في الادعاء بأن الخطر
لم يكن متوقعاً سياسياً |
| ليلة7
أكتوبر |
الدعوى تنازع رواية نتنياهو
بشأن الاتصالات والإبلاغ والإخلاء |
تحديد الفرق بين معرفة وجود مؤشرات
وبين معرفة موعد هجوم واسع |
| إقالة بار والإفادات | الدعوى تربط التصعيد العلني بخلافات
سابقة بشأن إقالته وإفادته القضائية |
طرح احتمال أن يكون النزاع الشخصي والمؤسسي جزءاً من دوافع التصعيد |
وتؤكد صحيفة الدعوى أن بار لا يسعى، بحسب قوله، إلى التنصل من مسؤولية شاباك، بل إلى منع استخدام تلك المسؤولية لإعفاء المستوى السياسي من المساءلة، كما تطلب إلزام نتنياهو بتقديم تصحيح أو نفي، وتعويض مالي قدره ثلاثة ملايين شيكل، والمصروفات القانونية.
إعادة بناء رواية الدعوى.. من سياسة غزة إلى ليلة7 أكتوبر
هذا هو القسم الأهم في الصحيفة؛ لأن بار لا يكتفي بالرد على اتهامات نتنياهو بشأن الساعات التي سبقت الهجوم، بل يحاول إعادة بناء سلسلة القرارات التي سبقت ذلك اليوم بسنوات، وصولاً إلى العلاقة بين السياسة الإسرائيلية تجاه قطاع غزة، وتقدير قدرات حماس، وآليات التحذير والاستجابة.
المضمون الأول.. سياسة “الهدوء بأي ثمن”
تقدم الصحيفة سياسة نتنياهو تجاه غزة باعتبارها سياسة هدفت إلى المحافظة على هدوء نسبي، وتأجيل المواجهة الواسعة، والإبقاء على حماس بوصفها سلطة حاكمة في القطاع، مع توجيه جانب كبير من الاهتمام الاستراتيجي الإسرائيلي نحو إيران والجبهة الشمالية. وتستشهد الدعوى بتوجيهات سياسية وأمنية من أعوام سابقة، من بينها توجيهات في أبريل2019 م ومايو 2020م، ثم توجيهات في مايو ويوليو 2023م، وتقول إن الهدف كان تجنب التصعيد، والإبقاء على غزة جبهة ثانوية، والحفاظ على حماس باعتبارها جهة حكم يمكن احتواء سلوكها.
وفق هذه الرواية، لم تكن المشكلة أن إسرائيل أخطأت في تقدير مؤشر استخباراتي واحد، بل أنها بنت سياستها على فرضية أن الهدوء النسبي يعني نجاح الردع، بينما كانت حماس تستفيد من الفترة نفسها في تطوير قدراتها العسكرية. وتدعم الدعوى حجتها بالإشارة إلى أن بار حذر من التناقض بين الهدوء الظاهري والتعاظم العسكري للحركة، وأنه اقترح توسيع العمليات الاستباقية ضد قياداتها ومراكز نشاطها.
هذه الحجة مهمة لأنها تنقل التحليل من سؤال “لماذا لم يُكتشف الهجوم؟” إلى سؤال “لماذا سمحت البيئة الاستراتيجية بتراكم القدرة على تنفيذه؟”، لكنها لا تثبت، بمفردها، أن سياسة الاحتواء كانت السبب الوحيد أو المباشر للهجوم، فإثبات المسؤولية السياسية يتطلب فحص تقديرات الاستخبارات والجيش، والبدائل التي كانت متاحة، والمخاطر التي ارتبطت بكل بديل، ومدى إمكانية تنفيذ توصيات الشاباك في ضوء قرارات المؤسسات الأخرى. كما يجب التمييز بين سياسة احتواء حماس، باعتبارها خياراً سياسياً معلناً أو ضمنياً، وبين فرضية أن الحفاظ على سلطتها كان مقصوداً منه دعم الحركة عسكرياً، فالنتائج الأمنية الكارثية قد تدين سلامة التقدير، لكنها لا تثبت وحدها وجود نية متعمدة لإحداث تلك النتائج.
المضمون الثاني.. الأموال القطرية وعلاقة التمويل بتعاظم حماس
تعتبر الصحيفة أن السماح بنقل الأموال القطرية إلى غزة كان أحد المكونات الأساسية لسياسة الاحتواء، وتقول إن الشاباك حذر من احتمال استفادة الجناح العسكري لحماس من هذه الأموال، ومن أن استمرار التحويلات سيعزز موقع الحركة على حساب السلطة الفلسطينية، كما سيزيد نفوذ قطر في الساحة الفلسطينية. وتضيف الدعوى أن معلومات عن استفادة الجناح العسكري من الأموال عُرضت على نتنياهو في مناسبات متعددة، وأن السياسة استمرت رغم التحذيرات.
هنا تتشكل حجة بار على مستويين: الأول أن القيادة السياسية كانت على علم بالمخاطر المرتبطة بسياسة التمويل، والثاني أن استمرار السياسة، رغم تلك المخاطر، أسهم في تعزيز القدرة العسكرية لحماس. والفارق بين المستويين بالغ الأهمية، فالعلم بوجود خطر لا يعني بالضرورة أن صانع القرار توقع النتيجة الدقيقة التي وقعت، كما أن إثبات استفادة حماس من الأموال لا يكفي وحده لتحديد حجم مساهمة تلك الأموال في القدرات التي استُخدمت في الهجوم.
الحقيقة هي أن هذه النقطة تحتاج إلى مقارنة دقيقة بين المبالغ المحولة، وآليات الرقابة عليها، وأوجه استخدامها، والتقديرات الأمنية التي كانت متاحة في حينها، كما ينبغي دراسة ما إذا كانت التحذيرات قد تضمنت معلومات محددة عن التحويل إلى النشاط العسكري، وما البدائل العملية التي اقترحتها الأجهزة. إذا أثبتت المستندات أن تحذيرات محددة وصلت إلى القيادة السياسية ثم لم تُتخذ إجراءات مناسبة، فقد تصبح الحجة ذات وزن كبير في تقييم المسؤولية السياسية، أما إذا كانت التحذيرات عامة أو متباينة، فستظل المسألة أقرب إلى نزاع حول جودة التقدير واختيار السياسات، لا إلى إثبات مباشر لمسؤولية قانونية عن الهجوم.
المضمون الثالث.. التحذيرات المتكررة والتوصيات الهجومية
تستعرض صحيفة الدعوى سلسلة من اللقاءات والتوصيات التي يقول بار إنه قدمها لنتنياهو خلال عام 2023م، ومن أبرزها: في يناير 2023م، مناقشة كيفية الرد على نشاطات تقول الدعوى إنها كانت تُوجَّه من غزة، وفي مارس وأبريل 2023م، التحذير من تزايد الإنذارات المتعلقة بالهجمات، والتوصية بعمليات أكثر حزماً لاستعادة الردع، وفي مايو 2023م، واقتراح توسيع نطاق الاغتيالات والعمليات الاستباقية ضد قيادات حماس، وفي يوليو 2023م، استمرار التوصيات بتحميل حماس كلفة أمنية على عمليات تقول الدعوى إنها وُجهت من القطاع إلى الضفة الغربية.
قبل الهجوم بنحو شهرين، يقول بار إنه أبلغ نتنياهو بأنه يقدم “تحذيراً استراتيجياً من الحرب”، مع التنبيه إلى عدم القدرة على تحديد اليوم والساعة. وتلفت الصحيفة إلى أن نتنياهو كتب ملاحظات على وثيقة تخطيط للشاباك في يوليو 2023م، جاء فيها، أن الجهاز ليس مسؤولاً عن وضع الاستراتيجية الوطنية، وأن بعض التوصيات لا تندرج ضمن توجيهاته. وتستند الدعوى إلى هذه الواقعة لتقول إن رئيس الحكومة لم يكتفِ بعدم اعتماد التوصيات، بل اعترض على تدخل رئيس الشاباك في تحديد الاستراتيجية الأمنية الوطنية.
وتكمن قوة هذه الحجة في أنها تحاول إثبات وجود خلاف استراتيجي سابق للهجوم، وليس مجرد خلاف لاحق نشأ بعد تبادل الاتهامات. ومع ذلك، ينبغي عدم الخلط بين ثلاثة أنواع من التحذير: التحذير من تزايد قدرات حماس، والتحذير من احتمال اندلاع حرب أو تصعيد متعدد الجبهات، والتحذير العملياتي المحدد من هجوم واسع في موعد قريب. النوعان الأول والثاني قد يثبتان أن الخطر العام كان معروفاً، لكنهما لا يثبتان بالضرورة أن الأجهزة كانت تتوقع هجوم7 أكتوبر بصورته وتوقيته. وفي المقابل، فإن عدم القدرة على تحديد اليوم والساعة لا يعفي القيادة السياسية أو الأمنية تلقائياً من مسؤولية الاستعداد لسيناريو كارثي.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: هل كان غياب التحذير الدقيق سبباً كافياً للاعتماد على الإنذار الاستخباراتي وحده، أم كان ينبغي أن تدفع التحذيرات الاستراتيجية إلى إجراءات احترازية أوسع؟
المضمون الرابع.. ماذا حدث في ليلة 7 أكتوبر؟
هذا هو الجانب الأكثر مباشرة في دعوى التشهير؛ إذ تنقل الصحيفة الخلاف من السياسات العامة إلى اتهامات محددة تتعلق بالاتصالات والإبلاغ والإخلاء. وفق المنشور الذي يطعن فيه بار، اتهم نتنياهو رئيس الشاباك السابق بأنه أجرى محادثات عديدة مع رئيس الأركان هرتسي هاليفي ورئيس الاستخبارات العسكرية أهارون حاليفا، ناقشوا خلالها المؤشرات المتوافرة، لكنه لم يبلغ رئيس الحكومة، ولم يحذر القوات الميدانية، ولم يأمر بإخلاء حفل نوفا، واكتفى بإرسال قوة صغيرة من “تيكيلا”.
أما رواية بار في الصحيفة فتقوم على عدة نقاط: إنه ينفي إجراء المحادثات التي نسبها نتنياهو إليه مع رئيس الأركان ورئيس الاستخبارات العسكرية في تلك الليلة، بالصورة الواردة في المنشور، ويقول إن عناصر الشاباك تعاملوا مع المؤشرات بجدية، وتبادلوا المعلومات مع نظرائهم في الجيش، وأصدروا تحذيراً إلكترونياً في الساعة 03:03، ويذكر أن التعليمات تضمنت إبلاغ السكرتير العسكري لرئيس الوزراء، وأن المعلومات وصلت إليه قبل بدء الهجوم، ويقول إن المعلومات التي كانت متوافرة لم تدفع أي جهة، بما فيها الشاباك، إلى تقدير أن حماس تتجه إلى هجوم شامل بالحجم الذي وقع، وينفي أن يكون مسؤولاً عن قرار إخلاء حفل نوفا، ويقول إن الشاباك لم يكن الجهة المسؤولة عن ترخيص مثل هذه الفعاليات أو إدارتها، ويوضح أن إرسال قوة تيكيلا لا يثبت معرفة مسبقة بهجوم واسع؛ لأن القوة كانت تُستدعى مراراً عند الاشتباه بتهديدات أمنية. هذه النقاط هي قلب النزاع القضائي.
المضمون الحاسم.. التحذير الاستراتيجي مقابل الإنذار العملياتي
يمكن تلخيص جوهر الخلاف في السؤال التالي: هل كان المطلوب من بار أن ينقل إلى نتنياهو كل مؤشر أمني شخصياً، أم أن الإبلاغ عبر القنوات الرسمية المعتمدة كان كافياً في ضوء طبيعة المعلومات المتاحة آنذاك؟. تقول الدعوى إن السكرتير العسكري هو قناة الإبلاغ الرسمية، وإنه تلقى المعلومات خلال الليل، كما تستشهد بما تنسبه إلى إفادة السكرتير العسكري السابق، أفي جيل، بشأن تلقي المعلومات وقرار عدم إيقاظ المسؤول المعني في تلك المرحلة.
لكن إثبات وصول المعلومات إلى مكتب رئيس الوزراء لا يساوي إثبات وصولها إلى نتنياهو شخصياً، كما أن عدم إيقاظه لا يثبت وحده أن الإجراء كان سليماً أو خاطئاً، فذلك يتوقف على محتوى الرسائل، وتصنيف خطورتها، والإجراءات المعمول بها، ومدى مطابقة التصرفات للبروتوكولات الأمنية.
وهناك سؤال آخر لا يقل أهمية: إذا كان بار قد نقل تحذيراً استراتيجياً من حرب محتملة قبل الهجوم بشهرين، فهل كان ينبغي أن يترتب عليه رفع مستوى التأهب أو تغيير قواعد الاستعداد؟ أم أن التحذير كان عاماً إلى درجة لا تبرر اتخاذ إجراءات استثنائية؟. الإجابة تتطلب مراجعة الوثائق الأصلية، والتسلسل الزمني للاتصالات، والتقديرات التي كانت متاحة لكل مؤسسة، لا الاكتفاء بتفسير لاحق للأحداث بعد معرفة نتائجها.
المضمون الخامس.. قوة “تيكيلا” تصبح جزءاً من الصراع
تحاول رواية نتنياهو، كما تعرضها الدعوى، تحويل إرسال القوة إلى قرينة على أن بار كان يعلم بوجود خطر حقيقي، لكنه لم يتخذ الإجراءات اللازمة لمنع الهجوم. ويرد بار بأن استدعاء القوة كان إجراءً أمنياً معتاداً في حالات الاشتباه، وأن القرار الأولي باستدعائها لم يصدر عنه شخصياً، بينما قرر هو لاحقاً دفعها نحو منطقة الحدود الشمالية للقطاع.
والإشكال المنطقي هنا أن وجود استجابة أمنية لا يثبت وحده معرفة مسبقة بهجوم شامل، فقد تُرسل قوة استجابةً إلى مؤشر غامض أو احتمال تسلل محدود، من دون أن يعني ذلك أن الجهاز قد توصل إلى تقدير صحيح بشأن حجم الهجوم أو توقيته. لكن هذا لا يحسم المسألة لصالح بار أيضاً؛ إذ يتعين على التحقيق أن يحدد طبيعة المعلومات التي سبقت إرسال القوة، والجهة التي اتخذت القرار، وما إذا كانت الإجراءات اللاحقة متناسبة مع مستوى الخطر الذي كان معلوماً.
ماذا فعل نتنياهو بحق صاحب الدعوى وفق رواية الصحيفة؟
هذا الجانب يتجاوز اتهامات ليلة الهجوم، ويتعلق بتاريخ العلاقة بين الطرفين، وبما تقول الدعوى إنه وقع من إقالة وضغوط وتشويه علني للصورة المهنية لبار. الوقائع التالية تُعرض كما وردت في الصحيفة، وأن توصيفها باعتبارها انتقاماً سياسياً أو محاولة للتأثير في الشهادة يظل استنتاجاً يتوصل إليه بار.
أ-المواجهة بشأن إقالة بار
تقول الصحيفة إن الخلاف بين الطرفين تصاعد في سياق محاولة إنهاء ولاية بار، ثم تقديمه إفادة في أبريل 2025 ضمن الإجراءات القضائية المرتبطة بالطعن في إقالته. وبحسب الدعوى، تناولت الإفادة مسائل حساسة، منها مخاطر أمنية مرتبطة بأشخاص في الدائرة القريبة من نتنياهو، قيل إنهم يقدمون خدمات لقطر أو يعملون في حملات تأثير مرتبطة بها، فضلاً عن اعتراضات بار على محاولات استخدام أدوات الشاباك في التعامل مع الاحتجاجات السياسية. وتربط الصحيفة بين هذه الإفادة وبين تصاعد الهجمات العلنية على بار، وتطرح فرضية أن تركيز نتنياهو عليه شخصياً لم يكن منفصلاً عن النزاع السابق بينهما.
وإذا كان التصعيد العلني قد اشتد بالفعل عقب تقديم إفادة تضمنت معلومات محرجة للحكومة، فقد يعزز ذلك فرضية وجود دافع شخصي أو سياسي، لكنه لا يكفي لإثبات أن كل الاتهامات اللاحقة كانت كاذبة أو أن توقيت المنشورات كان انتقامياً بالضرورة.
ب-اتهام بار بأنه يحاول التهرب من المسؤولية
وفق الصحيفة، اتهم نتنياهو بار في منشورات علنية بأنه يحاول إخفاء الإخفاق الاستخباراتي الأكبر في تاريخ إسرائيل، وأنه لم يحذر رئيس الحكومة ولم يأمر بإجراءات كان يمكن أن تمنع وقوع الهجوم. ويرى بار أن هذه الاتهامات تجاوزت نقد الأداء المهني إلى تصويره شخصياً باعتباره عالماً بالخطر ومتعمداً عدم التدخل لإنقاذ الأرواح. وتكمن خطورة هذا النوع من الخطاب في أنه لا يقتصر على تقييم قرار مهني خاطئ، بل قد يوحي بوجود تعمد أو سلوك إجرامي، وهذا فرق جوهري في النزاع القانوني؛ لأن نقد أداء رئيس جهاز أمني سابق في قضية ذات أهمية عامة يختلف عن الجزم بأنه عرف بالهجوم واختار عدم التحرك.
جـ-تكرار الاتهامات وتوسيع نطاقها
تقول الدعوى إن منشور28 سبتمبر2026 م لم يكن حادثة منفصلة، بل حلقة في سلسلة من المنشورات والتصريحات التي نسبت إلى بار مسؤولية مباشرة عن عدم إبلاغ رئيس الحكومة أو إخلاء حفل نوفا. وتشير الصحيفة كذلك إلى منشور سابق لنتنياهو بتاريخ27 أبريل 2025م، أعقب تقديم الإفادة القضائية، وإلى منشورات لاحقة لمقربين منه، وتعتبر أن التكرار منح الاتهامات انتشاراً أوسع، وأضر بسمعة بار، وأسهم في خلق مناخ من التحريض والعداء ضده وضد أسرته.
وهنا يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات من الضرر: ضرر مهني تمثل في التشكيك في كفاءة رئيس سابق لجهاز أمني، وضرر اجتماعي تمثل في تحويله إلى محور اتهامات واسعة بشأن أحداث كارثية، وضرر سياسي تمثل في استخدام صورته باعتباره مسؤولاً عن الإخفاق لتخفيف الضغط عن القيادة السياسية. لكن تقدير الضرر القانوني، ومدى ارتباطه بكل منشور على حدة، يظلان من اختصاص المحكمة.
د-النزاع حول استخدام الشاباك في القضايا الداخلية
تطرح الصحيفة أيضاً اتهاماً أكثر حساسية، مفاده أن نتنياهو حاول دفع الشاباك إلى استخدام أدواته في التعامل مع احتجاجات سياسية، وهو ما تقول إن بار عارضه، وتكتسب هذه المسألة أهمية مؤسسية لأنها تتعلق بحدود صلاحيات الأجهزة الأمنية في النظام الديمقراطي، وبالفصل بين حماية الدولة من التهديدات الأمنية وبين التعامل مع المعارضة والاحتجاج السياسي. ومع ذلك، لا يجوز الانتقال من ورود هذه الاتهامات في الصحيفة إلى استنتاج أن إساءة استخدام الجهاز ثبتت قانونياً، فهذه مسألة مستقلة تستلزم مراجعة الوقائع والإجراءات والأوامر ذات الصلة.
نقد صحيفة الدعوى.. أين تكمن قوتها، وأين توجد ثغراتها؟
على الرغم من تفصيل الوثيقة وكثرة مرفقاتها، فإنها ليست محايدة في صياغتها؛ فهي صحيفة أعدها طرف يسعى إلى إثبات دعواه، ولذلك يجب اختبار منطقها وأدلتها، لا الاكتفاء بتبني روايتها.
نقاط القوة المحتملة: تحدد منشورات بعينها وتورد نصوصاً وادعاءات يمكن فحص صحتها، وتعرض تسلسلاً زمنياً للتحذيرات والتوصيات السابقة للهجوم، بدلاً من الاقتصار على ليلة7 أكتوبر، وتستند إلى مستندات تقول إنها تتضمن توجيهات مكتوبة ومحاضر واتصالات وإفادات، وتقر بمسؤولية الشاباك عن جزء من الإخفاق، ما يمنح الرواية قدراً من الاعتراف بالتقصير المؤسسي، وتفصل بين مسؤولية الجهاز عن التحليل والإنذار، ومسؤولية المستوى السياسي عن توجيه السياسة الأمنية.
نقاط الضعف والأسئلة المفتوحة: كثرة المستندات لا تعني بالضرورة أنها تثبت جميع الاستنتاجات التي يبنيها المدعي عليها، ووجود تحذيرات عامة لا يثبت أن نتنياهو تلقى إنذاراً محدداً بشأن موعد الهجوم وحجمه، وإثبات وصول المعلومات إلى السكرتير العسكري لا يحسم وحده مسؤولية كل طرف عن عدم اتخاذ إجراء إضافي، وإثبات أن سياسة الاحتواء كانت خاطئة لا يثبت وحده أنها كانت السبب المباشر للهجوم أو أن صاحبها توقع النتيجة، والتزامن بين الإفادة القضائية وتصاعد الهجمات العلنية لا يثبت وحده وجود انتقام متعمد، والدعوى قد تقلل، في عرضها، من مسؤولية المؤسسات الأمنية الأخرى ومن ضرورة تقييم أداء الشاباك نفسه بصورة مستقلة.
أ-هل يعترف بار بمسؤوليته فعلاً؟
تبدأ الصحيفة بالإقرار بأن الشاباك أخفق في تقديم التحذير المطلوب بشأن نطاق الهجوم وتوقيته، وأن بار يتحمل المسؤولية عن إخفاقات الجهاز. وهذا عنصر مهم؛ لأنه يضعف احتمال تصوير الدعوى على أنها مجرد محاولة لإنكار كل تقصير، لكنه لا يحسم ما إذا كان بار قد اتخذ القرارات الصحيحة في تلك الليلة، أو ما إذا كان من الممكن اتخاذ تدابير إضافية كان من شأنها الحد من الخسائر، فالمسؤولية المهنية لا تُقاس فقط بمدى صدق الاعتراف، وإنما أيضاً بمدى مطابقة القرارات للمعلومات المتاحة في حينها، وللصلاحيات والإجراءات المعمول بها.
ب-هل يكفي إثبات خطأ نتنياهو في بعض التفاصيل؟
ليس بالضرورة يجب تحديد كل ادعاء منشور على حدة، وتقييم ما إذا كان صحيحاً أو خاطئاً، وما إذا كان يتضمن اتهاماً بواقعة محددة أو مجرد رأي نقدي، فإذا ثبت مثلاً أن بار لم يجرِ المحادثات التي نسبها إليه نتنياهو، فقد يؤثر ذلك في مصداقية المنشور، لكنه لا يثبت تلقائياً أن كل انتقاد لأداء بار كان كاذباً.
وبالمثل، إذا ثبت أن معلومات أُرسلت إلى السكرتير العسكري، فلا يعني ذلك بالضرورة أن رئيس الوزراء تلقى التحذير شخصياً أو أن جميع الإجراءات اللاحقة كانت سليمة. إن التحليل القانوني السليم يجب أن يتجنب الانتقال من خطأ جزئي إلى حكم شامل على جميع عناصر القضية.
جـ-هل يمكن أن يتحول نزاع التشهير إلى محاكمة سياسية؟
نعم، من الناحية العملية، حتى لو ظلت الدعوى مدنية في شكلها القانوني، فقد تتحول الجلسات، والوثائق المتبادلة، والشهادات، إلى مادة للنقاش العام حول مسؤولية القيادة السياسية. لكن المحكمة ليست لجنة تحقيق شاملة في7 أكتوبر، ولا ينبغي افتراض أنها ستفصل بالضرورة في المسؤولية الاستراتيجية الكاملة عن الهجوم. وهذا أحد حدود الدعوى: قد تنجح في معالجة منشورات محددة من دون أن تقدم حكماً نهائياً في جميع الأسئلة المتعلقة بالسياسة الأمنية، أو قد تكشف وثائق جديدة تفتح نقاشاً أوسع من نطاق التشهير.
ما موقف نتنياهو؟ وكيف يمكن فهم منطقه السياسي؟
لا ينبغي استنتاج موقف نتنياهو من رواية بار وحدها، فالموقف الذي يظهر في المنشور محل الدعوى، كما نقلته الصحيفة، يقوم على أن رئيس الشاباك السابق امتلك مؤشرات خطيرة ليلة الهجوم لكنه لم يبلغ رئيس الحكومة أو يتخذ إجراءات كافية لمنع الكارثة. وتقوم هذه الرواية على أربع حجج رئيسية: أن رئيس الشاباك كان في موقع يتيح له الاطلاع على المؤشرات الأمنية، وأن المحادثات التي أجراها مع قادة أمنيين تعني أنه كان مدركاً لخطورة الوضع، وأن عدم الاتصال المباشر برئيس الوزراء يمثل تقصيراً، وأن إرسال قوة تيكيلا دليل على إدراك وجود خطر حقيقي. أما بار فيرد بأن هذه الحجج تخلط بين المؤشرات الأمنية وبين معرفة مسبقة بهجوم شامل، وتتجاهل قنوات الإبلاغ الرسمية، وتغفل دور المستوى السياسي في رسم سياسة غزة.
القراءة النقدية لموقف نتنياهو
يمكن فهم موقف رئيس الوزراء باعتباره محاولة لإبراز المسؤولية المهنية للأجهزة الأمنية، وهي مسؤولية لا يمكن إسقاطها لمجرد وجود مسؤولية سياسية أعلى. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول مساءلة الأجهزة إلى رواية حصرية تُحمّل شخصاً واحداً المسؤولية، مع استبعاد القرارات السياسية التي سبقت الهجوم. ومن جهة أخرى، لا يجوز اعتبار كل انتقاد يوجهه نتنياهو إلى بار دليلاً تلقائياً على التهرب من المسؤولية. فقد يكون بعض النقد مشروعاً إذا استند إلى وقائع مثبتة، حتى لو كان التوقيت السياسي يثير الشكوك بشأن دوافعه. ولهذا فإن معيار التقييم ليس هوية المتحدث أو موقعه السياسي، وإنما دقة الوقائع، واكتمال السياق، والتناسب بين الأدلة والاستنتاجات.
كيف يمكن أن تخدم الدعوى حظوظ نتنياهو الانتخابية؟
تعبير “خدمة حظوظ نتنياهو” لا يعني بالضرورة أن الدعوى صُممت لمصلحته، فقد يستفيد الخصم سياسياً من قضية رفعها طرف آخر، كما قد تتحول القضية نفسها إلى عبء انتخابي عليه. وبما أن الانتخابات مقررة في27 أكتوبر 2026م، فإن تحليل التأثير الانتخابي يجب أن يركز على الآليات التي يمكن أن تؤثر في صورة نتنياهو لدى شرائح الناخبين المختلفة، لا على افتراض نتيجة انتخابية مسبقة.
أ-تحويل النقاش من المسؤولية السياسية إلى المسؤولية المهنية
أبرز مكسب محتمل لنتنياهو هو إعادة توجيه النقاش من القرارات التي اتخذتها حكوماته تجاه غزة إلى سؤال أكثر تحديداً: ماذا فعل رئيس الشاباك ليلة الهجوم؟. هذا التحول يمنحه إطاراً دفاعياً واضحاً: إذا كان المسؤول الأمني الأعلى قد أخفق في قراءة المؤشرات أو في الإبلاغ، فإن المسؤولية لا تقع حصراً على رئيس الحكومة. لكن هذا الإطار لا يعفي نتنياهو من مسؤولية قراراته السياسية السابقة، بل يضع مسؤولية الجهاز في مواجهة مسؤوليته هو، وقد يؤدي إلى توزيع المسؤولية بدلاً من حصرها في طرف واحد.
ب-استثمار فكرة أن المؤسسة الأمنية أخفقت
يمكن لنتنياهو أن يستخدم وجود دعوى علنية بينه وبين رئيس الشاباك السابق ليقول إن الإخفاق لم يكن سياسياً فقط، وإن بعض المسؤولين الأمنيين يحاولون الدفاع عن أنفسهم عبر تحميله المسؤولية، وهذه رسالة قد تجد صدى لدى ناخبين يعتقدون أن الأجهزة الأمنية تتحمل نصيباً كبيراً من الإخفاق، أو لدى من يفضلون تفسيراً متعدد الأسباب بدلاً من تحميل القيادة السياسية المسؤولية الأساسية. لكن هذا المكسب يظل محدوداً إذا تضمنت القضية مستندات تثبت أن تحذيرات جوهرية وصلت إلى الحكومة ولم تُتخذ بشأنها إجراءات مناسبة.
جـ-تقديم نفسه هدفاً لحملة من خصومه
تقول صحيفة الدعوى إن نتنياهو وصف الانتقادات الموجهة إليه بأنها حملة سياسية وإعلامية، ويمكنه توظيف وجود دعوى قضائية ضده لتأكيد رواية مفادها أنه يواجه تحالفاً من خصوم سياسيين وإعلاميين ومسؤولين سابقين يسعون إلى تقويضه. هذا النوع من الخطاب قد يعزز تماسك قاعدة انتخابية ترى في الاتهامات الموجهة إلى زعيمها جزءاً من صراع سياسي أوسع.
لكن الأثر المقابل محتمل أيضاً: فالدعوى قد تجعل الاتهامات أكثر حضوراً في المجال العام، وتدفع وسائل الإعلام والناخبين إلى إعادة النظر في الوثائق التي يستند إليها بار.
د-استغلال الخلاف بين المسؤولين السابقين لتشتيت المعارضة
إذا انقسمت المعارضة حول كيفية تقييم بار، أو حول مدى مسؤولية الشاباك والجيش والحكومة، فقد يستفيد نتنياهو من هذا الانقسام، لكن ذلك ليس نتيجة تلقائية؛ فقد تتفق القوى المعارضة على أن المسؤوليات متعددة، وأن وجود تقصير أمني لا يلغي مسؤولية القيادة السياسية عن السياسة العامة. وبالتالي، فإن مكسب نتنياهو يتوقف على ما إذا كان النزاع سيؤدي إلى تفكيك رواية معارضة موحدة، أم سيعزز المطالبة بتحقيق شامل يطال جميع مستويات القرار.
هـ-استخدام الدعوى لتثبيت رواية “المساءلة للجميع”
قد يقول نتنياهو إن الدعوى نفسها تؤكد أن هناك خلافاً حقيقياً حول أداء الأجهزة، وأنه لا ينبغي استثناء أي مسؤول أمني سابق من المساءلة. وهذه حجة يمكن أن تبدو مقنعة إذا اقترنت بقبول واضح للتحقيق في القرارات السياسية أيضاً. أما إذا طالب بمحاسبة المسؤولين الأمنيين ورفض في الوقت نفسه تحقيقاً مستقلاً يشمل قراراته، فقد تُفسر هذه الانتقائية باعتبارها محاولة لتحديد نطاق المساءلة مسبقاً.
و-تحويل الاتهامات إلى اختبار للولاء السياسي
قد يستفيد نتنياهو من جعل الخلاف جزءاً من الاستقطاب السياسي، بحيث يصبح تقييم رواية بار مرتبطاً بموقف الناخب من الحكومة والمعارضة. غير أن هذه الاستراتيجية تنطوي على خطر: فكلما تحول النقاش إلى ولاء حزبي، زادت أهمية الوثائق والشهادات التي يمكن أن تتحدى الرواية التي يتبناها أي طرف. والناخبون لا يستجيبون جميعاً بالطريقة نفسها؛ فهناك من يفضل خطاب الحزم الأمني، وهناك من يضع المسؤولية والمحاسبة في مقدمة أولوياته، وهناك من يتعامل مع القضية باعتبارها نزاعاً بين مؤسسات فقدت ثقة الجمهور.
ز-ما الذي قد يجعل الدعوى تنقلب ضد نتنياهو؟
هناك أربعة مسارات رئيسية قد تجعل القضية مضرة بحظوظه: ظهور وثائق تثبت وصول تحذيرات محددة إلى مكتبه أو إلى الجهات المخولة بإبلاغه، من دون استجابة مناسبة، وثبوت أن بعض الاتهامات الموجهة إلى بار غير دقيقة أو مضللة، وتوسع النقاش ليشمل قرارات سياسة غزة والتمويل القطري والتوصيات الهجومية التي تقول الدعوى إنها لم تُعتمد، وانطباع عام بأن نتنياهو يستخدم اتهامات شخصية لتجنب تحقيق مستقل في المسؤولية السياسية. والأثر الانتخابي لا يعتمد فقط على صحة هذه الوقائع، بل أيضاً على توقيت ظهورها، وطريقة عرضها، ومدى مصداقية المصادر التي تقدمها، واستعداد الناخبين لإعادة تقييم مواقفهم.
مصفوفة السيناريوهات الانتخابية
هذه السيناريوهات تحليلية وليست توقعات رقمية أو نتائج مؤكدة:
السيناريو الأول.. نجاح نتنياهو في حصر المسؤولية: مكسبه محتمل، آليته يتركز الاهتمام الإعلامي على أداء الشاباك في ليلة الهجوم، ولا تظهر وثائق جديدة تغير الصورة العامة، ويظل الخلاف محصوراً في مسألة الإبلاغ والإنذار نتيجته المحتملة يستطيع نتنياهو القول إن الإخفاق كان مؤسسياً ومتعدد الأطراف، وأن خصومه يركزون على شخصه بدلاً من مساءلة الأجهزة الأمنية.
السيناريو الثاني: انكشاف فجوات في رواية نتنياهو: مخاطرة مرتفعة، آليته تظهر مستندات موثقة تدعم وجود تحذيرات استراتيجية سابقة، أو تناقضات جوهرية في الاتهامات المنشورة بحق بار. نتيجته المحتملة يعود النقاش إلى مسؤولية الحكومة عن تجاهل المخاطر أو عدم ترجمة التحذيرات إلى سياسات واستعدادات مناسبة.
السيناريو الثالث.. توزيع المسؤولية بين الأطراف: الأكثر تعقيداً، آليته تظهر إخفاقات في التحليل الاستخباراتي والاستجابة العملياتية، بالتزامن مع أدلة على قصور في السياسة الأمنية أو في إدارة التحذيرات. نتيجته المحتملة لا يخرج أي طرف منتصراً بالكامل؛ وتتحول القضية إلى دليل على أن إخفاق 7 أكتوبر كان نتيجة تفاعل عوامل مؤسسية وسياسية متعددة.
السيناريو الرابع.. هيمنة الاستقطاب على الأدلة: نتيجة مزدوجة، آليته تستخدم الأطراف القضية لتأكيد مواقفها السابقة، بينما تتراجع أهمية التفاصيل الوثائقية لصالح الرسائل الحزبية. نتيجته المحتملة قد يستفيد نتنياهو من تماسك قاعدته، لكن القضية قد تزيد أيضاً من تآكل الثقة العامة بالمؤسسات السياسية والأمنية.
لماذا لا تكفي الدعوى بديلاً عن لجنة تحقيق رسمية؟
تكرر الصحيفة المطالبة بلجنة تحقيق رسمية مستقلة، وتعتبر أن غيابها يتيح لكل طرف نشر روايته الخاصة وانتقاء الوثائق التي تدعم موقفه، وهذه نقطة جوهرية؛ لأن الدعوى المدنية تتناول موضوعاً محدداً هو التشهير، بينما تتطلب المسؤولية الشاملة عن7 أكتوبر فحصاً أوسع بكثير.
ينبغي لأي تحقيق جاد أن يحدد ما المعلومات التي كانت متاحة لكل جهاز أمني في الأيام والأسابيع السابقة للهجوم؟ وما الذي وصل إلى المستوى السياسي، ومتى، وبأي صيغة؟ وما التقديرات التي وضعتها الاستخبارات بشأن نوايا حماس وقدراتها؟ وكيف أثرت سياسة الاحتواء والتمويل والتنسيق الأمني في تراكم المخاطر؟ وما القرارات التي اتخذها نتنياهو والحكومة، وما البدائل التي كانت متاحة؟ وهل اتُّبعت الإجراءات الصحيحة في ليلة الهجوم، وما نقاط الفشل في منظومة الإنذار والاستجابة؟ وما المسؤولية التي تقع على كل جهة، وما التغييرات المطلوبة لمنع تكرار الإخفاق؟.
ومن دون هذا النوع من الدراسة الشاملة، يمكن أن تتحول الدعوى إلى ساحة تتنافس فيها الروايات من دون أن يحصل الجمهور على إجابة متكاملة. ولا ينبغي افتراض أن الدعوى ستؤدي تلقائياً إلى الكشف الكامل عن المعلومات السرية؛ فقد تكون هناك قيود قانونية وأمنية على الاطلاع على بعض الوثائق أو نشرها.
التقييم القانوني وحدود ما يمكن استنتاجه
تقوم الدعوى، كما تعرضها الصحيفة، على أن منشورات نتنياهو تضمنت وقائع محددة خاطئة، وأنها تجاوزت النقد المشروع إلى اتهامات شخصية خطيرة. لكن تقييم فرص نجاحها يتوقف على عناصر متعددة: الصياغة الدقيقة لكل منشور محل النزاع، وصحة الوقائع التي استند إليها المنشور، وطبيعة الاتهام وما إذا كان يقدم واقعة قابلة للإثبات أو رأياً سياسياً، والأدلة التي تثبت الضرر والارتباط بينه وبين النشر، والدفوع القانونية التي قد يقدمها نتنياهو، ومنها ما قد يتعلق بالحقيقة أو المصلحة العامة أو غيرها من أوجه الدفاع التي يسمح بها القانون، أي مسائل تتعلق بالحصانة أو الاختصاص أو الإجراءات.
ومن المهم عدم افتراض أن منصب رئيس الوزراء يمنحه حصانة مطلقة من كل دعوى مدنية، أو أن رفع الدعوى يعني أن المحكمة ستقبلها أو تحكم بالتعويض المطلوب، فهذه مسائل تحتاج إلى تقييم قانوني متخصص في ضوء القواعد الإسرائيلية ذات الصلة والوقائع المحددة، كما أن مبلغ ثلاثة ملايين شيكل هو مبلغ يطلبه المدعي، وليس تعويضاً قضت به المحكمة.
الخاتمة
يمكن تلخيص المعركة التي تكشفها صحيفة الدعوى في ثلاثة مستويات:
المستوى الأول.. من يتحمل المسؤولية عن الإخفاق؟: يحاول بار توسيع نطاق النقاش من مسؤولية الشاباك عن الإنذار والتحليل إلى مسؤولية المستوى السياسي عن السياسة الأمنية التي سبقت الهجوم، بينما يسعى نتنياهو، وفق ما يظهر في المنشور محل الدعوى، إلى التركيز على قرارات رئيس الشاباك السابق في الساعات التي سبقت الهجوم.
المستوى الثاني.. من يملك سلطة تعريف الحقيقة؟: تتحول الوثائق والاتصالات والتحذيرات إلى أدوات في الصراع على الرواية العامة، وهنا لا تكمن المشكلة في اختلاف التفسيرات وحده، بل في احتمال استخدام معلومات جزئية أو منتقاة لبناء استنتاجات أوسع مما تسمح به الأدلة.
المستوى الثالث.. من يستطيع تحويل الأزمة إلى مكسب انتخابي؟: يمكن لنتنياهو الاستفادة من الدعوى إذا نجح في تصويرها باعتبارها جزءاً من حملة تستهدفه، أو إذا تحول النقاش إلى مساءلة الأجهزة الأمنية وحدها، لكنه قد يتضرر إذا كشفت الإجراءات تناقضات في روايته، أو أعادت إلى الواجهة التحذيرات السابقة والقرارات السياسية التي تتناولها الصحيفة.
والحكم الأهم هنا هو أن الدعوى لا تثبت بمفردها براءة بار ولا مسؤولية نتنياهو القانونية عن إخفاق7 أكتوبر، لكنها تضع أمام الجمهور أسئلة موثقة ومحددة بشأن العلاقة بين التحذير الأمني، والقرار السياسي، والمساءلة العامة.
أما انتخابياً، فالمعادلة ليست بسيطة: قد يربح نتنياهو من تشتيت المسؤولية، لكنه قد يخسر إذا تحولت الدعوى إلى مدخل لإعادة فتح ملف التحذيرات والسياسات السابقة للهجوم، وقد يستفيد بار من تثبيت حقه في الرد على اتهامات شخصية، لكنه لن يحقق بالضرورة حسم مسؤوليته المهنية عن أداء الجهاز. والنتيجة الأكثر أهمية على المدى الطويل لا تتعلق بمن يكسب جولة إعلامية قبل الانتخابات، بل بما إذا كانت إسرائيل ستتمكن من الانتقال من تبادل الاتهامات إلى تحقيق مستقل يحدد مسؤولية كل مؤسسة وكل صاحب قرار على أساس الأدلة، لا على أساس الاعتبارات الانتخابية.
قد تكون الدعوى سلاحاً انتخابياً ذا حدين؛ فهي تمنح نتنياهو فرصة لتوجيه الأنظار إلى إخفاقات الأجهزة الأمنية، لكنها تتيح أيضاً لبار إعادة طرح الأسئلة التي يريد رئيس الحكومة، بحسب رواية صحيفة الدعوى، حصرها في ليلة الهجوم، والفيصل بين الروايتين ليس التوقيت وحده، ولا شدة الخطاب، بل الوثائق الأصلية، وتسلسل الاتصالات، وما يمكن إثباته بشأن القرارات التي اتُخذت أو لم تُتخذ قبل 7 أكتوبر.

