د. خلود عبد الحفيظ
باحث أول في وحدة الدراسات الإيرانية
نشأ حزب “كارگزاران سازندگی” أي “كوادر البناء” في العام 1996م، من رحم حكومة هاشمي رفسنجاني، ومنذ تأسيسه حمل إرثًا تكنوقراطيًا يركز على التنمية والإدارة والاقتصاد، ويرتكز خطابه الحالي عبر صحيفة “سازندگی” أي “البناء” حول أسئلة مثل كيف يمكن لإيران أن تستعيد قدرتها على اتخاذ القرار؟ وكيف يمكن تخفيف تكلفة المواجهة الخارجية؟ وكيف يمكن إعادة بناء الاقتصاد والثقة الاجتماعية؟
ومن هنا يبدو أن “كوادر البناء” يحاول الانتقال من فكرة الإصلاح السياسي إلى فكرة إعادة بناء الدولة من داخل النظام، ويفسر هذا التحول في الوقت نفسه اتساع الفجوة بينه وبين القوى المحافظة التي ترى في كثير من مقترحاته ضعفًا للموقف الإيراني، بل وصل الهجوم عليه إلى اتهامه بأنه يتحرك بما يخدم مصالح الولايات المتحدة وترامب.
كوادر البناء حزب خرج من الدولة ويحاول إصلاحها من داخلها
تأسس حزب كوادر البناء على يد مجموعة من الوزراء والمسؤولين المرتبطين بحكومة هاشمي رفسنجاني، ولذلك يختلف تكوينه التاريخي عن كثير من الأحزاب الإصلاحية الإيرانية، فهو لم ينشأ في مواجهة الدولة وإنما خرج من داخلها وكان مشروعه الأول مرتبطًا بإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، ولذلك يرى أن تغيير السياسات ممكن من داخل مؤسسات الجمهورية الإسلامية وليس من خلال الصدام معها، ومع مرور الوقت أصبح الحزب جزءًا من المعسكر الإصلاحي.
ويقود الحزب اليوم “حسين مرعشي” بصفته أمينه العام، بينما يرأس “محسن هاشمي رفسنجاني” المجلس المركزي له، ويضم الحزب شخصيات مثل “محمد عطريان فر” أحد أبرز منظري الحزب وأصواته الفكرية، و”محمد قوتشاني” الذي ارتبط بالعمل السياسي والإعلامي للحزب، أما “غلام حسين كرباسجي”، الأمين العام التاريخي للحزب، فقد بقي أحد رموزه المؤسسة، رغم انتقال منصب الأمانة العامة إلى مرعشي منذ 2021.
ولذلك فإن الحديث عن كوادر البناء باعتباره حزب مرعشي فقط خطأ كبير؛ فمرعشي يمثل مركز القيادة السياسية ومحسن هاشمي يمثل امتداد إرث رفسنجاني، وعطريان فر يمثل جانبًا مهمًا من التفكير السياسي للحزب، فيما تمثل صحيفة “سازندگی” أي ذراعه الإعلامية.
لكن الأهم من أسماء القيادات هو التحول في وظيفة الحزب، فالحزب لم يعد يتحدث عن كيفية الوصول إلى السلطة بل عن كيفية إدارة الدولة بعد الوصول للسلطة، وهذه نقطة مركزية في فهم خطابه الحالي فالحزب يرى أن الأزمة الإيرانية لا تختصر في الخلاف بين الإصلاحيين والمحافظين، وإنما في نقاط أساسية تكمن في ضعف القدرة على اتخاذ القرار، وفي الاقتصاد، والعلاقات الخارجية، وتراجع الثقة الاجتماعية.
ولهذا فإن إصلاح الدولة في خطابه أصبح سابقًا أو على الأقل شرطًا للإصلاح السياسي، ويعتبر هذا محاولة لإحياء مدرسة “البناء” ولكن في ظروف مختلفة فبدلا من إعادة إعمار إيران بعد الحرب مع العراق، يطرح الحزب اليوم إعادة بناء قدراتها لعد سنوات من العقوبات والأزمات والصراعات الخارجية.
حزب كوادر البناء من قوة السلاح إلى قوة الدولة
في مقال حسين مرعشي نشر في الصحيفة بتاريخ 22 أغسطس 2026م تحت عنوان “من اتفاق مشرق إلى أفق مظلم” لا يعتبر مرعشي المشكلة الأساسية في الصراع بين تيارين سياسيين، وإنما استخدم عبارة “عدم الحسم في اتخاذ القرار” أكثر من مرة وهي عبارة مهمة لأنها تكشف جوهر رؤية الحزب فالمشكلة من وجهة نظره ليست فقط في نوع القرار الذي تتخذه الدولة وإنما في عجزها عن اتخاذ قرار واضح في الوقت المناسب.
ويربط مرعشي هذا التردد مباشرة بمستقبل مضيق هرمز وبالعلاقات والاتفاقات الخارجية، معتبرًا أن الفرص التي يمكن أن تتحول إلى مكاسب سياسية واقتصادية تضيع عندما تبقى الدولة معلقة بين خيارات متعارضة.
وهنا تظهر فلسفة الحزب بوضوح فالقوة العسكرية لا تكفي إذا لم تتحول إلى قدرة سياسية واقتصادية، فماذا ستفعل إيران بقوتها العسكرية إذا لم تستطع تحويلها إلى استقرار وعلاقات طبيعية مع الجوار؟ هذه الفكرة تظهر كذلك في تصریح مرعشي “الناس يريدون أن يعيشوا” حيث يركز على أن المجتمع الإيراني لا يريد أن تبقى حياته معلقة على الحرب والأزمات، وأن القوة التي اكتسبتها الدولة الإيرانية ينبغي أن تتحول في النهاية إلى سلام واستقرار وتحسين في مستوى الحياة.
وتتضح الفكرة بصورة أكثر مباشرة في مقال مرعشي الذي نشر في صحيفة الحزب يوم 5 سبتمبر تحت عنوان “التجربة الصينية والمصالح الوطنية” حيث يرى أن إيران إذا أرادت فعلًا اتباع سياسة النظر إلى الشرق فعليها أن تتعلم من الصين لا من روسيا، فالصين وفق تحليله تستطيع منافسة الولايات المتحدة دون أن تحول المنافسة إلى حرب دائمة، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقات مع أوروبا والولايات المتحدة واليابان والشرق الأوسط وإيران والسعودية.
الرسالة هنا ليست أن تتحول إيران إلى حليف للغرب بل أن تتوقف عن بناء سياستها الخارجية على منطق الاصطفاف الواحد، وبالنسبة للحزب فإن الانفتاح على الصين لا ينبغي أن يعني الارتهان لها، كما أن العلاقة مع روسيا لا ينبغي أن تمنع إقامة علاقات مع أوروبا أو الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي الداخل يظهر الاتجاه نفسه في مقال محمد عطريان فر “الانسجام الاجتماعي، قاعدة للحكم”، فالكاتب يعتبر الانسجام الاجتماعي معيارًا يجب أن يدخل في عملية صنع القرار نفسها، أي سياسة وفق هذا التصور ينبغي أن تسأل عن تأثيرها في الثقة العامة والمشاركة والشعور بالانتماء، وهذا يعني أن كارگزاران يحاول بناء مفهوم متكامل للحكم واقتصاد أكثر استقرارًا، وسياسة خارجية متوازنة، وبيئة اجتماعية أقل توترًا.
موقف المحافظين من حزب كوادر البناء
إن المشكلة بالنسبة لخصوم كوادر البناء ليست فقط أن الحزب إصلاحي، وإنما أن براجماتيته قد تقوده إلى نتائج تتعارض مع تصور المحافظين للأمن القومي، فحين يقول الحزب إن استمرار التوتر يستنزف الاقتصاد وإن إيران تحتاج إلى تسويات واتفاقات وإن العلاقات مع الصين وروسيا وأوروبا والولايات المتحدة ينبغي أن تقوم على المصلحة الوطنية، يقرأ خصومه هذه المواقف باعتبارها ضغطًا من أجل التراجع عن أدوات القوة التي يعتبرونها ضرورية في مواجهة الولايات المتحدة وهكذا يتحول الخلاف من نقاش حول السياسات إلى خلاف على تعريف المصلحة الوطنية نفسها.
ولعل أوضح مثال على ذلك جاء بعد تصريحات حسين مرعشي بشأن الصين وزيارة محمد باقر قاليباف، فقد نقلت وسائل إعلام فارسية عن مرعشي قوله: “إن الجانب الصيني أبلغ الإيرانيين بضرورة فتح مضيق هرمز وعدم فرض رسوم عليه وتسوية الخلافات مع السعودية والولايات المتحدة قبل زيارة قاليباف إلى الصين، لكن مكتب الممثل الخاص الإيراني للشؤون الصينية نفى رسميًا وجود مثل هذه الشروط”.
لكن رد الفعل الأهم جاء من وكالة “تسنيم” التابعة للحرس الثوري في مقال حمل عنوانًا شديد اللهجة “كذبة مرعشي الأمريكية بشأن إيران والصين/ هل أنتم حماة مصالح ترامب؟” لم يكتف المقال بنفي رواية مرعشي بل أعتبرها تدخلًا ضارًا في العلاقات الإيرانية ــ الصينية، واتهمه عمليًا بأنه يقدم خدمة سياسية للولايات المتحدة الأمريكية، وهذه اللغة تكشف طبيعة الصراع حول كارگزاران فالمحافظون لا يرون في خطاب الحزب مجرد اختلاف في التكتيك، بل يخشون أن يؤدي خطاب المصلحة الوطنية وخفض التوتر إلى إعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية الإيرانية.
وقبل تصريحات مرعشي كانت “سازندگی” قد نشرت في 2 أغسطس مقالًا لمحسن هاشمي رفسنجاني بعنوان “مفترق طرق وثمانية إبهامات”، تناول فيه وضع إيران بعد الحرب، وقال صراحة أن الصين، حتى بوصفها حليفًا لإيران، لا توافق على الإغلاق طويل الأمد لمضيق هرمز، ولكنه تحدث أيضًا في نفس المقال عن ضرورة عدم الوقوع في ما وصفه بفخ ترامب، وحذر من أن تستخدم الولايات المتحدة التوتر ذريعة للتراجع عن التفاهمات والضغط على إيران، أي أن الحزب يريد التفاوض من موقع القوة لا الاستسلام لكنه يرى أن استمرار المواجهة من دون أفق سياسي قد يكون أكثر ضررًا من التفاوض، وهذه هي النقطة التي يصعب على المحافظين قبولها.
حزب كوادر البناء بين قوة الرؤية وضعف القدرة على التنفيذ
تكمن قوة الحزب الأساسية في أنه يقدم إجابات مترابطة نسبيًا على مجموعة الأزمات الإيرانية، فهو لا يعالج الاقتصاد بمعزل عن السياسة الخارجية، ولا يتحدث عن السياسة الخارجية بعيدًا عن العقوبات، ولا يتحدث عن الاستقرار بعيدًا عن الثقة الاجتماعية.
وتكشف مقالات صحيفة “سازندگی” أن الحزب يرى هذه الملفات كأجزاء من أزمة واحدة وهي أن الدولة تواجه صعوبة في اتخاذ القرار، واقتصادًا يدفع ثمن التوتر، ومجتمعًا يحتاج إلى استعادة الثقة، وسياسة خارجية تحتاج إلى مرونة أكثر، وهذه الرؤية تمنحه ميزة على الخطاب الإصلاحي الذي يختزل الأزمة أحيانًا في الانتخابات أو الحريات السياسية فقط.
لكن قوة التشخيص لا تعني امتلاك أدوات التنفيذ، فالحزب يستطيع التأثير في النقاش السياسي والإعلامي، لكنه لا يملك القرار في الملفات الأمنية والاستراتيجية، كما أن رؤيته للعلاقات مع الولايات المتحدة أو الصين أو دول الخليج تحتاج إلى توافق أوسع داخل مؤسسات الدولة، وهنا تظهر الفجوة بين صناعة الأجندة وصناعة القرار.
فمرعشي يستطيع أن يقول إن إيران تحتاج إلى سياسة خارجية أكثر مرونة، ويستطيع محسن هاشمي التحذير من تكلفة استمرار التوتر، ويستطيع عطريان فر الحديث عن الانسجام الاجتماعي، لكن تحويل هذه الرؤية إلى سياسة حكومية يحتاج إلى موافقة مراكز قوة متعددة تتجاوز الحزب.
وهناك حد آخر للمشروع يتعلق بعلاقة الحزب بجمهوره الإصلاحي، فكلما اقترب الحزب من الدولة وتحدث بلغة إنقاذ الجمهورية الإسلامية والمصلحة الوطنية والحفاظ على النظام، أصبح من الصعب عليه إقناع القاعدة الإصلاحية بأنه يقدم تغييرًا سياسيًا حقيقيًا، وفي المقابل كلما اتجه إلى معارضة أكثر صدامية فإنه يفقد ميزته التاريخية الأساسية أي القدرة على العمل من داخل النظام والتأثير في مؤسساته، لذلك يحاول الحزب الاحتفاظ بموقع بالغ الصعوبة أن يكون قريبًا من الدولة بما يكفي للتأثير فيها، وقريبًا من المجتمع بما يكفي للحفاظ على شرعيته الإصلاحية.
خاتمة
إن الحزب الذي خرج من داخل الدولة ومن تجربة رفسنجاني في التنمية وإعادة الإعمار (1989 ــ 1997م)، يعود اليوم إلى جوهره التكنوقراطي ولكن في ظروف أكثر تعقيدًا، بحيث لم تعد الأولوية بالنسبة إلى قيادته مجرد الفوز في الانتخابات أو تغيير الحكومة، بل إعادة بناء قدرة الدولة على اتخاذ القرار، وتخفيف تكلفة الأزمات الخارجية، وتنشيط الاقتصاد، واستعادة الثقة الاجتماعية.
ومن هنا فإن حسين مرعشي ومحسن هاشمي ومحمد عطريان فر وصحيفة “سازندگی” يمثلون اتجاهًا سياسيًا يمكن وصفه بـالبراجماتية الوطنية داخل النظام، وهو اتجاه لا يريد إسقاط بنية الجمهورية الإسلامية، وإنما يريد تغيير طريقة إدارتها لعلاقاتها ومصالحها؛ لكن مستقبل الحزب سيتوقف على قدرته على تجاوز معضلته الأساسية هل يستطيع تحويل رؤيته من خطاب للنخب إلى سياسة قابلة للتنفيذ؟ فإذا نجح في ذلك فقد يتحول كارگزاران من حزب إصلاحي براجماتي إلى أحد أهم مراكز التفكير في مستقبل الدولة الإيرانية، أما إذا بقي تأثيره محصورًا في الصحافة والنخب السياسية فسوف يظل حزبًا قادرًا على تشخيص أزمة القرار الإيراني من دون أن يمتلك القرار نفسه.
