محمود سامح همام

تشهد مالي في الأونة الراهنة تصعيدًا نوعيًا في مسار الصراع، بلغ ذروته مع اغتيال وزير الدفاع ساديو كامارا في 25 أبريل 2026م إثر هجوم انتحاري استهدف مقر إقامته، وذلك في سياق موجة غير مسبوقة من الهجمات المنسقة التي نفذتها جماعات جهادية وانفصالية عبر نطاق جغرافي واسع شمل العاصمة باماكو ومدنًا استراتيجية في الشمال والوسط، وقد عكست هذه العمليات، التي شاركت فيها قوى مثل جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” وتحالفات الطوارق الانفصالية، مستوى عاليًا من التنسيق والقدرة العملياتية، بما يشير إلى تحول نوعي في ديناميات الصراع وتآكل فعلي في قدرة الدولة على الضبط والسيطرة. وفي هذا السياق، لم تعد هذه التطورات مجرد أحداث أمنية عابرة، بل تطرح جملة من التساؤلات الجوهرية حول دلالات هذا التصعيد، وطبيعة التحولات في بنية الصراع داخل مالي، ومدى ارتباطه بإعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية والدولية، فضلًا عن الخلفيات التاريخية والسياسية التي مهدت لهذا المشهد المركب، وهو ما يستدعي مقاربة تحليلية أعمق تتجاوز الحدث الآني إلى تفكيك سياقه البنيوي الأوسع.

محددات تفاقم المشهد الأمني وإعادة إنتاج العنف في مالي

قبل تناول الأحداث الراهنة ودلالاتها في مالي، يصبح من الضروري الوقوف على الخلفية التي قادت إلى هذا الانفلات الأمني، وفهم طبيعة الصراع المعقد الذي تشهده البلاد، حيث تتداخل أدوار الدولة مع الجماعات المسلحة والفاعلين الخارجيين. فالتطورات الحالية ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تراكمات سياسية وأمنية ممتدة أسهمت تدريجيًا في إضعاف قدرة الدولة على السيطرة وفرض الاستقرار.

في هذا السياق، شكّل انقلابا 2020م و2021م نقطة تحول حاسمة، حيث رسّخ العقيد أسيمي جويتا حكمًا عسكريًا قائمًا على السيطرة المباشرة على السلطة، بعد إقصاء القيادة المدنية وإعادة ترتيب مراكز القوة داخل الدولة. وقد اتسمت هذه المرحلة برفض إجراء الانتخابات في مواعيدها، وتأجيل المسار الانتقالي، إلى جانب تضييق المجال السياسي، بما عزّز من احتكار السلطة بدلًا من بناء توافق وطني شامل.

وعلى المستوى الاقتصادي، ورغم تحقيق معدلات نمو قُدّرت بنحو 4–5% خلال السنوات الأخيرة، فإن هذا النمو ظل محدود التأثير على الواقع المعيشي، حيث بقيت نسب الفقر مرتفعة وتتجاوز 40% من السكان. ويعكس ذلك خللًا واضحًا بين المؤشرات الاقتصادية الكلية والظروف الاجتماعية، خاصة في ظل اعتماد الاقتصاد على موارد أولية مثل الذهب والزراعة، دون تحقيق تنمية حقيقية واسعة النطاق.

وعلى المستوى الأمني، أخفقت السلطة في فرض سيطرتها على كامل الأراضي، خاصة في إقليم أزواد شمال البلاد، حيث استمرت الجماعات الانفصالية في فرض نفوذها، إلى جانب تصاعد نشاط الجماعات الجهادية المرتبطة بتنظيم القاعدة، وعلى رأسها جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، التي وسّعت من نطاق عملياتها بدلًا من تراجعها.

ويبرز أحد أهم مؤشرات هذا الإخفاق في لجوء الجيش إلى الانسحاب من بعض المناطق بدلًا من تثبيت وجوده فيها. ففي عام 2023م، اضطرت القوات المالية إلى إخلاء عدد من المواقع العسكرية والنقاط المتقدمة في شمال البلاد، خاصة في المناطق النائية، بعد تصاعد الهجمات وصعوبة تأمين خطوط الإمداد. وقد أعادت هذه القوات تمركزها في مواقع أكثر أمانًا، في محاولة لتقليل الخسائر، إلا أن هذا الانسحاب أدى فعليًا إلى توسيع الفراغ الأمني ومنح الجماعات المسلحة مساحة أكبر للتحرك.

ولا يختلف هذا المسار عن الانسحاب اللاحق من مناطق مثل كيدال، بمشاركة ودعم من فيلق أفريقيا، حيث فضّلت القوات تجنب المواجهة المباشرة، وهو ما عكس تحولًا من محاولة السيطرة الكاملة إلى الاكتفاء بإدارة الصراع وتقليل الخسائر.

وبناءً على ذلك، فإن تفاقم الوضع الأمني في مالي لا يرتبط فقط بقوة الجماعات المسلحة، بل يعود بالأساس إلى ضعف الدولة سياسيًا، وعجزها أمنيًا، وعدم انعكاس التحسن الاقتصادي على الواقع الاجتماعي، إلى جانب تداخل أدوار القوى الخارجية، وهو ما أدى في النهاية إلى خلق بيئة مفتوحة لاستمرار العنف وتصاعده.

ديناميات المشهد الأمني والسياسي الراهن في مالي وإعادة تشكّل موازين القوى

يشهد الوضع الأمني في مالي مرحلة شديدة التعقيد، اتسمت خلال الأيام الأخيرة بتصاعد نوعي في مستوى الهجمات واتساع نطاقها الجغرافي، بما يعكس تحولًا في طبيعة الفاعلين المسلحين وأساليب عملهم. فالمشهد لم يعد قائمًا على تحركات منفردة لجماعات معزولة، بل بات يعكس درجة أعلى من التنسيق الميداني غير المعلن بين أطراف متعددة، في سياق يعيد تشكيل خريطة الصراع داخل البلاد بشكل غير مسبوق.

1-التحولات الميدانية في مالي: أنماط التنسيق بين الفاعلين المسلحين ودلالاتها السياسية

يشهد الوضع الأمني في مالي خلال الفترة الأخيرة تصعيدًا نوعيًا يعكس انتقال الصراع من مواجهات متفرقة إلى نمط أكثر تعقيدًا يقوم على تداخل أدوار الفاعلين المسلحين وتنامي قدراتهم على التنسيق الميداني. وتبرز خطورة هذا التطور في كونه لا يرتبط فقط بزيادة عدد الهجمات، بل بتغير طبيعتها من حيث التوقيت والأهداف واتساع نطاقها الجغرافي. فخلال الأيام الأخيرة، تعرضت عدة مناطق لهجمات متزامنة شملت مواقع عسكرية في الشمال والوسط، من بينها محيط مدن مثل كيدال وجاو وامتدادات باتجاه مناطق قريبة من العاصمة باماكو. وقد استهدفت هذه العمليات نقاط تمركز عسكرية وممرات إمداد استراتيجية، إلى جانب محاولات الضغط على مواقع حساسة تابعة للجيش المالي. كما شملت التطورات هجومًا بالغ الأهمية استهدف محيط إحدى المنشآت العسكرية الرئيسية في باماكو، في سياق يُعد من أكثر التطورات حساسية منذ سنوات، بالتزامن مع الهجوم الذي أودى بحياة وزير الدفاع المالي ساديو كامارا في 25 أبريل 2026م، وهو ما يعكس انتقال الاستهداف من الأطراف الجغرافية الهامشية إلى مراكز القرار السياسي والأمني داخل الدولة.

في هذا السياق، تشير المعطيات الميدانية إلى وجود درجة من التنسيق العملياتي غير المعلن بين الحركات الانفصالية في الشمال، وعلى رأسها فصائل الطوارق، وبين جماعات جهادية أبرزها جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، إلى جانب عناصر مرتبطة بتنظيم الدولة في الصحراء الكبرى. ورغم عدم إعلان هذا التنسيق رسميًا، فإن تزامن الهجمات وتكامل أهدافها الجغرافية يوحي بوجود تقاطع ميداني قائم على المصالح التكتيكية. وتُظهر طبيعة العمليات الأخيرة، بما في ذلك الهجوم على قواعد عسكرية ومراكز تمركز الجيش في مناطق الشمال، إلى جانب استهداف خطوط الإمداد المؤدية إلى كيدال ومحيطها، أن هناك نمطًا من التخطيط المتزامن متعدد الجبهات، يهدف إلى إنهاك القوات النظامية وتشتيت قدراتها العملياتية على أكثر من محور في وقت واحد.

وتبرز أهمية هذا التطور في أنه يعكس انتقال الصراع داخل مالي من نمط المواجهة التقليدية إلى ما يمكن وصفه بالصراع الشبكي المرن، حيث لم تعد الجماعات المسلحة تعمل بمعزل عن بعضها البعض، بل أصبحت تتقاطع وظيفيًا عند هدف مشترك يتمثل في إضعاف الدولة وتقويض قدرتها على فرض السيطرة. ومن الناحية السياسية، فإن هذه التحولات تحمل دلالات عميقة، أبرزها أن الدولة المالية تواجه تآكلًا متزايدًا في قدرتها على احتواء العنف، في مقابل صعود فاعلين مسلحين أكثر قدرة على التنسيق والتكيف العملياتي، ما يجعل المشهد الأمني أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للضبط التقليدي.

2-إعادة تموضع الفيلق الأفريقي الروسي وانعكاساته على توازنات الشمال المالي

يشهد المشهد الأمني في مالي تطورًا لافتًا تمثل في انسحاب قوات فيلق أفريقيا من مدينة كيدال في شمال البلاد، وذلك بالتوازي مع انسحاب وحدات من الجيش المالي نفسه، في خطوة جاءت استجابةً لتفاهمات ميدانية مع جبهة تحرير أزواد وبعض الفاعلين المحليين. وقد جرى هذا الانسحاب دون اشتباك مباشر، ما يعكس طبيعة قرار يقوم على إعادة التموضع التكتيكي بدل المواجهة العسكرية المباشرة. ويمكن تفسير هذا التطور من خلال مجموعة من الاعتبارات السياسية والعملياتية المركبة. في مقدمتها، إدراك موسكو أن استمرار الانتشار في الشمال المالي قد يفتح الباب أمام حرب استنزاف طويلة الأمد ضد جماعات مسلحة تمتلك خبرة ميدانية واسعة بطبيعة الجغرافيا الصحراوية وشبكات الحركة المحلية، وهو ما يجعل تكلفة التمركز العسكري أعلى بكثير من العائد الأمني أو السياسي المتوقع. كما يرتبط القرار الروسي بمنطق إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية، حيث تتركز المصالح الروسية في مالي بشكل أساسي في مناطق الوسط والجنوب، خاصة بالقرب من العاصمة باماكو، حيث تتموضع البنية الاقتصادية الحيوية، وعلى رأسها قطاع الذهب الذي يجعل مالي أحد أهم مصادر الموارد الاستراتيجية لروسيا في أفريقيا. وبالنظر إلى أن مالي تُعد من أكبر منتجي الذهب في القارة، فإن السيطرة على هذه المناطق تمثل أولوية تفوق أهمية التمركز في الشمال ذي الطابع الجغرافي المعقد والأقل مردودية اقتصادية مباشرة.

إلى جانب ذلك، تفرض الجغرافيا المالية نفسها كعامل حاسم في تفسير هذا الانسحاب، إذ تمتد البلاد على مساحة شاسعة وتحدها سبع دول، ما يجعل من الصعب على أي قوة خارجية، بما فيها القوات الروسية، تأمين انتشار عسكري واسع ومستدام دون استنزاف لوجستي وأمني كبير. هذا الامتداد الجغرافي يعزز من تعقيد إدارة العمليات العسكرية متعددة الجبهات ويزيد من كلفة الحفاظ على خطوط الإمداد والحماية. ويمكن إضافة عامل آخر يتمثل في تحول الاستراتيجية الروسية نفسها نحو نموذج النفوذ غير المباشر، القائم على تقليل الانخراط في العمليات عالية المخاطر، والتركيز بدلًا من ذلك على تأمين المصالح الاقتصادية والسياسية في المراكز الحيوية للدولة، بدل التورط في مناطق النزاع المفتوح التي تتسم بتعدد الفاعلين وصعوبة الحسم العسكري. وعليه، فإن انسحاب الفيلق الأفريقي من كيدال لا يمكن قراءته كحدث معزول، بل كجزء من إعادة هندسة الانتشار العسكري الروسي في مالي، تقوم على تقليل الاحتكاك في مناطق الاستنزاف، مقابل تعزيز الحضور في المناطق ذات القيمة الاستراتيجية الأعلى، في ظل بيئة أمنية تتسم بتعدد الفاعلين وصعوبة السيطرة الشاملة.

3-تآكل قدرة الدولة على الضبط الأمني وتراجع الثقة بين السلطة والمجتمع في مالي

يُبرز المشهد الراهن في مالي مستوى متقدمًا من ضعف قدرة المجلس العسكري الحاكم على فرض سيطرة فعلية على كامل التراب الوطني، في ظل استمرار توسع نشاط الجماعات المسلحة وتعدد بؤر التوتر في الشمال والوسط. ويعكس هذا الوضع حالة من تراجع فعالية الدولة، حيث لم تعد السلطة قادرة على أداء وظيفتها الأساسية المتمثلة في ضمان الأمن وبسط النفوذ على الإقليم. ويُلاحظ في هذا السياق غياب قوة عسكرية قادرة على توفير حالة من الردع المستدام أو الحفاظ على توازن ثقة بين الدولة والمجتمع، وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة بين السلطة المركزية والسكان المحليين، خاصة في المناطق الطرفية التي تعاني أصلًا من ضعف الوجود الحكومي وتكرار الانسحابات العسكرية أو إعادة التموضع غير المستقر.

وتعود أسباب هذا الضعف إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها محدودية القدرات اللوجستية والعسكرية للجيش المالي، واتساع نطاق الجغرافيا التي يصعب تأمينها بشكل شامل، فضلًا عن تعدد جبهات التهديد في وقت واحد بين جماعات جهادية مثل جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، وحركات انفصالية في الشمال، إضافة إلى الضغوط المرتبطة بإعادة هيكلة التحالفات الخارجية بعد تراجع الدور الفرنسي ودخول الفاعل الروسي عبر فيلق أفريقيا. كما أسهمت السياسات الانتقالية التي أعقبت انقلاب العقيد أسيمي جويتا في تعميق هذا التحدي، نتيجة تأجيل المسار الانتخابي وإعادة ترتيب المجال السياسي بشكل مركزي، ما انعكس على تآكل الشرعية السياسية لدى قطاعات من المجتمع، وقلّص من مستوى الثقة بين المواطنين والمؤسسة الحاكمة.

أما التداعيات المترتبة على هذا الوضع، فتتمثل في تعمّق حالة الانفصال بين الدولة والمجتمع، حيث باتت بعض المناطق الطرفية تعمل عمليًا خارج نطاق السيطرة المباشرة للسلطة المركزية، سواء عبر نفوذ الجماعات المسلحة أو عبر ترتيبات محلية مؤقتة تفرضها موازين القوة على الأرض. هذا الوضع أضعف فكرة “الدولة الجامعة” لصالح واقع أكثر تشتتًا وانفصالا. كما أدى ضعف السيطرة الأمنية إلى اتساع نطاق الفراغ الأمني، ما وفر بيئة خصبة لإعادة تموضع الفاعلين المسلحين وتوسيع عملياتهم، خصوصًا في المناطق الريفية والحدودية. ونتيجة لذلك، لم تعد المواجهة مقتصرة على عمليات عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى نمط من الاستنزاف المستمر الذي يضغط على قدرات الجيش ويحد من فعاليته التشغيلية. ومن التداعيات أيضًا تراجع ثقة المواطنين في قدرة المجلس العسكري على تحقيق الاستقرار، حيث بات ينظر إلى السلطة كعاجزة عن تقديم حماية فعلية أو تحسن ملموس في الواقع الأمني والمعيشي، وهو ما أنعكس على حالة من الحذر الشعبي والتعامل البراجماتي مع مختلف الفاعلين المحليين، بما في ذلك الجماعات المسلحة في بعض المناطق.

المواقف الإقليمية والدولية تجاه تطورات الأزمة في مالي

شهدت مواقف الفاعلين الإقليميين والدوليين من تطورات الوضع الأمني في مالي، خاصة في أعقاب هجمات 25 أبريل 2026م تباينًا واضحًا، ما يعكس تعقيد المشهد وتشابك المصالح في منطقة الساحل الإفريقي.

الموقف الاقليمي

تبنّت دول الساحل موقفًا داعمًا للسلطة العسكرية في باماكو، فاعتبرت الهجمات الأخيرة تهديدًا مشتركًا للأمن الإقليمي وليس مجرد أزمة داخلية في دولة واحدة. وقد جاء هذا الموقف في إطار رؤية تعتبر أن أمن دول الساحل مترابط، وأن أي اختلال في دولة واحدة ينعكس مباشرة على بقية الدول الأعضاء. ورغم هذا الدعم السياسي الواضح، فإن الكونفدرالية لم تتجه إلى تدخل عسكري مباشر واسع النطاق في دعم مالي، وهو ما يعود إلى عدة اعتبارات، من بينها انشغال كل دولة بمواجهة تحدياتها الأمنية الداخلية، ومحدودية القدرات اللوجستية والعسكرية لتنفيذ عمليات مشتركة عبر الحدود، إلى جانب تبني استراتيجية تقوم على تعزيز التنسيق الأمني والاستخباراتي بدل الانخراط في تدخلات عسكرية خارجية مكلفة.

في المقابل، اتسم موقف المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا بقدر أكبر من التحفظ، حيث ركزت المنظمة خلال عامي 2025م و2026م على الدعوة إلى ضبط النفس واحتواء التصعيد، مع التشديد على ضرورة العودة إلى المسار الدستوري والحلول السياسية في مالي. كما حذرت من أن استمرار التدهور الأمني قد يهدد استقرار منطقة غرب إفريقيا بأكملها، رغم محدودية قدرتها على التأثير المباشر في مسار الأحداث بسبب الخلافات السياسية مع الأنظمة العسكرية في الساحل.

وعلى مستوى القارة، أعربت مفوضية الاتحاد الإفريقي في بياناتها عن قلق بالغ من تصاعد العنف واتساع نطاق العمليات المسلحة، مؤكدة على أهمية احترام سيادة ووحدة الدولة المالية. كما دعت إلى وقف الهجمات ضد المدنيين والقوات النظامية، وإلى دعم مسارات المصالحة الوطنية وتعزيز مؤسسات الدولة باعتبارها المدخل الأساسي لاستعادة الاستقرار.

الموقف الدولي

عبّرت الأمم المتحدة خلال الفترة نفسها عن قلق متزايد من تطورات الأوضاع في مالي، خصوصًا مع اتساع نطاق الهجمات المسلحة وتزايد المخاطر الإنسانية. وركزت المنظمة على ضرورة حماية المدنيين، ودعم جهود الاستقرار السياسي، ومنع تحول مالي إلى بؤرة صراع ممتد في منطقة الساحل، في ظل بيئة إقليمية شديدة الهشاشة.

وبذلك، تعكس هذه المواقف المتباينة أن الأزمة في مالي تجاوزت إطارها المحلي، لتصبح جزءًا من توازنات إقليمية ودولية أوسع، تتداخل فيها اعتبارات الأمن والسيادة والاستقرار السياسي، دون وجود رؤية موحدة قادرة على احتواء التصعيد المتسارع على الأرض.

ختامًا، يتضح أن الأزمة في مالي لم تعد مجرد اضطراب أمني محدود، بل حالة مركبة من تآكل السيادة وتعدد الفاعلين وتداخل المستويات المحلية والإقليمية والدولية، لتعكس التطورات الأخيرة تصاعد الهجمات واتساع نطاقها، مقابل استمرار ضعف قدرة الدولة على فرض سيطرة فعلية على كامل الإقليم، وهو ما يتزامن مع إعادة تموضع القوى الخارجية وتباين واضح في المواقف الإقليمية والدولية دون وجود مقاربة موحدة للحل، الأمر الذي يجعل مستقبل الاستقرار في مالي مرهونًا بقدرة الدولة على إعادة بناء شرعيتها وتعزيز مؤسساتها واستعادة احتوائها للعنف في بيئة أمنية شديدة السيولة والتعقيد.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version