د/محمد أحمد صالح
مقدمة
أثار إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مؤخرا بشأن إمكانية بدء تشغيل أول مفاعل في محطة الضبعة النووية خلال عام 2027م موجة من التحليلات داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية. وبينما تعاملت قطاعات واسعة من الرأي العام مع الخبر باعتباره تطوراً طبيعياً في مشروع للطاقة الكهربائية، كشفت التعليقات الصادرة عن وسائل الإعلام ومراكز التفكير الإسرائيلية عن قراءة مختلفة تماماً، تنظر إلى الضبعة باعتبارها أحد أهم المشاريع الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة منذ عقود.
ففي نظر العديد من المحللين الإسرائيليين لا يتعلق المشروع بمجرد إنشاء أربعة مفاعلات لإنتاج الكهرباء، بل بعملية إعادة تشكيل تدريجية للبنية الاستراتيجية في الشرق الأوسط عبر توطيد الحضور الروسي داخل مصر، وتعزيز القدرات التكنولوجية المصرية، وإدخال عنصر نووي جديد إلى معادلات الردع الإقليمية، في لحظة تشهد فيها المنطقة تغيرات متسارعة مرتبطة بصعود القوى غير الغربية وتراجع الاحتكار الأمريكي التقليدي للنفوذ.
من هنا يكتسب مشروع الضبعة أهمية تتجاوز كثيراً قيمته الاقتصادية أو التقنية، ليصبح جزءاً من معركة النفوذ الكبرى الدائرة بين القوى الدولية، ومن عملية إعادة رسم خرائط القوة في الشرق الأوسط خلال العقود المقبلة.
من هنا تناقش هذه الورقة المقالة التي نشرها موقع “نتسيف نت” (https://nziv.net/128180) بعنوان “השכנה ממערב (מצרים) מתגרענת: פרויקט “אל-דבעה” ושינוי מאזן האימה מול ישראל” (الجارة الغربية (مصر) تتجه نحو التسلح النووي: مشروع “الضبعة” وتغيّر ميزان الرعب مع إسرائيل) بتاريخ 9-6-2026م.
الأفكار الأساسية في المقالة
ترى المقالة أن مشروع محطة الضبعة النووية في مصر يتجاوز كونه مشروعاً لإنتاج الكهرباء، ليشكل تحولاً استراتيجياً قد يؤثر في البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل على المدى الطويل. وتكمن المخاوف الإسرائيلية الأساسية في أن المشروع يرسخ اعتماداً مصرياً ممتداً لعقود على روسيا، التي تمول الجزء الأكبر من المحطة وتتولى توفير الوقود النووي والخدمات الفنية وإدارة النفايات، بما يمنح موسكو نفوذاً دائماً داخل مصر وفي محيط قناة السويس، أحد أهم الممرات الاستراتيجية عالمياً.
كما تحذر المقالة من أن امتلاك مصر بنية تحتية نووية متقدمة سيؤدي إلى تراكم خبرات علمية وتقنية وكوادر متخصصة، ما يمنحها مستقبلاً ما يسميه بعض الخبراء الإسرائيليين “القدرة النووية الكامنة”، أي امتلاك المعرفة والإمكانات التي قد تسهل الانتقال إلى خيارات نووية أكثر تقدماً إذا تغيرت الظروف الإقليمية. وترى المقالة أن ذلك قد يسهم في تآكل التفوق التكنولوجي والنووي الذي تمتعت به إسرائيل لعقود.
وتضيف المقالة أن المشروع قد يشجع دولاً أخرى في المنطقة على تسريع برامجها النووية المدنية، الأمر الذي قد يطلق سباقاً إقليمياً جديداً في مجال التكنولوجيا النووية. كما يثير مخاوف بيئية وأمنية مرتبطة بموقع المحطة على ساحل البحر المتوسط، واحتمال تأثير أي حادث نووي مستقبلي على السواحل والمنشآت الإسرائيلية. وفي المجمل، تنظر المقالة إلى الضبعة باعتبارها مؤشراً على تحولات استراتيجية أوسع قد تعيد تشكيل ميزان الردع والقوة في الشرق الأوسط خلال العقود القادمة.
محطة الضبعة قضية أمن قومي في إسرائيل
منذ توقيع اتفاقيات كامب ديفيد تشكلت العقيدة الأمنية الإسرائيلية على أساس فرضية مركزية مفادها أن الجبهة الجنوبية مع مصر أصبحت مستقرة ومستبعدة من سيناريوهات الحرب التقليدية واسعة النطاق.
وبناءً على هذه الفرضية أعادت إسرائيل هيكلة جيشها وانتشار قواتها وموازناتها الدفاعية طوال أكثر من أربعة عقود. فقد تم توجيه الجزء الأكبر من الاهتمام العسكري نحو الجبهات الشمالية والشرقية، بينما اعتُبرت الحدود المصرية الأكثر هدوءاً واستقراراً.
لكن التحليلات الإسرائيلية الأخيرة تكشف عن بداية مراجعة تدريجية لهذه الفرضية. فالمخاوف المطروحة لا تتعلق بإمكانية نشوب مواجهة مصرية إسرائيلية مباشرة، بل بإمكانية تغير البيئة الاستراتيجية التي قامت عليها تلك الفرضية أصلاً.
ومن هذا المنطلق تنظر بعض الأوساط الإسرائيلية إلى الضبعة باعتبارها مؤشراً على تحولات أعمق قد تجعل مصر خلال العقدين أو الثلاثة عقود القادمة مختلفة استراتيجياً عما كانت عليه خلال العقود الماضية.
الضبعة أداة للتموضع الروسي في الشرق الأوسط
تعتبر روسيا من أكثر الدول استخداماً لمشاريع الطاقة النووية المدنية كوسيلة لبناء نفوذ طويل الأمد. فالمفاعلات النووية لا تشبه مشروعات البنية التحتية التقليدية. إذ لا ينتهي دور الدولة الموردة بمجرد بناء المنشأة، بل يمتد لعقود طويلة تشمل توريد الوقود النووي، وتدريب الكوادر، والصيانة والتحديث، وإدارة النفايات النووية، والدعم الفني المستمر، والرقابة التقنية.
ولهذا السبب ينظر كثير من الخبراء إلى مشاريع شركة “روساتوم” باعتبارها أدوات جيوسياسية بقدر ما هي مشاريع اقتصادية. وفي حالة الضبعة تتعزز هذه القراءة بسبب التمويل الروسي الضخم للمشروع، وارتباطه بمشاريع اقتصادية أخرى تشمل المنطقة الصناعية الروسية في محيط قناة السويس، ما يخلق شبكة مصالح متشابكة تمتد لعشرات السنين.
من بوشهر إلى الضبعة… روسيا وسيطاً نووياً إقليمياً
أحد أكثر الجوانب إثارة للقلق داخل التفكير الإسرائيلي يتمثل في حقيقة أن موسكو أصبحت الراعي النووي لأهم مشروعين نوويين في محيط إسرائيل: الأول هو محطة بوشهر النووية في إيران، أما الثاني فهو محطة الضبعة النووية في مصر. ومن منظور إسرائيلي، فإن هذا الواقع يمنح روسيا موقعاً فريداً داخل البنية الأمنية للشرق الأوسط.
فالدولة التي تشارك في تشكيل مستقبل الطاقة النووية المصرية، هي نفسها الدولة المنخرطة في الملف النووي الإيراني، ما يمنحها قدرة على التأثير في ملفات تعتبرها إسرائيل وجودية. وتزداد أهمية هذه المعادلة مع سعي موسكو إلى لعب أدوار سياسية ودبلوماسية في القضايا الإقليمية، بما في ذلك الأزمات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني.
مفهوم “القدرة النووية الكامنة” والخوف الإسرائيلي من المستقبل
لا يركز التفكير الأمني الإسرائيلي فقط على امتلاك السلاح النووي، بل يهتم أيضاً بما يسمى “القدرة النووية الكامنة”. ويقصد بهذا المفهوم قدرة الدولة على امتلاك المعرفة والبنية التحتية والموارد البشرية التي تسمح لها بالانتقال إلى خيارات أكثر تقدماً إذا تغيرت الظروف السياسية أو الأمنية في المستقبل.
وفي هذا السياق يرى بعض المحللين الإسرائيليين أن الضبعة ستؤدي إلى تدريب أجيال من العلماء والمهندسين النوويين المصريين، وتراكم خبرة تشغيلية واسعة، وبناء مؤسسات بحثية وتقنية متخصصة، وتوسيع القاعدة الصناعية المرتبطة بالتكنولوجيا النووية.
وعلى الرغم من أن المشروع مدني بالكامل ويخضع للرقابة الدولية، فإن وجود هذه البنية يغير حسابات المدى البعيد في نظر المؤسسات الأمنية الإسرائيلية.
الضبعة وتحدي الاحتكار النووي الإسرائيلي
منذ ستينيات القرن العشرين تمتعت إسرائيل بوضع فريد داخل المنطقة تمثل في احتكارها للتكنولوجيا النووية المتقدمة. ورغم عدم اعترافها رسمياً بامتلاك ترسانة نووية، فإن معظم الدراسات الاستراتيجية الدولية تنظر إلى إسرائيل باعتبارها القوة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط.
لكن العقود الأخيرة شهدت انتشاراً متزايداً للبرامج النووية المدنية في المنطقة، في مصر، والسعودية، والإمارات، وتركيا. وبالتالي بدأت إسرائيل تواجه واقعاً جديداً يتمثل في انتشار المعرفة النووية المدنية خارج نطاق احتكارها التقليدي.
ورغم أن ذلك لا يشكل تهديداً عسكرياً مباشراً، فإنه يقلل تدريجياً من الفجوة التكنولوجية التي شكلت إحدى ركائز التفوق الإسرائيلي لعقود طويلة.
الضبعة وقناة السويس… الجغرافيا التي تثير القلق
لا يمكن فهم المخاوف الإسرائيلية من الضبعة دون فهم أهمية قناة السويس. فالقناة ليست مجرد ممر ملاحي، بل إحدى أهم نقاط الاختناق الاستراتيجية في العالم.
ومن منظور جيوسياسي، فإن الجمع بين محطة نووية روسية ومنطقة صناعية روسية، بموقعها القريب من قناة السويس، وحضور روسي متزايد في شرق المتوسط، يخلق شبكة نفوذ قد تمنح موسكو مكانة متقدمة في أحد أهم الممرات التجارية العالمية.
ولهذا تتعامل بعض التحليلات الإسرائيلية مع الضبعة باعتبارها جزءاً من مشروع روسي أوسع للتموضع في المنطقة، وليس مجرد مشروع طاقة منفصل.
مصر بين الشرق والغرب… هل تتغير البوصلة الاستراتيجية؟
من المهم الإشارة إلى أن الرؤية الإسرائيلية لا تعني بالضرورة أن مصر تتجه إلى التحالف مع روسيا ضد الغرب. فالسياسة الخارجية المصرية خلال العقود الماضية اتسمت بالبراجماتية والتوازن بين القوى الكبرى.
وتحافظ القاهرة على علاقات واسعة مع الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وأوروبا، والدول العربية. لكن ما يثير الاهتمام الإسرائيلي هو أن مصر باتت تملك هامش مناورة أوسع من السابق بفضل تنوع شراكاتها الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية. وهذا يعني أن قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة قد تصبح أكبر مع مرور الوقت.
السيناريوهات الاستراتيجية حتى عام 2050م
السيناريو الأول – الاستمرارية المستقرة: يبقى المشروع في إطاره المدني، وتستمر العلاقات المصرية الإسرائيلية ضمن معادلة السلام القائمة، بينما تواصل مصر سياسة التوازن بين القوى الكبرى. وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً.
السيناريو الثاني – تعاظم الدور الروسي: تتوسع الاستثمارات الروسية في مصر، ويتزايد الحضور الاقتصادي والتكنولوجي الروسي، ما يمنح موسكو نفوذاً أكبر في شرق المتوسط والبحر الأحمر.
السيناريو الثالث – شرق أوسط متعدد الأقطاب: تنجح دول المنطقة في تنويع شراكاتها بعيداً عن الاعتماد الحصري على الولايات المتحدة، فتظهر منظومة إقليمية أكثر استقلالاً وتوازناً.
السيناريو الرابع – عصر نووي مدني إقليمي: تنتشر مشاريع الطاقة النووية المدنية في المنطقة، ما يؤدي إلى إعادة تعريف موازين القوة والتأثير على مفاهيم الردع والتفوق التكنولوجي.
ختاما
تكشف ردود الفعل الإسرائيلية على مشروع الضبعة أن القضية لا تتعلق بمفاعل نووي أو محطة كهرباء فحسب، بل بسؤال أوسع يتعلق بشكل الشرق الأوسط في منتصف القرن الحادي والعشرين. فمن منظور إسرائيلي تمثل الضبعة نقطة التقاء بين ثلاثة تحولات كبرى: عودة روسيا لاعباً مؤثراً في المنطقة، وصعود مصر كقوة إقليمية تسعى لتنويع شراكاتها الاستراتيجية، وانتشار التكنولوجيا النووية المدنية خارج دائرة الاحتكار التقليدي.
ولهذا فإن جوهر القلق الإسرائيلي لا يكمن في عام 2027م عندما يبدأ تشغيل أول مفاعل، بل في عام 2045م أو 2050م عندما تكون نتائج هذه التحولات قد ترسخت، ويصبح الشرق الأوسط مختلفاً جذرياً عن ذلك الذي تشكل بعد كامب ديفيد والحرب الباردة. ففي نظر العديد من الاستراتيجيين الإسرائيليين، قد لا تكون الضبعة مجرد محطة طاقة، بل إحدى العلامات المبكرة على ولادة توازنات إقليمية جديدة لم تتضح ملامحها النهائية بعد.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version