أ . د مروة إبراهيم
تهدف هذه الورقة إلى تقديم قراءة تحليلية للرؤية الإثيوبية تجاه قمة العلمين وتداعياتها، مطرحةً التساؤل الرئيس الآتي: كيف تقرأ أديس أبابا التحالفات الإقليمية، وما حدود استراتيجيتها في الموازنة بين الردع السيادي والدبلوماسية الإقليمية؟ وينبثق عن هذا التساؤل عدة تساؤلات فرعية أهمها: ما دلالات التركيز الإثيوبي المستمر على جغرافيا الموارد (النيل الأزرق والبحر الأحمر) في توقيت يتسم بالتصعيد الإقليمي والداخلي؟ كيف تتعامل أديس أبابا مع محاولات التنسيق الأمني والعسكري العابرة للحدود؟ وإلى أي مدى يعكس الخطاب الرسمي الإعلامي الأخير حول القمة الرباعية بين الخشونة الدبلوماسية ودعاوى حسن الجوار معادلة قوة حقيقية أم مجرد مناورة سياسية؟
قمة العلمين الرباعية: مظلة ردع إقليمي وتفكيك لسياسة الأحادية الإثيوبية
بالرغم من تجنّب الخطاب الدبلوماسي الرسمي في أديس أبابا الإشارة الصريحة إلى «القمة الرباعية» التي جمعت مصر وإريتريا والسودان والصومال، فإن القراءة التحليلية لتوقيت التحركات الإعلامية وسياقها الزمني تكشف عن ارتباطها المباشر بردود أفعال إثيوبيا تجاه هذا الإطار التنسيقي، وهو ما عكسه الزخم والتعاطي الصريح عبر منصة አዲስ ሚዲያ ኔትዎርክ «أديس ميديا نيتورك» (Addis Media Network). وفي الوقت ذاته، يُعد تسليط وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية (إينا) الضوء على أبعاد هذه القمة وتفكيك تداعياتها إقراراً واقعياً بالثقل السياسي والتحدي الجيوسياسي الذي يفرضه هذا التحالف على المصالح الإثيوبية، لا سيما في ظل تماسّها المباشر مع ملفات استراتيجية شائكة؛ كأمن البحر الأحمر، والسد الإثيوبي، والتوترات الحدودية والإقليمية المعقدة.
تُعد مخرجات القمة استجابة استراتيجية حاسمة تهدف إلى كبح جماح السياسات الأحادية لأديس أبابا؛ إذ شكلت حائطاً منيعاً يرفض أي مساس بالاستخدامات المائية التاريخية لدولتي المصب (مصر والسودان) ويعتبره خطاً أحمر. وفي مواجهة طموحات آبي أحمد الرامية لفرض موطئ قدم بحري يتجاوز السيادة الوطنية، جاء التأكيد الصريح في القمة على أن حوكمة البحر الأحمر والترتيبات الأمنية المرتبطة به هي مسؤولية حصرية للدول المشاطئة وحدها، ممثلةً بذلك صفعة دبلوماسية لرفض الاتفاقيات الباطلة ومحاولات المساس بوحدة الصومال وإريتريا. ومن هذا المنطلق، نجحت قمة العلمين في تفكيك استراتيجية “فرق تسد” التي اعتمدت عليها إثيوبيا تاريخياً في إدارتها لملفات الإقليم؛ حيث دأبت أديس أبابا على تجنب أي تفاوض جماعي متكتل، واللجوء بدلاً من ذلك إلى المفاوضات الثنائية المنفردة واستغلال التناقضات والتوترات البينية، لانفراد بكل طرف على حدة. وجاءت القمة لتقوض هذا النهج عبر توحيد الساحات المتضررة مباشرة من سياساتها بين مصر المهددة في أمنها المائي، والسودان والصومال وإريتريا المهددة في سيادتها واستقرارها الداخلي بفعل التدخلات والكيانات الموازية. ويمثل إنشاء آلية متابعة دورية إثر هذه القمة تحولاً استراتيجياً من ردود الفعل الظرفية إلى تنسيق مؤسسي طويل الأمد.
عقيدة النهج الهجومي: ثوابت الرد الاستباقي في سياسة أديس أبابا
تستند الدولة الإثيوبية في عهد رئيس الوزراء آبي أحمد في إدارتها للأزمات والتوترات الإقليمية والداخلية إلى جملة من الثوابت الاستراتيجية؛ يأتي في مقدمتها اعتماد النهج الهجومي لحماية ما تراه سيادة وطنية دون الخضوع للإملاءات أو الضغوط الخارجية وهذا ما اتضح جليًا عبر بيان وكالة الأنباء الإثيوبية المؤيدة للحكومة (إينا).
يتجسد هذا التوجه بوضوح في طبيعة التعامل مع التحالفات المناوئة من خلال آليتين رئيسيتين: الرد الاستباقي وتوقيت البيان الذي يؤكد أنه رد سياسي ودبلوماسي مدروس تسعى أديس أبابا من خلاله إلى قطع الطريق مبكراً على أية محاصرة إقليمية لسياساتها. كذلك رفض التكتلات وتبني لغة الحسم، فبدلاً من الاكتفاء بموقف الدفاع التقليدي، تعتمد المؤسسة الإثيوبية عقيدة استباق الخطاب ورفض الشرعية عن أي تحالفات ضغط مناوئة لها. وينعكس ذلك بوضوح في لغة التحذير الصارمة ضد ما وصفته بـ “التدابير القسرية” أو “الإجراءات عبر الأطراف الوكيلة”، معلنة من خلالها جاهزيتها التامة للمواجهة لحماية مصالحها الحيوية دون تراجع.
توظيف “جغرافيا الموارد” والتمسك بسلاحي مياه النيل والبحر الأحمر
تستند العقيدة الإثيوبية في مواجهة الضغوط الخارجية إلى التلويح باستعمال ورقتها الجيوسياسية الاستراتيجية – كونها منبع النهر الرئيس لـ 85% من مياه النيل وتوظيفها في ملف إلحاحها للوصول إلى البحر الأحمر – لفرض سياسة الأمر الواقع. ويعكس النهج الهجومي للدولة الإثيوبية في مواجهة الأزمات من خلال اعتقادها حماية السيادة الوطنية دون الخضوع للإملاءات الخارجية. وفي ظل التحركات الإقليمية، تلجأ أديس أبابا فوراً إلى التذكير بهذه المعطيات الجغرافية باعتبارها خطوطاً حمراء لا تقبل المساومة.
والجدير بالذكر أنه متعارف عليها منذ عهود قديمة استعمال نفس السلاح بالتلويح والتهديد ببناء سد، وفي الوقت الراهن تتكرر نظُرة الدولة الإثيوبية إلى قدراتها الذاتية وجغرافيتها كأداة ردع أساسية، معتبرة أن أي ضغوط إقليمية يجب مواجهتها بهذه الأداة بصلابة وعدم تنازل عن ملفاتها الحيوية (المتمثلة في المياه، الموانئ، والحدود)، وأن التحركات العسكرية أو الدبلوماسية لدول الجوار تمثل “تدابير قسرية” مردود عليها.
وفي هذا السياق، يتجسد التمسك الإثيوبي بالورقة التاريخية عبر محورين رئيسيين:
-سلاح المياه والنيل الأزرق: تدرك إثيوبيا أن ورقة السد الإثيوبي ومياه النيل الأزرق هي الكارت الأقوى في مواجهة دولتي المصب (مصر والسودان). لذا، يذكّر البيان الرسمي مراراً بأن نحو 85% من إجمالي تدفق نهر النيل ينبع من المرتفعات الإثيوبية عبر نهر “أباي” (المعروف شائعةً بالنيل الأزرق)، مستنداً إلى “جغرافيا الموارد” لرفض أي إملاءات أو نقاشات تتجاهل سيادتها المطلقة على هذا المورد. وعبر بيان وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية (إينا) عن رفض قاطع لأية محاولات للمساس بما تسميه أديس أبابا “حقوقها السيادية في نهر أباي”، متمسكة بسياسة الأمر الواقع الهيكلي (السد الإثيوبي)، وهو ما يؤكد أن إثيوبيا تعتبر أي تنسيق إقليمي لمواجهة سياساتها بمثابة تجاوز لخطوطها الحمراء السيادية التي لا تقبل النقاش الجماعي.
-التصعيد وطموحات البحر الأحمر كعقيدة إستراتيجية: يثير البيان نقطة بالغة الحساسية تتعلق بالبحر الأحمر وتأكيد أن إثيوبيا تبعد عن الساحل مسافة “30 ميلاً” رغم تغير الحدود. هذا الطرح يعكس إصراراً إثيوبياً على عدم التخلي عن سعيها للحصول على منفذ بحري (وهو ما ظهر جلياً في اتفاقيات سابقة أثارت توترات مع الصومال وإريتريا). وفي مواجهة تأكيد قمة العلمين على حوكمة البحر الأحمر وحصريتها للدول المشاطئة، جاء الرد الإثيوبي ليرفض الترتيبات الأمنية الإقليمية التي تتجاهل مصالحها، ملمحاً إلى أن أي تجاهل لإثيوبيا في معادلات البحر الأحمر لن يؤدي إلا لمزيد من عدم الاستقرار، ومؤكداً على “الضرورة الجيوسياسية” لوصولها إلى البحر الأحمر ولو عبر التحالفات البديلة أو الضغط السياسي والعسكري.
لغة التحدي وازدواجية الخطاب: بين الردع الصلب والمناورة الدبلوماسية
تجلت ازدواجية الخطاب الإثيوبي بوضوح في تعقيب وزارة الخارجية الإثيوبية على التكتلات الإقليمية الجديدة عاكسةً نزعة تصعيدية واضحة عبر مصطلحات حازمة مثل “الإجراءات عبر الأطراف الوكيلة” و”التدابير القسرية” للتأكيد على عدم تهيب الضغوط الإقليمية، فبينما شدد البيان الرسمي على أن أعمال العدوان والتنسيق عبر الوكلاء لن تغير الحقائق على الأرض أو تنال من مصالح إثيوبيا ودورها الإقليمي، حرص في المقابل على مد يد الدبلوماسية في ختامه مؤكداً على الانخراط السلمي والتعاون الإقليمي؛ وهو ما يجسد إحدى سمات المراوغة في أدبيات سياسة أديس أبابا الخارجية التي تزاوج ببراعة بين الردع الصلب والدعوة للحوار المشروط لحفظ مصالحها الاستراتيجية العليا وتجنب العزلة الإقليمية، لاسيما وأن توقيت صدور البيان في الخامس من أكتوبر – بعد يوم واحد فقط من انعقاد القمة الرباعية في مصر بمشاركة مصر وإريتريا والسودان والصومال ودون الإشارة إليها صراحةً – يؤكد أنه رد سياسي ودبلوماسي مدروس ومرتبط بالتوقيت ويهدف إلى قطع الطريق على أية محاصرة إقليمية محتملة لسياساتها.
ختامًا، أوضحت الورقة قراءة أديس أبابا لقمة العلمين الرباعية، التي عكست بوضوح استمرار النهج الإثيوبي القائم على مزاوجة محسوبة بين الردع الاستباقي والمكابرة الدبلوماسية؛ فبينما يتعامل الخطاب الرسمى للحكومة الفيدرالية بلغة الخشونة الحازمة مع التكتلات الإقليمية ويصفها بـ “التدابير القسرية” و”الأطراف الوكيلة”، يحرص في ذات الوقت على ترك باب الدبلوماسية المشروطة مراوغةً لتجنب العزلة. وفي هذا السياق، تلجأ بحزم لتفعيل ورقة “جغرافيا الموارد” – سواء عبر التمسك بسلاح النيل الأزرق لفرض سياسة الأمر الواقع الهيكلي، أو الإصرار على طموحات البحر الأحمر الجيوسياسية، غير أن هذا التصعيد الخارجي لا ينفصل بحال عن العمق المتداعي للأزمات الداخلية الإثيوبية؛ إذ يأتي تعنت أديس أبابا ورفضها للتنسيق الإقليمي كاستراتيجية هروب تقليدية إلى الأمام، تستهدف تصدير التوترات البنيوية المستحكمة في الداخل (من صراعات عرقية وتصدع سياسي وضغوط اقتصادية) وإلهاء الرأي العام بافتعال معارك سيادية.
إنّ نجاح قمة العلمين في تفكيك سياسة «فرق تسد» التاريخية، وإقامة جدار صد مؤسسي يربط بين الساحات المتضررة، يضع النظام الإثيوبي أمام مأزق مزدوج؛ يتمثل في العجز عن احتواء الضغوط الإقليمية المتماسكة، وتآكل شرعيته الداخلية جراء إخفاقه في معالجة أزماته البنيوية. ويبقى المسار الذي ستسلكه أديس أبابا مرهوناً بقدرة تكتل دول الجوار على استثمار هذا التحول المؤسسي، وربط كبح الهيمنة الأحادية بصلابة آلية المتابعة الجماعية لحماية استقرار المنطقة.

