د. محمد محسن أبو النور
رئيس وحدة الدراسات الإيرانية
نقلت وسائل إعلام أمريكية، مطالب إيرانية صارمة لاستئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة، وعلى رأس المطالب، إغلاق جميع القواعد الأمريكية في الخليج العربي، ودفع تعويضات عن الهجمات التي استهدفت إيران، وإصدار أمر جديد بشأن مضيق هرمز يسمح لإيران بتحصيل رسوم من السفن العابرة للممر المائي، والحصول على ضمانات بعدم تجدد الحرب، ووقف الضربات الإسرائيلية على حزب الله في لبنان، ورفع جميع العقوبات المفروضة على إيران، والسماح لإيران بالاحتفاظ ببرنامجها الصاروخي من دون أي مفاوضات لتقييده.
في المقابل، وصف مسؤول أمريكي هذه المطالب بأنها “سخيفة” و”غير واقعية”، وقال مسؤولون أمريكيون، في تصريحات نشرتها صحيفة “وول ستريت جورنال”، إن هذه المواقف ستجعل التوصل إلى اتفاق مع طهران أصعب مما كان عليه قبل بدء ترامب الحرب. وأضافوا أن أولى رسائل الجولة الدبلوماسية الجديدة وردت من وسطاء في المنطقة، أواخر الأسبوع الماضي، وأن الولايات المتحدة وإيران ليستا على اتصال مباشر.
على هذا النحو وفق الشروط الإيرانية فإن طهران في ولاية المرشد الثالث آية الله مجتبى خامنئي تريد رفع سقف مطالبها السياسية والإستراتيجية في زمن الحرب وكأنها منتصرة تماما على أمريكا أخذا في الاعتبار قراءتها للتطورات الراهنة في إطار عدم تمكن ترامب من تحقيق أهدافه وعلى رأسها إسقاط النظام، وبالتالي تشير تلك المطالب الإيرانية إلى أن السردية الراهنة في ذهنية صانع القرار بطهران معناها أن إيران منتصرة في تلك الحرب.
وفي قراءة للمشهد الراهن، تشير المعطيات المتداولة بشأن احتمال التوصل إلى اتفاق أمريكي مع إيران إلى أن جوهر الحرب الدائرة لا ينفصل عن طبيعة الشروط الأمريكية المطروحة، والتي يقال إنها تصل إلى خمسة عشر شرطا، وتعكس هذه الشروط مقاربة أمريكية غير منطقية تميل إلى فرض واقع أقرب إلى الإذعان الكامل منه إلى تسوية متوازنة، وكأن أمريكا قد احتلت إيران كليا بالفعل، وهو ما يفسر، في جانب منه، منطق التصعيد العسكري الذي يحكم سلوك دونالد ترامب وإدارته تجاه طهران.
وتستند هذه المقاربة إلى فائض القوة والرغبة في إعادة تشكيل سلوك الخصم بصورة جذرية، الأمر الذي تدركه القيادة الإيرانية جيدا، فبالنسبة لطهران، فإن القبول بهذه الشروط لا يعني مجرد تنازل تفاوضي، وإنما يمثل تهديدا مباشرا لركائز السيادة والدور الإقليمي، بل ويمتد ليطول طبيعة النظام ذاته، ومن ثم، فإن الرفض الإيراني لا يقرأ باعتباره تشددا تفاوضيا، وإنما كخيار وجودي مرتبط ببقاء الدولة والنظام من الأساس.
في المقابل، تبدو الإستراتيجية الإيرانية قائمة على منطق الصمود والاستنزاف، مع الاستعداد لتحمل كلفة زمنية أطول في مقابل رفع كلفة المواجهة على الطرف الأمريكي، وهو ما يمكن قراءته على سبيل الاستدلال من المنشور الذي كتبه يوسف بزشكيان نجل الرئيس الإيراني في يومياته لسرد الحرب من خلال قناته على تطبيق تليجرام “ناپبدا”، إذ يقول إن لديه معلومات حول أن الصواريخ الموجودة في البلاد حتى الآن تكفي لاستمرار الحرب على نفس الوتيرة والنسق لشهور طويلة وإنه يعرف ذلك من المسؤولين العسكريين في البلاد الذين بنوا خطتهم للحرب على هذه الإستراتيجية طويلة الأمد.
وتفترض هذه الإستراتيجية أن إطالة زمن الحرب، وفق سياسة الاستنزاف ومواصلة ضرب عمق إسرائيل، والاستعداد لسيناريو تدخل بري أمريكي، عن طريق قوة المارينز المتمركزة على “يو إس إس تريبولي” والتي من المحتمل أن تصل إلى الشرق الأوسط بحلول نهاية مارس، ثم قوة المارينز الأحدث التي انطلقت من كاليفورنيا على “يو إس إس بوكسر” وغادرت في 20 مارس، والمرجح أن تصل إلى الشرق الأوسط في منتصف إبريل، من شأنه إعادة تشكيل موازين التفاوض ميدانيا، بما يفرض على واشنطن مراجعة حساباتها السياسية والعسكرية.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن قراءة مسار العمليات العسكرية بمعزل عن كونه جزءا من عملية تفاوض غير مباشر، تستخدم فيها أدوات الضغط الصلب لإعادة صياغة شروط الحل النهائي المحتمل، فالحرب هنا ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لفرض معادلات تفاوضية جديدة، تتجاوز ما كان مطروحا على الطاولة قبل اندلاع المواجهة.
وعلى المستوى التكتيكي، يمكن فهم التحركات الجارية بوساطة مصرية وباكستانية صريحة باعتبارها مرحلة اختبار للإرادات، وربما أيضا محاولة أمريكية لإرباك الحسابات الإيرانية عبر التلويح أو تنفيذ ضربات نوعية تستهدف البنية التحتية، خصوصا في قطاع الطاقة، إلى جانب سيناريوهات تصعيدية محتملة تشمل عمليات إنزال محدودة في مناطق ذات أهمية إستراتيجية، غير أن مثل هذه التحركات، حتى إن تحققت، لا تضمن حسما سريعا للصراع، بل قد تفتح الباب أمام ردود إيرانية غير متناظرة توسع نطاق الاشتباك وترفع كلفته على أمريكا وعلى العالم.
في هذا السياق، تبدو فرضية الحسم العسكري السريع لصالح الولايات المتحدة موضع شك، في ظل تعقيدات البيئة العملياتية وتعدد أدوات الرد لدى إيران، وعليه، فإن مآلات الحرب إذا استمرت بهذا النسق قد لا تصاغ وفق الرؤية الأمريكية الأولية، وإنما عبر تسوية تفرضها توازنات ميدانية جديدة، تتيح لطهران انتزاع شروط أقرب إلى تصورها للأمن والسيادة.
وبناء على ذلك، قد تجد الإدارة الأمريكية نفسها، في مرحلة لاحقة، مضطرة إلى خفض سقف مطالبها والانتقال من منطق الإملاء إلى منطق التفاوض، بما يضمن مخرجا سياسيا مقبولا دون الانزلاق إلى خسارة إستراتيجية، ذلك أن الإصرار على النهج الحالي قد يعكس قصورا في فهم طبيعة السلوك الإيراني، الذي يميل إلى الصبر الإستراتيجي وامتصاص الضغوط بدلا من الاستجابة الفورية لها.
وفي سياق ذي صلة يبرز تطور لافت داخل بنية النظام الإيراني، يتمثل في تعيين محمد باقر ذو القدر أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي خلفا لعلي لاريجاني، وهو ما لا يمكن اعتباره مجرد تغيير إداري، إذ يعكس هذا التعيين تحولا أعمق في موازين القوى داخل النظام، مع تصاعد نفوذ الدائرة المرتبطة بـمجتبى خامنئي على حساب تيارات أخرى.
وفي هذا الإطار، يبدو أن تركيز دونالد ترامب على شخصيات مثل محمد باقر قاليباف قد ينطوي على تقدير غير دقيق لمراكز الثقل الحقيقية داخل إيران، حيث لا تصاغ القرارات الحاسمة عبر الواجهات السياسية بقدر ما تتبلور داخل شبكات أكثر صلابة ذات طابع أمني عقائدي، ترتبط في جانب كبير منها بالحرس الثوري، ومن ثم، فإن صعود ذو القدر يعكس انتقال مركز القرار نحو نواة أكثر تشددا، تميل إلى تثبيت الهيمنة الداخلية ورفض التفاوض وفق الشروط الأمريكية، مع الاستعداد لإطالة أمد المواجهة انتظارا لتحولات ميدانية قد تعيد رسم قواعد الاشتباك أو تقلبها رأسا على عقب.

