حسين محمود التلاوي
تعددت الأوراق البحثية الإثيوبية التي تناولت تطورات المواجهات المسلحة بين تحالف المعارضة وجيش الحكومة في البلاد. وعلى الرغم من اختلاف زوايا التناول، اجتمع الباحثون الإثيوبيون على مهاجمة كل من مصر وإريتريا وتحميلهما، مع السودان بدرجة أقل، مسئولية انفجار الوضع الميداني في بلادهم. وتلقي هذه المتابعة الضوء على أبرز تلك الأوراق مع نظرة تحليلية تفكك ما تتضمنه من مزاعم بحق مصر ومسئوليتها عن أزمات إثيوبيا.
كيف يرى الإثيوبيون قمة العلمين؟!
البداية مع قمة العلمين التي عقدت 4 أكتوبر الحالي في مدينة العلمين وضمت رؤساء مصر وإريتريا والصومال ومجلس السيادة السوداني؛ حيث نشر موقع معهد الشئون الخارجية الإثيوبي تحليلًا بقلم الباحثة ‘”حنان حسين” تناول القمة ودلالاتها وتداعياتها المحتملة على مبدأ التعاون في القرن الإفريقي. وتجدر الإشارة إلى أن التحليل أطلق على مجلس السيادة السوداني لقب “حكومة بورتسودان” في إشارة إلى عدم الاعتراف به حاكمًا شرعيًّا للسودان؛ ما يمثل دعمًا إعلاميًّا إثيوبيًّا لمتمردي الدعم السريع في السودان، يضاف إلى الدعم الرسمي الإثيوبي للمتمردين.
افتتحت الباحثة التحليل بتأكيد أهمية “الإقليمية الشاملة” لاستقرار القرن الإفريقي وحوكمة البحر الأحمر وحوض النيل، ثم انتقلت إلى تداعيات “إعلان العلمين الرباعي” على ذلك المبدأ مشيرة إلى أن الإعلان ركّز على سيادة الدول، ورفض الاعتراف بإقليم أرض الصومالي الانفصالي، وحصر حوكمة البحر الأحمر في الدول المشاطئة مع التأكيد على الإخطار المسبق وعدم الإضرار المائي فيما يخص الأنهار العابرة للحدود.
ويرى التحليل أنه على الرغم من أن الإعلان لم يذكر إثيوبيا، فإن محاولة بناء نظام إقليمي “يستبعد دولة محورية” وحبيسة، تشكل هضبتها مصدر 85% من مياه النيل، وتعتمد كليًّا على الممرات البحرية لضمان تجارتها وأمنها، “يُضعف نجاح هذه الترتيبات”. كذلك شدد التحليل على ضرورة موازنة الحقوق السيادية للدول الساحلية ودول المصب مع المصالح التنموية لإثيوبيا القائمة على “مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول للمياه” كما تجسد في إعلان المبادئ لعام 2015.
وخلص الموضوع إلى توصية حكومة إثيوبيا بالابتعاد عن ردود الأفعال وصياغة استراتيجية مبادرة عبر تفعيل العمل مع الاتحاد الإفريقي ومنظمة إيجاد، وإنشاء منصة حوار مشتركة للبحر الأحمر تجمع الدول المشاطئة والحبيسة، والاستمرار في التنسيق الفني والشفافية بشأن سد النهضة و”تبادل البيانات أثناء الجفاف”.
تناقضات إثيوبية فادحة
يمكن بمجرد القراءة العابرة للموضوع استخلاص العديد من التناقضات في السرديات الإثيوبية لملفات البحر الأحمر وسد النهضة والعلاقات الإقليمية في القرن الإفريقي. ويمكن إجمال أهم تلك التناقضات فيما يلي.
أولًا – تجاهل دواعي قمة العلمين: يقدم التحليل إعلان العلمين بوصفه خطوة “استباقية أو غير مبررة” لتهميش إثيوبيا، لكنه في واقع الأمر يتجاهل تمامًا مسئولية إثيوبيا عن تحول القمة إلى ضرورة؛ فإثيوبيا من يحاول مصادرة الحق في الاستفادة من مياه النيل، وهي نفسها التي تقدم الدعم لمتمردي الدعم السريع، كما أنها من هدد إريتريا بالعدوان العسكري للاستيلاء على ميناء عصب، إلى جانب توقيعها مذكرة التفاهم مع إقليم أرض الصومال الانفصالي.
يتجاهل التحليل كل هذه الخطوات التي اتخذتها إثيوبيا إلى جانب تفجر الحرب فيها كأسباب للقمة، ويزعم أن “تهميش إثيوبيا” هو السبب وراء انعقادها، في محاولة جديدة لإظهار إثيوبيا بمظهر الضحية؛ وهو أمر يتكرر كثيرًا في المحتوى الإعلامي الإثيوبي سواءً الرسمي أو البحثي.
ثانيًا – التغاضي عن خرق إعلان مبادئ 2015: بينما يستشهد الموضوع بإعلان مبادئ عام 2015 كدليل على التزام إثيوبيا بالاستخدام المنصف والمعقول، يغفل أن الإجراءات الأحادية المتكررة في عمليات ملء سد النهضة وتشغيله من دون اتفاق قانوني ملزم كانت السبب الأساسي في إنهاء فاعلية هذا الإعلان عمليًّا.
ثالثًا – القفز على قواعد القانون الدولي البحري: تحاول الباحثة فرض حق إثيوبيا بوصفها دولة حبيسة في “المشاركة في حوكمة البحر الأحمر”، متجاهلة التمييز القانوني الدولي الواضح بين حرية الملاحة والتجارة (المكفولة لجميع الدول) وبين السيادة والحوكمة البحرية التي تقتصر حصريًّا على الدول المشاطئة، وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار UNCLOS.
رابعًا – التلاعب بالمصطلحات: يرد مصطلح “الإقليمية الشاملة” في التحليل كغطاء دبلوماسي للمطالبة بمقعد على طاولة القرار البحري، من دون تقديم منطق قانوني يُلزم الدول الساحلية بإشراك دولة غير ساحلية في ترتيبات أمنية وسيادية خاصة بمياهها الإقليمية ومناطقها الاقتصادية الخالصة. ويكرر التحليل هنا سمة من سمات الأوراق البحثية الإثيوبية في نحت مصطلحات جديدة أو فرض استخدامات جديدة على مصطلحات قائمة؛ بما يخدم السردية الإثيوبية ويبتعد عن المعنى الحقيقي لتلك المصطلحات.
المشكلة في “أفورقي”
أيضًا نشر المعهد الإثيوبي تحليلًا مطوّلًا عن التطورات الأخيرة بعنوان “ما بعد الصبر الاستراتيجي” ركز كاتبه الباحث “جاشو آيفيرام إندايلاو” على سياسات الرئيس الإريتري “أسياس أفورقي” بوصفها السبب الرئيسي وراء تفجر الصراع في إثيوبيا.
يبدأ الباحث “تحليله” بالقول إن سيطرة جيش الحكومة على مدينة ميكيلي عاصمة إقليم تيجراي يعبر عن “الفشل الميداني” لما سماها “استراتيجية أفورقي القائمة على إنشاء مناطق عازلة وردع الحكومة الفيدرالية عبر الوكلاء”. ويمضي الكاتب في هذا الاتجاه فيقول إن تلك التطورات حدثت بالتزامن مع انعقاد قمة العلمين التي مرر الكاتب الإشارة فيها إلى السودان باسم “حكومة بورتسودان”. ويزعم الكاتب أن هذه القمة هدفها “الحد من صعود إثيوبيا كقوة ترسخ نفوذها على حوض النيل والبحر الأحمر”.
وفي رؤية للتوتر الإثيوبي الإريتري، ينفي الباحث أن أسباب الصراع تعود إلى رغبة إثيوبيا في الوصول إلى البحر الأحمر، ويرجعها إلى أسباب هيكلية تتجسد في عدم حسم التبعات التاريخية والانفصال القانوني لإريتريا، والمشكلة التي سماها “الأمان الوجودي” لدى إريتريا التي قال إنها “تبني هويتها الوطنية على الاستقطاب والمواجهة الدائمة مع إثيوبيا كخصم رئيسي لحشد الداخل وتبرير العسكرة”.
وأخيرًا، يخلص التحليل إلى فشل ما قال إنها “استراتيجية التطويق والحرب متعددة الجبهات” أمام ما قال إنه “التفوق العسكري للجيش الإثيوبي”، مشيرًا إلى أن ذلك يستدعي انتقال إثيوبيا من سياسة “الصبر الاستراتيجي” إلى معادلة جديدة توازن بين الحلول السياسية وبناء قوة ردع حاسمة، مع معالجة الانقسامات الداخلية.
أحلام “الإمبراطورية” الإثيوبية
بقليل من التمعن في الموضوع، يتضح أنه يتضمن العديد من أوجه القصور ونقاط الضعف المعرفية والمنهجية. ويمكن رصد أهمها كما يلي:
أولًا – تصدير الأزمة إلى مصر والخارج: على الرغم من أن الكاتب ينتقد النظام الإريتري ويرى أنه “يصدر أزماته إلى الخارج”، يقع هو نفسه في هذا المنزلق بتصدير الأزمة الراهنة في بلاده إلى مصر؛ حيث يدعي أن لمصر يدًا في تفجر الأحداث الراهنة في بلاده، كما يدّعي أن القمة التي عقدت في مصر تهدف إلى منع إثيوبيا من ترسيخ نفسها قوة في حوض النيل والبحر الأحمر؛ وهو الأمر الذي تنفيه مقررات القمة التي أكدت على رفض التدخل في الشئون الداخلية للدول.
ويُحسب للدبلوماسية المصرية عدم الانسياق وراء التصرفات العدائية الإثيوبية؛ حيث اكتفت بمبدأ المعاملة بالمثل في مسألة إبعاد الدبلوماسيين، وردت على التصريحات بالوقوف وراء الاضطرابات الراهنة في إثيوبيا بأنها “والعدم سواء” من دون حتى التصريح باسم إثيوبيا.
ثانيًا – “الشيطان يكمن في إريتريا”: إذا كان المثل الإنجليزي يقول “الشيطان يكمن في التفاصيل”، فهذا التحليل يقوم على أن “الشيطان يكمن في إريتريا”. حمّل الباحث كل المسئولية عن تدهور العلاقات بين بلاده وإريتريا للرئيس الإريتري ورغبته في البقاء في السلطة من خلال تصوير إثيوبيا على أنها عدو بلاده لحشد التأييد الداخلي. لكن هذا المنطق تعترضه عقبتان؛ الأولى واقعية والثانية منطقية.
العقبة الأولى أن إثيوبيا المسئولة عن تعقيد الأمور في تسوية النزاعات الحدودية بين البلدين عقب استقلال إريتريا مطلع التسعينيات؛ وبوجه خاص في منطقة بادمي. كذلك يقول لنا الماضي القريب إن إريتريا “لبّت النداء” الإثيوبي، عندما طلبت منها إثيوبيا الدعم في مواجهة جبهة تحرير شعب تيجراي في الحرب التي استمرت بين عامي 2020 و2022، وانتهت باتفاق بريتوريا. وتشهد تلك الفترة أيضًا أن إثيوبيا لم تفِ بالتزاماتها في الاتفاق إزاء كل من إريتريا وجبهة تيجراي. يضاف إلى ذلك أن إريتريا التزمت ضبط النفس إزاء كل التصريحات العدائية من المسئولين الإثيوبيين الذين توعدوا بالاستيلاء على ميناء عصب الإريتري بالقوة العسكرية للوصول إلى البحر الأحمر. كل هذه النقاط تقول إن إريتريا لم تظهر إلا التعاون أو ضبط النفس إزاء الاستفزازات الإثيوبية المتكررة.
النقطة الثانية منطقية؛ تتمثل في أن الباحث ينعت النظام الإريتري بالديكتاتورية المطلقة. إذا سرنا مع هذا المنطق، وقلنا إن هذه الصفة تنطبق على النظام الإريتري بالفعل، فهو ليس بحاجة إلى عدو خارجي لحشد التأييد من شعب يسيطر عليه تمامًا، ولا يترك له مساحة للتحرك ضده.
ثالثًا – أحلام “الإمبراطورية” الإثيوبية: يوزع الباحث الاتهامات على الدول المختلفة من دون أن يتوقف عند سياسات بلاده. وعلى سبيل المثال لا الحصر، يتجاهل الباحث سياسات إثيوبيا في ملف سد النهضة والنبرة الاستعلائية في التعامل مع نهر النيل باعتباره “ملكية حصرية” لإثيوبيا، ويضاف إلى ذلك التهديدات المستمرة لإريتريا بالتدخل العسكري بدءًا من الاستيلاء على ميناء عصب وصولًا إلى إسقاط النظام الإريتري. وإلى جانب ذلك، لم تتوقف الاستفزازات الإثيوبية للصومال سواء بتوقيع مذكرة تفاهم مع إقليم أرض الصومال الانفصالي أو التورط في إيصال شحنات سلاح إلى حركة الشباب الإرهابية الصومالية.
يتجاهل الباحث كل هذه الخطوات الإثيوبية التي تسير في اتجاه واحد فقط؛ هو المحاولة الوهمية لاستعادة “الإمبراطورية” الإثيوبية، وإن لم يكن من خلال السيطرة على الأراضي، فليكن بفرض النفوذ.
رابعًا – تجاهل الإمكانيات العسكرية والاقتصادية: يتحدث الكاتب عن بناء قوة ردع إثيوبية، لكنه يتغافل في ذلك عن العديد من النقاط العسكرية والاقتصادية. ومن أبرز تلك النقاط أن رفع كفاءة الجيش الإثيوبي تتطلب الكثير من الجهد على المسارات كافة؛ وفي مقدمتها المسار الاقتصادي بالنظر إلى أن الجيش الإثيوبي يحتاج إلى الكثير من الجهد والتدريب لترتقي كفاءته إلى مستوى الردع سواء من حيث تدريب الأفراد ورفع الكفاءة القتالية وبناء العقيدة الوطنية الجامعة، أو مستوى التسليح وملاءمته للتحديات الداخلية والخارجية. كل هذه الأمور تحتاج إلى تمويل قد لا يتحمله الاقتصاد الإثيوبي الذي يعاني من وطأة تداعيات الحرب في الخليج في العديد من المسارات، وغياب البنية التحتية التنموية، وغير ذلك من التحديات التي تعرقل قدرة الاقتصاد الإثيوبي على تحمل المزيد من الأعباء في الوقت الراهن.
على الجانب العسكري، تشير تطورات الميدان إلى أن ما سبق ذكره من تردي حالة الجيش الإثيوبي ليس من قبيل الدعاية، لكن التطورات الميدانية تثير الشكوك في كفاءة الجيش الإثيوبي وقدرته على التصدي للتحديات الداخلية فضلًا عن الردع الخارجي؛ ومن بين الأمثلة على ذلك نجاح قوات جبهة تحرير شعب تيجراي في السيطرة على ميكيلي عاصمة إقليم تيجراي ومطارات الإقليم في يوم واحد خلال بداية المواجهات، إلى جانب التراجع الكبير لقوات جيش الحكومة في مواجهة قوات فانو الأمهرية على جبهات القتال كافة.
خامسًا – المبالغة في تقدير الاستيلاء على ميكيلي: على الرغم من محاولات الباحث تسويق نجاح القوات الإثيوبية في الاستيلاء على مدينة ميكيلي على أنه انتصار كبير، يتجاهل الباحث أن هذا تكرر كثيرًا في المواجهات السابقة بين الطرفين؛ وهو من سنة حرب العصابات التي تتبعها الجبهة، بل إن آخر مواجهة (2020 – 2022) شهدت مفاجأة استراتيجية من جبهة تيجراي؛ فبينما كان الجيش الإثيوبي يسيطر على المدينة، استيقظ العالم على قوات تيجراي تتجه إلى أديس أبابا عاصمة البلاد، قبل أن تنسحب بعد بدء الوساطات الدولية التي انتهت إلى توقيع اتفاق بريتوريا لإنهاء الحرب.
سادسًا – تجاهل البعد الإنساني والأزمة الاجتماعية: لا يتطرق التحليل إلى الآثار الإنسانية للحرب؛ مثل النزوح والمجاعة والتمزق المجتمعي والعرقى، والكيفية التي يمكن لهذه العوامل أن تنتج بها بيئة خصبة لإعادة إنتاج الصراع بعيدًا عن التفوق العسكري لجيش الحكومة.
الخلاصة
يظهر من كل ما سبق أن إثيوبيا تعاني جراء الاستراتيجية المصرية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي؛ حيث تتمسك مصر بالقانون الدولي فيما يخص حقوق الدول المطلة على البحر الأحمر، وتبني شبكة علاقات قوية قائمة على الاحترام والمصالح المتبادلة في منطقة القرن الإفريقي.
في المقابل، لم يعد لدى إثيوبيا الكثير من الأوراق للضغط على مصر بعد أن برهنت مصر على فاعلية سياساتها المائية في الحفاظ على الأمن المائي، إلى جانب بدء تراجع الدعم السريع في السودان أمام ضربات الجيش السوداني. ومع اندلاع الحرب في الداخل، لم يعد لدى المسئولين الإثيوبيين وأذرعهم الإعلامية سوى رفع الصوت بانتقاد مصر لعل أصواتهم تخفي الصدى المدوي لخسائرهم الاستراتيجية في الإقليم.

