د. نهال حمدي
باحثة في وحدة الدراسات الإيرانية
أصبح التاريخ في كثير من الأحيان أداة فاعلة في تشكيل التصورات السياسية، وإعادة تعريف الخصوم، وتوفير مبررات أخلاقية وإستراتيجية للصراعات المعاصرة، وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أهمية خاصة، حيث استحضر في أثينا يوم 7 أكتوبر 2026، أحداث حملة الملك الأخميني خشايارشا الأول (485 ق. م. – 465 ق. م.) على أثينا عام 480 قبل الميلاد، وما ارتبط بها من تدمير للمعابد وإحراق للأماكن المقدسة، قبل أن يربط تلك الأحداث بما وصفه بالتهديدات التي تواجه الحضارة الغربية في الوقت الراهن، موجّها انتقادات حادة إلى القيادة الإيرانية.
ومن خلال قراءة تصريحات روبيو من منظور الحرب المعرفية والدعاية السياسية، تتضح أهمية هذا الخطاب خاصة في توقيته وسياقه، إذ جاء في ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، وفي إطار مسعى أوسع لإعادة تأكيد وحدة الغرب وهويته السياسية والإستراتيجية، ومن ثم، فإن استدعاء التاريخ القديم لا يمكن فصله عن الوظيفة السياسية التي يؤديها داخل الخطاب المعاصر، ولا عن تأثيره المحتمل في تشكيل الرأي العام وتصوراته بشأن طبيعة التهديد الإيراني.
أولا: الحروب اليونانية الفارسية وتأطير التهديد الإيراني
استحضر روبيو حملة خشايارشا على اليونان وما ارتبط بها من تدمير لأجزاء من أثينا، رابطا بين التهديدات التي واجهتها المدينة في العصور القديمة وما وصفه بالمخاطر الإيرانية الراهنة، وبهذا الربط، انتقل الخطاب من استعادة واقعة تاريخية محددة إلى تقديم إيران المعاصرة ضمن سردية أوسع عن التهديد الذي تواجهه الحضارة الغربية بسبب إيران.
ومن المسلم به أن هذا التوظيف يتمحور حول أن تاريخ العلاقات الإيرانية اليونانية لا يمكن اختزاله في الحروب القديمة، كما لا يصح التعامل مع الجمهورية الإسلامية باعتبارها امتدادا سياسيا مباشرا للإمبراطورية الأخمينية (550 ق. م. ــ 330 ق. م.)، ذلك أن التاريخ الإيراني، شأنه شأن تاريخ الحضارات الأخرى، يضم مراحل من الصراع والتفاعل والتبادل الثقافي والعلمي، ولا يمكن تفسيره من خلال واقعة عسكرية واحدة أو إسقاطها مباشرة على التوازنات الدولية المعاصرة.
وفي هذا السياق، يكتسب مفهوم “الحرب المعرفية” أهمية خاصة، إذ لا تقتصر المنافسة السياسية على امتلاك القوة العسكرية والاقتصادية، لكن تشمل أيضا القدرة على تحديد طبيعة الصراع، وصياغة المفاهيم التي يفهم الجمهور من خلالها الخصم، وتوجيه الانتباه نحو جوانب بعينها من الواقع.
ويؤدي هذا الشكل من تأطير الصراع باعتباره مواجهة حضارية إلى نقل النقاش من تقييم السياسات الإيرانية المحددة إلى التشكيك في طبيعة إيران ذاتها وموقعها داخل النظام الدولي، كما يمكن أن يسهم في تقسيم الأطراف الدولية إلى معسكر يدافع عن الحضارة الغربية وآخر يقدم باعتباره مصدرا للخطر، بما يضيق مساحة التفسيرات البديلة ويجعل السياسات المتشددة تبدو أكثر قابلية للتبرير.
ثانيا: ردود الفعل الإيرانية على تصريحات روبيو ودلالاتها السياسية
أثارت تصريحات روبيو ردود فعل إيرانية رسمية وشعبية، واسعة، اتجه جانب منها إلى رفض اختزال التاريخ الإيراني في الحروب القديمة، والتشكيك في توظيفه لتفسير الصراعات المعاصرة، وقد عكست هذه الردود محاولة لمواجهة السردية الأمريكية من خلال استحضار محطات أخرى من التاريخ الإيراني، والتأكيد على أن الحضارة الإيرانية لا يمكن اختزالها في صورة القوة الغازية أو الخصم الدائم للغرب.
وعلى المستوى الرسمي، انتقد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي الخطاب الأمريكي، معتبرا أنه يقدم قراءة انتقائية للتاريخ، ويربطه بتصورات سياسية معاصرة، كما استحضر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف وقائع من التاريخ القديم، من بينها أسر الملك الساساني شابور الأول للإمبراطور الروماني فاليريان، في محاولة لتقديم سردية مقابلة تؤكد القوة التاريخية لإيران وترد على الرمزية التي استخدمها روبيو.
أما على منصات التواصل الاجتماعي، فقد اتخذت التفاعلات اتجاهات متعددة، إذ ركزت بعض المنشورات على تصحيح المعلومات التاريخية أو إبراز جوانب من الحضارة الإيرانية القديمة، فيما استخدمت منشورات أخرى السخرية والنقاش السياسي للتشكيك في دوافع الخطاب الأمريكي، كما برزت مواقف تميز بين الاعتراض على الجمهورية الإسلامية وبين الدفاع عن التاريخ والهوية الوطنية الإيرانية.
وتكتسب هذه النقطة الأخيرة أهمية خاصة، لأن رفض الرواية الأمريكية لم يقتصر بالضرورة على أنصار النظام الإيراني، بل يمكن أن يصدر أيضا عن معارضين له يرفضون اختزال بلادهم في السلطة السياسية القائمة، فالموقف من النظام لا يتطابق بالضرورة مع الموقف من الهوية الوطنية أو من تاريخ إيران، وهو ما يكشف حدود محاولات توظيف الانقسامات السياسية الداخلية لتقديم صورة موحدة عن المجتمع الإيراني.
ثالثا: الأبعاد الإستراتيجية للخطاب الحضاري وتأثيره في الدبلوماسية
تمتد تصريحات روبيو من مضمونها التاريخي إلى الوظائف السياسية والإستراتيجية التي يمكن أن يؤديها هذا النوع من الخطاب، فعندما يقدم الخصم باعتباره تهديدا للحضارة وليس مجرد منافس سياسي أو أمني، يصبح من الأسهل وضع السياسات الصارمة في إطار الدفاع عن الهوية والمصير المشترك، وقد يسهم هذا التأطير في حشد الحلفاء الغربيين حول تصور موحد للتهديد، وتعزيز المبررات السياسية لزيادة الإنفاق العسكري أو تشديد الضغوط الاقتصادية، فضلا عن تقليص المساحة المتاحة أمام الأصوات التي تدعو إلى تسوية تفاوضية.
ويتصل ذلك بمفهوم “الأمننة”، أي تقديم قضية سياسية باعتبارها تهديدا استثنائيا يستوجب إجراءات تتجاوز الأدوات المعتادة لإدارة الخلافات، ذلك أن ربط إيران بتهديد وجودي للحضارة الغربية قد يدفع النقاش العام بعيدا عن تقييم ملفات محددة، مثل البرنامج النووي أو الصواريخ أو الأمن الإقليمي، نحو تصور أشمل وأكثر صعوبة في التسوية، تصبح فيه هوية الخصم وتاريخه جزءا من المشكلة، وعندما يقدم الصراع بهذه الصورة، تتحول الدبلوماسية في نظر بعض الجماهير إلى تنازل غير مقبول، بدلا من كونها وسيلة لإدارة المصالح المتعارضة وتقليل المخاطر.
ومع ذلك، لا يكفي خطاب روبيو وحده لإثبات وجود خطة أمريكية متكاملة لتبرير مواجهة عسكرية من خلال استدعاء التاريخ، إذ يتطلب تقييم هذه الفرضية النظر إلى سياق التصريحات، والسياسات المصاحبة لها، ومواقف الحلفاء والمؤسسات الأمريكية، كما أن الخطاب الحضاري قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من بينها:
- تعزيز النزعة القومية الإيرانية.
- توحيد مواقف متباينة داخليا حول رفض التدخل الخارجي.
- الإجماع الوطني على نبذ الانتقاص من التاريخ الإيراني.
ومن ثم، فإن تحليل هذه التصريحات يقتضي التمييز بين توظيف التاريخ بوصفه أداة خطابية وبين النتائج الإستراتيجية الفعلية لهذا التوظيف، ذلك أن جاح السردية السياسية لا يتوقف على تكرارها فحسب، لكن يرتبط بمدى قبول الجمهور لها، وبقدرتها على التأثير في القرارات والسياسات على أرض الواقع.
خاتمة
تكشف تصريحات ماركو روبيو في أثينا عن أهمية التاريخ بوصفه أداة في الصراع السياسي المعاصر، وعن قدرة السرديات الحضارية على إعادة تشكيل صورة الخصم وتحديد طبيعة المواجهة معه، فمن خلال استحضار حملة خشايارشا على أثينا وربطها بالتهديدات الإيرانية الراهنة، انتقل الخطاب من واقعة تاريخية محددة إلى إطار أوسع يصور التنافس مع إيران باعتباره جزءا من مواجهة بين الحضارات، وتكمن الإشكالية الأساسية في هذا الانتقال في احتمال تحويل التاريخ من مجال للفهم النقدي إلى وسيلة لتثبيت صور نمطية عن الخصوم، بما قد يعزز الاستقطاب ويضيق فرص الحوار.
وفي المقابل، أظهرت ردود الفعل الإيرانية أن الهوية التاريخية لا تتطابق بالضرورة مع الانتماءات السياسية، وأن رفض اختزال إيران في صورة تهديد دائم قد يجمع بين أطراف تختلف في مواقفها من النظام القائم. كما كشف السجال عن تحول التاريخ إلى ساحة إضافية للتنافس على الشرعية والمعنى، تستخدم فيها الأطراف روايات الماضي لتفسير الحاضر وتوجيه تصورات المستقبل.
