آية محسب عبد الحميد مصطفى

باحثة دكتوراه/ معهد البحوث والدراسات الافريقية ودول حوض النيل- جامعة أسوان

 

المقدمة

تثير الصراعات الداخلية المستمرة في إثيوبيا تساؤلات متجددة بشأن قدرة النظام الفيدرالي على إدارة التعدد الإقليمي والحفاظ على تماسك الدولة. فعلى الرغم من تعدد التفسيرات السياسية والإثنية والأمنية لهذه الصراعات، فإن استمرار التوترات بين الحكومة الفيدرالية والقوى المسلحة في عدد من الأقاليم يبرز أهمية النظر إلى الأبعاد الاقتصادية والمؤسسية التي تتفاعل مع الخلافات القائمة. وقد أعادت التطورات التي شهدتها إثيوبيا خلال عام 2026م طرح هذه الإشكالية، في ظل استمرار المواجهات المسلحة والتحديات المرتبطة باستعادة الخدمات العامة وإعادة بناء المؤسسات في المناطق المتضررة.

وفي هذا السياق، تكتسب الفيدرالية المالية أهمية خاصة باعتبارها الإطار الذي ينظم توزيع الإيرادات العامة والاختصاصات الإنفاقية بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم. فرغم ما تتمتع به الحكومات الإقليمية من صلاحيات مالية وإدارية، فإن قدرتها على تمويل الخدمات والوفاء بالتزاماتها ترتبط بدرجات متفاوتة بالموارد الذاتية والتحويلات الاتحادية والإيرادات المشتركة. ومن ثم، فإن العلاقة المالية بين مستويات الحكم لا تقتصر على إدارة الموازنة العامة، وإنما تمتد إلى قدرة الأقاليم على ممارسة اختصاصاتها والاستجابة لاحتياجات سكانها، بما يجعل توزيع الموارد أحد الأبعاد المؤسسية المهمة لفهم العلاقة بين المركز والأقاليم.

وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل التفاوتات الاقتصادية والمالية بين الأقاليم الإثيوبية، واختلاف قدراتها على تعبئة الإيرادات وتحمل مسؤوليات الإنفاق، فضلا عن الضغوط الإضافية التي تفرضها النزاعات المسلحة على الأنشطة الاقتصادية والخدمات الأساسية. ورغم الدور الذي تؤديه التحويلات الاتحادية في تقليص بعض الفجوات المالية، فإن استمرار التفاوتات في القدرات والاحتياجات، إلى جانب التحديات المرتبطة بمعايير التخصيص وكفاءة التنفيذ، يطرح تساؤلات بشأن مدى قدرة النظام المالي الاتحادي على إدارة هذه الاختلالات، خاصة في الأقاليم التي تواجه احتياجات استثنائية مرتبطة بالصراع وإعادة الإعمار.

وانطلاقا من ذلك، تتمثل إشكالية الدراسة في التساؤل حول كيفية تفاعل العلاقات المالية بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم مع التفاوتات الاقتصادية والصراعات الداخلية، ومدى انعكاس هذا التفاعل على قدرة الدولة الإثيوبية على الحفاظ على تماسكها. ولا تنطلق الدراسة من افتراض أن الاختلالات المالية تمثل سببا مباشرا لاندلاع النزاعات، وإنما تسعى إلى تحليل دورها المحتمل في تشكيل قدرة المؤسسات الإقليمية على الاستجابة لتداعيات الصراع، في ضوء تداخلها مع العوامل السياسية والأمنية والإثنية.

ولمعالجة هذه الإشكالية، تعتمد الدراسة على منهج الاقتصاد السياسي المقارن، من خلال تحليل ترتيبات توزيع الموارد المالية، ومقارنة وصفية للأوضاع المالية المرتبطة بالصراعات في أقاليم تيغراي وأمهرة وأوروميا خلال الفترة 2020-أكتوبر 2026م، مع مراعاة اختلاف المؤشرات والسنوات المرجعية المتاحة. وتتناول الدراسة ثلاثة محاور رئيسية؛ يبحث المحور الأول في بنية الفيدرالية المالية وتوزيع الموارد بين المركز والأقاليم، ويحلل المحور الثانى تفاعل الصراعات الداخلية مع الأوضاع المالية في الأقاليم الثلاثة، بينما يستشرف المحور الثالث مسارات الإصلاح المالي والمؤسسي وانعكاساتها على تماسك الدولة الإثيوبية والاستقرار الإقليمي والمصالح المصرية.

المحور الأول: الفيدرالية المالية في إثيوبيا: توزيع الموارد وإعادة تشكيل العلاقة بين المركز والأقاليم

لا يمكن فهم طبيعة العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم الإثيوبية بمعزل عن النظام المالي الذي ينظم توزيع الإيرادات العامة ومسؤوليات الإنفاق بينها. فرغم أن الفيدرالية الإثيوبية قامت على الاعتراف بالتعدد القومي والإقليمي ومنح الأقاليم سلطات دستورية وإدارية، فإن ممارسة هذه السلطات ترتبط أيضا بقدرتها على توفير الموارد اللازمة لتمويل الخدمات والوظائف العامة. ومن ثم، تكتسب الفيدرالية المالية أهمية تتجاوز إدارة الموازنة، باعتبارها أحد الأطر المؤسسية التي تتحدد من خلالها العلاقة بين الاستقلال الإقليمي والسلطة الاقتصادية للحكومة المركزية.

أولا: البنية الدستورية والمؤسسية لتوزيع الإيرادات والاختصاصات المالية

تعود الأسس الدستورية للفيدرالية المالية في إثيوبيا إلى دستور عام 1995م، الذي أرسى نظاما اتحاديا يقوم على توزيع الاختصاصات بين الحكومة الفيدرالية والحكومات الإقليمية. وقد شهد البناء الاتحادي تطورات متعاقبة، من بينها إنشاء أقاليم جديدة، ليصل عدد الأقاليم إلى اثني عشر إقليما بحلول عام 2023م، إلى جانب مدينتي أديس أبابا ودير داوا الخاضعتين لترتيبات اتحادية خاصة. وقد انعكس هذا التوسع في زيادة تعقيد إدارة الموارد العامة، في ظل اختلاف الأقاليم من حيث الحجم السكاني والقدرات الاقتصادية ومستويات التنمية.[1]

ويحدد الدستور الإثيوبي توزيع السلطات المالية بين مستويات الحكم؛ إذ تمنح المادة (96) الحكومة الفيدرالية صلاحيات ضريبية تشمل الرسوم الجمركية والضرائب على الواردات والصادرات، بينما تخول المادة (97) الحكومات الإقليمية تحصيل ضرائب مرتبطة بدخول العاملين والمنشآت الخاصة والأنشطة الزراعية وبعض الأنشطة الاقتصادية الواقعة ضمن اختصاصها. وتنظم المادة (98) مصادر الضرائب المشتركة، في حين تمنح المادة (62/7) مجلس الاتحاد سلطة تحديد كيفية اقتسام الإيرادات المشتركة وتوزيع الإعانات المالية على الأقاليم. ويكشف هذا التنظيم عن أن الاستقلال المالي للأقاليم يقوم على مزيج من الموارد الذاتية والإيرادات المشتركة والتحويلات الاتحادية، وليس على سلطاتها الضريبية المنفردة فقط.[2]

وفي جانب الإنفاق، تضطلع الحكومة الفيدرالية بمسؤوليات الدفاع الوطني والبنية التحتية القومية وصياغة التوجهات العامة للتنمية، بينما تتولى الحكومات الإقليمية جانبا مهما من مسؤوليات تقديم الخدمات الأساسية، ولا سيما التعليم والصحة، وفقًا للاحتياجات المحلية. ويترتب على ذلك أن توزيع الاختصاصات الإنفاقية لا يقابله بالضرورة توزيع مماثل للقدرة على تحصيل الإيرادات. وعلى الرغم من أن هذا التفاوت يمثل إحدى السمات المعروفة للنظم الفيدرالية، فإنه يكتسب أهمية خاصة في إثيوبيا بسبب تباين القواعد الاقتصادية والضريبية بين الأقاليم، واعتمادها بدرجات متفاوتة على الموارد المحولة من الحكومة الاتحادية.[3]

ثانيا: التحويلات المالية والتفاوتات الاقتصادية بين الأقاليم

تمثل التحويلات المالية الاتحادية إحدى الآليات الرئيسية لمعالجة الاختلالات المالية بين مستويات الحكم في إثيوبيا. ويظهر الاختلال الرأسي عندما تتجاوز مسؤوليات الإنفاق في الأقاليم قدرتها على تعبئة الإيرادات المتاحة لها، بينما ينشأ الاختلال الأفقي من تفاوت القدرات المالية والاحتياجات التنموية بين الأقاليم نفسها. وقد أوضح صندوق النقد الدولي أن الحكومات الإقليمية لم تكن قادرة، خلال العقدين الأولين من تطبيق الفيدرالية، على تغطية سوى نحو ثلث التزاماتها الإنفاقية من إيراداتها الخاصة. ورغم التحسن الذي تحقق لاحقا نتيجة زيادة حصتها في الإيرادات المشتركة، ظلت التحويلات الاتحادية عنصرا أساسيا في تمويل موازناتها.[4]

ويعتمد النظام الإثيوبي بصورة رئيسية على المنح العامة غير المشروطة، التي تهدف إلى تمكين الأقاليم من تقديم مستويات متقاربة من الخدمات الأساسية مع مراعاة تفاوت قدراتها الإيرادية. وتستكمل هذه المنح بتحويلات مخصصة لأغراض محددة، منها الاستثمارات المرتبطة بأهداف التنمية المستدامة وبرامج الحماية الاجتماعية. غير أن وجود هذه الآليات لا يعني بالضرورة قدرتها على إزالة الفوارق التنموية؛ إذ تتوقف فاعليتها على حجم الموارد المتاحة، ودقة احتساب الاحتياجات الإنفاقية، وكفاءة إدارتها واستخدامها داخل الأقاليم.[5]

وتكشف نتائج التحليل الذي أجراه صندوق النقد الدولي، بالاعتماد على حسابات تنفيذ الموازنات الإقليمية لعام 2023/2024م، ومؤشرات الفقر متعدد الأبعاد التي تعود بياناتها إلى عام 2021م، أن المنح الاتحادية ساعدت في تقليص بعض الفجوات المالية بين الأقاليم، لكنها لم تعوض بصورة كاملة الفروق المرتبطة بالقدرات الإيرادية ومستويات الحرمان. فقد أظهرت النتائج أن الأقاليم التي ترتفع فيها مستويات الفقر متعدد الأبعاد تميل إلى الاعتماد بدرجة أكبر على المنح العامة، بينما لا توجد علاقة إحصائية واضحة تربط نصيب الفرد من هذه المنح بمستوى الفقر أو الإيرادات الذاتية للإقليم. وهو ما يشير إلى وجود فجوة بين الوظيفة التوزيعية المستهدفة للمنح ودرجة استجابتها الفعلية للاحتياجات التنموية المختلفة.[6]

واكتسبت قضية التحويلات المالية أهمية متجددة مع الموازنة الاتحادية الإثيوبية للسنة المالية 2026/2027م، التي بلغ إجمالي اعتماداتها نحو 2.339  تريليون بر إثيوبي.  ووفقا لوثيقة الموازنة المنشورة على الموقع الرسمي لوزارة المالية، خصص نحو 520.56  مليار بر لدعم الأقاليم، إلى جانب 14 مليار بر لدعم تنفيذ أهداف التنمية المستدامة.  وتوضح هذه المخصصات استمرار الدور المالي للحكومة الاتحادية في تمويل الحكومات الإقليمية. غير أن حجم الاعتمادات وحده لا يكفي للحكم على عدالة توزيع الموارد أو كفاءة تنفيذها، ما لم يربط بالاحتياجات الفعلية للأقاليم وقدراتها الإيرادية ومستويات الإنفاق على الخدمات العامة.[7]

ثالثا: الاقتصاد السياسي لتوزيع الموارد بين معايير العدالة والحسابات السياسية

لم يقتصر تطور الفيدرالية المالية الإثيوبية على تعديل حصص الإيرادات أو زيادة التحويلات، بل شمل أيضا إعادة النظر في المعايير التي تحدد نصيب كل إقليم من المنح الاتحادية. فبعد أن استندت صيغ التوزيع السابقة إلى مؤشرات السكان والتنمية والقدرة على تعبئة الإيرادات، شهد عام 2007م تحولا نحو تقدير الفجوات بين الاحتياجات الإنفاقية والقدرات الإيرادية للأقاليم. واستمرت هذه المقاربة في صيغة عام 2017م، التي خصصت أيضا حصة محدودة لدعم أربعة أقاليم أقل تقدما هي عفار، وبني شنقول-قمز، وجامبيلا، والصومال. ومع ذلك، ظل تحديد الحجم الإجمالي للمنح خاضعا لقرارات الموازنة الاتحادية والقيود المفروضة على الموارد العامة.[8]

وكشفت دراسة Bizuneh Yimenu ، عن تداخل الاعتبارات السياسية مع المعايير المالية في توزيع المنح الإقليمية. وبالاعتماد على بيانات الفترة 1995-2020م، أظهرت الدراسة أن حجم السكان يمثل عاملا رئيسيا في تحديد حصص الأقاليم، لكنها رصدت أيضا أنماطا من المحاباة الإقليمية ذات الطابع الإثني خلال المراحل الأولى للفيدرالية، قبل أن تتطور عملية توزيع الموارد نحو أشكال أكثر تعقيدا من التفاوض السياسي بين الحكومة المركزية والسلطات الإقليمية. وتشير هذه النتائج إلى أن وجود معادلة رسمية لتوزيع المنح لا يستبعد تأثر عملية تخصيص الموارد بموازين القوى والمساومات السياسية.[9]  غير أن نتائج الدراسة تقتصر على الفترة 1995-2020م، ولا تكفي وحدها للحكم على استمرار أنماط التخصيص نفسها حتى عام 2026.

وقد برزت تحديات التطبيق بصورة أكثر وضوحا في أكتوبر 2025م؛ إذ نقلت صحيفة The Reporter Ethiopia انتقادات أعضاء بمجلس الاتحاد بشأن عدم الإدراج المستقل لبعض الأقاليم المستحدثة، مثل جنوب إثيوبيا ووسط إثيوبيا وجنوب غرب إثيوبيا، في الصيغة المعمول بها لتوزيع المنح. وأرجع مسؤولون برلمانيون تأخر تحديث الصيغة إلى نقص البيانات السكانية والاقتصادية الحديثة اللازمة لتقدير الاحتياجات المالية لهذه الأقاليم. وتوضح هذه التطورات أن مشكلات توزيع الموارد لا ترتبط فقط بالقواعد القانونية، بل تمتد إلى القدرة الإحصائية والمؤسسية على تطبيقها بصورة تراعي التحولات المستمرة في البنية الإقليمية للدولة.[10]

وفي المقابل، شهدت منظومة تقاسم الإيرادات المشتركة تطورات خلال السنوات الأخيرة؛ إذ أعلن مجلس الاتحاد في فبراير 2026م تحويل نحو 71.33 مليار بر إلى الأقاليم من حصيلة الإيرادات المشتركة خلال الأشهر السبعة الأولى من السنة المالية الإثيوبية 2025/2026م. كما كشفت المراجعة الخامسة لصندوق النقد الدولي في يوليو 2026م أن الحكومة تعتزم إحالة مقترح يتعلق بتوزيع حصيلة الضريبة على ملكية المركبات إلى مجلس الاتحاد، في إطار الإصلاحات الضريبية المقررة. ويعكس ذلك استمرار إعادة تنظيم العلاقات المالية بين المركز والأقاليم، سواء من خلال تطوير آليات اقتسام الإيرادات القائمة أو تحديد الاختصاصات المتعلقة بمصادر ضريبية جديدة.[11]

ومن ثم، تكشف التجربة الإثيوبية عن مفارقة مؤسسية تتمثل في اتساع المسؤوليات المالية والإنفاقية للأقاليم، مقابل استمرار اعتمادها بدرجات متفاوتة على القرارات والتحويلات الصادرة عن الحكومة الاتحادية. وعلى الرغم من أن هذه التحويلات تؤدي وظيفة مهمة في إعادة توزيع الموارد وتقليص الفجوات التنموية، فإن استمرار التفاوتات في القدرات المالية، والتحديات المرتبطة بتحديث البيانات اللازمة لتوزيع الموارد، إلى جانب ما كشفته الدراسات السابقة من تأثير الاعتبارات السياسية في تخصيص المنح خلال مراحل مختلفة، يثير تساؤلات بشأن مدى قدرة النظام المالي الاتحادي على تعزيز العدالة في توزيع الموارد والثقة بين مستويات الحكم. وتكتسب هذه الإشكالية أهمية خاصة عند الانتقال إلى دراسة الأقاليم التي شهدت صراعات مسلحة، حيث يصبح من الضروري التمييز بين الاختلالات المالية القائمة قبل النزاع والآثار الاقتصادية والمالية التي ترتبت عليه.

المحور الثاني: الصراعات الداخلية وإعادة تشكيل العلاقات المالية بين المركز والأقاليم الإثيوبية

تكشف الصراعات الداخلية في إثيوبيا عن تداخل الأبعاد السياسية والأمنية مع الاختلالات الاقتصادية والمالية التي تواجه الأقاليم. فالحرب لا تؤدي فقط إلى تدمير الأصول الإنتاجية وتعطيل الخدمات العامة، وإنما قد تؤثر أيضا في قدرة الحكومات الإقليمية على تحصيل الإيرادات وتنفيذ موازناتها، في الوقت الذي ترتفع فيه احتياجات الإنفاق على إعادة الإعمار والحماية الاجتماعية. وتتباين طبيعة هذه الضغوط بين الأقاليم تبعا لخصائصها الاقتصادية ومصادر تمويلها ومسار الصراع داخلها. ومن ثم، تتيح المقارنة بين تيغراي وأمهرة وأوروميا تحليل ثلاثة أنماط مختلفة من العلاقة بين الموارد المالية والصراع، بما يساعد على تحديد مدى ارتباط الاستقلال المالي الإقليمي بقدرة الدولة على استعادة الاستقرار وتقديم الخدمات العامة.[12]

أولا: إقليم تيغراي: تداعيات الحرب وإعادة الإعمار على العلاقات المالية مع الحكومة الفيدرالية

أفرزت حرب تيغراي خلال الفترة 2020-2022م تحديات مالية ومؤسسية تجاوزت الخسائر المباشرة للأنشطة الاقتصادية، إذ تأثرت قدرة مؤسسات الإقليم على ممارسة وظائفها وتقديم الخدمات العامة. ومع توقيع اتفاق وقف الأعمال العدائية في بريتوريا في نوفمبر 2022م، أصبحت استعادة العلاقة المالية مع الحكومة الفيدرالية إحدى القضايا الرئيسية المرتبطة بإعادة تشغيل المؤسسات. وقد كشفت مشاورات أجرتها وزارة المالية الإثيوبية مع الإدارة المؤقتة لتيغراي في أبريل 2023م عن حجم الأزمة، حيث أقر مسؤولو الإقليم آنذاك بعدم قدرته على توليد إيرادات محلية كافية، وطالبوا بآلية دعم استثنائية لمعالجة الفجوة التمويلية. وهو ما يعكس انتقال الأزمة من تعطيل الأنشطة الاقتصادية إلى إضعاف القدرة المالية للمؤسسات الإقليمية نفسها.[13]

وفي محاولة لمعالجة هذه الأوضاع، أعلنت وزارة المالية خلال المشاورات نفسها استئناف صرف المنح العامة للإقليم، إلى جانب تخصيص نحو 45 مليون دولار لأنشطة طارئة في التعليم والصحة والمياه والصرف الصحي ضمن مشروع التعافي وإعادة الإعمار والقدرة على الصمود. كما أشارت إلى وجود مخصصات تتجاوز 182 مليون دولار جاهزة للصرف عبر قطاعات مختلفة. غير أن الإعلان عن هذه المخصصات لا يعني تنفيذها بالكامل؛ إذ أظهرت المشاورات استمرار التحديات المرتبطة بإجراءات المشتريات العامة وسرعة إتاحة التمويل. ويكشف ذلك أن استعادة التدفقات المالية الاتحادية تمثل شرطا مهما لإعادة تشغيل المؤسسات، لكنها لا تكفي وحدها لضمان تعافي الخدمات إذا ظلت القدرات الإدارية والتنفيذية محدودة.[14]

وتتضح استمرارية الضغوط المالية عند النظر إلى الاحتياجات الناجمة عن النزوح وإعادة الإعمار؛ إذ أشار تقرير اليونيسف لنهاية عام 2025م إلى بقاء أكثر من 740 ألف نازح داخل تيغراي، ينحدر نحو 80% منهم من المناطق المتنازع عليها بين إقليمي تيغراي وأمهرة. كما قدرت المنظمة الاحتياجات التمويلية لخطة متعددة القطاعات لدعم العودة بنحو 35 مليون دولار، في ظل استمرار المعوقات التي حالت دون عودة واسعة النطاق للنازحين إلى مناطقهم الأصلية. وتفرض هذه الأوضاع احتياجات إضافية تتعلق بإعادة تأهيل البنية الأساسية وتوفير الخدمات للأسر النازحة والمجتمعات المستضيفة، وهو ما يجعل تقييم كفاية الموارد المالية للإقليم مرتبطًا بحجم الاحتياجات الفعلية، وليس فقط بقيمة المنح السنوية المخصصة له.[15]

واكتسبت هذه الإشكالية بعدا أكثر تعقيدا مع تجدد المواجهات العسكرية في سبتمبر وأكتوبر 2026م؛ إذ شهدت مدينة ميكيلي تغيرات متلاحقة في السيطرة الميدانية، قبل دخول قوات متحالفة مع الحكومة الفيدرالية إليها عقب انسحاب قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي. وأفادت وكالة أسوشيتد برس في 9 أكتوبر بأن مكاتب حكومية محلية ظلت مغلقة، بينما أعلنت الحكومة عزمها استعادة الخدمات المصرفية والكهرباء والاتصالات والمياه دون جدول زمني محدد. وتثير هذه التطورات مخاطر جديدة تتعلق باستمرارية الإدارة المالية وتحصيل الإيرادات وصرف المستحقات وتمويل الخدمات، حتى مع بقاء الاعتمادات المالية المقررة على المستوى الاتحادي.[16]

وفي ضوء ما سبق، توضح حالة تيغراي أن العلاقة المالية بين المركز والإقليم لا ترتبط فقط بمسألة توزيع الإيرادات، بل تمتد إلى قدرة المؤسسات الاتحادية والإقليمية على إدارة التعافي الاقتصادي واستعادة الخدمات. ويعني ذلك أن الاعتماد على المنح الاتحادية قد يوفر موردا ضروريا لإعادة البناء، لكنه يظل مرتبطا بفاعلية التنسيق المؤسسي والاستقرار الأمني. وتبرز هنا أهمية التمييز بين حجم التمويل المقرر، والموارد التي تصل فعليا إلى المؤسسات الإقليمية، وقدرتها على تحويلها إلى خدمات يستفيد منها السكان.[17]

ثانيا: إقليم أمهرة: الصراع المسلح وضغوط تعبئة الإيرادات والإنفاق العام

تختلف حالة أمهرة عن تيغراي في أن التحديات المالية للإقليم لا يمكن تفسيرها بتداعيات الصراع المسلح الأخير وحدها؛ إذ تشير الأدلة الأكاديمية إلى وجود اختلالات مالية سبقت تصاعد المواجهات مع مجموعات فانو المسلحة منذ عام 2023م. فقد توصلت دراسة محكمة بعنوان The Fiscal Outlook, Resource Envelope and Revenue Prospect of Amhara Region, Ethiopia، نشرت إلكترونيا في أكتوبر 2025م، بالاعتماد على بيانات تاريخية من مكاتب المالية والتخطيط الإقليمية، إلى أن أداء المالية العامة للإقليم يعاني اختلالات ترتبط بضعف كفاءة تعبئة الإيرادات وجودة الإنفاق، مع استمرار تجاوز النفقات للموارد الذاتية والاعتماد بدرجة كبيرة على المنح الاتحادية. وتشير هذه النتائج إلى أن الإقليم دخل مرحلة التصعيد المسلح وهو يواجه أصلا قيودا هيكلية على قدرته التمويلية.[18]

وتظهر الدراسة نفسها أن قدرة أمهرة على تعبئة الإيرادات ارتبطت بدرجة كبيرة بمصادر الضرائب المباشرة، مع استمرار الحاجة إلى تطوير القاعدة الضريبية وتحسين كفاءة تخصيص الموارد. وقد بلغ متوسط مؤشر الأداء المالي المركب الذي استخدمته الدراسة نحو 0.42 خلال الفترة التاريخية محل التحليل ، بما يعكس محدودية الأداء وفق مكونات المؤشر التي تشمل كفاءة الإيرادات وجودة الإنفاق. لكن هذه النتائج لا تقيس الوضع المالي خلال مواجهات 2023-2026م بصورة مباشرة؛ وإنما تقدم خط أساس يمكن الاستناد إليه لفهم طبيعة الهشاشة المالية السابقة للصراع، ومدى احتمال تفاقمها مع اضطراب النشاط الاقتصادي والخدمات العامة.[19]

وقد أضاف استمرار الصراع ضغوطا جديدة على البيئة التي تعمل فيها المؤسسات الاقتصادية والمالية. ووفقا لبيانات مشروع رصد مواقع النزاعات المسلحة وأحداثها (ACLED)، سجل أكثر من 90 اشتباكا بين حركة فانو وقوات الأمن في إقليم أمهرة يوم 1 يونيو 2026م، بالتزامن مع إجراء الانتخابات الإثيوبية. كما أدت إجراءات إغلاق الطرق التي أعلنتها مجموعات مسلحة إلى تعطيل بعض خطوط النقل بين مدن رئيسية في الإقليم يوم 29 مايو من العام نفسه. وتكشف هذه التطورات عن إحدى القنوات المحتملة لتأثير النزاع في المالية العامة المحلية، من خلال اضطراب حركة التجارة، وزيادة تكاليف النقل، وصعوبة الوصول إلى الأسواق. ومع ذلك، لا تكفي بيانات الاشتباكات وحدها لتقدير حجم الخسائر الضريبية، بل يتطلب ذلك الاستناد إلى بيانات التحصيل الضريبي الفعلي خلال الفترات المتأثرة.[20]

ولا تقتصر التداعيات المالية على جانب الإيرادات، بل تمتد إلى ارتفاع الاحتياجات الإنفاقية المرتبطة باستعادة الخدمات الأساسية. فقد أشار تقرير اليونيسف لنهاية عام 2025م، نقلا عن مكتب التعليم بإقليم أمهرة، إلى وجود نحو 3.2 ملايين طفل خارج المدارس نتيجة استمرار الصراع وانعدام الأمن. كما أوضح التقرير أن النزاع تسبب في أضرار واسعة للبنية التعليمية وإغلاق المدارس ونزوح المعلمين والطلاب. وفي يوليو 2026م، أعلنت اليونيسف إعادة تأهيل 13 مدرسة في الإقليم بدعم من شركائها. وتبرز هذه الأوضاع حجم الفجوة بين الاحتياجات الناجمة عن الصراع وقدرة المؤسسات المحلية على تمويل إعادة التأهيل واستعادة انتظام الخدمات، بما يرفع أهمية تحديد أولويات الإنفاق العام خلال فترات النزاع والتعافي.[21]

وفي هذا السياق، تتضح أهمية التمييز بين اعتماد الإقليم على المنح الاتحادية وبين قدرة هذه المنح على الاستجابة للأضرار الاقتصادية الناجمة عن النزاع. قد يسهم التمويل العام في حماية الحد الأدنى من الإنفاق الجاري، لكنه لا يضمن بالضرورة توافر موارد كافية لإعادة تأهيل المدارس والمرافق الصحية والبنية الأساسية المتضررة. وقد أوضح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن المرحلة الثانية من مرفق دعم السلام خلال 2025-2027م تستهدف إعادة تشغيل المؤسسات المحلية والخدمات العامة وتنشيط سبل كسب العيش في المناطق المتضررة من النزاع، بالتنسيق مع وزارة المالية والمكاتب المالية الإقليمية. ويبرز ذلك أن إعادة بناء القدرات المالية والمؤسسية تمثل جزءا من عملية التعافي، وليست مجرد نتيجة لاحقة لانتهاء المواجهات العسكرية.[22]

ثالثا: إقليم أوروميا: الموارد الاقتصادية وحدود الاستقلال المالي في ظل استمرار التوترات

تقدم أوروميا حالة مختلفة نسبيا؛ إذ يجمع الإقليم بين قاعدة اقتصادية وإيرادية واسعة، واستمرار الاضطرابات المسلحة في عدد من مناطقه. وتظهر البيانات المنشورة على الموقع الرسمي لمكتب إيرادات أوروميا أن الإيرادات المحصلة بلغت نحو 83.35 مليار بر في عام 2023م، وارتفعت إلى نحو 123.04 مليار بر في عام 2024م، بينما استهدف المكتب تحصيل نحو 205.5 مليارات بر خلال خطة عام 2025م. وتعكس هذه البيانات اتساع النشاط الإيرادي للإقليم، لكنها لا تثبت تحقيق مستهدف عام 2025م، كما أن ارتفاع الحصيلة بالقيمة الاسمية لا يكفي وحده للحكم على تحسن القدرة المالية الحقيقية في ظل تغير الأسعار واتساع الالتزامات الإنفاقية.[23]

وفي المقابل، لم يؤد اتساع القاعدة الإيرادية إلى انتهاء التوترات الأمنية داخل الإقليم. فوفقا لتحليل ACLED المنشور في يوليو 2026م، شهد الأول من يونيو تسعة اشتباكات مسلحة بين جيش تحرير أورومو وقوات الأمن، تركز معظمها في منطقة شرق ووليغا، إلى جانب هجمات على المدنيين والممتلكات في منطقة أرسي. ويعكس ذلك تفاوت الأوضاع الأمنية بين المناطق المحلية داخل الإقليم. ومن الناحية الاقتصادية، قد تؤدي هذه التفاوتات إلى اختلاف قدرة الإدارات المحلية على تعبئة الإيرادات وتنفيذ الخدمات، بما يجعل إجمالي الحصيلة المالية لأوروميا مؤشرا غير كاف للحكم على الأوضاع المالية في المناطق المتضررة من الصراع.[24]

وتكشف تداعيات النزاع على قطاع التعليم عن أهمية هذه الفوارق المحلية؛ إذ أوضحت اليونيسف في يناير 2025م أن المواجهات المسلحة في مديرية ليبن بإقليم أوروميا تسببت في أضرار جسيمة لتسع مدارس، ما أثر في تعليم أكثر من ستة آلاف طالب. كما بين تقرير المنظمة لنهاية عام 2025م دعم التحاق 52,419 طفلا ببرامج التعليم والتهيئة المدرسية المعجلة في الإقليم، إلى جانب توفير تدخلات صحية في المناطق المتأثرة بالجفاف والصراع. ولا تعني هذه الأرقام أن جميع احتياجات أوروميا التعليمية والصحية تنشأ عن العنف المسلح وحده، لكنها توضح استمرار وجود احتياجات محلية تستلزم تمويلا وخدمات تتجاوز ما تكشفه المؤشرات الإجمالية للإيرادات الإقليمية.[25]

ومن منظور المالية العامة، تثير حالة أوروميا تساؤلا يتجاوز حجم الإيرادات الإقليمية إلى كيفية توزيع الموارد بين المناطق المحلية، ومدى قدرة المؤسسات على توجيه التمويل إلى المناطق التي تواجه احتياجات استثنائية. فحتى مع امتلاك الإقليم قدرة معتبرة على التحصيل، قد تظل بعض المديريات بحاجة إلى تحويلات داخلية أو دعم مخصص لاستعادة الخدمات والأنشطة الاقتصادية. وقد أشار البنك الدولي في يونيو 2026م إلى أن برامج التعافي الاقتصادي في المناطق الإثيوبية المتضررة من الصراع تحتاج إلى مراعاة اختلاف أوضاع الأسواق والأصول الإنتاجية والقيود التي تواجه الأسر، بما فيها النساء النازحات. وفي ضوء ذلك، تشير المقارنة بين القاعدة الإيرادية للإقليم والاحتياجات المحلية المتفاوتة إلى أهمية دراسة كيفية توزيع الموارد على المديريات المختلفة، ومدى قدرة المؤسسات الإقليمية على توجيه الإنفاق نحو المناطق المتضررة من الصراع، دون أن تكفي البيانات المتاحة لإثبات وجود اختلال محدد في هذا التوزيع.[26]

وتوضح المقارنة بين الأقاليم الثلاثة أن الصراع يتفاعل مع الهياكل المالية بطرق مختلفة؛ ففي تيغراي تبرز إشكالية استعادة القدرة الإيرادية وتمويل إعادة الإعمار، وفي أمهرة تتداخل الاختلالات المالية السابقة مع أعباء النزاع المستمر، بينما تكشف أوروميا عن تحديات توزيع الموارد داخل إقليم يمتلك قاعدة إيرادية أوسع. وتنعكس هذه الفروق في أهمية التحويلات الاتحادية؛ إذ تظهر وثيقة الموازنة الاتحادية الإثيوبية للسنة المالية 2026/2027م تفاوت الاعتمادات المالية المخصصة لدعم الأقاليم الثلاثة، بما يشمل الموارد الممولة من الخزانة الاتحادية والمساعدات الخارجية، على النحو التالي:

جدول (1): اعتمادات الدعم المالي الاتحادي لأقاليم إثيوبية مختارة وفق موازنة 2026/2027م (مليار بر إثيوبي).

أبرز التحديات المالية المرتبطة بالصراع الاعتمادات المخصصة (مليار بر) الإقليم
إعادة بناء المؤسسات والقاعدة الإيرادية وتمويل التعافي 31.385 تيغراي
معالجة الاختلالات المالية وضمان استمرارية الخدمات 112.424 أمهرة
التفاوت في الاحتياجات والقدرات بين المناطق المحلية 179.358 أوروميا

المصدر: Federal Democratic Republic of Ethiopia, Ministry of Finance. (2026). 2019 E.C. Federal Government Budget Proclamation, Part One, p. 4, Article 7, Subsections 7.1, 7.3, and 7.4. https://www.mofed.gov.et/media/filer_public/8c/b2/8cb25556-20ac-4469-800d-ec6cb49d9ec1/2019_e_c_budget_year_goe_federal_budget_proclamation_part_one.pdf

ملاحظة: الأرقام مقربة إلى ثلاث منازل عشرية، أما التحديات المالية الواردة في الجدول فقد استخلصت من التحليل المقارن للأقاليم الثلاثة.

وتمثل هذه الأرقام اعتمادات مالية مدرجة في وثيقة الموازنة، وليست بيانات عن الصرف الفعلي، كما أنها لا تعكس بمفردها مستوى العدالة في التوزيع، نظرا إلى اختلاف أحجام السكان والاحتياجات الإنفاقية والقدرات الإيرادية بين الأقاليم.

وبناء على ذلك، لا يمكن تفسير الصراعات الإثيوبية بوصفها نتيجة مباشرة للاختلالات المالية وحدها، كما لا يمكن فصل تداعياتها الاقتصادية عن قدرة الأقاليم على ممارسة اختصاصاتها. فالعلاقة بين الصراع والمالية العامة تتسم بالتأثير المتبادل؛ إذ يمكن للاختلالات القائمة أن تزيد صعوبة الاستجابة للاحتياجات المحلية، بينما يؤدي العنف إلى تعطيل الأنشطة الاقتصادية والخدمات ورفع أعباء الإنفاق. ومن هنا، تصبح إعادة النظر في فاعلية العلاقات المالية بين المركز والأقاليم أحد المداخل المهمة لفهم حدود قدرة النظام الفيدرالي الإثيوبي على احتواء التوترات وتعزيز التماسك الداخلي، وهو ما يستدعي الانتقال إلى بحث مسارات الإصلاح المالي والمؤسسي وانعكاساتها الاستراتيجية.

المحور الثالث: الفيدرالية المالية ومستقبل تماسك الدولة الإثيوبية: مسارات الإصلاح والتداعيات الاستراتيجية

تثير الاختلالات المالية التي تواجه الأقاليم الإثيوبية تساؤلات تتجاوز كفاءة توزيع الإيرادات إلى قدرة النظام الفيدرالي على إدارة التفاوتات الاقتصادية في ظل استمرار الصراعات الداخلية. فقد أظهرت المقارنة بين تيغراي وأمهرة وأوروميا اختلاف طبيعة الضغوط المالية الناجمة عن النزاعات، سواء فيما يتعلق بإعادة بناء المؤسسات أو تعبئة الإيرادات أو تمويل الخدمات الأساسية. وفي ضوء ذلك، لا ترتبط أهمية الإصلاح المالي بزيادة الموارد المخصصة للأقاليم فحسب، وإنما بمدى قدرته على تعزيز العدالة والشفافية والاستجابة للاحتياجات المتفاوتة، دون الإخلال بالتوازن بين صلاحيات الحكومة الفيدرالية والاستقلال المالي الإقليمي.[27]

أولا: إصلاح توزيع الموارد بوصفه أحد مسارات معالجة الاختلالات بين المركز والأقاليم

يمثل تطوير نظام التحويلات المالية أحد المداخل الرئيسية لتعزيز فاعلية الفيدرالية الإثيوبية، خاصة في ظل استمرار التفاوت بين القدرات الإيرادية للأقاليم ومسؤولياتها الإنفاقية. وقد أوضح صندوق النقد الدولي في يوليو 2025م أن المنح الاتحادية أسهمت في تقليص بعض الفجوات المالية، لكنها لم تعوض بصورة كاملة التفاوتات في القدرات الاقتصادية ومستويات الفقر متعدد الأبعاد. كما أشار إلى أن الحجم الإجمالي للمنح يتحدد في إطار الموازنة الاتحادية، ولا يرتبط بصورة مباشرة بحجم الفجوات التمويلية المقدرة للأقاليم. ويعني ذلك أن تحسين معادلة توزيع المنح قد يظل محدود الأثر ما لم يصاحبه توفير موارد تتناسب مع الالتزامات الإنفاقية الفعلية، خاصة في المناطق المتضررة من النزاعات.[28]

ولا تقتصر متطلبات الإصلاح على زيادة المخصصات، بل تشمل تعزيز شفافية المعايير المستخدمة في تحديد حصص الأقاليم. فقد نص التشريع الإثيوبي رقم (1250/2021) على ترتيبات مؤسسية تتضمن إنشاء جهاز فني تابع لمجلس الاتحاد، يتولى إعداد المقترحات المتعلقة بمعادلات توزيع المنح والإيرادات المشتركة ومتابعة تنفيذها. غير أن صندوق النقد الدولي أشار إلى عدم وضوح مستوى تطبيق هذه الترتيبات والقدرات الفنية المتاحة للجهاز. وتكتسب هذه المسألة أهمية بالنظر إلى ما كشفته دراسة محكمة نشرت عام 2024م عن تأثير التفاوض السياسي والاعتبارات الإثنية والإقليمية في توزيع المنح خلال الفترة 1995-2020م. ومن ثم، يمكن النظر إلى تعزيز استقلالية التقييم الفني، ونشر البيانات والمعايير المستخدمة في توزيع المنح، بوصفها مسارات مؤسسية محتملة لزيادة شفافية التخصيص والحد من الخلافات بشأنه، دون افتراض استمرار أنماط المحاباة السياسية التي رصدتها الدراسات التاريخية بالصورة نفسها حتى عام 2026م.[29]

وفي سياق الإصلاحات الجارية، كشفت المراجعة الخامسة لبرنامج صندوق النقد الدولي في يوليو 2026م عن استمرار تطوير منظومة الإيرادات الضريبية، بما في ذلك إعداد مقترح لتحديد كيفية توزيع حصيلة ضريبة ملكية المركبات بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم، على أن يحال إلى مجلس الاتحاد لاتخاذ قرار بشأنه بحلول نهاية ديسمبر 2026م. وتبرز أهمية هذه الخطوة في أنها تتعلق بتحديد حقوق مستويات الحكم المختلفة في مصدر إيرادي جديد، وليس فقط بإعادة توزيع المنح القائمة. غير أن أثرها المحتمل على الاستقلال المالي للأقاليم سيظل مرهونا بالقواعد التي ستعتمد وحجم الإيرادات الناتجة عنها وقدرات الإدارات الإقليمية على تحصيلها.[30]

وتبرز كذلك الحاجة إلى تطوير آليات تمويل أكثر قدرة على الاستجابة للظروف الاستثنائية التي تواجه الأقاليم المتضررة من الصراع. فقد أشار صندوق النقد الدولي إلى أن معادلة المنح العامة تعتمد على متوسطات تمتد لثلاث سنوات، بما يحد من سرعة استجابتها للصدمات المؤقتة، وأن أدوات مواجهة الصدمات الإقليمية تعتمد بدرجة كبيرة على برامج الحماية الاجتماعية والتدخلات الاتحادية. وفي المقابل، يوضح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن المرحلة الثانية من مرفق دعم السلام في إثيوبيا خلال 2025-2027م تقوم على استعادة وظائف الإدارات المحلية والخدمات الأساسية والأنشطة الاقتصادية، بالتعاون مع وزارة المالية والمكاتب المالية الإقليمية. وفي ضوء هذه المعطيات، تبرز أهمية النظر في تطوير ترتيبات تمويلية تميز بين النفقات الاعتيادية للأقاليم والاحتياجات الاستثنائية الناشئة عن النزاعات وإعادة الإعمار.[31]

ثانيا: السيناريوهات المستقبلية للعلاقة بين الإصلاح المالي والتماسك الداخلي الإثيوبي

يرتبط مستقبل العلاقات المالية بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم بمسار الإصلاحات الاقتصادية من ناحية، والتطورات السياسية والأمنية من ناحية أخرى. وقد عكست المواجهات التي تجددت في تيغراي خلال سبتمبر وأكتوبر 2026م استمرار هشاشة الترتيبات التي أعقبت اتفاق بريتوريا لعام 2022م. وأشار تحليل نشره المعهد الملكي للشؤون الدولية «تشاتام هاوس» في الأول من أكتوبر 2026م إلى أن تعثر تنفيذ الاتفاق، والخلافات السياسية غير المحسومة، وتنامي التحالفات بين جماعات المعارضة المسلحة، تمثل عوامل تؤثر في مسار الصراع واحتمالات امتداده. وفي ضوء ذلك، يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات رئيسية للعلاقة بين الإصلاح المالي واستقرار الدولة الإثيوبية.[32] وتمثل هذه السيناريوهات تقديرات تحليلية تستند إلى المعطيات المالية والسياسية المتاحة.

السيناريو الأول: استمرار الاختلالات المالية بالتوازي مع التوترات السياسية والأمنية.

يفترض هذا السيناريو استمرار الاعتماد على ترتيبات التحويلات القائمة دون تطوير كاف لآليات تقدير الاحتياجات الإقليمية أو تعزيز القدرات المالية المحلية، مع بقاء الصراعات المسلحة أو تكرارها. وقد يؤدي هذا الوضع إلى زيادة الضغوط على الحكومات الإقليمية التي تواجه ارتفاعا في احتياجات الإنفاق وتراجعا في النشاط الاقتصادي، خاصة إذا لم تتمكن الموارد الاتحادية من مواكبة هذه المتطلبات. وتتمثل أبرز مؤشرات هذا المسار في استمرار الفجوة بين الاعتمادات والاحتياجات الفعلية، وتعثر استعادة الخدمات الأساسية، وتكرار الخلافات بشأن إدارة الموارد. ومع ذلك، فإن استمرار هذه الاختلالات لا يعني بالضرورة أنها ستؤدي بمفردها إلى تصاعد العنف، وإنما قد تزيد صعوبة احتواء تداعياته الاقتصادية والاجتماعية.[33]

السيناريو الثاني: إصلاح مالي جزئي دون تسوية سياسية شاملة.

يقوم هذا السيناريو على إحراز تقدم في تحديث قواعد توزيع الإيرادات، وتحسين الإدارة الضريبية، وزيادة كفاءة الإنفاق على الخدمات، دون التوصل إلى معالجة شاملة للخلافات السياسية والأمنية بين الحكومة والأقاليم. وقد يسهم ذلك في تخفيف بعض الضغوط المالية وتحسين قدرة الإدارات المحلية على ممارسة وظائفها، لكنه سيظل محدودًا إذا استمرت المواجهات التي تعطل الأنشطة الاقتصادية وتمنع وصول الخدمات إلى السكان. وتدعم أهمية هذا التمييز تجربة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لدعم السلام، الذي يجمع بين إعادة تشغيل المؤسسات، وتأهيل الخدمات العامة، وإنعاش سبل المعيشة، باعتبارها عمليات مترابطة لا تتحقق بمجرد توفير التمويل.[34]

السيناريو الثالث: إصلاح مالي ومؤسسي متكامل مع تسوية سياسية مستدامة.

يفترض هذا السيناريو الجمع بين تحسين شفافية توزيع الموارد وتعزيز استقلالية المؤسسات المالية الإقليمية وتطوير آليات تمويل إعادة الإعمار، بالتوازي مع تسوية الخلافات المتعلقة بالتمثيل السياسي والأمن والإدارة الإقليمية. ويتسق هذا السيناريو من حيث الجمع بين المعالجة المؤسسية والتسوية السياسية مع بعض المبادئ التي تضمنها اتفاق بريتوريا، الذي ربط وقف الأعمال العدائية باستعادة النظام الدستوري والخدمات والتعافي الاقتصادي والمصالحة ومعالجة الخلافات السياسية. كما أعاد الاتحاد الإفريقي في يناير 2026م التأكيد على أهمية التنفيذ الكامل للاتفاق والحوار بين الأطراف. ومن شأن الجمع بين المسارين المالي والسياسي أن يتيح ظروفا أكثر ملاءمة لإعادة بناء الثقة، دون أن يمثل ضمانا تلقائيا لإنهاء النزاعات أو منع تجددها.[35]

ثالثا: انعكاسات التماسك الداخلي الإثيوبي على القرن الإفريقي والمصالح المصرية

لا تنحصر تداعيات الصراعات الإثيوبية في الحدود الداخلية للدولة، بالنظر إلى موقع إثيوبيا في القرن الإفريقي وتشابك علاقاتها مع السودان وإريتريا والصومال. وقد حذر تحليل تشاتام هاوس المنشور في أكتوبر 2026م من احتمالات امتداد المواجهات في شمال إثيوبيا إلى محيطها الإقليمي، خاصة مع تصاعد التوترات الإثيوبية الإريترية وتداخل النزاع السوداني مع التطورات الأمنية على الحدود. ومن منظور اقتصادي، قد تؤثر إطالة أمد الاضطرابات في حركة التجارة والنقل والاستثمار عبر الحدود، فضلا عن زيادة الاحتياجات الإنسانية وتكاليف الاستجابة الإقليمية. وتظل هذه التداعيات مشروطة باتساع نطاق الصراع ومدته، ولا يمكن استنتاج حجمها من البيانات المالية الإقليمية وحدها.[36]

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر، في ظل ارتباط أمنها القومي باستقرار حوض النيل والقرن الإفريقي والبحر الأحمر. وقد عكست القمة الرباعية التشاورية التي استضافتها مصر في مدينة العلمين الجديدة يوم 4 أكتوبر 2026م، بمشاركة السودان وإريتريا والصومال، تنامي الاهتمام بالتحديات الإقليمية المشتركة. وأكد إعلان العلمين أهمية احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري، وضمان حرية الملاحة، مع التأكيد على مبادئ عدم الإضرار والتعاون والإخطار المسبق في إدارة الأنهار العابرة للحدود، بما فيها نهر النيل. ويشير ذلك إلى أن متابعة الاستقرار الإثيوبي لا تنفصل عن البيئة الأوسع التي تتحرك فيها المصالح المصرية، وإن كانت العلاقات المالية الداخلية الإثيوبية لا تحدد بصورة مباشرة مواقف أديس أبابا من الملفات الإقليمية.[37]

ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية إدراج المؤشرات المالية والمؤسسية ضمن أدوات متابعة التطورات الإثيوبية، إلى جانب المؤشرات السياسية والعسكرية التقليدية. فالتغير في حجم التحويلات الاتحادية، وقدرة الأقاليم على تحصيل إيراداتها، ومستوى انتظام الخدمات العامة، وتقدم برامج إعادة الإعمار، يمكن أن يقدم مؤشرات مساعدة على تقييم قدرة الدولة على استعادة وظائفها الأساسية وإدارة التفاوتات الداخلية. ولا تعني هذه المؤشرات إمكانية التنبؤ بالصراعات اعتمادا على البيانات المالية وحدها، لكنها تسمح ببناء تقدير استراتيجي أكثر شمولا، يأخذ في الاعتبار مصادر الهشاشة الاقتصادية والمؤسسية إلى جانب موازين القوى السياسية والأمنية.

وبناء على ما سبق، يتضح أن مستقبل تماسك الدولة الإثيوبية لا يتوقف على قدرتها على حسم المواجهات المسلحة فحسب، بل يرتبط أيضًا بمدى فاعلية مؤسساتها في إدارة الموارد العامة والاستجابة للتفاوتات الاقتصادية بين الأقاليم. فالإصلاح المالي قد يسهم في تخفيف بعض مصادر الاحتقان وتحسين تقديم الخدمات، لكنه لا يمثل بديلا عن معالجة الخلافات السياسية والأمنية. ومن ثم، فإن أهمية الفيدرالية المالية في الحالة الإثيوبية تكمن في كونها أحد المحددات المؤسسية طويلة الأجل لقدرة الدولة على إدارة التنوع الإقليمي، بما يجعل إصلاحها جزءا من مسار أوسع لتعزيز الاستقرار الداخلي والحد من التداعيات المحتملة للصراعات على القرن الإفريقي.

الخاتمة

تكشف الدراسة أن الفيدرالية المالية تمثل أحد الأبعاد المؤسسية المهمة لفهم طبيعة العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم الإثيوبية، في ظل التفاوت بين الاختصاصات الإنفاقية والقدرات الإيرادية، واستمرار الاعتماد بدرجات متفاوتة على التحويلات الاتحادية. فرغم إسهام هذه التحويلات في تقليص بعض الفجوات المالية، فإن محدودية استجابتها للاحتياجات الإقليمية المختلفة، والتحديات المرتبطة بمعايير توزيع الموارد وتحديث البيانات، تبرز قيودا مؤسسية على قدرة النظام المالي الاتحادي على معالجة التفاوتات. ومع ذلك، لا تكفي هذه الاختلالات لإثبات وجود علاقة سببية مباشرة بينها وبين اندلاع الصراعات المسلحة، التي تتداخل في تفسيرها عوامل سياسية وإثنية وأمنية متعددة.

وأظهرت المقارنة الوصفية بين تيغراي وأمهرة وأوروميا أن التفاعل بين الصراع والمالية العامة يتخذ صورا مختلفة تبعا لطبيعة الهياكل المالية والظروف الاقتصادية والاحتياجات الناشئة عن النزاع. ففي تيغراي برزت تحديات استعادة القدرة الإيرادية وإعادة تشغيل المؤسسات وتمويل إعادة الإعمار، بينما تداخلت في أمهرة الاختلالات المالية السابقة مع الضغوط الإضافية الناجمة عن استمرار المواجهات المسلحة. أما أوروميا، فقد أوضحت حالتها أن اتساع القاعدة الإيرادية على مستوى الإقليم لا يكفي وحده للحكم على قدرته على الاستجابة للاحتياجات المتفاوتة بين مناطقه المحلية. ويشير ذلك إلى أهمية التمييز بين القيود المالية السابقة للصراع والتداعيات الاقتصادية والمؤسسية المترتبة عليه، وعدم التعامل مع الأقاليم باعتبارها تواجه مشكلات مالية متماثلة.

وفي ضوء هذه النتائج، يتضح أن إصلاح الفيدرالية المالية لا ينبغي أن يقتصر على زيادة حجم التحويلات الاتحادية، وإنما يتطلب تطوير معايير توزيعها، وتحسين شفافية التخصيص، وتعزيز قدرات الحكومات الإقليمية على تعبئة الإيرادات وإدارة الإنفاق، إلى جانب توفير ترتيبات تمويلية أكثر مرونة للاستجابة لاحتياجات المناطق المتضررة من النزاعات. غير أن فاعلية هذه الإصلاحات في تعزيز التماسك الداخلي تظل مرتبطة بمدى التقدم في معالجة الخلافات السياسية والأمنية؛ إذ يمكن للإصلاح المالي أن يدعم استعادة الخدمات وتخفيف بعض الضغوط الاقتصادية، لكنه لا يمثل بديلا عن التسويات السياسية والمؤسسية اللازمة لتحقيق الاستقرار.

وعلى المستوى الاستراتيجي، تبرز أهمية النظر إلى تماسك الدولة الإثيوبية من منظور يتجاوز موازين القوى العسكرية إلى قدرة مؤسساتها على إدارة الموارد العامة والتفاوتات الإقليمية. وبالنسبة إلى مصر، يمكن أن تمثل متابعة تطور التحويلات المالية والقدرات الإيرادية الإقليمية وانتظام الخدمات وبرامج إعادة الإعمار أدوات مساعدة على فهم مصادر الهشاشة الداخلية الإثيوبية، إلى جانب المؤشرات السياسية والأمنية، دون اعتبارها أدوات مستقلة للتنبؤ بمسارات الصراع. ومن ثم، فإن مستقبل الاستقرار الإثيوبي لا يرتبط فقط باحتواء المواجهات المسلحة، بل كذلك بمدى قدرة النظام الفيدرالي على تطوير علاقات مالية ومؤسسية أكثر استجابة للاحتياجات الإقليمية، بما يدعم تماسك الدولة ويحد من التداعيات المحتملة لأزماتها الداخلية على القرن الإفريقي وحوض النيل.

الخاتمة

تكشف الدراسة أن الفيدرالية المالية تمثل أحد الأبعاد المؤسسية المهمة لفهم طبيعة العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم الإثيوبية، في ظل التفاوت بين الاختصاصات الإنفاقية والقدرات الإيرادية، واستمرار الاعتماد بدرجات متفاوتة على التحويلات الاتحادية. فرغم إسهام هذه التحويلات في تقليص بعض الفجوات المالية، فإن محدودية استجابتها للاحتياجات الإقليمية المختلفة، والتحديات المرتبطة بمعايير توزيع الموارد وتحديث البيانات، تبرز قيودا مؤسسية على قدرة النظام المالي الاتحادي على معالجة التفاوتات. ومع ذلك، لا تكفي هذه الاختلالات لإثبات وجود علاقة سببية مباشرة بينها وبين اندلاع الصراعات المسلحة، التي تتداخل في تفسيرها عوامل سياسية وإثنية وأمنية متعددة.

وأظهرت المقارنة الوصفية بين تيغراي وأمهرة وأوروميا أن التفاعل بين الصراع والمالية العامة يتخذ صورا مختلفة تبعا لطبيعة الهياكل المالية والظروف الاقتصادية والاحتياجات الناشئة عن النزاع. ففي تيغراي برزت تحديات استعادة القدرة الإيرادية وإعادة تشغيل المؤسسات وتمويل إعادة الإعمار، بينما تداخلت في أمهرة الاختلالات المالية السابقة مع الضغوط الإضافية الناجمة عن استمرار المواجهات المسلحة. أما أوروميا، فقد أوضحت حالتها أن اتساع القاعدة الإيرادية على مستوى الإقليم لا يكفي وحده للحكم على قدرته على الاستجابة للاحتياجات المتفاوتة بين مناطقه المحلية. ويشير ذلك إلى أهمية التمييز بين القيود المالية السابقة للصراع والتداعيات الاقتصادية والمؤسسية المترتبة عليه، وعدم التعامل مع الأقاليم باعتبارها تواجه مشكلات مالية متماثلة.

وفي ضوء هذه النتائج، يتضح أن إصلاح الفيدرالية المالية لا ينبغي أن يقتصر على زيادة حجم التحويلات الاتحادية، وإنما يتطلب تطوير معايير توزيعها، وتحسين شفافية التخصيص، وتعزيز قدرات الحكومات الإقليمية على تعبئة الإيرادات وإدارة الإنفاق، إلى جانب توفير ترتيبات تمويلية أكثر مرونة للاستجابة لاحتياجات المناطق المتضررة من النزاعات. غير أن فاعلية هذه الإصلاحات في تعزيز التماسك الداخلي تظل مرتبطة بمدى التقدم في معالجة الخلافات السياسية والأمنية؛ إذ يمكن للإصلاح المالي أن يدعم استعادة الخدمات وتخفيف بعض الضغوط الاقتصادية، لكنه لا يمثل بديلا عن التسويات السياسية والمؤسسية اللازمة لتحقيق الاستقرار.

وعلى المستوى الاستراتيجي، تبرز أهمية النظر إلى تماسك الدولة الإثيوبية من منظور يتجاوز موازين القوى العسكرية إلى قدرة مؤسساتها على إدارة الموارد العامة والتفاوتات الإقليمية. وبالنسبة إلى مصر، يمكن أن تمثل متابعة تطور التحويلات المالية والقدرات الإيرادية الإقليمية وانتظام الخدمات وبرامج إعادة الإعمار أدوات مساعدة على فهم مصادر الهشاشة الداخلية الإثيوبية، إلى جانب المؤشرات السياسية والأمنية، دون اعتبارها أدوات مستقلة للتنبؤ بمسارات الصراع. ومن ثم، فإن مستقبل الاستقرار الإثيوبي لا يرتبط فقط باحتواء المواجهات المسلحة، بل كذلك بمدى قدرة النظام الفيدرالي على تطوير علاقات مالية ومؤسسية أكثر استجابة للاحتياجات الإقليمية، بما يدعم تماسك الدولة ويحد من التداعيات المحتملة لأزماتها الداخلية على القرن الإفريقي وحوض النيل.

[1] Tulin, V. (2025). Ethiopia-Fiscal federalism: Fiscal policy considerations for the medium term (IMF Selected Issues Paper No. 2025/107). International Monetary Fund.p.2. https://www.imf.org/-/media/files/publications/selected-issues-papers/2025/english/sipea2025107.pdf

[2] Federal Democratic Republic of Ethiopia. (1995). Constitution of the Federal Democratic Republic of Ethiopia. WIPO Lex. Arts. 62, 96-98. https://www.wipo.int/wipolex/en/legislation/details/7438

[3] Tulin, V. (2025). Ethiopia-Fiscal federalism: Fiscal policy considerations for the medium term (IMF Selected Issues Paper No. 2025/107). International Monetary Fund. Op. cit. pp.2-3.

[4] Ibid. p.3. para.5.

[5] Tulin, V. (2025). Ethiopia-Fiscal federalism: Fiscal policy considerations for the medium term (IMF Selected Issues Paper No. 2025/107). International Monetary Fund. Op. cit.  pp.7-8. Para. 12-14.

[6] Tulin, V. (2025). Ethiopia-Fiscal federalism: Fiscal policy considerations for the medium term (IMF Selected Issues Paper No. 2025/107). International Monetary Fund. Op. cit. pp.9-10. para.17.

[7] Federal Democratic Republic of Ethiopia, Ministry of Finance. (2026). 2019 E.C. Federal Government Budget Proclamation, Part One, Arts. 2 and 7, pp. 1, 4. https://www.mofed.gov.et/media/filer_public/8c/b2/8cb25556-20ac-4469-800d-ec6cb49d9ec1/2019_e_c_budget_year_goe_federal_budget_proclamation_part_one.pdf

[8] Tulin, V. (2025). Ethiopia-Fiscal federalism: Fiscal policy considerations for the medium term (IMF Selected Issues Paper No. 2025/107). International Monetary Fund. Op. cit. pp.7-8. para.14-15.

[9] Yimenu, B. (2024). The political economy of fiscal transfers: The case of Ethiopia. Public Administration and Development, 44(3), 212-29, pp. 225-226. https://doi.org/10.1002/pad.2053

[10] Endale, A. (2025, October 11). House of federation decries exclusion, inequity in federal subsidy allocations. The Reporter Ethiopia. https://www.thereporterethiopia.com/47378/

[11] Ethiopian News Agency. (2026, February 23). Over 71 billion birr in shared revenue transferred to Ethiopia’s regions in seven months. https://www.ena.et/web/eng/w/eng_8371727

International Monetary Fund. (2026). Ethiopia: Fifth review under the Extended Credit Facility arrangement (IMF Country Report No. 26/174). p. 17, para. 29 https://www.elibrary.imf.org/view/journals/002/2026/174/article-A001-en.xml

[12] Ministry of Finance. (2023, April 11). Ministry of finance has held a consultative meeting with Tigray inclusive interim administration cabinet members. https://www.mofed.gov.et/blog/ministry-of-finance-has-held-a-consultative-meeting-with-tigray-inclusive-interim-administration-cabinet-members/

UNICEF. (2025). Ethiopia humanitarian situation report No. 6: End-year report (January–December 2025). pp.2,10. https://www.unicef.org/media/178666/file/Ethiopia-Humanitarian-Situation-Report-No.6-(End-of-Year)-31-December-2025.pdf.pdf

[13] Ministry of Finance. (2023, April 11). Ministry of finance has held a consultative meeting with Tigray inclusive interim administration cabinet members. Op. cit.

[14] Ibid.

[15] UNICEF. (2025). Ethiopia humanitarian situation report No. 6: End-year report (January–December 2025). p.2. https://www.unicef.org/media/178666/file/Ethiopia-Humanitarian-Situation-Report-No.6-(End-of-Year)-31-December-2025.pdf.pdf

[16] Associated Press. (2026, October 9). Ethiopian police ask residents in Tigray regional capital to help restore order after rebel pullout. https://apnews.com/article/ethiopia-tigray-mekelle-eritrea-police-tplf-faaf4aa41d526333e1ee95daee04fc7a

[17] Ministry of Finance. (2023, April 11). Ministry of finance has held a consultative meeting with Tigray inclusive interim administration cabinet members. Op. cit.

United Nations Development Programme. Supporting peace in Ethiopia. https://www.undp.org/ethiopia/supporting-peace-ethiopia

[18] Melak, S. et al., The Fiscal Outlook, Resource Envelope and Revenue Prospect of Amhara Region, Ethiopia. (2025). Ethiopian Journal of Economics, 33(1), 89-117. pp.89-90. https://ethiopianjournalofeconomics.org/index.php/EJE/article/view/460

[19] Ibid. pp.90, 111, 115-116.

[20] Serwat, L., Nsaibia, H., & Birru, J. G. (2026). Africa overview: July 2026. ACLED. https://acleddata.com/update/africa-overview-july-2026

[21] UNICEF. (2025). Ethiopia humanitarian situation report No. 6: End-year report (January–December 2025). Op. cit. p.10.

Bizuwerk, D. (2026, July 16). Rebuilding schools, restoring learning. UNICEF Ethiopia. https://www.unicef.org/ethiopia/stories/rebuilding-schools-restoring-learning

[22] United Nations Development Programme. Supporting peace in Ethiopia. https://www.undp.org/ethiopia/supporting-peace-ethiopia

[23] Oromia Revenue Bureau. Oromia Revenue Bureau: Official website. https://orb.gov.et/index.php/en/

[24] Serwat, L., Nsaibia, H., & Birru, J. G. (2026). Africa overview: July 2026. ACLED. Op. cit.

[25] UNICEF. (2025). Ethiopia humanitarian situation report No. 6: End-year report (January–December 2025). Op. cit. p.10.

Bizuwerk, D. (2025, January 23). Education is the pathway to peace and development. UNICEF Ethiopia. https://www.unicef.org/ethiopia/stories/education-pathway-peace-and-development

[26] World Bank. (2026, June 26). Supporting women’s economic recovery in conflict-affected Ethiopia. https://www.worldbank.org/en/news/feature/2026/06/26/supporting-womens-economic-recovery-in-conflict-affected-ethiopia

 

[27] Tulin, V. (2025). Ethiopia-Fiscal federalism: Fiscal policy considerations for the medium term (IMF Selected Issues Paper No. 2025/107). International Monetary Fund. Op. cit. pp.9-11.

[28] Ibid. pp.8-10.

[29] Yimenu, B. (2024). The political economy of fiscal transfers: The case of Ethiopia. Public Administration and Development, 44(3). Op. cit. pp.225-226.

Tulin, V. (2025). Ethiopia-Fiscal federalism: Fiscal policy considerations for the medium term (IMF Selected Issues Paper No. 2025/107). International Monetary Fund. Op. cit. p.3. para. 6.

[30] International Monetary Fund. (2026). Ethiopia: Fifth review under the Extended Credit Facility arrangement (IMF Country Report No. 26/174). Op. cit. p. 17. para. 29.

[31] Tulin, V. (2025). Ethiopia-Fiscal federalism: Fiscal policy considerations for the medium term (IMF Selected Issues Paper No. 2025/107). International Monetary Fund. Op. cit. pp.11-12.

United Nations Development Programme. Supporting peace in Ethiopia. Op. cit.

[32] Soliman, A., & Demissie, A. A. (2026, October 1). War has returned to Tigray. This time it may not stay in Ethiopia. Chatham House. https://www.chathamhouse.org/2026/10/war-has-returned-tigray-time-it-may-not-stay-ethiopia

[33] Tulin, V. (2025). Ethiopia-Fiscal federalism: Fiscal policy considerations for the medium term (IMF Selected Issues Paper No. 2025/107). International Monetary Fund. Op. cit. pp.8-12.

[34] United Nations Development Programme. Supporting peace in Ethiopia. Op. cit.

[35] African Union. (2022, November 2). Cessation of hostilities agreement between the Government of Ethiopia and the Tigray People’s Liberation Front (TPLF). https://beta.peaceau.org/en/article/cessation-of-hostilities-agreement-between-the-government-of-the-federal-democratic-republic-of-ethiopia-and-the-tigray-peoples-liberation-front-tplf

African Union Commission. (2026, January 30). Chairperson of the African Union Commission calls for maximum restraint in Tigray region, Ethiopia. https://au.int/en/pressreleases/20260130/auc-chairperson-calls-maximum-restraint-tigray-region-ethiopia

[36] Soliman, A., & Demissie, A. A. (2026, October 1). War has returned to Tigray. This time it may not stay in Ethiopia. Chatham House. Op. cit.

[37] Presidency of the Arab Republic of Egypt. (2026, October 4). El Alamein joint declaration. paras. 1-3, 4(d)-(e).https://www.presidency.eg/EN/%D9%82%D8%B3%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1/%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%B1%D8%A6%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9/news04102026-12/

 

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version