د. محمد محسن أبو النور

رئيس وحدة الدراسات الإيرانية

 

كشفت مباحثات وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره الإيراني عباس عراقجي في نيويورك يوم الخميس 24 سبتمبر 2026، على هامش أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، عن أن القاهرة تنظر إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران باعتبارها أزمة تتجاوز طرفيها المباشرين إلى منظومة أوسع من المصالح المصرية المرتبطة بأمن الخليج وحرية الملاحة في هرمز وباب المندب واستقرار البحر الأحمر وحركة التجارة عبر قناة السويس وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.

وقد أكد عبد العاطي خلال اللقاء ضرورة العودة إلى الحوار واستئناف المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران، بالتوازي مع التشديد على مسؤولية جميع الدول عن ضمان حرية وأمن الملاحة الدولية واحترام أمن دول الخليج واستقرارها، غير أن هذه المباحثات أعادت إلى الأذهان الحاجة الماسة لفهم الموقف المصري الشامل من تطورات تلك المعضلة في ضوء المداخل العشرة التالية.

أولا: هرمز ليس بعيدا عن القاهرة كما يبدو على الخريطة إذ تتعامل القاهرة مع مضيق هرمز باعتباره نقطة اختناق بحرية بعيدة جغرافيا لكنها متصلة مباشرة بالمصالح المصرية، لأن اضطراب حركة الطاقة في الخليج ينتقل بسرعة إلى أسعار النفط والغاز وتكلفة النقل والتأمين وسلاسل الإمداد، ثم يصل إلى الاقتصاد المصري عبر فاتورة الواردات والضغوط على الموازنة والحساب الجاري.

ولهذا لم يفصل الوزير عبد العاطي في اجتماعه مع عراقجي بين الدعوة إلى خفض التصعيد وبين ضمان حرية الملاحة، وإنما وضع المسارين في إطار واحد، مؤكدا أن الأزمة أضرت بالفعل بسلاسل إمداد الطاقة والأسمدة والتجارة الدولية.

وتزداد أهمية هذه المسألة مع تحول مضيق هرمز خلال شهر سبتمبر 2026م، إلى ورقة تفاوضية إيرانية، إذ نقل تقرير نشرته صحيفة جارديان البريطانية للصحفي باتريك وينتور، مراسلها في نيويورك، يوم 24 سبتمبر 2026، أن طهران أبدت استعدادا لإعادة فتح المضيق في حال خففت الولايات المتحدة الضغط العسكري ورفعت الحصار عن المواني الإيرانية، فيما تحدث أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي عن مهلة من أربعة إلى خمسة أيام أمام واشنطن للرد على الشروط الإيرانية المتعلقة بإعادة فتح الممر الملاحي.

ومن منظور مصري، فإن تحول هرمز إلى أداة ضغط في الحرب يعني أن أي تسوية أمريكية ــ إيرانية لن تكون قضية تخص واشنطن وطهران وحدهما؛ لأن آثارها تنتقل إلى الخليج والبحر الأحمر وقناة السويس، ولهذا يمكن فهم إصرار القاهرة على الجمع بين التفاوض وحرية الملاحة بوصفه محاولة لتحويل قضية الممرات البحرية من ورقة صراع إلى جزء من ترتيبات خفض التصعيد، وهو ما ظهر أيضا في التحركات المصرية مع سلطنة عمان وقطر وتركيا.

 

ثانيا: قناة السويس هي الحلقة المصرية الأكثر حساسية في المعادلة حيث تكمن خصوصية الحالة المصرية في أن القاهرة لا تراقب الحرب من موقع دولة إقليمية متضررة فقط، وإنما من موقع دولة ترتبط مواردها السيادية بحركة التجارة البحرية الدولية.

ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن إيرادات قناة السويس بدأت بالفعل في التعافي، لكنها لا تزال أدنى بكثير من مستويات ما قبل أزمة البحر الأحمر، إذ بلغ متوسط المرور نحو 39 سفينة يوميا خلال السنة المالية 2025/2026، مقابل 73 سفينة في 2023، بينما ارتفعت الإيرادات الشهرية إلى نحو 390 مليون دولار مقارنة بنحو 310 ملايين دولار في السنة السابقة وحذر الصندوق من أن تصاعد التوترات مجددا يمكن أن يوقف هذا التعافي الهش.

وهنا تظهر مفارقة اقتصادية مهمة لأن الحرب قد تدفع في بعض مراحلها جزءا من حركة الطاقة والتجارة إلى استخدام طرق تمر عبر مصر، لكنها في الوقت نفسه ترفع المخاطر التأمينية وتضغط على التجارة العالمية، وتبقي قناة السويس عرضة لتقلبات أمنية لا تستطيع القاهرة التحكم فيها.

ولهذا فإن المؤشرات التي نشرها صندوق النقد الدولي لا تشير إلى انهيار الاقتصاد المصري تحت تأثير الحرب، وإنما إلى اقتصاد قادر على امتصاص جزء من الصدمة مع بقاء نقاط الضعف واضحة، وقد بلغ نمو الناتج المحلي الحقيقي 5.2% خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية 2025/2026، لكن الصندوق حذر من أن ارتفاع أسعار النفط واستمرار الاضطراب الإقليمي يمكن أن يخفضا النمو ويزيدا تكلفة الواردات ويضغطا على قناة السويس والسياحة.

ثالثا: باب المندب يربط هرمز مباشرة بالأمن القومي المصري بحيث لا يمكن فهم الموقف المصري من هرمز من دون إدخال باب المندب والبحر الأحمر في الحساب نفسه، لأن إغلاق أو اضطراب أحد الممرين يغير مسارات التجارة في الآخر، ويضع قناة السويس أمام معادلة أمنية متحركة.

وقد ناقش عبد العاطي ذلك مع نظيره العُماني في نيويورك تطورات البحر الأحمر وباب المندب إلى جانب أزمة هرمز، وشدد على ضرورة ضمان حرية الملاحة وفقا للقانون الدولي وعدم اتخاذ خطوات من شأنها توسيع نطاق المواجهة.

ومن الجدير بالذكر هنا أنه هذه الرؤية ليست جديدة تماما في التفكير المصري، ففي مايو 2026، كتب أحمد أبو دوح، الباحث المشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في تحليل له بمركز تشاثام هاوس، أن أحد الأهداف الأساسية للتحرك المصري هو حماية حرية الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر ومنع أي قوة منفردة من فرض هيمنة على هذا المجال، وربط ذلك بإستراتيجية مصر الأوسع لإدارة المخاطر الإقليمية وحماية مصالحها الاقتصادية جراء تلك الحرب.

ومن هنا تبدو الحرب في الحساب المصري كأنها سلسلة واحدة من نقاط الاختناق تبدأ من الخليج ولا تنتهي عند قناة السويس، فإذا أُغلق هرمز أو ظل مضطربا، ارتفعت تكلفة الطاقة والتأمين، وإذا امتد التصعيد إلى باب المندب، تعرضت حركة التجارة عبر البحر الأحمر لضغط إضافي، وإذا اجتمعت الحالتان، أصبحت مصر أمام أزمة تمس موقعها الجغرافي ومصادر دخلها وأمنها البحري في وقت واحد.

رابعا: القاهرة لا تنحاز إلى أحد طرفي الصراع ومعنى ذلك أن التحركات المصرية خلال الحرب تكشف عن معادلة دقيقة تنهض على أن القاهرة تؤكد بوضوح أن أمن دول الخليج جزء من أمنها القومي، لكنها في الوقت نفسه تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع طهران، وبعبارة أدق فإن القاهرة تقف إلى جانب دول الخليج، لكنها تسعى في الوقت نفسه إلى منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة عسكرية طويلة تكون تكلفتها مرتفعة على حلفائها العرب وعلى الاقتصاد المصري نفسه.

ويكتسب هذا التوصيف أهمية لأن القاهرة لا تملك رفاهية التعامل مع إيران باعتبارها خصما خارجيا محضا، لأن طهران دولة إقليمية مركزية، وأي انهيار شامل في موقعها الإقليمي أو تفكك في الدولة الإيرانية يمكن أن يفتح سلسلة من التداعيات الأمنية في العراق والخليج واليمن والبحر الأحمر، وفي المقابل، فإن استمرار قدرة إيران على استخدام حلفائها الإقليميين للضغط على الملاحة يمثل خطرا مباشرا على المصالح المصرية.

ومن ثم فإن السياسة المصرية تبدو أقرب إلى إدارة المخاطر منها إلى اختيار محور، فهي تحافظ على علاقاتها الإستراتيجية مع الولايات المتحدة ودول الخليج، لكنها لا تغلق قناة الاتصال مع إيران، لأن الاتصال نفسه أصبح أداة من أدوات حماية المصالح المصرية، وهذه النقطة تفسر لماذا استمر عبد العاطي في لقاء عراقجي في الوقت الذي كانت فيه القاهرة تؤكد في بيانات أخرى تضامنها مع دول الخليج ورفضها أي تهديد لأمنها.

خامسا: الوساطة المصرية ليست منافسة للوساطتين القطرية أو الباكستانية بل مكملة لهما إذ لا يبدو أن القاهرة تحاول احتكار دور الوسيط بين واشنطن وطهران، وإنما تتحرك داخل شبكة أوسع تضم قطر وعمان وباكستان وتركيا، بمعنى أن التحرك المصري خلال الحرب جاء في إطار تنسيق مع دول إقليمية ومع الولايات المتحدة والقوى الأوروبية، وأن الهدف المركزي للقاهرة يتمثل في إنهاء الحرب وإدارة مخاطرها، وليس الدخول في منافسة على لقب الوسيط الرئيسي.

وقد ظهر هذا بوضوح في نيويورك، فإلى جانب لقاء عبد العاطي بعراقجي، أجرى الوزير المصري مشاورات مع نظيريه العماني والتركي، بينما كانت قطر تتحرك في مسار الوساطة، واستمرت باكستان في رعاية اتصالات مرتبطة بمذكرة التفاهم الخاصة بإنهاء الحرب وإعادة فتح هرمز.

وفي 22 سبتمبر 2026م، اجتمعت مصر وتركيا والسعودية وباكستان وأكدت الدول الأربعة في بيان مشترك أهمية أمن الملاحة والحوار والدبلوماسية، إلى جانب دعم حق السعودية في الدفاع عن نفسها وفقا للقانون الدولي.

وتشير هذه التحركات إلى أن القاهرة تحاول بناء شبكة اتصال متعددة المسارات بدلا من قناة واحدة، إذ إن الاتصال بإيران يحافظ على إمكانية التأثير، والتنسيق مع الخليج يحمي المصالح العربية المصرية، والاتصال بواشنطن يضمن استمرار قناة مباشرة مع الطرف الأكثر قدرة على تغيير مسار الحرب، بينما يمنح العمل الجماعي مع تركيا وباكستان وعمان وقطر القاهرة مساحة أوسع للحركة الدبلوماسية.

سادسا: مصر تريد إنهاء الحرب قبل أن تتحول إلى نظام إقليمي جديد حيث يبدو أن هناك بعدا آخر في السياسة الخارجية المصرية يتجاوز وقف القتال نفسه، وهو منع الحرب من إنتاج ترتيبات أمنية جديدة تُصاغ بالكامل خارج الإرادة الإقليمية.

ففي 17 سبتمبر 2026، قال وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي إن الترتيبات الأمنية المفروضة من خارج المنطقة لن تكون مستدامة، وإن دول المنطقة يجب أن يكون لها صوت قوي في تشكيل نظامها الأمني المستقبلي.

وهذه الفكرة تتقاطع مع القول بإن القاهرة تنظر إلى الحرب باعتبارها أزمة إدارة مخاطر إقليمية، وتسعى إلى حماية أمنها ومصالحها الاقتصادية ومنع قيام ترتيبات أمنية جديدة تهمش أدوار القوى العربية، كما أن القاهرة لا تتعامل مع التحرك الحالي باعتباره مشروعا طويل المدى لبناء تحالف جديد، وإنما كاستجابة لمعادلة إقليمية شديدة السيولة.

وتصبح المسألة أكثر وضوحا إذا وضعناها في سياق التصورات الخليجية الجديدة؛ إذ تشير صحيفة فايننشال تايمز إلى أن عددا من دول الخليج بدأ يناقش ترتيبات أمنية أكثر اعتمادا على الحوار الإقليمي مع إيران، بما في ذلك أفكار تتعلق باتفاقات عدم اعتداء وأطر أمنية جماعية، وفي هذه الحالة، فإن مصر لا تستطيع تجاهل النقاش لأنها دولة عربية مركزية معنية بأمن الخليج، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى ألا تتحول الترتيبات الجديدة إلى صيغة تستبعد القاهرة أو تقلص دورها الإقليمي.

سابعا: القاهرة لا تريد حربا إيرانية ــ أمريكية أطول ولا انتصارا إيرانيا على حساب الخليج إذ يبدو أن الموقف المصري يتحرك بين حدين متعارضين، وهما أن استمرار الحرب يضر بمصالح مصر، لكن انتهاءها بطريقة تمنح إيران حرية أوسع في استخدام أدوات الضغط الإقليمية قد يترك القاهرة أمام مشكلات أمنية جديدة.

وهذا ما يفسر صعوبة اختزال الموقف المصري في مفهوم “الحياد”، فقد أشار حسين بعومي، في تحليل نشره بمعهد التحرير للسياسة الشرق أوسطية بعنوان: A Balancing Act in a Rentier Reality: Egypt and the Iran War (بالعربية: معادلة التوازن في ظل واقع ريعي: مصر وحرب إيران) إلى أن القاهرة تدير آثار حرب لم تخترها، وأن أهدافها العملية تضيق إلى احتواء الضرر، والبقاء خارج الحرب، والحفاظ على قناة للوساطة، وتأمين موارد تساعد الاقتصاد على امتصاص الصدمة.

ويتقاطع ذلك مع قراءة ميشيل بيس، الباحثة والمحللة في شؤون الشرق الأوسط والزائرة الأكاديمية في جامعة أكسفورد، التي نقلت عنها شبكة دويتش فيله الألمانية أن الهدف المصري الأساسي يتمثل في البقاء خارج الحرب مع احتواء تداعياتها الاقتصادية والأمنية، وبذلك فإن الدبلوماسية المصرية لا تعكس فقط رغبة في ممارسة دور إقليمي، وإنما ترتبط مباشرة بحسابات الاستقرار الداخلي.

ومن هنا يمكن فهم إصرار عبد العاطي في لقائه بعراقجي يوم 24 سبتمبر 2026م، على العودة إلى التفاوض، إذ لا تحتاج القاهرة إلى انتصار طرف على آخر بقدر حاجتها إلى وقف المسار الذي يرفع تكلفة الطاقة والنقل والتأمين ويهدد حركة التجارة ويزيد المخاطر الأمنية في الخليج والبحر الأحمر.

ولهذا فإن عبارة الوزير المصري في نيويورك عن أن التفاوض هو السبيل لإنهاء الأزمة ينبغي قراءتها بوصفها موقفا من مصلحة مصر الوطنية قبل أن تكون مجرد دعوة دبلوماسية عامة.

ثامنا: القاهرة تملك مصلحة مباشرة في بقاء قناة اتصال مع طهران فبرغم انحياز مصر الواضح إلى أمن الخليج، فإن الحفاظ على قناة اتصال مع طهران يحمل قيمة إستراتيجية مستقلة، إذ أكدت وزارة الخارجية المصرية منذ اندلاع الحرب في فبراير 2026 أهمية استمرار المفاوضات الأمريكية ــ الإيرانية، بينما أشاد عراقجي في اتصال سابق بالدور المصري وجهوده لخفض التصعيد وبحث التفاهمات المتعلقة بالملف النووي.

وفي مايو 2016م، نقلت الصحف المصرية عن مجتبى فردوسي، رئيس بعثة رعاية المصالح الإيرانية في القاهرة، أن إيران ترى أن لمصر حق التعاون الدفاعي مع دول مجلس التعاون، وأنها تنظر إلى القاهرة بوصفها قادرة على لعب دور محوري في مرحلة ما بعد الحرب لتعزيز العلاقات الإيرانية ــ العربية.

وهذه الإشارة الإيرانية مهمة لأنها تكشف أن طهران نفسها تنظر إلى القاهرة باعتبارها قناة محتملة في العلاقة مع البيئة العربية، وهو ما يمنح الاتصالات المصرية ــ الإيرانية قيمة تتجاوز الأزمة الحالية، وفي المقابل، فإن استمرار الاتصال يسمح لمصر بالحصول على قراءة مباشرة للموقف الإيراني، ومحاولة التأثير في بعض الحسابات المتعلقة بالملاحة والأمن الإقليمي، بدلا من الاكتفاء بمتابعة التطورات من خارج دوائر القرار.

تاسعا: الدبلوماسية المصرية تركز على إدارة اليوم التالي للحرب فإذا كانت القاهرة قد تحركت منذ بداية الحرب بهدف وقف التصعيد، فإن تطورات سبتمبر تدفعها تدريجيا إلى التفكير في شكل التسوية وما بعدها، فقد قال عبد العاطي في يونيو إن مصر تعمل ليلا ونهارا من أجل التوصل إلى تفاهم أمريكي ــ إيراني ينهي الحرب ويمنع امتداد تداعياتها إلى المنطقة، مع التشديد على حرية الملاحة ورفض إغلاق الممرات البحرية الدولية.

وفي سبتمبر، انتقل الخطاب المصري إلى مستوى أكثر تحديدا، إذ جمع بين التفاوض الأمريكي ــ الإيراني، وأمن الخليج، وحرية الملاحة، والبحر الأحمر، وباب المندب، على اعتبار أنها ليست قضايا منفصلة، فهي عناصر مترابطة في النظام الإقليمي الذي ستتركه الحرب وراءها، ولذلك فإن أي تسوية تقتصر على وقف إطلاق النار من دون ترتيبات للممرات البحرية والأمن الإقليمي ستظل هشة من المنظور المصري.

ومن هنا يمكن فهم استمرار القاهرة في التواصل مع طهران وواشنطن والعواصم الخليجية وعمان وتركيا وباكستان في وقت واحد، بمعنى أن مصر لا تحاول فقط إيقاف الحرب، وإنما تسعى إلى التأثير في قواعد ما بعد الحرب، لأن شكل الأمن في الخليج والبحر الأحمر، وطبيعة العلاقة بين إيران والدول العربية، ومستقبل الملاحة في هرمز وباب المندب، ستحدد جميعها حجم الكلفة التي ستتحملها مصر في السنوات التالية.

عاشرا: الموقف المصري ينهض على حماية المصالح لا سياسة الاصطفاف حيث تكشف مجمل التحركات المصرية عن أن القاهرة لا تتعامل مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بوصفها اختبارا للاختيار بين واشنطن وطهران، وإنما بوصفها أزمة متعددة الطبقات يجب تقليل آثارها على المصالح المصرية.

ولهذا يجمع الخطاب الرسمي بين تأكيد أمن الخليج، ورفض استخدام الممرات البحرية أدوات للضغط، والدعوة إلى التفاوض، والحفاظ على قنوات الاتصال مع إيران، والتنسيق مع الولايات المتحدة والدول العربية والوسطاء الإقليميين.

وقد أكدت القاهرة صراحة أن أمن الخليج يمثل امتدادا لأمنها القومي، كما رفض عبد العاطي استخدام المضائق والممرات البحرية أدوات للضغط أو الابتزاز.

وتفسر هذه السياسة أيضا لماذا لا يمكن وصف الموقف المصري بأنه حياد كامل، فالقاهرة أعلنت تضامنها مع دول الخليج، وشاركت مع السعودية وتركيا وباكستان في تأكيد حق الرياض في الدفاع عن نفسها، وفي الوقت نفسه أبقت قنوات الاتصال مع إيران مفتوحة.

وبذلك تصبح السياسة المصرية أقرب إلى محاولة بناء هامش حركة بين أطراف الصراع مفاده أنه لا تدخل عسكريا مباشرا في الحرب، ولا قطع للاتصال مع إيران، ولا تخل عن أمن الخليج، ولا قبول بتحويل هرمز وباب المندب إلى أدوات ضغط دائمة، ولا انتظار سلبيا لما ستنتجه المواجهة.

ومن هنا يفهم أن هذا الهامش هو جوهر المصلحة المصرية، لأن القاهرة تدرك أن الحرب قد تنتهي باتفاق أمريكي ــ إيراني، لكنها إذا استمرت في إنتاج أزمات بحرية وأمنية واقتصادية فإن آثارها ستظل قائمة في المنطقة حتى بعد توقف النزاع.

خاتمة

يمكن قراءة الموقف المصري من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران باعتباره سياسة لإدارة المخاطر المتراكمة أكثر منه سياسة للانحياز إلى أحد طرفي الصراع، إذ تبدو مصر معنية بأمن الخليج بوصفه جزءا من أمنها القومي، وبحرية الملاحة لأن هرمز وباب المندب يرتبطان مباشرة بأمن البحر الأحمر وقناة السويس، وباستقرار أسواق الطاقة لأن الاقتصاد المصري يظل حساسا لارتفاع أسعار النفط والغاز، وبالحفاظ على قنوات الاتصال مع طهران وواشنطن في الوقت نفسه حتى لا تفقد القاهرة قدرتها على التأثير في مسار الأزمة.

ولذلك فإن لقاء عبد العاطي وعراقجي في نيويورك لا ينبغي عزله عن الاتصالات المصرية مع عمان وقطر وتركيا وباكستان والولايات المتحدة، ولا عن التحذيرات الاقتصادية التي أطلقها صندوق النقد الدولي بشأن تداعيات استمرار التصعيد.

وفي هذا المعنى، فإن مصر لا تبحث فقط عن نهاية للحرب، وإنما عن نهاية لا تترك وراءها نظاما إقليميا أكثر اضطرابا ولا ممرات بحرية أكثر هشاشة ولا فاتورة اقتصادية أكبر، إذ إن ما يهم القاهرة في النهاية أن أي نظام إقليمي سيولد من نهايتها يجب أن يراعي الشواغل المصرية المتعلقة بأمن الخليج والبحر الأحمر وقناة السويس والاقتصاد المصري.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version