إعداد د/ محمود العدل رئيس وحدة الدراسات التركية
يأتي العام الجديد محملًا بدلالات سياسية مهمة في مسار العلاقات المصرية – التركية، تتصدرها الزيارة المرتقبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة خلال شهر فبراير المقبل لرئاسة اجتماع مجلس التعاون الاستراتيجي بين البلدين. وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة كونها امتدادًا لمسار التقارب الذي بدأ فعليًّا بعقد الاجتماع الأول للمجلس في 4 سبتمبر 2024 بالعاصمة التركية أنقرة حيث كانت الزيارة التاريخية للرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تركيا، وهي الزيارة الأولى من نوعها بعد سنوات طويلة من الخلاف والقطيعة السياسية.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة إقليميًّا ودوليًّا، يكتسب اللقاء الاستراتيجي المرتقب بين القاهرة وأنقرة وزنًا استثنائيًّا، حيث يُنظر إليه باعتباره المحطة الأهم في إعادة صياغة العلاقات الثنائية على أسس جديدة من المصالح المشتركة والبراجماتية السياسية. ومن المتوقع أن يسفر الاجتماع عن حزمة واسعة من اتفاقيات التعاون النوعية في مجالات متعددة، تتجاوز ما تم التوصل إليه خلال الأعوام السابقة، سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي أو الأمني.
ويعكس هذا التقارب إدراكًا متبادلًا لدى القيادتين السياسيتين في مصر وتركيا لأهمية طيّ صفحات الخلافات الماضية، والتي لم تجن منها تركيا خلال سنوات التوتر سوى تراجع اقتصادي وانحسار في الدور الإقليمي. ومن ثم فإن المرحلة الراهنة تمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء شراكة استراتيجية قائمة على التوازن والاحترام المتبادل، بما يخدم مصالح البلدين ويسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي.
من المتوقع أن تضع القاهرة إطارًا استراتيجيًّا جديدًا – للتعاون مع أنقرة – يهدف إلى الارتقاء بالعلاقات الثنائية عبر مختلف المجالات ومحاور التعاون المتعددة، ويستند هذا التوجه إلى قناعة مشتركة بأن المرحلة الراهنة تتطلب شراكات فعّالة قادرة على تعظيم المصالح المتبادلة ومواجهة التحديات الإقليمية والدولية المتشابكة.
ويُرجَّح أن يكون في مقدمة هذه الاستراتيجية مجالات الاقتصاد والتجارة والاستثمار والطاقة، بما يحقق قدرًا أعلى من التناغم بين المقدرات والرؤى المصرية والتركية. كما يعكس هذا المسار رغبة واضحة في بناء علاقات طويلة الأمد قائمة على التكامل، وعلى تحويل نقاط القوة لدى كل طرف إلى أدوات دعم متبادل، وهو ما يمثل نقلة نوعية في طبيعة العلاقات بين القاهرة وأنقرة، ويؤشر إلى مرحلة جديدة تتجاوز حسابات الماضي، وتؤسس لشراكة إقليمية أكثر توازنًا وتأثيرًا، تسهم في دعم الاستقرار وتعزيز التنمية في المنطقة بأسرها.
يأتي الوضع الاقتصادي الداخلي لتركيا في مقدمة الدوافع المحفزة لتعزيز التعاون الاقتصادي مع مصر، حيث يهدف البلدان رفع حجم التبادل التجاري بينهما 15 مليار دولار، وهو هدف يحظى برغبة وإرادة سياسية مشتركة من الجانبين لتحقيق التعاون والانتقال به إلى مرحلة التكامل الاقتصادي بين البلدين، ولهذا لم يعد الوصول إلى هذا الرقم بعيد المنال.
ومن المتوقع أن يتركز التعاون الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة على عدد من القطاعات والمحاور الاستراتيجية، على النحو التالي:
1- القطاعات الصناعية المستهدفة: (الغزل والنسيج – الصناعات الغذائية – الأسمنت – الجلود):
يمثل التعاون المصري – التركي في هذه القطاعات الصناعية فرصة استراتيجية لتعزيز التكامل الاقتصادي، إذ تشكل هذه الصناعات ركائز أساسية للتنمية الصناعية المشتركة والمستدامة. ومن شأن الاستثمارات المشتركة في هذه المجالات أن تتحول إلى محركات حقيقية للنمو الاقتصادي، عبر خلق فرص عمل جديدة، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات المصرية والتركية في الأسواق الإقليمية والعالمية.
2- تأسيس مكتب فني مشترك (مصر–تركيا) لتسهيل الاستثمارات (فرع في مصر – فرع في إسطنبول):
فمن المتوقع أن يشهد اللقاء الاستراتيجي الإعلان عن تأسيس مكتب فني مشترك بين مصر وتركيا، وهو ما يمثل خطوة عملية لترجمة الإرادة السياسية إلى مشروعات اقتصادية ملموسة. ويعمل المكتب، من خلال فرعين في مصر وإسطنبول، كقناة مؤسسية مباشرة للتواصل بين المستثمرين والجهات الحكومية، بما يسهم في تسهيل الإجراءات، وحل المعوقات، وتنسيق الفرص الاستثمارية في القطاعات ذات الأولوية.
يهدف هذا المكتب إلى تحويل العلاقات الثنائية إلى شراكة اقتصادية متكاملة، ولا يُنظر إليه باعتباره مجرد هيكل إداري، وإنما كأداة استراتيجية مختلفة عن مكاتب التمثيل التجاري التقليدية بين البلدين.
3- قطاع السياحة:
يمثل قطاع السياحة إحدى أهم أدوات القوة الناعمة في العلاقات المصرية – التركية، لما يتمتع به البلدان من تاريخ حضاري عريق، وثقافة مشتركة، وموقع جغرافي متميز، ولا يقتصر التعاون السياحي المرتقب على زيادة أعداد السائحين، بل يمتد ليشمل الأنشطة المرتبطة بالسياحة مثل الطيران، والفنادق، والصناعات الغذائية، والحرف اليدوية.
ويمكن لقطاع السياحة أن يتحول إلى قاطرة للتقارب الاقتصادي والثقافي، عبر زيادة الإيرادات، وتعزيز التبادل التجاري، وتوسيع النفوذ الثقافي للبلدين. ويعتمد نجاح هذه الرؤية على التكامل المؤسسي، والترويج المشترك، وتسهيل حركة السياح والتجار، بما يجعل من مصر وتركيا محورًا سياحيًّا إقليميًّا جاذبًا للملايين من الزوار سنويًّا.
4- عودة العمل باتفاقية (الرورو) بين البلدين:
من المنتظر أن يتناول اللقاء الرئاسي خطوات جادة نحو إعادة العمل باتفاقية جديدة لعودة عمل خط النقل البحري (الرورو)، الذي أوقفته مصر عام 2015 على خلفية التجاوزات التركية. وتشير التوقعات إلى أن تكون الاتفاقية الجديدة لمدة ثلاث سنوات بدلًا من اثنتين كما في الاتفاق السابق.
وتُعد اتفاقية (الرورو) من أبرز أدوات التعاون اللوجستي والتجاري بين مصر وتركيا، إذ تسمح بنقل الشاحنات والبضائع مباشرة بين الموانئ المصرية والتركية دون الحاجة إلى التفريغ وإعادة التحميل، وهو ما يمثل خطوة استراتيجية تسهم في تقوية الروابط الاقتصادية، وفي خفض التكاليف اللوجستية، وتسريع حركة التجارة، وتعزيز تنافسية الصادرات بين البلدين.
5- التبادل التجاري بالعملات المحلية:
في إطار تعزيز التكامل الاقتصادي، تبرز أهمية العمل على تفعيل التبادل التجاري بالعملات المحلية (الجنيه المصري – الليرة التركية (، كخطوة استراتيجية لتقليل الاعتماد على الدولار واليورو في القطاعات المختلفة. ويأتي هذا التوجه متماشيًا مع الاتجاهات العالمية الرامية إلى تخفيف الضغوط على الاحتياطيات النقدية وتعزيز الاستقرار المالي. كما أن اعتماد هذا النظام بين مصر وتركيا يعكس رغبة حقيقية في تعميق التعاون الاقتصادي، والتقليل من آثار تقلبات أسعار الصرف العالمية على حركة التجارة والاستثمار.
6- إنشاء فروع بنكية مشتركة لدعم الاستثمارات:
من المتوقع أيضًا بحث إنشاء فروع بنكية مشتركة بين مصر وتركيا، بما يمثل خطوة عملية لتعزيز البنية المالية الداعمة للاستثمارات المشتركة وحركة الاستيراد والتصدير، ويسهم ذلك في تسهيل عمليات التمويل والتحويلات، وتعزيز الثقة بين المستثمرين في البلدين.
ويعد اختيار المدن الصناعية الكبرى والموانئ المصرية كمواقع لهذه الفروع عاملًا مهمًّا لدعم توجه القيادة السياسية في البلدين نحو رفع حجم التبادل التجاري إلى 15 مليار دولار، وتحقيق التكامل الاقتصادي المنشود.
ختامًا.. يمثل الاجتماع الاستراتيجي رفيع المستوى برئاسة الرئيس السيسي والرئيس أردوغان نقلة نوعية في مسار العلاقات المصرية- التركية، بعد أن انتقلت من مرحلة القطيعة السياسية إلى إطار (الدولة مقابل الدولة) القائم على المصالح المشتركة والتنفيذ العملي لمقترحات التعاون والعمل المشترك، بما يحقق المنفعة المتبادلة للدولتين والشعبين.
ويعد هذا الاجتماع الثاني بمثابة بداية لانطلاقة مغايرة لطبيعة العلاقات في الفترات السابقة، التي شابها بعض الهواجس والاختبارات المتكررة. أما المرحلة الراهنة، فتؤسس لانطلاقة جديدة للعلاقات المصرية- التركية تحت عنوان واضح (من التعاون إلى التكامل)، بما يعكس تحولًا استراتيجيًّا في الرؤية السياسية لدى الجانبين.
فقد أدركت كل من مصر وتركيا أهمية التعاون والتنسيق المشترك في التعامل مع أزمات المنطقة المختلفة، في ظل بيئة إقليمية معقدة وتحديات متشابكة؛ ومن ثم، يمكن القول: إن العلاقات بين القاهرة وأنقرة مقبلة على مرحلة من التوافق السياسي والتنسيق الاستراتيجي في مختلف الملفات، دون استثناء، خلال الفترة المقبلة، بما يعزز الاستقرار الإقليمي ويخدم المصالح العليا للبلدين.

