دكتور/ أحمد البدوي سالم
أستاذ العقيدة والفلسفة المساعد في جامعة الأزهر
زميل كلية الدفاع الوطني، الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية
نشأت الصهيونية الحديثة في سياق أوروبي اتسم بمعاداة السامية، والقوميات الإقصائية، والتصنيفات العرقية، والعنف المتكرر ضد اليهود، ومن ثم كان وعدها المركزي من الناحية التاريخية: أن يتوقف اليهود عن الارتهان لحسن نية الدول التي اضطهدتهم مرارًا، وأن يصبحوا جماعة سياسية قادرة على تقرير مصيرها.
غير أن تناقضا عميقا قد ينشأ عندما تتبنى حركة تشكلت استجابة للاضطهاد العنصري البنى السياسية والتمثيلية ذاتها التي عمل الاضطهاد العنصري تاريخيا من خلالها. فالسؤال ليس ما إذا كانت الصهيونية مطابقة لمعاداة السامية، ولا ما إذا كان تقرير المصير اليهودي معاديا للسامية بطبيعته؛ وإنما هو: هل يمكن لأشكال معينة من الخطاب الصهيوني أن تعيد إنتاج المنطق البنيوي نفسه للتجانس العرقي، والإسناد الجماعي، والإقصاء، ونزع الإنسانية الذي وجهته معاداة السامية تاريخيا ضد اليهود؟
تتمثل أهمية دراسة Chaim Rochester تشايم روتشستر، The false self of the settler state: antisemitic contradictions of the Zionist imaginary” الذات الزائفة للدولة الاستيطانية: التناقضات المعادية للسامية في المتخيل الصهيوني”، في إضاءتها لهذا الإشكال، فقد نشر روتشستر دراسته في مجلة Psychoanalysis, Culture & Society التحليل النفسي للثقافة والمجتمع في يوليو 2026، مستعينا بالنظرية النفسية التحليلية والمنهج التأليفي الذاتي، لبحث الصهيونية بوصفها تشكلًا جماعيًّا لـ«الذات الزائفة»، ويوظف مفاهيم ميلاني كلاين، ودونالد وينيكوت، وويلفرد بيون، وأندريه جرين، ليذهب إلى أن الخطاب الصهيوني قد يحول التعدد اليهودي إلى وحدانية قومية، ويهاجم القدرة على التفكير من خلال ما يسميه بيون «الهجوم على الربط»، ويوجه منطق نزع الإنسانية، المعروف تاريخيا، نحو اليهود المناهضين للصهيونية.
ولا ينبغي فهم حجة روتشستر على أنها تزعم أن اليهود أو اليهودية أو التطلعات القومية اليهودية معادية للسامية بطبيعتها، بل بوصفها نقدا لـمتخيل سياسي تصبح فيه سلامة اليهود مرتبطة بسيادة الدولة، والهوية اليهودية بالولاء القومي، وانتقاد الدولة عداء لليهود من حيث هم كذلك.
ويمكن صياغة المفارقة على النحو الآتي:
قد يعارض الخطاب معاداة السامية على مستوى النية المعلنة، بينما يعيد إنتاج بنيتها على مستوى التمثيل السياسي.

لقد تمثلت الفكرة المركزية لروشستر في أن الخطاب الصهيوني يُنتج بنيويًا المنطق المعادي للسامية الذي يدّعي مقاومته، فيتحوّل بذلك المشروع الدفاعي المسمّى “الدولة اليهودية” — على نحو مفارق — إلى وعاءٍ لما يخشاه.
ويحتاج هذا الطرح إلى وضعه في سياق نظري أوسع. فقد لاحظ المنظّرون النقديون، منذ عقود، علاقةً غريبة بين الصهيونية ومعاداة السامية: كلتاهما تميل إلى النظر إلى “اليهودي” ككيان متجانس ذي إرادة جماعية، ولا يختلفان إلا في الحكم القيمي — فالأولى تمجّده، والثانية تلعنه. وقد كشف روبرت فاين وفيليب سبنسر في كتابهما معاداة السامية واليسار أن صيغة “المسألة اليهودية” في عصر التحرّر — “امنحوا اليهودي كل شيء كفرد، وارفضوا له كل شيء كشعب” — تتكرّر اليوم بشكل مقلوب: يمكن قبول اليهودي على المستوى الفردي، بينما يصبح اليهودي على المستوى القومي موضوعًا للاتهام.
وتكمن إسهامات روشستر في نقل هذا الحدس إلى إطار التحليل النفسي، واستخدام مفهوم “الذات الزائفة” على النحو الذي صاغه وينيكوت لتفسير المأزق البنيوي في الهوية الصهيونية. وسنتابع في هذا المقال ثلاثة أبعاد تحليلية مترابطة.
ثانيًا: “الذات الزائفة” والقومية اليهودية:
يكمن المركز النظري لورقة روشستر في استعارة مفهوم وينيكوت عن “الذات الزائفة” لفهم الصهيونية بوصفها بناءً جماعيًا للهوية، فكان وينيكوت يصف آلية دفاعية على المستوى الفردي: حين يواجه التعبير عن الذات الحقيقية عدمَ استجابة البيئة أو عقابها، يطوّر الفرد “ذاتًا زائفة” مطيعة ووظيفية تحمي الحقيقية الداخلية، لكن ثمن ذلك إفقار تجربة الذات.
وينقل روشستر هذا الإطار إلى المستوى الجماعي: فتشكُّل الصهيونية بوصفها “ذات زائفة جماعية” ينبع من صدمة تاريخية قصوى — المحرقة (الهولوكوست)، وأن هذه الصدمة خلقت حاجة ملحّة إلى الأمان، وقدّمت الصهيونية حلًّا يقوم على هوية دولة قومية “طبيعية”، قادرة على أن “تُعترف” بها داخل النظام الدولي. غير أن هذا الحل يعمل — بحسب روشستر — عبر ما يسمّيه “الاستدماج السوداوي” (melancholic incorporation) لا عبر “الحداد الحقيقي”.
ويكمن جوهر هذا التمييز في أن الحداد الحقيقي يسمح باستبطان المفقود دون المساس بتعدّدية الذات؛ أما الاستدماج السوداوي فيعني ملء فراغ الذات بالمفقود، بحيث تُبتلع بنية الذات في الصدمة، فقد استبطنَت الصهيونية قضية “لا بد أن يمتلك اليهود دولة ليكونوا آمنين” باعتبارها التعريف الجوهري للهوية اليهودية، وكانت النتيجة ضغطَ الوجود اليهودي المشتّت والمتعدّد تاريخيًا إلى صيغة واحدة: قومية، ويشير روشستر إلى أن هذه العملية “تحوّل تعدّدية اليهود إلى أحادية قومية”.
ويمكن فهم ثمن هذا التحوّل من اتجاهين أحدهما داخلي والآخر خارجي: فالاتجاه الداخلي: يجعل اليهود الذين يرفضون التعريف القومي — وخاصة اليهود المعادين للصهيونية — خارج حدود “اليهودية”، وخارجيًا، يبني “اليهودي” كفاعل سياسي جماعي ذي إرادة موحّدة، فيمنح بذلك أقدمَ اتهامات معاداة السامية — “اليهودي كمُتآمر جماعي” أو بعبارة أخرى، تحاول الصهيونية تحويل اليهود إلى شعب “طبيعي” لتذويب معاداة السامية، لكن المسار الذي تسلكه يعيد بالضبط تأكيدَ التعريف الجذري الذي وضعه معاداةُ السامية لليهودي: أنه كيان جماعي، لا مجرّد جماعة إيمان أو تقليد ثقافي.
ثالثًا: “الهجوم على الربط” ووضع اليهود المعادين للصهيونية:
أكثر المفاهيم تحليليةً في ورقة روشستر هو المفهوم المستعار من بيون: “الهجوم على الربط” (attack on linking). يصف بيون بهذا المصطلح آلية نفسية: حين يُهاجَم الربط بين الفكر والعاطفة، يصبح التفكير نفسه مستحيلًا، ويحلّ محلّه نمط معرفي مجزّأ ومتصلّب، يقوم على “إمّا/أو”.
ويؤكد روشستر أن تعامل الخطاب الصهيوني مع العلاقة بين “اليهودية” و”الصهيونية” هو ضرب من “الهجوم على الربط”، ففي خطاب المنظمات الصهيونية السائدة، تُبنى فئتا “اليهود” و”أنصار إسرائيل” كفئتين متطابقتين جوهريًا، وبذلك يُعاد تعريف معاداة الصهيونية كشكل من أشكال معاداة السامية، لا كنقد مشروع لأيديولوجيا سياسية.
وتتجسّد نتائج هذه العملية الخطابية في السرد “الذاتي-النظري” (autotheoretical) لدى روشستر: بوصفه يهوديًا معاديًا للصهيونية، يجد نفسه محصورًا بين عنفين — كراهية المعادين للسامية من جهة، والاستبعاد والإسكات اللذين تمارسهما المؤسسات الصهيونية باسم “حماية اليهود” من جهة أخرى. ويشير روشستر إلى أن مفارقة هذا الوضع تكمن في أن المؤسسات التي تزعم حماية المجتمع اليهودي تتحوّل هي نفسها إلى آلية اضطهاد.
وهذه الآلية ليست استنتاجًا نظريًا مجرّدًا، ففي اشتغال خطاب “معاداة السامية” المعاصر، نرى توسيعًا منهجيًا للنطاق: يُعاد كتابة تعريف معاداة السامية بحيث يُدرِج “انتقاد إسرائيل” ضمن معاداة السامية، مع تجاهل منهجي للتهديد الحقيقي الذي يمثّله تفوّق البيض، وقد لعبت منظمات مثل رابطة مكافحة التشهير (ADL) واللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة (AIPAC) دورًا محوريًا في هذه العملية، وتتمثل وظيفة هذه الاستراتيجية الخطابية في أمرين: الأول: جعل انتقاد سياسات إسرائيل مشكوكًا فيه أخلاقيًا، فتحمي الدولة الاستيطانية من المساءلة الدولية، والثاني: المساواة بين “الأمان اليهودي” و”دعم إسرائيل”، فتُهمّش المسألة الحقيقية للأمان اليهودي — لا سيّما التهديد القادم من تفوّق البيض.
وقد وثّقت الأبحاث الأكاديمية الجذورَ الجيوسياسية لتسليع هذه الفئة، فقد تتبّعت مذكّرة مقدَّمة إلى لجنة ملكية أسترالية أصولَ خطاب “معاداة الصهيونية” في الدعاية السوفييتية، مشيرةً إلى أن الاتحاد السوفييتي أعاد تعريف الصهيونية بوصفها شكلًا من “العنصرية والفاشية والاستعمار”، ليُغلّف معاداةَ السامية بوصفها “نضالًا مناهضًا للاستعمار”، وقد تبنّت هذا الخطابَ دولُ الجامعة العربية خلال الحرب الباردة، وانتشر على نطاق واسع في حركات الاحتجاج المعاصرة، ولا ينفي هذا السياق التاريخي مشروعيةَ النقد المعقول لسياسات إسرائيل، لكنه يكشف أن فئة “معاداة الصهيونية” بوصفها فئة أيديولوجية عرضةٌ بنيويًا للانزلاق إلى صورةٍ مطابقة لموضوعها: يُستبدل “اليهودي” بـ”الصهيوني”، ويبقى مضمون الكراهية على حاله.
رابعًا: الاستعمار الاستيطاني وتشابك المتخيّل المعادي للسامية
يشير إطار “الذات الزائفة” لدى روشستر إلى سؤال أعمق: لماذا يسير البناء الدفاعي الصهيوني نحو نقيضه؟ يكمن جزء من الجواب في منطق الاستعمار الاستيطاني نفسه.
وتتمثل الآلية الجوهرية للاستعمار الاستيطاني في “منطق الإلغاء” — التطهير العرقي بإلغاء وجود السكان الأصليين وطمس تاريخهم والاستيلاء على أراضيهم، حتى يتمكّن المجتمع الاستيطاني من تقديم نفسه ككيان طبيعي ودائم، وتوجد بين هذا المنطق والمتخيّل المعادي للسامية قرابةٌ لم تُنظَّر تنظيرًا كافيًا: فكلاهما يعتمد على كراهية “التجريد” والتعطّش إلى “التجسيد”، وكما يشير الباحثون، فإن معاداة السامية تُخطئ في تعريف اليهودي بأنه: “نخبة معرفية قوية تمثّل قوى مناهضة للطبيعة”، بينما يرى المعادي للسامية نفسه ممثّلًا لـ”الطبيعة” في صورة مثالية عالية، مرتبطة بأيديولوجية قومية.
ويكمن مأزق “الذات الزائفة” في الاستعمار الاستيطاني في أنه يجب أن ينكر الوجود المستمر للسكان الأصليين، بينما يواجه في الوقت نفسه مقاومةَ هذا الوجود باستمرار، وأن ادّعاء المجتمع الاستيطاني بأن “هذه أرض بلا شعب” يحتاج إلى إعادة إنتاجه باستمرار للحفاظ على استقراره النفسي والاجتماعي، وكل اعتراف بوجود السكان الأصليين يشكّل تهديدًا لـ”الذات الزائفة”، ولذلك يطوّر المجتمع الاستيطاني آلية دفاعية شديدة الحساسية والعدوانية، تعمل على نحوٍ يتطابق مع ما يصفه روشستر بـ”الهجوم على الربط”.
ويساعد هذا التحليل في تفسير ظاهرة محيّرة: لماذا تتحالف إسرائيل مع قوى تعلن صراحةً مواقف معادية للسامية من تفوّق البيض؟ من منظور “الذات الزائفة”، هذا التحالف ليس مفارقة، بل منطقي: فـ”منطق الإلغاء” في الاستعمار الاستيطاني يتجاوز الفروق السطحية في الأيديولوجيا العرقية، وترمي نظرية “الاستبدال الكبير” عند تفوّق البيض على المهاجرين، بينما يمارس الاستعمار الاستيطاني “الاستبدال” على أرض السكان الأصليين، وما يشتركان فيه هو البنية المتخيّلة نفسها: أمة “حقيقية” تهدّدها “قوى مجرّدة” غريبة.
خامسًا: من السوداوية إلى الحداد — إمكان تجاوز “الذات الزائفة:”
ينتهي روشستر في ورقته إلى نتيجة معيارية: الأمان اليهودي الحقيقي يقتضي رفض الصهيونية للهوية اليهودية، وتشير هذه النتيجة إلى تحوّل بالمعنى النفسي: من السوداوية إلى الحداد.
والحداد بالمعنى التحليلي النفسي، لا يعني إنكار الصدمة أو التخلي عن الحاجة إلى الأمان؛ لكنه يعني الاعتراف بأن المفقود لا يمكن استعادته، والسماح للذات بإعادة ترتيب موارد هويتها في ظل الفقد، وبالنسبة للهوية اليهودية، فالحداد يعني: قبول الشتات كصيغة وجود يهودية حقيقية وخلّاقة، لا كحالة شاذة تنتظر “التطبيع”.
والدلالة السياسية لهذا التحوّل عميقة، فهو يعني فصل “الأمان اليهودي” عن التماهي مع الدولة الاستيطانية، فيُفتح بذلك احتمال أن يدعم اليهود حقوق الفلسطينيين دون أن يُنزَعوا من تاريخهم اليهودي وهويّتهم، وهذا هو بالضبط الموقع الذي يحاول اليهود المعادون للصهيونية ممارسته: موقف يرفض الخيار الثنائي الذي تفرضه “الذات الزائفة” (إمّا تأييد إسرائيل، أو خيانة اليهودية).
وتكمن صعوبة هذا الموقف في أنه يحتاج إلى الحفاظ على التوازن بين ضغطين: كراهية المعادين للسامية، واستبعاد المؤسسات الصهيونية؛ لكن هذا الموقع “الواقع بين” هو بالضبط الشكل الأكثر جذرية لمقاومة “الهجوم على الربط” الذي يصفه روشستر، فهو يرفض اختزال اليهودية في أي موقف سياسي واحد، ويحافظ بذلك على تعدّدية الهوية وانفتاحها.
وختامًا:
إن دراسة روشستر المعنونة بـ: ، The false self of the settler state: antisemitic contradictions of the Zionist imaginary” الذات الزائفة للدولة الاستيطانية: التناقضات المعادية للسامية في المتخيل الصهيوني” تمثل إطارًا تحليليًا قويًا لفهم التناقضات المعادية للسامية في المتخيل الصهيوني: وكيف يمكن للخطاب الصهيوني أن يعيد إنتاج البنى التي يزعم أنه يقاومها؟ فهدفت الدراسة إلى تقديم محاولة لإنهاء معاداة السامية بتحويل اليهود إلى شعب “طبيعي”، بينما يُعيد في هذه العملية إنتاج المقدّمات البنيوية لمعاداة السامية، بالنظر إلى اليهودي ككيان سياسي ذي إرادة جماعية، ويكمن جذر هذا التناقض في التشابك العميق بين “منطق الإلغاء” الاستيطاني و”المتخيّل” المعادي للسامية، وفي الآلية النفسية التي تحوّل فيها الصدمة إلى استدماج سوداوي بدلًا من حداد.
وأن الاعتراف بهذا التناقض لا يعني إنكار الحاجة اليهودية الحقيقية إلى الأمان، ولا مساواة وجود إسرائيل بمعاداة السامية؛ لكنه يعني رفض الحل القائم على “الذات الزائفة” الذي يربط “اليهودية” بـ”الصهيونية”، وأن الدلالة السياسية لهذا التحوّل عميقة، فهو يعني فصل “الأمان اليهودي” عن التماهي مع الدولة الاستيطانية، فيُفتح بذلك احتمال أن يدعم اليهود حقوق الفلسطينيين دون أن يُنزَعوا من تاريخهم اليهودي وهويّتهم، وهذا هو بالضبط الموقع الذي يحاول اليهود المعادون للصهيونية ممارسته: موقف يرفض الخيار الثنائي الذي تفرضه “الذات الزائفة” (إمّا تأييد إسرائيل، أو خيانة اليهودية)، والدفاع عن هوية يهودية تكون أكثر صدقًا وانفتاحًا ولها قدرة على احتواء اختلافاتها الداخلية والاعتراف بحقوق الفلسطينيين، ومناهضة الاستعمار الاستيطاني، والتطهير العرقي، وأن الطريق من السوداوية إلى الحداد ليس ممهّدًا، لكنه الطريق الوحيد القادر على كسر دورة إعادة إنتاج معاداة السامية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version