دكتور/ أحمد البدوي سالم
أستاذ العقيدة والفلسفة المساعد في جامعة الأزهر
زميل الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية
أصبحت كثير من الدول تستخدم مواقع التواصل لتكون أداة للدبلوماسية الرقمية، نظرًا لسرعة الانتشار، واستهداف أكبر عدد من الجماهير، ومن ثم أصبحت تمثل أهمية في العلاقات الدولية المعاصرة، إذ تتيح للحكومات والمنظمات السياسية التواصل المباشر مع الجماهير الأجنبية والتأثير في تصوراتها واتجاهاتها وإدراكها.
كما تستخدم بعض الدول البرمجة العصبية لتشكيل صورة تختلف تمامًا عن سلوكها عل أرض الواقع، ومثال ذلك: المنصات الرقمية الإسرائيلية الناطقة بعدد من اللغات، ومنها اللغة العربية، لا سيما صفحة «إسرائيل تتكلم بالعربية» وصفحة «قف معنا بالعربية»، لذا أصبحت مواقع التواصل أداة فعالة وذات أهمية لتكون مسرحًا لعمليات حروب الإدراك، والتي تندرج تحت المظلة الكبرى “الحروب الحديثة”، وتعتمد هذه المنصات على موضوعات متعددة؛ لتحسين صورتها أمام الشعوب العربية، وتهنئتهم بالمناسبات الدينية، والاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والحكم والمأثورات لتبرير سياستها.
كما تستخدم إسرائيل الإعلام الرقمي الموجه لإظهارها دولة متقدمة في شتى المجالات الاقتصادية والمالية والطبية، وفي الخدمات العامة كالمستشفيات والدعاية للمناطق السياحية، وأنها دولة تعايش سلمي مع المسيحيين والدروز، وتصوير من يعملون في جيش الدفاع من المسلمين أثناء الصلاة وهم بالملابس العسكرية، أو وهم يمسكون بالمصاحف، وكل ذلك من باب الخداع للتطبيع الشعبي وتمريره عبر قنوات برمجة الأعصاب لخلق صورة ذهنية مصطنعة من خلال تلك المنصات والصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، مما يمثل إساءة في استخدام الاتصال المضلل القائم على الانتقاء وإغفال المعلومات الجوهرية، وإرسال رسائل مضللة وموجهة مباشرة وغير مباشرة مفادها أن تجعل المتلقي في حيرة من أمره، ودفعه ليعقد مقارنات بين تلك الصورة المضللة الموجهة وبين وضعه في بلده.
وتكمن خطورة المنصات الرقمية الموجهة أيضًا في أن محتواها من الرسائل السياسية لا يقتصر على التأثير في الجمهور من خلال المعلومات المباشرة فحسب، ولكنها تتأثر أيضًا بطريقة ترتيب المعلومات، وانتقاء الموضوعات، واستخدام الصور والمشاعر، وتحديد الجوانب التي تحظى بالاهتمام الشعبي، كما تمثل الخطورة التأثير في فهم الجمهور للصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، مما يجعلها تقتل بدم بارد على تلك المواقع والصفحات.
إن الدبلوماسية الرقمية في جانبها الإيجابي تشير إلى توظيف التقنيات الرقمية في التواصل مع الجماهير الأجنبية، وتعزيز أهداف السياسة الخارجية، وإدارة الصورة الذهنية للدول، والتأثير في اتجاهات الرأي العام الدولي، وقد أصبحت هذه الدبلوماسية جزءا من أدوات القوة الناعمة؛ لأنها تتيح للدول تقديم رواياتها السياسية والثقافية مباشرة إلى الجمهور، من دون الاعتماد الكامل على المؤسسات الإعلامية التقليدية أو الوساطة الدبلوماسية الرسمية، وقد استغلت إسرائيل هذا الجانب لتحقيق الدعاية لغسل سمعتها من دماء الأبرياء والأطفال في فلسطين.
أما التطبيع الشعبي في جوهره فيشير إلى عملية اجتماعية وثقافية وسياسية يجري من خلالها تقديم العلاقات بين المجتمعات باعتبارها علاقات طبيعية ومقبولة وقابلة للتوسع في المجالات المختلفة، ويمكن أن تتم هذه العملية من خلال التواصل الثقافي، والتعاون الاقتصادي، والتعاون من خلال المشترك الديني، والخلفيات الثقافية والعرقية المشتركة، وقد يلقى قبولًا من جانب الشعوب وقد يلقى رفضًا، وفي الاتجاه الرافض للتطبيع الشعبي حظيت إسرائيل بنصيب الأسد لرفض الجماهير العربية الحرة لسياسة إسرائيل، وأنها كانت وما زالت محتلًّا للأراضي الفلسطينية؛ لذلك استخدمت إسرائيل خطة خداع لتحقيق التطبيع الشعبي، من خلال المنصات الرقمية والصفحات على مواقع التواصل، وهذا ما يستدعي ضرورة التوسع في دراسة التطبيع الرقمي، وتحليل مضمون الرسائل من جهة، وفحص سياقها السياسي والاجتماعي والآثار المحتملة لتلقيها من جهة أخرى.
بالإضافة إلى التعمق في دراسة استراتيجيات بناء الصورة الذهنية التي تستهدفها إسرائيل على تلك المنصات، ودراسة الاتصال الإسرائيلي الموجه إلى الجمهور الناطق باللغة العربية، وتكمن أهمية هذا النموذج في استخدام اللغة العربية وسيلة للوصول إلى جمهور يرتبط تاريخيًّا وثقافيًّا بالقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، الأمر الذي يجعل اختيار الموضوعات والمصطلحات والرموز المستخدمة في الرسائل الرقمية عنصرًا مؤثرًا في كيفية استقبالها وتفسيرها.
وتمثل تلك الجيل صورا للخداع، فالتأثير في الصورة الذهنية لا يتطلب بالضرورة نشر معلومات كاذبة بصورة مباشرة؛ لكنه قد ينشأ أيضًا عن طريق الانتقاء المستمر لموضوعات معينية، وتثبيت وجهة زائفة كطعم لاستقطاب الضحايا والإغفال عن باقي الصورة، هذا بجانب تأثير تكرار تلك الصورة المصطنعة من خلال العرض الانتقائي للحقائق، والذي يعد أحد الآليات المهمة التي ينبغي فحصها عند تحليل المنصات الرقمية السياسية، ويحدث ذلك عندما تركز الرسالة على معلومات تدعم تفسيرًا محددًا، مع إغفال معلومات أخرى ضرورية لفهم الحقيقة، ومن ثم يصبح هذا الانتقاء مضللًّا عندما تؤدي المعلومات الواقعية المحجوبة إلى تغيير جوهري في فهم الجمهور للادعاء أو الحدث المعروض.
ومن الآليات الأخرى التأطير العاطفي، الذي يعتمد على الصور والقصص الشخصية والرموز الدينية والمشاهد الإنسانية لإثارة التعاطف أو الشعور بالتقارب والتسامح، أو أنها دولة عدالة، ويُعد استخدام المشاعر جزءا طبيعيا من الاتصال السياسي والإعلامي؛ لكنه يصبح إشكاليا عندما تُستخدم الاستمالات العاطفية لصرف الانتباه عن الحقيقة، أو إخفاء جوانب أساسية من القضية، أو دفع الجمهور إلى استنتاجات لا تسندها المعلومات المتاحة، مما يعد خلقا لبعد إنساني زائف.
ويتمثل الأسلوب الثالث في التطبيع من خلال التكرار، فالتعرض المتكرر للرسائل التي تؤكد القيم المشتركة، والتعاون الاقتصادي، والتعايش، والمصالح الإقليمية قد يجعل بعض أشكال التواصل أكثر ألفة لدى الجمهور، غير أن الألفة لا تعني بالضرورة الاقتناع أو القبول السياسي، كما أن ارتفاع عدد المشاهدات والتعليقات لا يثبت نجاح الرسالة في تغيير المواقف، فقد يتفاعل المستخدمون مع المحتوى بهدف انتقاده أو رفضه أو تصحيح المعلومات الواردة فيه.
وتبرز هنا أهمية التمييز بين انتشار الرسالة وفاعليتها الإقناعية، فقد يحقق منشور ما معدلات مشاهدة مرتفعة، لكنه لا يؤدي إلى تغيير اتجاهات الجمهور، بل قد يعزز المعارضة أو يزيد الشكوك في الجهة الناشرة.
وفي النهاية، لا بد من التوعية والتوعية المستمرة للمجتمعات العربية بأساليب الخداع الإسرائيلية لنشر شباك التطبيع الشعبي من خلال الصفحات الناطقة بالعربية على مواقع التواصل الاجتماعي، وكشف الوجه الحقيقي لإسرائيل، الذي تواريه خلف صفحات مصطنعة، ومحتوى علمي مضلل لتحسين صورتها أمام الجمهور العربي، وان تلك الحيل لا تنطلي عليه، فما زالت إسرائيل محتلًا مغتصبًا ملطخة يدها بدماء الأبرياء، ومهما ادعت من إنسانية أو تسامح فإن الحقيقة خير شاهد على كذب تلك المزاعم.

