محمد خيري

باحث بوحدة الشؤون الإيرانية

كشفت وفاة آية الله العظمى السيد/ موسى الشبیري الزنجاني، الذي رحل في 21 سبتمبر 2026م، عن التحولات التي تشهدها مؤسسة المرجعية الدينية الشيعية، ليس فقط من حيث عدد المراجع المعتمدين من جامعة مدرسي حوزة قم، وإنما أيضا من حيث طبيعة الأدوار التي اضطلع بها جيل من علماء الحوزة الذين جمعوا بين الاشتغال الفقهي والحضور السياسي.

ومن المسلم به أن المرجعية في الفكر الإمامي الاثني عشري تمثل إحدى أهم مؤسسات إنتاج المعرفة الدينية والفتوى والتوجيه الاجتماعي، فيما ظلت علاقتها بالسياسة موضعا رئيسيا للخلاف داخل الحوزات الشيعية، خصوصا منذ بروز نظرية ولاية الفقيه وتطبيقها في الجمهورية الإسلامية، وفي هذا السياق، يبرز اسم آية الله العظمى حسين نوري الهمداني بوصفه أحد علماء حوزة قم الذين تداخل في مسارهم العلمي الفقه والفلسفة والعمل السياسي.

ولد الهمداني في مدينة همدان عام 1925م، ونشأ في أسرة دينية، وتلقى علومه الأولى على يد والده، قبل أن ينتقل في سن مبكرة إلى قم لمواصلة دراسته الحوزوية، وتذكر المصادر المتاحة أنه درس في بيئة حوزة قم على أيدي عدد من أبرز علمائها، من بينهم العلامة آية الله محمد حسين الطباطبائي، كما ارتبط بالدرس الفقهي في المدرسة التي كان يمثلها آية الله روح الله الموسوي الخميني.

ولا تكمن أهمية تكوين الهمداني في تعدد أساتذته فقط، وإنما في طبيعة المدرسة العلمية التي تخرج فيها، فقد كانت قم خلال القرن العشرين آخذة في التحول تدريجيا إلى المركز الديني الأهم في إيران، وهو مسار ارتبط أيضا بتنامي حضور روح الله الخميني وتبلور مشروعه السياسي والديني.

وفي هذه البيئة، لم يعد الفصل بين الفقه والفلسفة والنشاط العام فاصلا صارما لدى بعض العلماء، الأمر الذي أتاح للهمداني لاحقا أن يستخدم أدواته الحوزوية والفكرية في قراءة الواقع السياسي، وأن ينتقل من موقع المدرس والباحث إلى موقع رجل الدين صاحب الموقف السياسي.

تشكيل الرؤية العلمية للهمداني بين الطباطبائي والخميني

تلقى الهمداني جانبا من تكوينه الفلسفي في مدرسة العلامة الطباطبائي، صاحب “تفسير الميزان”، وارتبط هذا التكوين بدراسة موضوعات الفلسفة الإسلامية التي كانت تمثل أحد المسارات الفكرية المهمة في حوزة قم، إلى جانب الفقه والأصول. وتشير سيرته إلى اهتمامه بكتب الفلسفة الإسلامية، ومن بينها مؤلفات العالمين الإيرانيين الكبيرين “صدر المتألهين الشيرازي” و”ابن سينا”، وهو ما أضاف إلى تكوينه الفقهي بعدا فلسفيا ساعده لاحقا في بناء خطاب ديني يتجاوز حدود إصدار الأحكام الفقهية إلى تفسير قضايا المجتمع والسياسة.

أما في المجال الفقهي، فقد ارتبط الهمداني بالخميني، الذي أصبح لاحقا مؤسس الجمهورية الإسلامية، وتداخلت العلاقة العلمية بينهما مع التحولات السياسية التي شهدتها إيران في العقود السابقة على الثورة.

وقد كان الهمداني من رجال الدين الذين عارضوا نظام الشاه (1941 ــ 1979م)، وشارك في النشاطات والبيانات المناهضة له، الأمر الذي أدى إلى اعتقاله وملاحقته من جانب أجهزة الأمن، وهنا تبدو العلاقة بين التكوين الحوزوي والنشاط السياسي واضحة في مسيرته، إذ لم يتعامل مع الفقه بوصفه مجالا معرفيا منفصلا عن قضايا السلطة والمجتمع.

ومن أبرز ملامح هذا المسار توظيفه دروسه وخطبه في شرح “نهج البلاغة” في تناول قضايا سياسية واجتماعية معاصرة، وهو ما جعله جزءا من التيار الديني الذي سعى إلى تحويل الخطاب الحوزوي إلى أداة للتعبئة السياسية ضد النظام البهلوي (1925 ــ 1979م).

وقد تعرض بسبب نشاطه إلى الاعتقال والنفي، في سياق أوسع شهدته الحوزة الإيرانية مع تصاعد المواجهة بين الخميني وأنصاره وبين السلطة، وهي مواجهة ساهمت في تحويل عدد من رجال الدين من علماء تقليديين إلى فاعلين مباشرين في المجال السياسي.

من المعارضة للشاه إلى ترسيخ ولاية الفقيه

بعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، انتقل الهمداني من موقع رجل الدين المعارض للنظام الملكي إلى موقع أحد رجال الدين المؤيدين للنظام السياسي الجديد، وهو تحول يعكس مسارا أوسع داخل الحوزة من مقاومة سلطة الشاه إلى المشاركة في بناء شرعية دينية للنظام الجمهوري الإسلامي، وفي هذه المرحلة، أصبح موقفه من ولاية الفقيه والقيادة الدينية أكثر ارتباطا بالمؤسسات السياسية التي تأسست بعد الثورة، وظل في العقود التالية من أبرز رجال الدين الداعمين للقيادة السياسية للجمهورية الإسلامية.

ولم يكن حضور الهمداني سياسيا منفصلا عن مكانته العلمية، ذلك أن مرجعية التقليد في النظام الشيعي لا تقوم فقط على الموقع الرسمي، وإنما على تراكم طويل من التدريس والتأليف وإثبات المكانة العلمية والاجتهاد والقدرة على إصدار الفتوى؛ ولذلك فإن صعود الهمداني إلى موقع المرجعية مثل أيضا نتيجة لمسار علمي طويل داخل حوزة قم، خصوصا بعد وفاة آية الله محمد علي الأراكي عام 1994م، وإدراج اسم الهمداني ضمن قائمة المراجع التي أعلنتها جامعة المدرسين في حوزة قم.

وتكشف مؤلفاته عن اتساع اهتمامه من الفقه والأصول إلى قضايا العقيدة والتاريخ والسياسة، ومن بينها “منهاج الصالحين” و”خلافة الإمام علي في القرآن والسنة والتاريخ” و”أصالة الروح في القرآن الكريم”، فضلا عن أعماله في الفقه والأصول، ومن خلال هذا الإنتاج، حافظ الهمداني على صورته بوصفه عالما حوزويا تقليديا، مع احتفاظه في الوقت نفسه بحضور سياسي واضح، وهو ما جعله أحد النماذج التي يصعب فيها الفصل بين المرجعية الدينية والموقف السياسي في إيران ما بعد الثورة.

التقريب بين المذاهب وحدود الخطاب السياسي

على الرغم من ارتباط الهمداني بالتيار الداعم للنظام السياسي في إيران، فقد تبنى في بعض مواقفه خطابا يدعو إلى التقريب بين المذاهب الإسلامية، مؤكدا أهمية إزالة سوء الظن بين السنة والشيعة وتجنب الإهانة المتبادلة، وعكس هذا الجانب من خطابه محاولة للجمع بين الانتماء المذهبي القوي والدعوة إلى التعاون الإسلامي الأوسع، وهي معادلة ظلت حاضرة بدرجات مختلفة في خطاب عدد من مراجع قم، خصوصا في ظل التنافس الإقليمي والمذهبي في الشرق الأوسط.

وفي المقابل، فإن مسيرته السياسية تضعه ضمن جيل من رجال الدين الذين لم يروا في المرجعية مؤسسة دينية منعزلة عن الدولة والمجتمع، وإنما مؤسسة قادرة على التأثير المباشر في المجال العام، ويفسر هذا الجانب استمرار حضوره في القضايا السياسية الإيرانية بعد الثورة، إذ لم يقتصر دوره على التدريس والإفتاء، وإنما امتد إلى إبداء المواقف تجاه الانتخابات والسياسات الداخلية والقضايا الإقليمية.

ويكشف هذا التداخل بين المرجعية والسياسة عن أحد التحولات الرئيسية التي شهدتها الحوزة الإيرانية خلال القرن العشرين، ذلك أن الحوزة التي احتفظت تقليديا بمسافة نسبية عن السلطة أصبحت، بعد الثورة، جزءا من بنية الشرعية الدينية للنظام.

والهمداني يمثل في هذا السياق حالة مهمة لدراسة انتقال رجل الدين من المعارضة السياسية للنظام الملكي إلى المشاركة في منظومة دينية ـ سياسية أصبحت فيها المرجعية والقيادة الدينية طرفين أساسيين في صناعة المجال العام.

الهمداني في المشهد السياسي الإيراني الراهن

برز اسم الهمداني كذلك في عدد من الملفات السياسية الداخلية، ومنها الجدل حول أهلية بعض رجال الدين لشغل مواقع مرتبطة بمؤسسات الجمهورية الإسلامية، ومن أبرز الوقائع المنسوبة إليه دعمه للأهلية العلمية لمهدي كرُّوبي، أحد قادة الحركة الخضراء المناهضة لخامنئي عام 2009م، أحد رجال الدين والسياسيين الإصلاحيين، عندما كانت درجة اجتهاده محل نقاش أمام مجلس صيانة الدستور، إذ وقع الهمداني، إلى جانب عدد من علماء الحوزة، على شهادة تؤكد أهليته العلمية.

وقد أماطت تلك الواقعة اللثام بجلاء عن أن شبكة العلاقات داخل الحوزة لم تكن دائما مطابقة للانقسامات السياسية بين المحافظين والإصلاحيين، وأن المكانة العلمية يمكن أن تنتج أحيانا مواقف مستقلة عن الاصطفاف السياسي.

كما ظهر اسم الهمداني في النقاشات المرتبطة بالموقف الإيراني من العراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003، في سياق تقارير ووثائق تناولت مواقف عدد من رجال الدين الإيرانيين من التدخل العسكري وسقوط نظام صدام حسين.

غير أن هذه المسألة تحتاج عند استخدامها بحثيا إلى التمييز بين ما تثبته الوثائق الأصلية وبين القوائم التي أعادت وسائل الإعلام نشرها لاحقا، خصوصا أن مواقف المرجعيات الشيعية الإيرانية والعراقية من الغزو لم تكن متطابقة، وأن الموقف المؤيد لإسقاط النظام العراقي لا يعني بالضرورة تأييد الاحتلال أو المشاركة فيه.

وتكمن أهمية هذه الوقائع في أنها تكشف أن الهمداني لم يكن مجرد مرجع ديني يعمل داخل الحوزة، وإنما كان جزءا من شبكة أوسع من رجال الدين الذين تفاعلت مواقفهم مع مؤسسات الدولة والثورة والبرلمان ومجلس صيانة الدستور ومجلس خبراء القيادة.

ومن ثم فإن دراسة شخصيته تساعد في فهم طبيعة العلاقة المتغيرة بين المرجعية والمؤسسة السياسية في إيران، بعيدا عن التصنيف المبسط الذي يفصل بين علماء الدين ورجال السياسة باعتبارهما مجالين مستقلين.

الخاتمة

يمثل آية الله العظمى حسين نوري الهمداني نموذجا لمرحلة تاريخية مهمة في تطور المؤسسة الدينية الإيرانية، فقد بدأ مساره من الحوزة التقليدية، وتلقى تكوينا يجمع الفقه والفلسفة، وتأثر بمدرسة الطباطبائي والخميني، ثم انتقل إلى النشاط السياسي المعارض للشاه، قبل أن يصبح بعد الثورة أحد رجال الدين المؤيدين لنظام الجمهورية الإسلامية، ومن هذه الزاوية، فإن أهمية الهمداني لا ترتبط فقط بكونه مرجعا من مراجع التقليد الإيرانيين الثلاثة المتبقيين على قيد الحياة، وإنما بكون سيرته تختصر مسارا أوسع انتقلت خلاله أجزاء من الحوزة الإيرانية من موقع المراقب للسلطة إلى موقع الشريك في إنتاج شرعيتها الدينية والسياسية، وتزداد أهمية دراسة تجربته في المرحلة الراهنة مع تقلص عدد المراجع الكبار وتقدم عامل العمر داخل جيل المرجعية.

 

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version