د. نهال حمدي
باحثة في وحدة الدراسات الإيرانية
أعادت منصات التواصل الاجتماعي الإيرانية خلال الأيام الأخيرة إلى الأذهان أحداث ما عُرف بـ”الجمعة الدامية” في مدينة زاهدان، عاصمة محافظة سيستان وبلوشستان، ذات الأغلبية السنية البلوشية، عبر تداول هاشتاجات مثل “#جمعه_خونین_زاهدان” و”#زاهدان”، إلى جانب إعادة نشر أسماء عدد من الضحايا وأعمارهم وصورهم ومقاطع مصورة مرتبطة بالأحداث، وما صاحب ذلك من نقاشات حول أوضاع الأقلية البلوشية السنية وحقوقهم المدنية والاجتماعية، وصولا إلى تبني بعض الحسابات شعارات أكثر حدة ضد النظام الإيراني.
أولا: إطلالة على أحداث الجمعة الدامية في زاهدان
في 30 سبتمبر 2022م، شهدت مدينة زاهدان، عقب صلاة الجمعة، احتجاجات أعقبت تقارير عن اغتصاب فتاة بلوشية وموجة احتجاجات مقتل مهسا أميني، قبل أن تطلق قوات الأمن النار على المحتجين والمصلين والمارة، ما أسفر عن مقتل أكثر من 100 شخص وإصابة مئات آخرين وفق تقديرات أممية نشرتها المفوضية العليا لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة.
غير أن أهمية هذا التداول لا تتوقف عند استعادة ذكرى حادثة دامية أو إعادة سرد قصص ضحاياها، وإنما تكشف زاهدان، في سياقها الإيراني الأوسع، عن تقاطع ثلاثة ملفات مترابطة، وهي طبيعة تعامل الدولة مع الاحتجاجات، وإشكاليات التهميش والتمييز التي يطرحها ملف البلوش، ثم أزمة توثيق الضحايا وإنتاج سردية رسمية موثوقة عن أعدادهم وهوياتهم وظروف وفاتهم.
ومن المؤكد أن الملفات الثلاثة السابقة انتقلت من نطاق الحادثة المحلية إلى الفضاء الرقمي الأوسع، حيث تتنافس سرديات الدولة والمعارضة والإعلام الإيراني في الخارج، بينما يبرز في المقابل اتجاه إيراني يفصل بين رفض القمع الداخلي ورفض التدخل العسكري الأجنبي، بما يجعل زاهدان مدخلا مهما لفهم علاقة الدولة الإيرانية بالمجتمع، وكيف تتحول الذاكرة من مجرد استعادة للماضي إلى أداة لإعادة تعريف الحاضر السياسي.
ثانيا: أسباب إحياء ذكرى ضحايا الجمعة الدامية في زاهدان
لا تبدو عودة اسم “الجمعة الدامية” في زاهدان إلى الفضاء الرقمي الإيراني مجرد استدعاء لواقعة مضت عليها أربعة أعوام، وإنما تعكس استمرار الحدث بوصفه جرحا سياسيا وحقوقيا لم يغلق بعد.
ففي 30 سبتمبر 2022، أطلقت قوات الأمن الإيرانية النار في مدينة زاهدان، عاصمة سيستان وبلوشستان، عقب صلاة الجمعة، في حادثة وثقتها منظمات حقوقية دولية باعتبارها واحدة من أكثر أيام قمع احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” دموية.
وقد خلصت بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى وجود معلومات موثوقة تشير إلى مقتل 104 محتجين ومارة في ذلك اليوم، معظمهم من الرجال والفتيان، معتبرة أن قوات الأمن استخدمت قوة مميتة غير ضرورية وغير متناسبة.
وتكتسب هذه الأرقام أهميتها من كونها لا تعتمد فقط على روايات الناشطين، وإنما جاءت بعد تحقيق دولي جمع أكثر من 27 ألف مادة إثبات وأجرى 134 مقابلة معمقة مع ضحايا وشهود، إلى جانب استخدام خبرات في الأدلة الرقمية والطبية والقانون الدولي.
وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش قد وثقت بدورها عشرات مقاطع الفيديو والصور، وتحدثت إلى شهود وأسر ضحايا، بينما سجلت منظمة العفو الدولية أسماء عشرات القتلى في الأيام الأولى للتحقيق، قبل أن ترتفع تقديراتها اللاحقة، ولعل هذا التفاوت بين الأرقام لا ينفي وقوع القتل الجماعي، وإنما يكشف صعوبة بناء سجل نهائي للضحايا في بيئة لم تتوافر فيها آلية تحقيق مستقلة.
ومن هنا اكتسبت الهاشتاجات المتداولة في ذكرى الحدث دلالة تتجاوز وظيفة التذكير، فهي تعيد إنتاج “الجمعة الدامية” باعتبارها رمزا لعلاقة أمنية متوترة بين الدولة وجزء من مجتمعها المحلي.
ويعزز ذلك أن القضية لم تتوقف عند يوم 30 سبتمبر 2022، إذ استمرت الاحتجاجات الأسبوعية في زاهدان، فيما وثقت هيومن رايتس ووتش استخدام القوة المفرطة ضد المحتجين في مناسبات لاحقة لإحياء ذكرى الحدث.
وفي سبتمبر 2026، أعاد الشيخ مولوي عبد الحميد، إمام الجمعة في زاهدان، التأكيد على أن “الجمعة الدامية” ليست حدثا قابلا للنسيان، في مؤشر على استمرار حضورها داخل المجال الديني والاجتماعي والسياسي للمدينة.
ثالثا: تقاطع المظلومية الأمنية مع التهميش الاجتماعي
تكمن خصوصية زاهدان في أن الضحايا ينتمون في غالبيتهم إلى المجتمع البلوشي السني، بما يجعل الحدث قابلا للقراءة ضمن طبقات متعددة من التهميش، وليس فقط باعتباره مواجهة بين محتجين وأجهزة أمنية.
وقد أثارت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز العنصري، في مراجعتها لوضع إيران عام 2024، أسئلة صريحة حول استمرار التمييز الذي يطال الأكراد والبلوش، بما في ذلك الاعتقال التعسفي والقتل خارج نطاق القضاء والاختفاء القسري، كما تساءلت عن الإجراءات المتخذة لمعالجة الأوضاع الاقتصادية المتردية في سيستان وبلوشستان، وعن إمكانية حصول أبناء الأقليات على التعليم بلغاتهم الأم والوصول إلى الرعاية الصحية.
وتتجاوز تلك المشكلة البعد الأمني إلى بنية اجتماعية واقتصادية أكثر تعقيدا، إذ تشير منظمة حقوق الأقليات إلى أن سيستان وبلوشستان تعد من أكثر مناطق إيران فقرا وتخلفا، وأن المجتمع البلوشي يواجه تراكبا بين التمييز الإثني والديني والحرمان الاقتصادي، مع صعوبات في التعليم والصحة وفرص العمل والخدمات الأساسية.
ولعل الأكثر ارتباطا بالجدل الحالي هو ما ذكرته المنظمة من وجود مشكلة واسعة تتعلق بوثائق الهوية، مشيرة إلى تقديرات تفيد بأن نحو مليون إيراني قد لا يمتلكون شهادات ميلاد أو إثباتا رسميا للجنسية، وأن هذه المشكلة تؤثر بصورة غير متناسبة على البلوش، بما يعرقل حصول بعضهم على التعليم والرعاية الصحية والمساعدات والخدمات العامة.
ولهذا فإن انتقال النقاش من أسماء قتلى “الجمعة الدامية” إلى سؤال أوسع حول حقوق البلوش ليس انتقالا عاديا داخل الخطاب الرقمي، فهناك بالفعل سياق حقوقي واجتماعي موثق يسمح بربط الحدث بأسئلة أوسع عن المساواة والمواطنة، لكن يجب هنا التمييز بين مستويين، وهما وجود مشكلة حقيقية تتعلق بوثائق الهوية والتمييز والحرمان الاجتماعي، وبين الادعاء بأن كل اسم متداول في قوائم ضحايا “الجمعة الدامية” لا يمتلك سجلا رسميا للوفاة.
فالمستوى الثاني يحتاج إلى تحقق حالة بحالة، ولا يكفي فيه تداول الاسم أو الصورة على شبكات التواصل، وهذه النقطة تحديدا تجعل معركة التوثيق جزءا من المعركة السياسية حول ذاكرة الحدث، وليست مجرد مسألة إحصائية.
رابعا: توثيق الضحايا وصراع السرديات في الفضاء الرقمي
تكشف قصة زاهدان أيضا عن تحول مهم في طبيعة الصراع السياسي الإيراني، إذ لم يعد الحدث السياسي ينتهي بانتهاء المظاهرة أو إطلاق النار، وإنما يستمر في الفضاء الرقمي من خلال الصور والأسماء ومقاطع الفيديو والهاشتاجات وشهادات العائلات.
وقد وثقت منظمات دولية عشرات المقاطع والصور المرتبطة بأحداث 30 سبتمبر 2022، بينما اعتمدت منظمات أخرى على المصادر الأولية وشهادات العائلات والنشطاء في بناء قوائم الضحايا.
وفي تقرير مركز توثيق حقوق الإنسان الإيراني، على سبيل المثال، تضمنت قائمة الضحايا أسماء وبيانات عمر ومكان وفاة لبعض الأشخاص، مع الإشارة صراحة إلى أن بعض البيانات كانت غير متاحة وقت إعداد التقرير، وهو ما يوضح الفجوة بين توثيق اسم الضحية وبين اكتمال ملفه المدني والجنائي.
وهنا تظهر أهمية الأحاديث المتداولة حاليا بشأن عدم وجود سجلات وفاة أو وثائق رسمية لبعض الضحايا، فمن ناحية، توجد قرائن موثقة على أن مشكلات الهوية والإثبات القانوني أثرت بالفعل في معالجة ملف ضحايا “الجمعة الدامية”، خاصة أن رئيس القضاء في سيستان وبلوشستان، علي موحدي راد، أقر بأن بعض الضحايا كانوا يفتقرون إلى وثائق هوية، وأن غياب بعض مستندات حصر الإرث ساهم في إبطاء الإجراءات القضائية.
كما قال علي موحدي راد، إن عدم تحديد الشخص الذي أطلق الرصاصة القاتلة والسلاح المستخدم كان من أسباب عدم صدور أحكام بالقصاص، وانتهى الأمر إلى أحكام بالسجن تصل إلى عشر سنوات بحق متهمين من أفراد الأمن، ومن ناحية أخرى، لا يعني هذا تلقائيا صحة كل رواية متداولة عن “مفقودين بلا سجلات وفاة”، وهو فارق منهجي مهم بين التوثيق الحقوقي والتعبئة الرقمية.
وفي هذا السياق تتحول الهاشتاجات مثل “جمعه_خونین_زاهدان” (بالعربية: الجمعة الدموية في زاهدان) و”زاهدان”، وما يرافقها أحيانا من هاشتاجات أكثر راديكالية مثل “مرگ_بر_جمهوری_اسلامی” (بالعربية: الموت للجمهورية الإسلامية) إلى أدوات لإعادة تفسير الحدث داخل سرديات سياسية متنافسة، ذلك أن الإعلام الإيراني المعارض في الخارج يعيد تقديم زاهدان باعتبارها دليلا على استمرار القمع والتمييز، فيما تحاول أصوات أخرى إبقاء القضية داخل إطار المطالبة بالعدالة وحقوق الضحايا.
والأهم من كل ذلك أن جزءا من الخطاب الإيراني المعارض لا يساوي بالضرورة بين رفض القمع الداخلي ورفض التدخل العسكري الخارجي، فقد ظهرت في النقاشات الإيرانية مواقف تنتقد النظام وتطالب بمحاسبته، لكنها في الوقت نفسه ترفض وجود قوات أمريكية أو أي تدخل عسكري أجنبي في إيران.
وفي الحقيقة يكشف هذا البعد عن معادلة سياسية أكثر تعقيدا من ثنائية “مع النظام أو ضده”، بحيث يمكن أن يكون الفاعل الإيراني معارضا للجمهورية الإسلامية، لكنه في الوقت نفسه متمسكا برفض الحرب والوجود العسكري الأجنبي.
خاتمة
يكشف تحليل محتوى الهاشتاجات الأكثر تداولا في المنصات الرقمية الإيرانية عن القضايا المتعلقة بالدماء لم تعد مجرد ذكرى لحدث دموي وإنما أصبحت عقدة تتقاطع عندها ثلاثة مستويات وهي ذاكرة القمع الأمني، وإشكالية التهميش الإثني والديني والاجتماعي، وأزمة إنتاج السجل الرسمي للضحايا.
وبينما تؤكد التحقيقات الدولية وقوع قتل واسع النطاق وتضع حصيلة موثقة عند 104 قتلى في ذلك اليوم، فإن استمرار تداول أسماء وصور وحكايات جديدة، إلى جانب الجدل حول وثائق الهوية وسجلات الوفاة، يوضح أن المعركة حول الأقليات الدينية والإثنية في الجمهورية الإسلامية ستظل قائمة إلى أن تعد الدولة تعريف العلاقة بينها وبين مكوناتها، ومن هنا تصبح زاهدان نموذجا واضحا لكيفية تحول الذاكرة الرقمية إلى مساحة لإعادة تعريف علاقة الدولة بالأقليات، وفي الوقت نفسه إلى ميدان لصراع أوسع على معنى المعارضة الإيرانية نفسها، حيث يمكن رفض القمع الداخلي دون التسليم في الوقت ذاته بالتدخل العسكري الخارجي.
