حسين محمود التلاوي
عقد في أديس أبابا يوم الجمعة 17 يناير 2026م اجتماع عسكري بين إثيوبيا والمغرب لبحث أوجه التعاون العسكري، وفق اتفاقية التعاون الموقعة بين البلدين في يونيو 2025م، والتي تشمل التعاون في مجالات مختلفة؛ منها العسكرية والتجارية. مثل الاجتماع نقطة تحول فارقة في علاقات المغرب مع إثيوبيا، صاحبة التاريخ الطويل في دعم جبهة بوليساريو في ملف الصحراء الغربية؛ وهو الدعم الذي وصل ذروته بقبول الجبهة عضوًا في منظمة الوحدة الإفريقية عام 1982م، وبقاء البوليساريو على عضويتها في الاتحاد الإفريقي الذي تأسس عام 2002م بديلًا عن منظمة الوحدة الإفريقية، ويتخذ من إثيوبيا مقرًّا له. أدى هذا الإجراء إلى انسحاب المغرب من منظمة الوحدة الإفريقية عام 1984م، قبل العودة إلى الاتحاد الإفريقي عام 2017م في إطار الدبلوماسية المغربية الجديدة.
على الجانب الإثيوبي تأتي الاتفاقية محاولة من إثيوبيا لتنويع خياراتها في التعاون الإقليمي في ظل التحديات التي تواجهها في ملف سد النهضة ومحاولتها النفاذ إلى البحر الأحمر، وتخفيف الضغط الغربي عليها في الملف الحقوقي. لذلك لا يمكن فصل هذا الاتفاقية مع المغرب عن الاتفاقية التجارية الذي وقعتها إثيوبيا مع الإمارات قبل أيام قليلة من الاجتماع العسكري الإثيوبي المغربي في أديس أبابا.
ما وجه الاستفادة الإثيوبية؟
يمكن لإثيوبيا أن تجني العديد من الفوائد من هاتين الاتفاقيتين:
1-تحقيق اختراق في علاقاتها بالدول العربية يظهرها بمظهر الدولة الراغبة في التعاون والتنمية مع الدول العربية؛ بما يضعف السردية المصرية بشأن سد النهضة والأضرار المحتملة منه على مصر، ويظهر الخطاب المصري على أنه نغمة غير متوافقة مع معزوفة التعاون الإثيوبي العربي من المحيط الى الخليج بديلًا عن الوضع الحالي الذي تظهر فيه إثيوبيا معزولة دبلوماسيًّا بسبب الاستراتيجية المصرية في البحر الأحمر، والحرب في تيجراي التي تعيد الملف الحقوقي الإثيوبي إلى الواجهة في العلاقات مع الدول الغربية.
2-تعتمد إثيوبيا على منظومات دفاعية إسرائيلية، في الوقت الذي ينشط فيه التصنيع العسكري الإسرائيلي في المغرب؛ ما يجعل التعاون المغربي الإثيوبي إضافة قوية للمنظومة العسكرية الإثيوبية.
3-تسعى إثيوبيا إلى الحصول على منافذ مائية، لكن الاستراتيجية المصرية في البحر الأحمر قيدت من خياراتها البحرية. لذلك يرى الإثيوبيون في الاتفاقية مع الإمارات وسيلة لتحقيق ذلك، من خلال استغلال الوجود الإماراتي في إقليم أرض الصومال الانفصالي للحصول على منفذ بحرى في الإقليم دون الاضطرار إلى التعاون المباشر مع الإقليم، وما قد يؤدي إليه ذلك من زيادة التوتر الإثيوبي الصومالي.
أوجه الاستفادة المغربية
تتعامل الدبلوماسية المغربية مع العلاقات الدولية بمنطق براجماتي، ولا تُعَدُّ العلاقات مع القارة الإفريقية استثناءً من ذلك. وفي الفترة الأخيرة تحددت بوصلة المغرب في علاقاتها الدولية بملف الصحراء الغربية، ضمن الاستراتيجية المغربية الهادفة إلى كسب الدعم الدولي لخطتها للحكم الذاتي للصحراء.
ويمكن النظر إلى اتفاقيتها مع إثيوبيا على النحو التالي:
1-تسعى المغرب إلى كسب تأييد إثيوبيا لخطتها في الحكم الذاتي للصحراء الغربية؛ وهو الأمر الذي سيمثل تحولًا نوعيًّا في موقف دولة محورية في الاتحاد الإفريقي وذات تاريخ في دعم البوليساريو، ونجاحًا مغربيًّا في استثمار قرار مجلس الأمن الدولي الصادر أكتوبر 2025م، الذي أقر أن “الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكّل أساسًا أكثر واقعية لحل النزاع” حول الصحراء الغربية.
2-تهدف المغرب من التعاون العسكري مع إثيوبيا إلى تكريس نفسها قاعدة صناعية عسكرية في القارة الإفريقية؛ بما يفتح الباب أمام صادرات عسكرية مغربية إلى إفريقيا بما يعزز موقفها في التبادل التجاري مع القارة، ويتيح لها إيجاد موطئ قدم في شرق القارة البعيد جغرافيًّا عنها.
3-لما كان التصنيع العسكري المغربي يجري- في جزء منه- بالاشتراك مع جيش الاحتلال الإسرائيلي، فإن تصدير المغرب لصناعاتها العسكرية ذات التكنولوجيا الإسرائيلية يساعد في وصول إسرائيل إلى غرب القارة الإفريقية، ومنافسة السلاح الروسي والتركي المنتشر بوفرة في بلدان الساحل والصحراء على وجه الخصوص، الأمر الذى يعكس اتفاقية تحقق منافع متبادلة للطرفين المغربي والإسرائيلي.
4-يمثل المخطط المغربي، المدعوم بالتكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية، في غرب القارة خطوة على طريق تحاول المغرب تحقيقه عبر “حصار للجزائر”، بعزلها عن عمقها الاستراتيجي في دول جنوب الصحراء؛ وبوجه خاص النيجر ومالي اللتين تتصلان بحدود طويلة مع الجزائر، وتجمع بينهما وبين الجزائر الرغبة في التصدي لتهديد الجماعات الإرهابية.
تدعيات الاتفاقيتين على الأمن القومي المصري
يغلب على الدبلوماسية المصرية، بوجه عام، الهدوء وعدم التسرع والاعتماد على التحالفات الاستراتيجية القوية التي تتسم بالمرونة؛ بما يتيح لها امتصاص أي تضارب في المصالح. فكيف يمكن النظر لهاتين الاتفاقيتين؛ وعلى وجه الخصوص الاتفاقية العسكرية الإثيوبية المغربية؟
1-لمصر علاقات قوية مع المغرب، ومصر من الدول التي أعلنت تأييدها لخطة الحكم الذاتي المغربية، وفي الوقت نفسه تحتفظ بعلاقات جيدة مع الجزائر، وشهدت العلاقات المصرية الجزائرية تطورًا ملحوظًا في الفترة الأخيرة، وكانت زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى مصر تتويجًا لهذا التطور، وتمهيدًا لتعميق التعاون. لذلك لم تر المغرب مشكلة في التعاون مع إثيوبيا دون الاصطفاف معها في ملف سد النهضة. لكن ما يثير القلق المصري هو أن التعاون المغربي مع إثيوبيا ليس على درجة التعاون المصري مع الجزائر الموجه تنمويًّا؛ حيث يأخذ التعاون المغربي الإثيوبي خطوة أبعد نحو تعاون عسكري لتعزيز دفاعات إثيوبيا. وفي الحسابات الاستراتيجية الإثيوبية، تظل مصر أهم مصدر للقلق الخارجي، وبدرجة أقل إريتريا، في سياق توازنات الأمن الإقليمي المرتبطة بسد النهضة والبحر الأحمر.
2-يساعد التعاون المغربي الإثيوبي في تعزيز التواجد العسكري الإسرائيلي في إفريقيا؛ وبوجه خاص في القرن الإفريقي؛ ما يجعله يمثل ظهيرًا استراتيجيًّا لخطوة الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال الانفصالي دولة مستقلة، وإن كان بشكل غير مباشر؛ لأن المغرب لن تتورط في دعم إقليم انفصالي، في حين أن قضيتها الأساسية تتمثل في السعي إلى ضم الصحراء الغربية تحت سيادتها، ومنع انفصالها.
3-قد تنظر مصر إلى الاتفاقية الإثيوبية مع الإمارات على أنها حلقة في سلسلة التحركات الإماراتية للتواجد التجاري والأمني في القرن الإفريقي والسودان. وبوجه عام، قد تسعى الإمارات، من خلال هذه الاتفاقية، إلى استخدام الورقة الإثيوبية فيما يخص الملف السوداني؛ إما بلعب دور الوساطة بين مصر وإثيوبيا مقابل تليين الموقف المصري في السودان، أو بالضغط على المصريين في الملف السوداني؛ بحيث يقدم كل طرف تنازلات للطرف الآخر في معادلة سد النهضة مقابل السودان، علمًا بأن الإماراتيين يدركون أن سد النهضة يمثل لمصر ملفُّا وجوديُّا، والأزمة السودانية ملف أمن قومي محدد الأبعاد.
خاتمة
في الختام يطرح تساؤل: هل تحولت المغرب إلى “دولة وظيفية”؟. ظاهر الأمور يقول إن الدبلوماسية المغربية تتعامل ببرجماتية عالية، وتسعى إلى تحقيق مصالحها؛ بما لا يخل بمصالح الدول ذات العلاقات الوثيقة معها؛ ومن بينها مصر. لكن توقيت الاجتماع العسكري المغربي الإثيوبي، وتزامنه مع الاتفاقية الإماراتية الإثيوبية، واعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال يشي بأن الأمر ربما تجاوز موازنة المصالح وتوظيف التحالفات لتحقيق منافع استراتيجية متبادلة.
هل يمكن القول إن المغرب باتت مستعدة لتنفيذ ما يُطلب منها في مقابل تلقي الدعم في ملف الصحراء الغربية، وتضييق الخناق على الجزائر؟ إن اتضح في قادم الأيام أن الأمر كذلك، فهي استراتيجية محفوفة بالمخاطر، وتلقي بظلال كثيفة على مستقبل علاقاتها مع بعض الدول مثل مصر، وربما تركيا وروسيا.

