أحمد يحيى
باحث بوحدة الدراسات الإيرانية
يتصاعد الحشد العسكري الأمريكي في المنطقة في ظل ضربة عسكرية أمريكية محتملة لإيران في حال فشل محاولات الوساطة وحل الأزمة عبر المسار الدبلوماسي بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف.
وبمقارنة القدرات العسكرية، فإن إيران ليست ندًّا عسكريًا للولايات المتحدة، التي تتفوق عليها تفوقًا ساحقًا، لكنها تتميز بقدرتها على الصمود، والحرب غير المتكافئة، والتكيف مع حالة الاستنزاف طويل المدى، بشرط الحفاظ على التماسك الداخلي، وعدم خروج الشارع عن السيطرة، والقدرة على استدامة الفعل العسكري تحت تأثير الضربات.
وفي هذا الإطار، يكمن الخطر في الإسقاط الخاطئ المحتمل للتصور الأمريكي على الواقع الإيراني، ما قد يحول الحرب من حرب تقودها الإستراتيجيات والخطط المحددة مسبقًا، إلى حرب يحدد مسارها الخطأ وسلسلة من الأفعال وردود الأفعال.
أهداف الحرب الأمريكية على إيران
من المؤكد أن العمل العسكري الأمريكي ضد إيران سيكون له أحد هدفين رئيسيين محتملين:
- تدمير القدرات العسكرية والنووية الإيرانية بشكل رئيسي لإخضاع النظام للشروط الأمريكية المتعلقة بالبرنامج النووي والصاروخي ودعم الوكلاء.
- إسقاط النظام الإيراني بالعمل العسكري المباشر.
ووفقًا للهدف المحتمل تختلف طبيعة الحرب وصورتها.
1ــ استهداف القدرات العسكرية والنووية – الحرب المحدودة
يقوم هذا التصور على أن تقوم الولايات المتحدة بتوجيه ضربة أو ضربات مركزة محدودة تشمل القيادة والسيطرة الإيرانية لتحجيم قدرة إيران على الرد، والبنية العسكرية والنووية الإيرانية، بهدف جر النظام الإيراني إلى طاولة التفاوض.
ويرجح أنها ستتجنب استهداف المرشد الأعلى حتى لا يتم إعطاء إيران مبررًا لتوسيع الحرب وعدم إضفاء البعد الديني عليها وما يترتب عليه من تأثيرات، وكذلك ستتجنب استهداف البنية التحتية المدنية، وخاصة الطاقة، لتجنب أي رد إيراني يستهدف مجال الطاقة عبر إغلاق مضيق هرمز أو استهداف حقول نفط الخليج، وكذلك لتجنب تقوية المبررات الداخلية للنظام، وتجنب الظهور بمظهر العدو للشعب الإيراني.
المخاطر الرئيسية المحتملة
- هذا السيناريو لا يضمن القضاء الشامل والدائم على تلك القدرات.
- رد إيراني موسع يحول الضربة المحدودة إلى حرب إقليمية، وينقلها إلى مخاطر السيناريو التالي.
2ــ استهداف النظام – الحرب الوجودية:
في هذا السيناريو سترتكز الإستراتيجية الأمريكية على ضرب تماسك النظام والنخب، والتماسك الشعبي (على الأقل ضمان حياد نسبي من الشعب)، وولاء الأجهزة الأمنية للنظام، وذلك عبر توجيه ضربات واسعة متزامنة تمتد لأيام، تستهدف بشكل رئيسي:
- ركائز النظام وأدواته الإستراتيجية (المرشد – القيادات – المؤسسات الأمنية والعسكرية والسياسية – القدرات العسكرية والنووية – الوكلاء في الخارج).
- قدرة النظام على السيطرة الداخلية وضبط الشارع.
- تشجيع الانشقاقات بين النخب.
- تنشيط المعارضة في الداخل وتوفير غطاء لتحركها.
- إظهار النظام بمظهر غير القادر على حماية الدولة، ما يؤثر على حاضنته الشعبية حتى خارج إيران.
المخاطر الرئيسية المحتملة:
- إسقاط النظام لا يأتي إلا بحراك على الأرض، وليس بقصف أهداف إستراتيجية فقط.
- الصراع سيكون طويل المدى، لأنه يصعب حسمه بالقوة العسكرية وحدها؛ فالهدف الرئيسي هنا هو التفكيك الداخلي، وهو ما سيتوقف على «مرحلة ما بعد الضربة»، أي أنه لا يتوقف على نجاح الضربات العسكرية فقط، كما أن الضربات العسكرية قد تؤدي إلى تأثير شعبي معاكس يزيد من غموض “مرحلة ما بعد الضربة”.
- التوسع إلى حرب إقليمية، وتحولها إلى استنزاف طويل المدى، وتأثيرات ذلك إقليميًا ودوليًا على الأمن والاقتصاد والطاقة وسلاسل التوريد… إلخ.
- دخول إيران في مرحلة فوضى داخلية قد تصل إلى الاقتتال، وتأثيرات ذلك إقليميًا ودوليًا.
العمليات غير التقليدية:
عمليات القوات الخاصة والعناصر المسلحة المتواجدة داخل إيران أو المتسللة عبر الحدود قد تشكل جزءًا من مجمل التخطيط، سواء كعامل تمهيدي قبل بداية الضربات، أو لإحداث إرباك وتشتيت أثناء الحرب، أو لتنفيذ عمليات ضد أهداف محددة أثناء الحرب، ما يضع أجهزة الأمن والقوات المسلحة الإيرانية تحت ضغط شديد بسبب التزامن مع التهديد العسكري التقليدي من عدو متفوق في القدرات.
سيناريو منخفض الاحتمال – عالي التأثير:
عمليات برية داخل الأراضي الإيرانية.
ملحوظات:
ـــ قد يعتمد التخطيط الأمريكي على البدء بالسيناريو الأول لجر إيران – عبر ردها – إلى السيناريو الثاني.
ــ الغموض النسبي للهدف الأمريكي، مع إمكانية الجمع بين الهدفين (الانتقال من سيناريو إلى آخر)، إلى جانب غموض القدرات الأمريكية (على خلفية ما حدث في فنزويلا)، هي عوامل تمثل العقبة الرئيسية في مواجهة عقل المخطط الإيراني.
ــ نوع الخطاب الإعلامي الموجه إلى الشعب الإيراني يعد مؤشرًا رئيسيًا للتمييز بين الحالتين؛ ففي حال استهداف إسقاط النظام سيكون الخطاب مرتكزًا على الفصل بين استهداف النظام واستهداف الأمة الإيرانية.
الرد الإيراني
يتوقف الرد الإيراني على كيفية إدراك النظام لهدف الضربة العسكرية؛ فقد يستوعب النظام الضربة برد محدود في حال كان الهدف تدمير بعض القدرات، لكن بعد التصريحات الأمريكية والأوروبية والإسرائيلية، صار النظام يدرك أن الهدف الأرجح للضربة الأمريكية هو تغيير النظام. فالقضاء على القدرات النووية والعسكرية الإيرانية عبر الضربات العسكرية هو أمر يصعب تصوره، وأبسط دليل على ذلك هو مدى تأثر مجمل قدرات إيران بحرب الـ12 يومًا. وبالتالي، فإن الحل يكمن في تغيير الإرادة، والذي ينتج عن تغيير النظام.
وبهذا، حتى الضربة المحدودة يمكن وضعها – من حيث التأثيرات المترتبة عليها وإمكانية توظيفها – في إطار أوسع يتعلق بمسار تآكل النظام حتى يصل إلى نقطة الانهيار والتفكك داخليًا إثر الضربات الموجهة عبر المجالات المختلفة. وإدراك الإيرانيين لذلك قد يكون أحد الأسباب الرئيسية التي دفعتهم للتلويح بتحويل أي ضربة إلى حرب إقليمية، ما ينقل حتى الحرب المحدودة إلى السيناريو الثاني، وهو الحرب الوجودية.
الإستراتيجية الإيرانية
ترتكز إستراتيجية المواجهة الإيرانية على عدد من المبادئ المحتملة، والتي يمكن قراءة الإجراءات الدفاعية والهجومية في إطارها:
أ ــ في حالة الحرب المحدودة:
- استيعاب الضربة، والرد بفرض تكلفة عسكرية وسياسية مقابلة، بشكل متوازن.
- التركيز على سردية أن النصر هو خروج النظام سالمًا.
ب ــ في حالة استهداف النظام:
- التركيز على إفشال الهدف السياسي للحرب (منع إسقاط النظام).
- منع الحسم السريع.
- إنهاك الولايات المتحدة عبر الصمود والاستنزاف وإطالة أمد الحرب.
- توسيع مسرح الصراع إقليميًا للضغط عبر حلفاء الولايات المتحدة، وكسر معادلة الحرب الإيرانية – الأمريكية، وتحويلها إلى حرب إقليمية متعددة الأطراف (وربما دولية)، ويشمل ذلك أيضًا إقحام أبعاد الاقتصاد والطاقة.
- التركيز على سردية الخطر الوجودي والحرب الدينية.
الإجراءات الدفاعية (السلبية) الرئيسية المحتملة
من المحتمل أن تعتمد إيران على عدد من الإجراءات الدفاعية السلبية أيًّا كان هدف الضربة ومستواها، وهي:
- اعتماد نموذج قيادة وسيطرة لا مركزي يوفر المرونة، لمنع الوصول إلى حالة الشلل الكامل، وضمان القدرة على العمل العسكري بعد تلقي الضربة الأولى.
- حماية القيادات – وعلى رأسها المرشد الأعلى – عبر التحصين والتمويه والتشتيت، لخفض احتمالية نجاح إستراتيجية «قطع الرأس» الأمريكية، والحد من القدرة على استهداف أكبر عدد من القيادات (تجنب سيناريو حرب الـ12 يومًا).
- رفع الجاهزية العسكرية وإغلاق الأجواء (الهدف هو رفع تكلفة التفوق الأمريكي وليس منع الحرب أو إفشال الضربات).
- اتخاذ الإجراءات المتعلقة بضبط الشارع وضمان عدم خروجه عن السيطرة، بداية من قطع الإنترنت والاتصالات، وصولًا إلى القمع الأمني، وكذلك ضبط الحدود، والتأهب لعمليات التخريب والحرب غير التقليدية.
الإجراءات الهجومية (الإيجابية) المحتملة
تختلف بحسب إدراك القيادة الإيرانية لهدف الضربة ومجمل التخطيط الأمريكي:
- قصف العمق الإسرائيلي، وعلى الأرجح سيكون هو رد الفعل الإيراني الأول، ويرجع ذلك لرؤية القيادة الإيرانية للدور الإسرائيلي خلف الحرب ضد إيران، ولحساسية إسرائيل تجاه الخسائر (على خلفية تجربة حرب الـ12 يومًا) وإمكانية توظيف ذلك كعامل ضغط رئيسي.
- قصف القواعد والمصالح الأمريكية، والتي تتفاوت شدته بحسب كيفية سير الأحداث (بداية من سيناريو مماثل لقصف قاعدة العديد في حرب الـ12 يومًا، وصولًا إلى ضربات بكامل القوة).
- إغلاق مضيق هرمز، بهدف توسيع الحرب إلى المجال الاقتصادي، وإقحام فاعلين إقليميين ودوليين (إخراج الحرب من الإطار الذي يقتصر على المواجهة الإيرانية – الأمريكية).
- تنشيط الوكلاء لفتح باب الحرب الإقليمية عبر توسيع الساحات، وتتفاوت حدة تنشيط الوكلاء حسب رؤية القيادة الإيرانية لقدرتها على السيطرة على التصعيد.
- استهداف البنى اللوجستية في دول إقليمية استخدمت أراضيها سواء في إطلاق الهجمات ضد إيران أو في التصدي للضربات الإيرانية (خيار تصعيدي).
- استخدام القوة السيبرانية (خيار حاضر في كل السيناريوهات).
- ساحة الوعي واستهداف الرأي العام الإقليمي والدولي عبر استخدام الإعلام والعمليات النفسية، أيًّا كانت السيناريوهات.
- العمل على تحريك جاليات شيعية حول العالم بشكل متدرج قد يصل إلى أعمال شغب.
- تنفيذ عمليات مسلحة في أماكن مختلفة من دول العالم.
المخاطر المحتملة:
كل خيار تصعيدي تتخذه إيران قد يتحول إلى مبرر لحشد ضدها، وزيادة في الضربات، وخصم من عمر النظام.
خيارات منخفضة الاحتمالية – عالية التأثير:
- إعلان إيران إجراء تجربة نووية.
- تنفيذ إيران ضربة استباقية، سواء ضد القوات الأمريكية أو العمق الإسرائيلي.
- ملحوظات:
الهدف الإيراني الرئيسي في كل السيناريوهات هو “حفظ النظام”. - في حالة يأس النظام من القدرة على إدارة الصراع، فالأرجح أنه سيحوّل إيران إلى قنبلة تنفجر في كل ما حولها، دون أي سقف أو ضوابط.
هدف الحرب والمأزق الإستراتيجي:
بناءً على ما سبق ذكره، تواجه الولايات المتحدة – في حال إقدامها على العمل العسكري – مأزقًا إستراتيجيًا يتعلق بهدف الحرب، له ثلاثة أوجه، ولا يتعلق بالقدرة على توجيه ضربات ناجحة عسكريًا:
- احتمالية تحول الحرب من استمرار للسياسة بوسيلة أخرى، إلى التسبب في تأثير معاكس تمامًا لهدفها السياسي؛ ففي حال استهداف إسقاط النظام بعمل عسكري، فمن المحتمل – لصعوبة تحقيق ذلك بضربات عسكرية فقط – أن تصب الحرب في اتجاه إطالة عمر النظام، حتى لو كان ذلك بشكل مؤقت، وهو ما يناقض هدف الحرب.
- تحول الحرب إلى فوضى بسبب تخطيها لهدفها السياسي، وذلك في حال كان الهدف هو تدمير القدرات العسكرية والنووية فقط عبر ضربات محدودة، ثم تحولها – عبر رد إيراني موسع – إلى حرب إقليمية (حتى في حال جاهزية خطط أمريكية بديلة، فعنصر الارتباك سيكون حاضرًا إذا لم تكن الحرب الموسعة هي السيناريو الرئيسي).
- إشعال حرب دون امتلاك تصور واضح لليوم التالي؛ فأيًّا كان هدف الحرب وأيًّا كان مستوى نجاح الضربات العسكرية، فإن التأثيرات ستكون غير خطية ويصعب التنبؤ بها في كل الأحوال، ما ينذر بفوضى داخل إيران وفي الإقليم، وستصل ارتداداتها إلى خارج الإقليم.
- ويمثل هذا المأزق قلب إستراتيجية إيران في مواجهة العمل العسكري الأمريكي، بداية من تعقيد عملية التخطيط له، وصولًا إلى عرقلة تحقيق الحسم السريع.
الخلاصة:
تبدو إيران غير قادرة على منع الضربة الأمريكية أو إفشالها عسكريًا، لكنها قادرة، في حال الضربة المحدودة، على الصمود واستيعاب الضربة، وقادرة على تحويل الحرب إلى استنزاف مكلف وطويل المدى في حال كان الهدف إسقاط النظام.
فالقوة العسكرية الأمريكية تمنح الولايات المتحدة التفوق على الصعيد العسكري، لكنها لا تضمن تدمير القدرات العسكرية أو النووية الإيرانية بشكل شامل ودائم، كما لا تضمن إسقاط النظام دون الدخول في دوامة من الاستنزاف والفوضى الإقليمية والارتدادات التي يصعب التنبؤ بها.
غير أن ذلك مشروط بقدرة النظام الإيراني على السيطرة على الشارع، والحفاظ على القدرة على الفعل العسكري بعد تلقي الضربة الافتتاحية، بالإضافة إلى عدم وجود مفاجآت أمريكية مجهولة وخارج الحسابات، خاصة فيما يخص القدرات.
وتكمن الأزمة الحقيقية في أنه لا يمكن لأي طرف منهما – في حال اللجوء إلى العمل العسكري – تحقيق أهدافه دون المساس بأمن الإقليم بأكمله ومصالح دوله على الأمدية القريبة والمتوسطة والبعيدة. ولذلك، ينبغي على دول المنطقة العمل على تعزيز المسار الدبلوماسي، على الرغم من أن المؤشرات حتى الآن ترجح أن توجيه ضربة عسكرية لإيران هو مسألة وقت.

