د.مروة إبراهيم
تهدف هذه الورقة إلى تسليط الضوء على المشهد الحالي المعقد في إثيوبيا من واقع صحافتها المحلية، راصدةً موجة من الاضطرابات المتداخلة التي تهدد استقرار البلاد وإقليم القرن الأفريقي. داخلياً، وبينما تسعى أديس أبابا جاهدة لفك ارتهان اقتصادها، تصطدم بواقع معيشي مرير يتسم بالشلل المالي ونقص حاد في الوقود، بالتوازي مع تصعيد سياسي متجدد في إقليم تيجراي. ولا تتوقف التحديات عند هذا الحد، إذ تلقي التمردات المسلحة في إقليمي أمهرة وأوروميا بظلالها على نزاهة العملية الانتخابية واستقرار مؤسسات الدولة. أما على الصعيد الإقليمي، فترصد الورقة توتراً متصاعداً على الجبهة الحدودية مع السودان، وسط اتهامات متبادلة بدعم التحركات العسكرية المعارضة، بالتزامن مع تعقد الملف الصومالي الذي يواجه تحديات سيادية متمثلة في تصاعد التوترات بين مقديشو وولاية الجنوب الغربي، ما يضع المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة من التصعيد.
اولًا: على المستوى الداخلي
أ-اجتماعيًا
1-إجراءات تقشفية لمواجهة أزمة الوقود
تُشير القراءة المتعمقة لأزمة الوقود في إثيوبيا إلى أنها تتجاوز مجرد تأثرها بالتصعيد العسكري في الشرق الأوسط، لتكشف عن عاصفة من الأزمات الهيكلية؛ فيعاني المواطنون من تداعيات نظام توريد مركزي هش ومثقل بالفساد، كما وصفته صحيفة “أديس ستاندر” (30 مارس)، ما أدى إلى شلل شبه تام في قطاع النقل، وانتعاش السوق السوداء بأسعار فلكية في مدن ميكيلي وجيما. وبينما تعوّل الحكومة على بدائل مستقبلية عبر طاقة السد، يظل الواقع الراهن محاصراً بين فشل الإدارة المحلية وأزمة حكم داخلية لم تتجاوزها. وقد أوردت مواقع وصحف إعلامية نحو “ذا ريبورتر” (30 مارس) أن الحكومة تتجه نحو تفعيل إجراءات تقشفية صارمة لمواجهة أزمة نقص وقود حادة ناتجة عن اضطرابات الإمداد الإقليمية والتوترات الدولية؛ حيث بدأت السلطات والشركات الحكومية تنفيذ خطة لترشيد الاستهلاك، تشمل فرض إجازات سنوية إجبارية للموظفين غير الأساسيين، والتحول إلى العمل عن بُعد، والاجتماعات الافتراضية. كما شملت الإجراءات تقليص حركة المركبات الرسمية وخفض مخصصات الوقود، في محاولة لتخفيف الضغط على محطات الوقود التي شهدت استياءً كبيرًا بين المواطنين، لعدم ضمان استمرار الخدمات الحيوية في ظل الأزمة المتفاقمة.
2-إثيوبيا تبني سدوداً أخرى بحجة مواجهة الجفاف
نشرت “ذا ريبورتر” (25 مارس) مقالاً تحليليًا حول تصحيح المفهوم الشائع عن إثيوبيا كبرج مياه، وفقًا لخبراء وباحثين للدبلوماسية المائية بأديس أبابا، الذين أكدوا معاناة البلاد من عجز مائي حاد. وأرجع المختصون الأزمة إلى تذبذب الأمطار، وغياب البنية التحتية، والنمو السكاني المتسارع، مشيرين إلى أن 35% من السكان يفتقرون لمياه الشرب النظيفة، فدعوا إلى ضرورة بناء سلسلة سدود تخزينية، مستندين إلى تجربة سد النهضة، لضمان الإدارة المستدامة للموارد ومواجهة فترات الجفاف المتكررة، مع التأكيد على التزام إثيوبيا بسياسة الاستخدام العادل والمنصف للمياه العابرة للحدود.
ب-اقتصاديًا
1-محاولات فك ارتهان الاقتصاد الإثيوبي
تناولت صحيفة “ذا ريبورتر” (29 مارس) في مقال مطول تصاعد الحراك السياسي والدبلوماسي للتشديد على حتمية استعادة منفذ بحري سيادي لفك ارتهان الاقتصاد للقيود الجغرافية وتأمين نمو السكان المتزايد؛ حيث تخوض البلاد ثورة تصحيحية في هيكلها المالي، وقد اتجه البنك الوطني الإثيوبي لفرض إعادة هيكلة شاملة للقطاع المصرفي عبر سياسات الاندماج والاستحواذ لتعزيز قدرة البنوك المحلية أمام الانفتاح المرتقب للمنافسة الأجنبية، ومعالجة الاختلال الذي تفرضه هيمنة الكيانات الكبرى، كما تناولتها صحيفة “أديس ستاندر” (30 مارس). كما أشارت “ذا ريبورتر” (29 مارس) إلى دخول إثيوبيا المرحلة الحاسمة للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، في مسعى حثيث لإتمام العضوية بحلول أبريل 2026م؛ وهو طموح يعكس، بحسب مراقبين دوليين، قفزة غير مسبوقة في تسريع الاندماج بالاقتصاد العالمي وبناء ثقة المستثمرين.
جـ-أمنيًا
أ-شكوك وتحديات أمنية تعصف بالعملية الانتخابية
في خضم تصاعد الشكوك تجاه نزاهة الانتخابات المقبلة وشموليتها في إثيوبيا، نشرت صحيفة “ذا ريبورتر” (28 مارس) مقالًا واسعًا حول تفاقم أزمة الانتخابات، وذلك بعد إعلان حزب الازدهار الحاكم عدم تقديم مرشحين في إقليم تيجراي وعشرات الدوائر الأخرى في أمهرة وأديس أبابا، وهي خطوة فسرها مراقبون بأنها إفساح للمجال أمام قادة معارضة محددين، أو تعكس عدم اليقين الأمني. وفي المقابل، ترفض القوى المسلحة في أقاليم أمهرة وأوروميا العملية الانتخابية برمتها، في ظل استمرار النزاعات العنيفة، بينما أعرب السكان عن مخاوفهم من المشاركة نتيجة انعدام الأمن. ورغم محاولات هيئة الانتخابات طمأنة الأطراف عبر نشر فرق مراقبة مشتركة، إلا أن المشهد العام يشير إلى فشل سياسي وميداني يهدد بإجراء انتخابات تفتقر للشرعية والمنافسة الحقيقية في مساحات واسعة من البلاد. كما تناولت الصحيفة ذاتها (29 مارس) إعلان حزب الحرية والمساواة عن أزمة تنظيمية واجهت مرشحيه للانتخابات، حيث تعذر تسجيل 250 مرشحاً بسبب انقطاعات الإنترنت واضطرابات النظام الإلكتروني، ما سيحرم الحزب من المنافسة في أكثر من 50 دائرة انتخابية وفقدان نحو 100 ألف صوت.
وفي سياق آخر مواز نشر موقع الصحيفة على الفيس بوك (24 مارس) اتساع جبهة الرفض للانتخابات الإثيوبية بانضمام جبهة تحرير أورومو إلى موقف حركة فانو في إقليم أمهرة، واصفة إياها بـالمسرحية الهزلية المفتقرة للمصداقية، مؤكدة أن أكثر من 70% من مساحة البلاد لا تزال خارج نطاق السيطرة الأمنية اللازمة لإجراء تصويت نزيه. واتهمت الجبهة النظام بتدجين أحزاب المعارضة المتبقية أو إجبارها على المشاركة الصورية، محذرة من مناورات سياسية يعتزم آبي أحمد القيام بها، بما في ذلك تغييرات في الوضع الإداري للعاصمة أديس أبابا، ما يعزز حالة الانسداد السياسي ويهدد شرعية العملية الديمقراطية في ظل الصراعات المسلحة المتفاقمة.
2-حصار تيجراي ماليا وصرخة استغاثة مع توقف الإمدادات الحيوية
دخلت الأزمة المالية في إقليم تيجراي مرحلة حرجة من التصعيد الإعلامي والميداني وفقًا لـ”أديس ستاندر” (30 مارس)، عقب نفي رسمي من الإدارة الإقليمية لتسلم أي مخصصات مالية من الحكومة الفيدرالية لرواتب موظفي الخدمة المدنية المتوقفة منذ أكتوبر 2025م. وبينما تصف سلطات الإقليم هذه الأنباء بـالتضليل المتعمد، انتقل الغضب الشعبي إلى شوارع العاصمة ميكيلي عبر احتجاجات واسعة للمعلمين والطلاب، وسط اتهامات متصاعدة لأديس أبابا بممارسة تهميش ممنهج وفرض قيود خانقة على الموارد الأساسية، ما يضع اتفاقات السلام الهشة أمام اختبار حقيقي في مواجهة شبح الانهيار المعيشي والاضطراب الأمني.
ومن ناحية أخرى نشرت الصحيفة ذاتها ما تواجهه مخيمات النازحين في إقليم تيجراي من كارثة إنسانية مروعة، حيث كشف مسؤولون محليون وتقارير دولية عن وفاة أكثر من 1300 نازح جوعاً ونقصاً في الرعاية الطبية خلال السنوات الثلاث الماضية، من بينهم مئات الحالات التى سجلت مؤخراً في مخيمي هيتساتس وأدوا. وتُوصف الأوضاع داخل المراكز بـالمزرية، حيث يتغطى السكان بأغطية بلاستيكية ممزقة وسط انقطاع المساعدات الفيدرالية والدولية، وتفشي الأمراض، ونقص المياه النظيفة، بالتزامن مع تدفق مستمر للفارين من السودان وغرب الإقليم. ويتفاقم هذا الوضع مع تعثر تنفيذ اتفاق بريتوريا بشأن عودة النازحين إلى ديارهم، وتصاعد التوترات العسكرية والتحشيد على الحدود مع إريتريا، ما دفع الأمم المتحدة إلى إطلاق تحذير عاجل، وحثّ جميع الأطراف على التحرك “قبل فوات الأوان”.
ثانيا: على المستوى الخارجي
1-اتهام السلطات السودانية أديس أبابا بدعم هجوم كورموك
في خضم ما تشهده المناطق الحدودية بين السودان وإثيوبيا من تصعيد عسكري خطير، تناولت الصحف الإثيوبية نحو “أديس ستاندر” أخبارا (24 مارس) تتهم فيها السلطات السودانية أديس أبابا بدعم وتسهيل هجوم شنته قوات الدعم السريع بالتحالف مع الحركة الشعبية على مدينة كورموك الاستراتيجية الواقعة قرب الحدود الإثيوبية في ولاية النيل الأزرق، وتُعتبر تلك المدينة الاستراتيجية- كما وصفتها الصحيفة- ممرًا استراتيجيًا يربط بين ولايتي النيل الأزرق وسنار، ويوفر منفذًا إلى بنى تحتية حيوية، من بينها سد الروصيرص. وقد شملت الاتهامات السودانية سماح إثيوبيا للمقاتلين والآليات العسكرية بالتحرك عبر منطقة أصوصا الحدودية لتنفيذ الهجوم. وفي حين أعلنت قوات الدعم السريع سيطرتها على كورموك بعد معارك ضارية، أكد الجيش السوداني استعادته لمناطق أخرى مثل السليك وتدمير آليات للمتمردين، وسط تقارير عن اتساع رقعة الصراع لتشمل جبهات في دارفور وكردفان. ومن جانبها، حذرت الأمم المتحدة من تفاقم الأزمة الإنسانية ونزوح المدنيين باتجاه مدينة الدمازين والحدود الإثيوبية، مشيرةً إلى أن تزايد الأعمال العدائية وغارات الطائرات المسيرة يعيق وصول المساعدات الضرورية، في ظل صمت رسمي من الجانب الإثيوبي تجاه هذه الاتهامات المتكررة.
2-تصاعد التوترات بين مقديشو وولاية الجنوب الغربي
تناولت صحيفة “أديس ستاندر” (30 مارس) في خبر موسع ما وصفته باستيلاء القوات الصومالية، مدعومةً بوحدات شبه عسكرية متحالفة معها، على منشآت رئيسة في بيدوا، بعد دخولها المدينة بمقاومة محدودة، ويأتي ذلك في ظل تصاعد التوترات بين الحكومة الصومالية وولاية الجنوب الغربي وتحولها إلى مواجهة مسلحة.
وذكرت الصحيفة وفقًا لتقريرها بأن القوات المسلحة الصومالية، برفقة ميليشيا متحالفة معها، سيطرت على مراكز شرطة المدينة، والمراكز التجارية الرئيسة، والمنشآت الحيوية، ووردت أنباء عن انسحاب القوات الإقليمية الموالية لرئيس ولاية الجنوب الغربي من أجزاء من المدينة. وصرّحت مفوضية الاتحاد الأفريقي بأن رئيسها يتابع التطورات عن كثب، وأعرب عن قلقه إزاء التأثير المحتمل لتصاعد التوترات على استقرار الصومال وأمنه ووحدته ووضعه الإنساني. وأكد البيان على دعم الاتحاد الأفريقي المستمر لجهود الصومال في تحقيق السلام والاستقرار وبناء الدولة، وأعرب عن استعداد الاتحاد لتيسير الحوار والمصالحة بين الأطراف الصومالية المعنية.
في المقابل أصدرت وزارة الدفاع الصومالية بيانًا تتهم فيه ميليشيات موالية للرئيس عبد العزيز لفتجارين بشن هجوم على القوات الفيدرالية. وقالت الوزارة: “تعرضت القوات المسلحة الوطنية الصومالية، التي كانت تنفذ عمليات ضد حركة الشباب على مشارف بيدوا، لهجوم ميليشيات مسلحة يُزعم أنها تتلقى أوامرها من عبد العزيز لفتجارين. وأضاف البيان: “استجابت القوات، التي كانت في حالة تأهب قصوى، للهجوم بسرعة. ونجحت في صدّ الميليشيات التي شنت الهجوم غير المبرر وهزيمتها، وألقت القبض على بعض المهاجمين”. وأوردت الصحيفة في سياق وصفها لتصاعد التوترات بين مقديشو وولاية الجنوب الغربي، تحذير سلطات ولاية الجنوب الغربي من أن الانتشار العسكري الفيدرالي يُنذر بخطر اندلاع حرب أهلية وأزمة إنسانية ويضع البلاد على مسار خطير نحو صراع داخلي”.
ووفقًا لما أوردته الصحيفة ذكرت الإدارة الإقليمية في بيانها: “أن وحدات من الجيش الوطني، التي دربها شركاء دوليون بمن فيهم تركيا والإمارات والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، يتم نشرها لتحقيق أهداف سياسية داخلية بدلاً من عمليات مكافحة الإرهاب”. واتهم البيان السلطات الفيدرالية باستخدام أسلحة تبرعت بها مصر لشن عمليات ضد ولاية جنوب الغرب، بدلاً من استخدامها ضد متمردي حركة الشباب.

