د/ محمد أحمد صالح
رغم أن وفاة السيناتور ليندسي جراهام Lindsey Graham (1955م-2026م) تمثل حدثًا شخصيًا وسياسيًا يتعلق بعضو بارز في مجلس الشيوخ الأمريكي، فإن الطريقة التي تناولتها الصحافة الإسرائيلية تكشف أن تل أبيب تنظر إلى الحدث باعتباره مؤشرًا على تغير بيئة الدعم السياسي الأمريكي أكثر من كونه مجرد رحيل شخصية نافذة. من هنا كان حرص بنيامين نتنياهو، بصفته وشخصه، على المشاركة في تشييع جثمانه في الولايات المتحدة
القلق الإسرائيلي لا يتعلق بشخص جراهام وحده، وإنما بما كان يمثله داخل منظومة النفوذ الأمريكية. فقد كان حلقة وصل مباشرة مع البيت الأبيض الجمهوري، وأحد أكثر الأصوات تأثيرًا داخل مجلس الشيوخ، وشخصية تمتلك علاقات عميقة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الأمريكية، وسياسي قادر على تحويل المصالح الإسرائيلية إلى مصالح أمريكية في الخطاب السياسي.
ومن ثم، فإن السؤال الإسرائيلي الحقيقي ليس: “من سيخلف ليندسي غراهام؟” بل: “هل انتهى العصر الذي كان يسمح بظهور شخصية مثله؟”، وهذا السؤال أكثر خطورة بكثير.
أسباب كون جراهام حالة استثنائية
هناك عشرات السياسيين الأمريكيين المؤيدين لإسرائيل، لكن راهام كان يمثل شيئًا مختلفًا، فيمكن وصفه بأنه كان يعمل في خمسة مستويات متزامنة:
-مشرع: يصوت لصالح المساعدات العسكرية، والتمويل الدفاعي، والعقوبات، ومشاريع التعاون الأمني. وهذا دور عادي.
-مدافع إعلامي: كان يظهر في قنوات CNN، وFox، وNBC، وCBS، ويعيد ويكرر باستمرار إنتاج الرواية الإسرائيلية، أي أنه لم يكن يصوت فقط بل كان يقنع الجمهور الأمريكي.
-مستشار غير رسمي: العلاقة مع نتنياهو تجاوزت العلاقة التقليدية. الكثير من التقارير تشير إلى لقاءات متكررة، ومشاورات مباشرة، بل وحتى تبادل آراء في الملفات الكبرى.
-قناة اتصال مع البنتاجون: جراهام ضابط سابق، له علاقات عسكرية، ويحظى باحترام داخل المؤسسة الدفاعية. وهذا منح إسرائيل قناة نفوذ إضافية.
-جسر بين الحزبين: رغم أنه جمهوري، إلا أنه حافظ لسنوات على علاقات واسعة مع الديمقراطيين، وهذا كان مهمًا جدًا؛ لأن إسرائيل كانت تقوم على قاعدة: الدعم الأمريكي يجب أن يبقى فوق الأحزاب.
رثاء إسرائيلي غير عادي
لغة الصحافة الإسرائيلية جاءت استثنائية، مثل: “درع إسرائيل الحديدي מגן הברזל של ישראל”، و”الجدار المحصن חומה בצורה”، و”النسر הנשר”، و”خبر سار لأشرار العالم בשורה טובה לרשעי העולם”. هذه ليست لغة تستخدم عادة مع السياسيين، وهي تعكس إدراكًا بأن إسرائيل لا ترثي شخصًا فقط، بل ترثي مرحلة.
التحول الأكبر داخل الولايات المتحدة
القلق الحقيقي يبدأ هنا، قبل عشرين عامًا تقريبًا، كان دعم إسرائيل يمثل إجماعًا أمريكيًا. اليوم تغير المشهد:
-داخل الحزب الديمقراطي نشأ جيل جديد أكثر انتقادًا لإسرائيل، ويركز على حقوق الإنسان، وغزة، والاستيطان، والقانون الدولي. وهذا أحدث انقسامًا داخل الحزب.
-داخل الحزب الجمهوري: رغم استمرار وجود تيار مؤيد بقوة لإسرائيل، برز أيضًا تيار يميل إلى تقليص التدخل الخارجي ويركز على الأولويات الداخلية الأمريكية، وهو ما قد يؤدي إلى اختلاف في مبررات الدعم الخارجي عمومًا، وليس لإسرائيل وحدها.
-النتيجة: لأول مرة منذ عقود يتراجع الإجماع التقليدي، وهذا ما تخشاه إسرائيل.
الكونجرس أصبح أكثر أهمية من البيت الأبيض
الرئيس يتغير كل أربع سنوات، أما الكونجرس فهو الضامن الحقيقي؛ لأنه يقرر المساعدات، والعقوبات، والتسليح، والاعتمادات المالية. إذن يمثل موت جراهام خسارة شخصية مؤثرة داخل مجلس الشيوخ، قد تكون أخطر من خسارة وزير.
أدوار جراهام عمليًا
إذا أردنا تلخيص أدوار جرهام فقد كانت تحويل المصالح الإسرائيلية إلى مصالح أمريكية. مثلاً بدلاً من القول: “ساعدوا إسرائيل” كان يقول: “إسرائيل تجعل أمريكا أكثر أمنًا، وهذا فرق هائل؛ لأنه ينقل القضية من سياسة خارجية إلى أمن قومي أمريكي.
إمكانية تعويض جراهام
نظريًا هناك إمكانية لتعويض جراهام، لكن عمليًا الأمر أصعب؛ لأن جراهام جمع خصائص نادرة، منها خبرة عسكرية، ونفوذ حزبي، وقرب من ترامب، وعلاقات مع نتنياهو، وشبكة داخل مجلس الشيوخ، وخبرة تمتد ثلاثين عامًا. هذا المزيج لا يتكرر بسهولة.
الرسالة غير المباشرة في الرثاء الإسرائيلي
الصحافة لا تخاطب الإسرائيليين فقط، بل تخاطب واشنطن أيضًا، وكأن الرسالة تقول: “لا تتركوا هذا الفراغ”، أي أنها محاولة للحفاظ على مستوى الالتزام السياسي الأمريكي.
انعكاسات غيابه على الملفات الإقليمية
-إيران: كان جراهام من أشد المؤيدين لتشديد العقوبات والضغوط على إيران. غيابه قد يعني فقدان أحد أبرز الأصوات الداعية لهذا النهج داخل مجلس الشيوخ، مع بقاء مؤيدين آخرين لهذه السياسات.
-غزة: كان يؤيد دعم العمليات العسكرية الإسرائيلية، ويضغط لزيادة الدعم العسكري. غيابه يقلل أحد الأصوات الأكثر حدة.
-المساعدات العسكرية: المساعدات لن تتوقف، لكن الدفاع عنها قد يصبح أكثر تعقيدًا إذا تزايدت الأصوات المطالبة بإعادة تقييم أولويات الإنفاق الخارجي.
التحالف الأمريكي الإسرائيلي بين الاستمرار والتراجع
التحالف الأمريكي الإسرائيلي لن تراجع، وهذا استنتاج مبالغ فيه. العلاقة تقوم على تعاون عسكري، وتعاون استخباراتي، وصناعات دفاعية، ومصالح استراتيجية، واتفاقيات طويلة، ومؤسسات، وليست مرتبطة بشخص واحد. لكن الشخصيات المؤثرة تسرع القرارات، وتزيل العقبات. وهذا ما كانت تفعله شخصية مثل جراهام.
السيناريوهات المستقبلية
السيناريو الأول.. الاستمرار: يبرز سيناتور جمهوري آخر يملأ الفراغ، وتبقى السياسة كما هي. احتمال تحققه مرتفع نسبيًا.
السيناريو الثاني.. الدعم المؤسسي: لا يظهر بديل بنفس القوة، لكن المؤسسات الأمريكية تستمر، التحالف يبقى، ولكن بزخم أقل. احتمال تحققه مرتفع.
السيناريو الثالث.. التآكل التدريجي: يتراجع التأييد الشعبي تدريجيًا، ويزداد الانقسام الحزبي، فتصبح كل حزمة مساعدات، ومعركة سياسية. احتمال تحققه متوسط.
السيناريو الرابع.. إعادة تعريف العلاقة: قد تتجه العلاقة مستقبلًا نحو تعاون أكثر انتقائية، مع استمرار الشراكة الأمنية ولكن مع نقاشات أوسع داخل الولايات المتحدة حول شروط الدعم أو أولوياته، بحسب تطورات السياسة الداخلية والإقليمية. احتمال تحققه منخفض إلى متوسط على المدى القريب، لكنه يصبح أكثر قابلية للنقاش على المدى الطويل إذا استمرت التحولات السياسية.
ما تخشاه إسرائيل فعلاً
يمكن تلخيص المخاوف في خمس نقاط رئيسية: تراجع الإجماع الأمريكي التقليدي حول إسرائيل، وصعود أجيال سياسية أكثر استعدادًا لانتقاد السياسات الإسرائيلية، واتساع الانقسام الحزبي بشأن ملفات الشرق الأوسط، وصعوبة العثور على شخصيات تمتلك نفوذًا وعلاقات مشابهة لجراهام، واحتمال أن يصبح الدفاع عن إسرائيل في واشنطن أكثر ارتباطًا بالنقاشات السياسية الداخلية الأمريكية، بدلًا من اعتباره محل توافق واسع كما كان في فترات سابقة.
ختاما
من خلال مضمون الرثاء الذي نقلته الصحافة الإسرائيلية، يمكن استنتاج أن الحدث يُنظر إليه كرمز لتحول أوسع في البيئة السياسية الأمريكية، وليس باعتباره سببًا مباشرًا لتغيير السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل.
العلاقات الأمريكية الإسرائيلية تستند إلى شبكة واسعة من المصالح والمؤسسات والاتفاقيات، ما يجعلها أكثر رسوخًا من أن تعتمد على شخصية واحدة. ومع ذلك، فإن الشخصيات ذات النفوذ الاستثنائي تستطيع تسهيل صنع القرار، وبناء التوافقات، والتأثير في الخطاب العام بطرق يصعب تعويضها بسرعة.
لذلك، قد تمثل وفاة جراهام، في نظر بعض المراقبين الإسرائيليين، إشارة إلى تحدٍ طويل الأمد يتمثل في الحفاظ على مستوى الدعم السياسي التقليدي داخل واشنطن، في ظل تغير الأجيال والتحولات داخل الحزبين الأمريكيين. هذا لا يعني بالضرورة تراجع التحالف، لكنه قد يعني أن إدارة هذا التحالف ستتطلب جهودًا سياسية ودبلوماسية أكبر خلال السنوات المقبلة.

