عبدالله فارس القزاز .. باحث بوحدة الدراسات الإفريقية
الأسبوع الثاني من أغسطس 2026 عكس تحولًا في طبيعة التفاعلات الأمنية المحيطة بالأمن القومي المصري ، حيث تزامنت محاولات بناء شراكات أمنية ومؤسسات عسكرية جديدة في تشاد والصومال مع تحركات سياسية لإعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية في ليبيا، في وقت اتجه فيه الصراع السوداني إلى توسيع نطاق استخدام المسيّرات واستهداف مناطق بعيدة عن خطوط المواجهة التقليدية. ويكشف تزامن هذه التطورات عن أن إعادة تشكيل القدرات الأمنية ومراكز القوة أصبحت أحد المحددات الرئيسية للمشهد الإقليمي.وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة بالنسبة لمصر، لتقاطعها مع ثلاث دوائر أمنية رئيسية، تتمثل في الحدود الغربية والعمق الاستراتيجي جنوبًا وأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ومن ثم، فإن تطورات هذا الأسبوع لا تعكس تحركات منفصلة داخل ليبيا والسودان وتشاد والصومال، وإنما تكشف عن بيئة إقليمية تتغير فيها أدوات النفوذ ومصادر التهديد بالتوازي مع محاولات الدول إعادة بناء قدراتها ومؤسساتها الأمنية.

في 6 أغسطس، بحث وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره التشادي عبدالله صابر فضل تعزيز العلاقات الثنائية، خلال اجتماعات اللجنة المشتركة المصرية–التشادية، مع التركيز على تطوير التعاون الاقتصادي والبنية التحتية، خاصة طريق مصر–ليبيا–تشاد، إلى جانب الطاقة والتجارة والمناطق اللوجستية. كما تناول اللقاء التعاون الأمني والعسكري وإدارة الحدود ومكافحة الإرهاب، فضلًا عن تطورات الأوضاع في السودان ومنطقة الساحل، في إطار موقف مصري داعم لوحدة السودان وسيادته ومؤسساته الوطنية.
أفريقيًا: يعكس الجمع بين التعاون الاقتصادي والأمني في أجندة اللقاء أن العلاقات المصرية–التشادية تتجه نحو بناء شراكة ذات طابع استراتيجي، وليست مجرد تطوير للعلاقات الثنائية التقليدية. فطرح طريق مصر–ليبيا–تشاد والمناطق اللوجستية والتبادل التجاري بالتوازي مع إدارة الحدود ومكافحة الإرهاب والتدريب الأمني يكشف عن ارتباط واضح بين فتح مسارات الحركة والتجارة وبين توفير البيئة الأمنية اللازمة لحمايتها. وهذا يعني أن القاهرة تتعامل مع تشاد باعتبارها جزءًا من مساحة جغرافية متصلة بمصالحها في ليبيا والسودان والساحل، وأن تطوير العلاقات معها يمكن أن يوفر لمصر مجالًا أوسع للحركة داخل وسط أفريقيا، اقتصاديًا وأمنيًا في آن واحد.وتكتسب الإشارة إلى السودان أهمية خاصة في قراءة التحرك المصري، إذ إن القاهرة لا تتعامل مع الحرب السودانية باعتبارها أزمة داخلية منفصلة، وإنما باعتبارها أزمة قابلة لإعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية لدول الجوار. ومن هنا فإن التأكيد على وحدة السودان ورفض إنشاء كيانات موازية يحمل دلالة تتجاوز الموقف الدبلوماسي، لأنه يعكس خشية من أن يؤدي استمرار الحرب إلى إنتاج واقع سياسي وأمني جديد على الحدود الجنوبية لمصر، سواء عبر تفكك مؤسسات الدولة أو اتساع حركة السلاح والقوى المسلحة عبر الحدود. ويأتي التنسيق مع تشاد في هذا السياق باعتباره اتصالًا بدولة تتأثر مباشرة بتطورات السودان، وبالتالي فإن تعزيز العلاقة معها يوفر للقاهرة مساحة إضافية لفهم التحولات المحيطة بالأزمة السودانية والتعامل مع تداعياتها.كما تكشف مجالات التعاون الأمني والتنموي عن توجه مصري لبناء نفوذ مؤسسي طويل الأجل داخل تشاد بدلًا من الاكتفاء بالحضور السياسي الظرفي. فالتعاون في التدريب العسكري وإدارة الحدود ومكافحة الإرهاب وبناء القدرات، إلى جانب الصحة والتعليم والبنية التحتية، يخلق شبكة واسعة من العلاقات مع مؤسسات الدولة التشادية. وتزداد أهمية هذا المسار في ظل التنافس على النفوذ داخل منطقة الساحل ووسط أفريقيا، حيث لا يصبح النفوذ مرتبطًا فقط بالوجود العسكري أو التحالفات السياسية، وإنما بقدرة الدولة على تقديم شراكات مستدامة في الأمن والتنمية. ومن ثم، فإن التحرك المصري في تشاد يمكن قراءته باعتباره محاولة لتثبيت موطئ قدم مؤسسي داخل منطقة تتقاطع فيها ملفات الإرهاب والحدود والهجرة والصراعات الإقليمية.مصريًا: يمثل تعزيز التعاون الأمني مع تشاد أهمية مباشرة بالنسبة للأمن القومي المصري، بالنظر إلى أن جزءًا من التهديدات التي تواجه المجال المصري يمكن أن يتحرك عبر مساحات إقليمية واسعة قبل وصوله إلى الحدود المصرية. ولذلك فإن دعم قدرات تشاد في إدارة الحدود ومكافحة الإرهاب وتدريب القوات الأمنية يمكن أن يسهم في تعزيز منظومة الإنذار المبكر ومواجهة حركة العناصر المسلحة وشبكات التهريب في نطاق جغرافي يرتبط بليبيا والسودان ومنطقة الساحل. وتمنح هذه العلاقة القاهرة قدرة أكبر على التعامل مع مصادر التهديد في عمقها الإقليمي بدلًا من انتظار انتقال آثارها إلى المجال المصري المباشر.وفي الجانب الاقتصادي، فإن مشروع طريق مصر–ليبيا–تشاد يمثل فرصة لتعزيز ارتباط مصر بوسط أفريقيا وفتح مسارات جديدة أمام التجارة والاستثمارات المصرية، لكنه في الوقت نفسه يجعل الاستقرار الأمني في المنطقة شرطًا أساسيًا لاستدامة هذا المسار. وبالتالي فإن تطوير العلاقة مع تشاد لا يخدم المصالح التجارية فقط وإنما يرتبط بتأمين بيئة الحركة التي يمكن أن تستخدمها الشركات المصرية وحركة التجارة مستقبلًا ، كما أن إنشاء مناطق لوجستية وزيادة التبادل التجاري يمكن أن يمنح مصر أدوات نفوذ اقتصادي إضافية في دولة ذات موقع مهم بين شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، ويحد من ترك المجال أمام قوى إقليمية أخرى لإعادة تشكيل شبكات التجارة والنقل بعيدًا عن المصالح المصرية .أما البعد الأكثر حساسية فيتعلق بالسودان، إذ إن استقرار الدولة السودانية يمثل مصلحة مباشرة لمصر، بينما يمثل استمرار الحرب تهديدًا محتملًا للبيئة الأمنية الممتدة جنوب الحدود المصرية ، ومن هذا المنظور. فإن التنسيق مع تشاد بشأن السودان يتيح للقاهرة توسيع نطاق تحركها الإقليمي في التعامل مع تداعيات الحرب، خصوصًا أن أمن تشاد والسودان يرتبطان بمجموعة من الملفات العابرة للحدود ، وقد يترتب على التنسيق الحد وصول الأسلحة والمرتزقة والتهريب من قبل تشاد مرورا بليبيا مما يضيف الخناق على مليشيا الدعم السريع . كما أن دعم مبدأ وحدة المؤسسات السودانية ورفض الكيانات الموازية يتسق مع المصلحة المصرية في منع تحول الحرب إلى عملية تفكيك للدولة السودانية، بما قد يخلق فراغات أمنية طويلة الأجل تزيد من حركة السلاح والجماعات المسلحة وتفرض ضغوطًا إضافية على دول الجوار ،بالتالي قد يشهد التعاون المصري–التشادي إلى مشروعات تنفيذية، خاصة في البنية التحتية والتجارة واللوجستيات وبناء القدرات الأمنية ، وسيظل تطور الحرب السودانية والوضع الأمني في الساحل عاملين رئيسيين في تحديد مستوى التعاون بين القاهرة ونجامينا، مع احتمالية زيادة التركيز على أمن الحدود ومكافحة الإرهاب. وعلى المدى الأبعد، قد تصبح تشاد إحدى نقاط الارتكاز المهمة للتحرك المصري في المساحة الممتدة بين ليبيا والسودان والساحل، خاصة إذا تزامن التعاون الأمني مع توسع المصالح الاقتصادية المصرية.

في 7 أغسطس نشرت وسائل الإعلام عن إجراء وزير الدفاع الصومالي أحمد معلم فقي مباحثات في إسلام آباد مع قائدي القوات الجوية والبحرية الباكستانيين، تناولت تطوير التعاون العسكري والدفاعي، خاصة في مجالات التدريب وتبادل الخبرات وبناء القدرات وتطوير قدرات القوات الجوية. كما شملت الزيارة توقيع اتفاقية تفاهم والاطلاع على إمكانات الصناعات الدفاعية الباكستانية وزيارة جامعة الدفاع الوطني، بما يعكس توجهًا صوماليًا نحو تنويع الشراكات العسكرية والاستفادة من الخبرات والتقنيات الدفاعية الباكستانية.
جيوسياسيًا: تكشف المباحثات الصومالية الباكستانية عن توجه مقديشو نحو إعادة بناء قدراتها العسكرية من خلال شراكات خارجية أكثر تخصصًا، خاصة في مجالات القوات الجوية والبحرية والتدريب وبناء القدرات. ويكتسب هذا التوجه أهمية في ظل حاجة الصومال إلى تقوية مؤسسات الدولة الأمنية ورفع قدرتها على مواجهة حركة الشباب وتقليل الاعتماد على الدعم الخارجي المباشر. كما أن زيارة وزير الدفاع الصومالي لمؤسسات الصناعات الدفاعية وجامعة الدفاع الوطني الباكستانية تشير إلى اهتمام يتجاوز الحصول على مساعدات عسكرية مؤقتة نحو الاستفادة من الخبرة المؤسسية والتكنولوجية في بناء قدرات عسكرية أكثر استدامة.ويكتسب هذا المسار دلالة أكبر عند وضعه في سياق التحركات الصومالية مع قوى دولية أخرى، ففي 2 أغسطس 2026، أجرى وزير الدفاع الصومالي مباحثات مع السفير الصيني لدى مقديشو وانغ يو. ويشير تزامن التواصل مع الصين وباكستان إلى أن مقديشو لا تتحرك باتجاه شراكة دفاعية أحادية، وإنما تسعى إلى توسيع دائرة الخيارات المتاحة أمامها في بناء مؤسساتها العسكرية. فباكستان تمتلك خبرة واسعة في التدريب وبناء المؤسسات العسكرية والصناعات الدفاعية، بينما تمثل الصين طرفًا دوليًا آخر تحتفظ مقديشو معه بقنوات اتصال، وهو ما يمنح الحكومة الصومالية مساحة أكبر للمناورة في اختيار مصادر التدريب والتكنولوجيا والدعم الدفاعي.ويعكس ذلك في الوقت نفسه محاولة صومالية لاستثمار التنافس الدولي على القرن الأفريقي بدل الاكتفاء بالتكيف معه. فمقديشو تمتلك موقعًا استراتيجيًا على خليج عدن والمحيط الهندي، وتتعامل مع بيئة أمنية تتداخل فيها مكافحة الإرهاب مع أمن السواحل والملاحة والتنافس الدولي. ومن ثم، فإن بناء علاقات دفاعية متعددة مع باكستان والصين وغيرهما يمكن أن يمنح الدولة الصومالية قدرة أكبر على تطوير أدواتها الأمنية، لكنه في المقابل يجعل ملف الشراكات العسكرية جزءًا من التنافس الأوسع على النفوذ في القرن الأفريقي، وليس مجرد تعاون فني بين دولتين.
إقليما : استقرار الصومال يرتبط بصورة مباشرة بأمن خليج عدن وباب المندب والبحر الأحمر. وتطوير القوات البحرية والجوية الصومالية يمكن أن يعزز قدرة مقديشو على مراقبة سواحلها ومجالها البحري ومواجهة الجماعات المسلحة والأنشطة غير المشروعة، بما يقلل من الفراغ الأمني الذي يمكن أن ينعكس على حركة الملاحة في البحر الأحمر، وبالتالي على المصالح المصرية المرتبطة بقناة السويس.كما أن تعدد الشركاء العسكريين للصومال، وخصوصًا التحرك المتزامن نحو باكستان والصين، يفرض على القاهرة متابعة اتجاهات بناء القدرات داخل الدولة الصومالية، ليس باعتبارها منافسة لهذه الشراكات، وإنما باعتبارها جزءًا من إعادة تشكيل البيئة الأمنية للقرن الأفريقي. فإذا نجحت مقديشو في تحويل هذه الشراكات إلى مؤسسات عسكرية وطنية أكثر كفاءة، فإن ذلك يمكن أن يدعم استقرار الدولة ويحد من قدرة حركة الشباب والفاعلين المسلحين على استغلال ضعف المؤسسات، وهو ما يتوافق مع المصالح المصرية في وجود دولة صومالية قوية وقادرة على حماية سواحلها.وفي المقابل، فإن دخول مزيد من القوى الدولية إلى مجال بناء القدرات العسكرية الصومالية يزيد أهمية الحضور المصري في مقديشو، لأن التحولات العسكرية قد ترتبط مستقبلًا بإعادة تشكيل موازين النفوذ في منطقة البحر الأحمر. ولذلك فإن المصلحة المصرية تتمثل في الحفاظ على علاقات مؤسسية قوية مع الصومال، ودعم بناء قدرات الدولة الوطنية، وتعزيز التنسيق في ملفات مكافحة الإرهاب وأمن الملاحة، مع متابعة طبيعة الشراكات الخارجية التي تحصل عليها مقديشو حتى لا يتحول التنافس الدولي على بناء القدرات العسكرية إلى عامل جديد لإعادة تشكيل توازنات المنطقة على نحو يضر بأمن البحر الأحمر.بالتالي تتجه العلاقات الصومالية–الباكستانية خلال المرحلة المقبلة نحو ترجمة التفاهمات الحالية إلى برامج تدريب عسكري وتبادل خبرات وربما تعاون في بعض مجالات الصناعات والتقنيات الدفاعية. وسيظل حجم هذا التعاون مرتبطًا بقدرة مقديشو على توفير الموارد اللازمة لبناء قواتها، وبطبيعة الترتيبات الأمنية الدولية في الصومال. وبالنسبة لمصر، سيكون من المهم متابعة انعكاس هذا المسار على بناء قدرات الدولة الصومالية وأمن البحر الأحمر، خصوصًا إذا تطور التعاون الباكستاني من التدريب إلى دعم مباشر في بناء القدرات الجوية والبحرية.

في 9 أغسطس، وخلال احتفالية الذكرى الـ86 لتأسيس الجيش الليبي، تزامنت مواقف خليفة حفتر ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، بشأن دورللمؤسسة العسكرية باعتبارها مؤسسة وطنية مهمتها حماية الدولة والحدود والسيادة ومكافحة الإرهاب،وإن اختلفت رؤاهم بشأن موقع المؤسسة العسكرية من العملية السياسية حيث أوضح الجنرال حفتر ضرورة وجود الجيش في دائرة صنع القرار . وتكتسب هذه المواقف أهمية خاصة لصدورها عن الأطراف الرئيسية في شرق وغرب ليبيا، رغم استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي،
سياسيًا: يمثل تزامن مواقف حفتر والمنفي والدبيبة تطورًا سياسيًا مهمًا، إذ أصبحت المؤسسة العسكرية واحدة من النقاط القليلة التي يمكن أن تتقاطع حولها الخطابات السياسية القادمة من الأطراف الليبية المختلفة، فدعوة الدبيبة إلى جيش موحد، وتأكيد المنفي أن المؤسسة العسكرية يجب أن تكون سقف الوطن، إلى جانب حديث حفتر عن دور الجيش في حماية الدولة، تعكس انتقال النقاش من مجرد الاعتراف بوجود انقسام عسكري إلى طرح فكرة إعادة تعريف وظيفة المؤسسة العسكرية نفسها باعتبارها مؤسسة وطنية منفصلة عن الصراع على السلطة. وإذا استمر هذا الخطاب، فقد يوفر أرضية سياسية يمكن البناء عليها في مسار توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية ضمن تحركات مبادرة بولس .وفي الوقت نفسه، يجب عدم التعامل مع هذا التوافق الخطابي باعتباره مؤشرًا كافيًا على قرب توحيد المؤسسة العسكرية، فجوهر الأزمة الليبية لا يتعلق فقط بمبدأ وجود جيش موحد، وإنما بمن يمتلك قرار المؤسسة العسكرية، ومن يحدد قيادتها، وكيفية توزيع الصلاحيات والموارد، وما مستقبل التشكيلات المسلحة الموجودة خارج الهيكل العسكري الموحد. ولذلك فإن الاختبار الحقيقي لهذا التوافق سيكون في قدرة الأطراف على الانتقال من الخطاب السياسي إلى ترتيبات عملية تتعلق بالقيادة والسيطرة، وإعادة هيكلة التشكيلات المسلحة، وتوحيد المؤسسات الأمنية، وضمان عدم استخدام المؤسسة العسكرية كأداة في المنافسة على السلطة ،فوجود مؤسسة عسكرية موحدة وقادرة على حماية الحدود والسيادة وتأمين الانتخابات يمكن أن يصبح أحد الشروط اللازمة للانتقال من المرحلة الانتقالية إلى دولة مستقرة، بينما استمرار الانقسام العسكري سيظل يمنح الأطراف السياسية المسلحة أدوات لتعطيل أي ترتيبات سياسية لا تتوافق مع مصالحها. ومن ثم، فإن التوافق الحالي قد يمثل محاولة لإعادة وضع المؤسسة العسكرية في قلب مشروع إعادة بناء الدولة، بدل استمرارها باعتبارها أحد مراكز الصراع عليها،
وعلى الرغم من توافق الخطاب السياسي بصورة لافتة بين الأطراف الرئيسية في شرق وغرب ليبيا حول ضرورة إعادة الاعتبار للمؤسسة العسكرية وإبعادها عن التجاذبات السياسية، فإن تزامن ذلك مع اغتيال اللواء المنصوري، رئيس الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا، واستهداف محطة الكهرباء في الزاوية بطائرة مسيّرة، يشير إلى استمرار قدرة الفاعلين المسلحين على تنفيذ عمليات تصعيدية خارج إطار التوافق السياسي. وقد يعكس توقيت هذه العمليات ظهور خلايا أو أطراف مسلحة تسعى إلى عرقلة أي ترتيبات تستهدف إعادة توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، بالتوازي مع التحركات المرتبطة بمبادرة بولس، بما قد يهدد بإبقاء حالة الانقسام الأمني وتعطيل مسار توحيد مؤسسات الدولة.وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدبلوماسية المصرية، بحكم انفتاحها على مختلف الأطراف الليبية في الشرق والغرب، وقدرتها على التواصل مع القوى الرئيسية دون الانحياز إلى إعادة إنتاج الانقسام القائم. ويمكن لهذا الانفتاح أن يدعم جهود توحيد المؤسسات الليبية، بالتوازي مع العمل على احتواء التصعيد ومنع تحول العمليات الأمنية الأخيرة إلى مسار جديد لإفشال الترتيبات السياسية والعسكرية المرتبطة بتوحيد الدولة.
مصريًا: وجود مؤسسة عسكرية وطنية موحدة وقادرة على السيطرة على الحدود الغربية لليبيا يقلل من مخاطر انتقال الجماعات المسلحة والإرهاب إلى المجال الحدودي المصري. كما أن توحيد القرار العسكري الليبي يحد من تعدد مراكز القوة التي يصعب معها ضبط الحدود ومواجهة النشاطات غير النظامية، وهو ما يدعم هدف مصر في قيام دولة ليبية مستقرة وقادرة على حماية أراضيها.ويتوافق هذا الاتجاه بصورة مباشرة مع المقاربة المصرية تجاه الأزمة الليبية، التي تركز على الحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها وتوحيد مؤسساتها الوطنية، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية. كما أن توافق الأطراف الليبية الرئيسية، ولو على مستوى الخطاب بشكل جزئي ، حول ضرورة وجود جيش موحد وغير مسيس، يفتح مساحة يمكن للقاهرة توظيفها سياسيًا لدعم مسار توحيد المؤسسات دون الانحياز إلى إعادة إنتاج الانقسام بين شرق وغرب. وتزداد أهمية ذلك بالنسبة لمصر لأن توحيد المؤسسة العسكرية يمكن أن يشكل أساسًا لإعادة بناء مؤسسات الدولة الأخرى وإنهاء حالة تعدد مراكز القرار.وفي المقابل، فإن نجاح هذا المسار سيؤثر بصورة مباشرة في قدرة مصر على حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية داخل ليبيا . فاستقرار المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية يخلق بيئة أكثر ملاءمة للتعاون الاقتصادي وإعادة الإعمار والطاقة وحركة التجارة عبر الحدود، كما يقلل من احتمالات تحول ليبيا إلى ساحة مفتوحة للتنافس بين القوى الإقليمية والدولية. لذلك فإن القاهرة معنية ليس فقط بوجود توافق سياسي حول الجيش، وإنما بتحوله إلى ترتيبات فعلية تضمن وحدة القيادة والسيطرة، وتدعم إخراج القوات الأجنبية والمرتزقة، وتمنع توظيف المؤسسة العسكرية أو التشكيلات المسلحة في الصراع السياسي.
مستقبلاً: قد يشكل هذا التوافق في الخطاب السياسي ولو بشكل جزئي مدخلًا لتحريك ملف توحيد المؤسسة العسكرية ضمن التسوية الليبية، خصوصًا إذا ارتبط بالترتيبات الخاصة بالانتخابات وإنهاء المرحلة الانتقالية. لكن الانتقال من التوافق السياسي إلى التوحيد الفعلي سيظل مرتبطًا بحسم قضايا القيادة والسيطرة والتشكيلات المسلحة والوجود الأجنبي.
في 12 أغسطس 2026، أطلقت مليشا الدعم السريع سربًا من الطائرات المسيّرة الانتحارية باتجاه العاصمة الخرطوم، في هجوم تزامن مع استهداف مدينتي عطبرة والدامر بولاية نهر النيل، وذلك بعد فترة من الهدوء النسبي في العاصمة.

ميدانيًا: يشير استئناف استهداف الخرطوم بعد فترة من الهدوء إلى أن الدعم السريع يسعى إلى إعادة إدخال العاصمة ضمن دائرة الضغط العسكري، وليس الاكتفاء بمواجهة الجيش في مناطق الاشتباك المباشر. وتكمن أهمية ذلك في أن الخرطوم تمثل مركز الثقل السياسي والعسكري للدولة، وبالتالي فإن إعادة استهدافها بالمسيّرات تحمل هدفًا يتجاوز إحداث خسائر مادية محدودة، إلى اختبار قدرة الجيش على تأمين المناطق التي استعاد السيطرة عليها، وإبقاء العاصمة في حالة استنفار أمني وعسكري مستمر.والأكثر دلالة هو تزامن الهجوم على الخرطوم مع استهداف عطبرة والدامر في ولاية نهر النيل. فهذا التزامن يكشف عن محاولة توسيع المجال الجغرافي للعمليات بدل حصره في العاصمة، بما يفرض على الجيش التعامل مع تهديدات متزامنة في مناطق متباعدة. كما أن انتقال الهجمات إلى مدن في شمال السودان يرفع من أهمية العامل اللوجستي في المعركة؛ إذ إن الضغط على مناطق العمق يمكن أن يفرض على الجيش إعادة توزيع منظومات الدفاع والقوات، ويزيد تكلفة تأمين طرق الإمداد والمراكز العسكرية بعيدًا عن خطوط القتال الرئيسية، كما أن سقوط مسيّرة داخل منطقة سكنية في الخرطوم بحري يضيف بُعدًا آخر للتصعيد، يتمثل في اتساع مخاطر انتقال العمليات من استهداف المواقع العسكرية إلى المناطق المدنية. وفي حال تكررت هذه الهجمات، فقد يصبح الهدف ليس فقط ضرب منشآت محددة، وإنما إحداث حالة من الضغط النفسي والأمني داخل المدن الواقعة تحت سيطرة الجيش. وفي المقابل، فإن غياب حصيلة رسمية حتى الآن يجعل من المبكر تقدير التأثير العسكري المباشر للهجوم، ولذلك فإن المؤشر الأهم سيكون مدى تكرار هذه العمليات وقدرتها على إصابة أهداف عسكرية أو لوجستية ذات ثقل عملياتي .
مصريًا: يفرض اتساع نطاق استخدام المسيّرات داخل السودان تداعيات أمنية متزايدة على مصر، خصوصًا مع وصول الهجمات إلى مدن في ولاية نهر النيل الواقعة ضمن العمق الشمالي للسودان. فكلما اتسعت دائرة العمليات العسكرية وتراجعت قدرة الدولة السودانية على تأمين مناطقها الشمالية، زادت احتمالات ظهور فراغات أمنية يمكن أن تستغلها شبكات التهريب والعناصر الإرهابية ، وهو ما يجعل استقرار هذه المناطق مرتبطًا بصورة مباشرة بأمن المجال الحدودي والجنوبي المصري؛ويفرض تطور الهجمات بالمسيّرات كذلك تحديًا استخباراتيًا وأمنيًا، لأن استمرار استخدامها يعني أن أطراف الحرب أصبحت قادرة على نقل التهديد إلى مناطق بعيدة عن خطوط الاشتباك التقليدية. ومن منظور الأمن القومي المصري، تزداد أهمية متابعة مسارات حصول الأطراف على هذه القدرات، وآليات تشغيلها، ونطاق استخدامها، لأن تحول المسيّرات إلى سلاح مستقر في الصراع قد يطيل أمد الحرب ويزيد من صعوبة تأمين المنشآت والطرق والمناطق الحيوية في شمال السودان.وعلى المستوى الاستراتيجي، يعزز هذا التصعيد المخاوف المصرية من استمرار تآكل مؤسسات الدولة السودانية واتساع نطاق الصراع الجغرافي. فالمصلحة المصرية لا ترتبط فقط بوقف العمليات بالقرب من الحدود، وإنما بالحفاظ على السودان كدولة موحدة تمتلك مؤسسات وطنية قادرة على السيطرة على أراضيها وتأمين حدودها. ومن ثم، فإن استمرار استهداف المدن الشمالية بالمسيّرات يمثل عاملًا إضافيًا يدفع نحو ضرورة احتواء الحرب ومنع تحولها إلى صراع استنزاف مفتوح تتوسع معه شبكات السلاح والتهريب والتدخلات الخارجية.
بالتي : تحاول مليشا الدعم السريع مواصلة استخدام المسيّرات للضغط على العمق الذي يسيطر عليه الجيش، مع إمكانية تكرار الهجمات على الخرطوم ومناطق أخرى في شمال ووسط السودان، خاصة إذا ظلت المواجهات البرية غير قادرة على تحقيق حسم سريع.وفي المقابل، سيضطر الجيش السوداني إلى تعزيز قدرات الرصد والدفاع الجوي وحماية المراكز العسكرية واللوجستية، مع محاولة تحديد مصادر إطلاق المسيّرات وخطوط إمدادها. وبالتالي، قد تتجه الحرب إلى مزيد من الاستنزاف المتبادل، بحيث يصبح التفوق الاستخباراتي والقدرة على اكتشاف المسيّرات واحباطها قبل وصولها إلى أهدافها عنصرا مؤثرا في تطورات المعركة.

