د/محمد أحمد صالح
تكشف دراسة مؤسسة “מיינד ישראל” (عقل إسرائيل)، بمشاركة أكثر من مائة خبير، عن أحد أهم مصادر القوة الإسرائيلية الأقل ظهورًا: القدرة المؤسسية على إنتاج المعرفة الاستراتيجية وتحويلها إلى سياسات وقدرات. وتبحث المؤسسة ست قضايا حاسمة لمستقبل إسرائيل: المكانة الإقليمية، ورأس المال البشري، والعلاقة بين الاقتصاد والأمن، والحوكمة والمناعة الوطنية، والديمجرافيا، والعلاقة مع الولايات المتحدة وماتسميه “الشتات اليهودي”. وتبرز أهمية هذا التفكير في أنه لا يحصر الأمن في الجيش والسلاح، بل يربطه بالتعليم والتكنولوجيا والاقتصاد والمجتمع والمؤسسات والتحالفات. كما تكشف الدراسة عن إدراك إسرائيلي لمخاطر التآكل الداخلي، وضعف الثقة، والاستقطاب، وتفضيل المكاسب السياسية قصيرة المدى، بما يجعل “العقل” نفسه مجالًا للأمن القومي. وتخلص الورقة إلى أن القوة الإسرائيلية لا تكمن في الأسلحة وحدها، بل في منظومة إنتاجها وتطويرها والتعلم من نتائج استخدامها. ومن هنا تبرز الحاجة عربيًا إلى بناء مؤسسات تجمع الخبرات، وتنتج السيناريوهات، وتربط المعرفة بالقرار، وتطور عقلًا استراتيجيًا مؤسسيًا قادرًا على استشراف المستقبل.
القوة التي لا تظهر في ساحات القتال
يكشف التقرير الذي أعدته مؤسسة “عقل إسرائيل” بمشاركة أكثر من مائة خبير إسرائيلي عن مستوى من التفكير الاستراتيجي يستحق الدراسة بذاته، لا بسبب صحة كل استنتاجاته بالضرورة، ولا لأن المؤسسة تمثل جميع الإسرائيليين أو جميع المدارس الفكرية في إسرائيل، وإنما لأن طريقة صياغة الأسئلة تكشف جانبًا مهمًا من كيفية تفكير جزء مؤثر من النخبة الاستراتيجية الإسرائيلية في الدولة ومستقبلها ومصادر قوتها ومخاطرها.
فالمؤسسة، التي يرأسها اللواء احتياط عاموس يدلين، وتصف نفسها بأنها تعمل على إنتاج الاستراتيجية لمستقبل إسرائيل (https://mindisrael.org.il)، تعتمد أدوات تشمل التحليل متعدد التخصصات، وتحليل المخاطر، وبناء السيناريوهات، وتمارين المحاكاة، و”الفريق الأحمر” المعني بتحدّي الافتراضات السائدة، واختبار الخطط من زاوية الخصم، والبحث عن نقاط الضعف والأخطاء المحتملة قبل وقوعها، وربط شبكة من الخبراء وصناع القرار. وتضع لنفسها تصورًا لإسرائيل بوصفها دولة “يهودية وديمقراطية وآمنة ومزدهرة وعادلة وقوية تكنولوجيًا”.
في سبتمبر 2026م، كشفت المؤسسة عن دراسة شارك فيها أكثر من مائة خبير، حددت ست قضايا تعتبرها حاسمة لمستقبل إسرائيل: المكانة الإقليمية، ورأس المال البشري، والعلاقة بين الاقتصاد والأمن، والحوكمة والحصانة الوطنية، والتحولات الديمجرافية، والعلاقة مع الولايات المتحدة وماتسميه “الشتات اليهودي”. كما قدمت الدراسة نفسها باعتبارها محاولة لإضافة “طبقة” أعمق إلى النقاش الانتخابي الإسرائيلي، تتجاوز سؤال من يحكم إلى سؤال: أي دولة ستكون إسرائيل بعد الانتخابات؟. وهنا تكمن الأهمية الاستراتيجية الحقيقية.
إسرائيل لا تنظر إلى قوتها باعتبارها مجموع الطائرات والصواريخ والغواصات والاستخبارات والقدرات السيبرانية فحسب، بل باعتبارها منظومة متكاملة لإنتاج القوة؛ تبدأ من المدرسة والجامعة، وتمتد إلى الجيش والاستخبارات، ثم إلى التكنولوجيا والاقتصاد والدبلوماسية، وتنتهي في دوائر صنع القرار والاستشراف.
ومن ثم، فإن الحديث عن “العقل الإسرائيلي” ينبغي ألا يفهم باعتباره وصفًا نفسيًا أو جوهريًا لجميع الإسرائيليين، وإنما باعتباره اختصارًا لبنية مؤسسية وفكرية تتكون من مراكز أبحاث، وأجهزة أمنية، وجامعات، وشركات تكنولوجية، ونخب سياسية واقتصادية، وشبكات من الخبراء؛ أي منظومة إنتاج المعرفة الاستراتيجية وتحويلها إلى سياسات وقدرات. وهذا تحديدًا هو الجانب الذي يستحق أن يتحول من موضوع عابر إلى موضوع بحث عربي مستقل.
من “إسرائيل المسلحة” إلى “إسرائيل التي تفكر“
ظل جزء كبير من الأدبيات العربية والإعلام العربي يتعامل مع القوة الإسرائيلية من خلال مظاهرها الأكثر وضوحًا: الجيش، وسلاح الجو، والاستخبارات، والدفاع الصاروخي، والأسلحة النووية، والتكنولوجيا، والدعم الأمريكي، والصناعات العسكرية، والتفوق في المعلومات. لكن هذه كلها، في التحليل الأعمق، مخرجات وليست نقطة البداية.
السؤال الأكثر أهمية هو: كيف تنتج إسرائيل القدرة على إنتاج هذه القوة؟ فالطائرة المتقدمة تحتاج إلى مهندس، والمهندس يحتاج إلى تعليم، والتعليم يحتاج إلى مؤسسة، والمؤسسة تحتاج إلى دولة قادرة على التخطيط، والدولة تحتاج إلى رؤية لما تريد أن تكون عليه بعد عشرين عامًا، والسلاح يحتاج إلى عقيدة، والعقيدة تحتاج إلى تفكير، والتفكير يحتاج إلى مؤسسات.
من هنا يمكن صياغة المعادلة على النحو الآتي: العقل، والمعرفة، والاستشراف، والعقيدة، والمؤسسة، والتكنولوجيا، والقوة، والنفوذ. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن نغفل عنه في دراسة إسرائيل ليس عدد الدبابات والطائرات، وإنما القدرة على تحويل المعرفة إلى قوة قابلة للاستخدام.
وتقدم “عقل إسرائيل” مثالًا واضحًا على ذلك؛ فهي لا تقدم نفسها كمركز أبحاث أكاديمي تقليدي، بل كمنصة تسعى إلى ربط البحث بصنع الاستراتيجية، وتستخدم السيناريوهات وتحليل المخاطر والمحاكاة و”الفريق الأحمر” وشبكات الخبراء والتواصل مع صناع القرار. وهذا يعني أن “العقل” هنا ليس عقلًا نظريًا منعزلًا في جامعة، وإنما عقل وظيفي يسعى إلى الانتقال من السؤال إلى القرار.
أهمية السؤال الذي طرحته “عقل إسرائيل”
الأهم في الدراسة ليس فقط أنها حددت ست قضايا، بل طريقة اختيارها للقضايا. فالمؤسسة لم تقل إن الخطر الإسرائيلي القادم هو إيران فقط، ولم تقل إن الحل يكمن في زيادة ميزانية الدفاع، ولم تختزل مستقبل إسرائيل في امتلاك مزيد من التكنولوجيا، بل وضعت أمامها منظومة من العناصر: المكانة الإقليمية، ورأس المال البشري، والاقتصاد والأمن، والحوكمة والحصانة الوطنية، والديمجرافيا، والعلاقة مع الولايات المتحدة و”الشتات”. هذه القائمة تكشف تحولًا مهمًا في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي: الأمن لم يعد يُفهم باعتباره شأنًا عسكريًا منفصلًا عن الدولة، وإنما باعتباره نتيجة لتفاعل المجتمع والاقتصاد والديمجرافيا والتعليم والسياسة الخارجية والولايات المتحدة والجيش.
وهذا التفكير أكثر تعقيدًا من المعادلة التقليدية: عدو خارجي، وجيش، وسلاح، وردع. المعادلة الجديدة أقرب إلى: مجتمع متماسك، ورأس مال بشري، واقتصاد قوي، ومؤسسات فعالة، وشرعية سياسية، وتحالفات، وتفوق تكنولوجي، وجيش قوي يعني قدرة استراتيجية مستدامة. وهنا تحديدًا تظهر أهمية التقرير.
أخطر ما في “العقل الإسرائيلي” هو أنه يدرس نقاط ضعفه
قد يبدو للوهلة الأولى أن دراسة كهذه دليل على قوة إسرائيل فقط، لكن القراءة النقدية تكشف شيئًا آخر. المؤسسة لا تتحدث عن دولة واثقة من استقرارها، وإنما عن دولة تدرك أن مصادر قوتها ليست مضمونة. فالحديث عن تآكل الثقة، والاستقطاب، والحوكمة، والديمجرافيا، ورأس المال البشري، والعلاقة مع الولايات المتحدة، يعني أن جزءًا من النخبة الإسرائيلية ينظر إلى القوة بوصفها رأسمالًا قابلًا للتآكل. وهذا أكثر أهمية من مجرد الاعتراف بوجود مشكلات.
فالأنظمة التي تمتلك قدرة على اكتشاف نقاط ضعفها قبل خصومها تمتلك ميزة استراتيجية. يمكن للخصم أن يعرف أن إسرائيل لديها مشكلة ديمجرافية. لكن إذا كانت إسرائيل نفسها تدرس المشكلة، وتقيس اتجاهاتها، وتضع السيناريوهات، وتبحث عن السياسات الممكنة لمعالجتها، فإن الفارق الاستراتيجي يصبح في القدرة على التعلم. ومن هنا يمكن القول إن القدرة على اكتشاف الضعف قد تتحول إلى مصدر قوة بحد ذاتها.
مقولة “الحضارات تنتحر من الداخل” بين القوة التحليلية والمبالغة
هناك فكرة محورية مفادها أن الحضارات لا تسقط بالضرورة بسبب الضربة الخارجية وحدها، وإنما قد تصل إلى لحظة يصبح فيها المجتمع والمؤسسات عاجزين عن امتصاص الضربة. لكن هذه الفكرة تحتاج إلى قراءة نقدية. فالتاريخ لا يقدم قانونًا عامًا يقول إن الحضارات “تنتحر” ببساطة، كما أن سقوط الدول لا يمكن اختزاله في الاستقطاب الداخلي وحده. القوى الخارجية، والحروب، والاقتصاد، والجغرافيا، والتغيرات التكنولوجية، والتحالفات الدولية، والأوبئة، والكوارث، كلها يمكن أن تتفاعل مع العوامل الداخلية.
لكن أهمية الفكرة في السياق الإسرائيلي ليست في دقتها التاريخية المطلقة، وإنما في القلق الاستراتيجي الذي تكشف عنه. فالقيادة الاستراتيجية الإسرائيلية بدأت تتعامل مع سؤال مختلف: ليس فقط: كيف نمنع أعداء إسرائيل من هزيمتها؟ بل أيضًا: كيف نمنع إسرائيل من إضعاف قدرتها على مقاومة الأزمات بسبب التآكل الداخلي؟ وهذا تحول عميق في مفهوم الأمن القومي.
7 أكتوبر بوصفه اختبارًا للعقل لا للجيش فقط
يمكن قراءة 7 أكتوبر 2023م من منظور مختلف عن القراءة العسكرية المباشرة. فبالنسبة إلى المؤسسات الإسرائيلية، لم يكن الحدث مجرد اختراق أمني أو عسكري، بل تحول إلى اختبار لنظام المعرفة الإسرائيلي نفسه. السؤال لم يعد فقط: لماذا لم يكتشف الجيش الهجوم؟ بل: لماذا أخطأت التقديرات؟ ولماذا لم تتحول المعلومات إلى إنذار؟ ولماذا تمسكت المؤسسات بافتراضات سابقة؟ وهل كانت المشكلة في المعلومات أم في تفسير المعلومات؟ وهل كان هناك فشل في التفكير أم في القرار؟ وهل كانت المؤسسات قادرة على تحدي افتراضاتها؟. وهنا تظهر إحدى أخطر نقاط القوة والضعف في أي منظومة استخباراتية: المشكلة ليست دائمًا في نقص المعلومات؛ أحيانًا تكون في كثرة المعلومات مع ضعف القدرة على تخيل أن الواقع يمكن أن يكون مختلفًا عن النموذج الذهني السائد. من ثم فإن 7 أكتوبر يمكن أن يُقرأ باعتباره أزمة في نموذج التفكير بقدر ما هو أزمة في الدفاع.
“الفريق الأحمر” بوصفه ثقافة استراتيجية
من أبرز الأدوات التي تشير إليها “عقل إسرائيل” في صندوق أدواتها استخدام “Devil’s Advocate محامي الشيطان” و”الفريق الأحمرRed Team “؛ أي محاولة بناء تفكير مضاد يتحدى الفرضيات السائدة بدلًا من تأكيدها. وهذا مفهوم بالغ الأهمية؛ لأن المؤسسة القوية ليست التي تنتج إجماعًا سريعًا، بل التي تستطيع أن تسمح داخلها بوجود من يقول: ماذا لو كنا مخطئين؟ هذه الجملة البسيطة هي من أهم الأسلحة الاستراتيجية.
فالدولة التي تسأل باستمرار: ماذا لو انهار التحالف؟ ماذا لو فشل الردع؟ ماذا لو تغيرت الولايات المتحدة؟ ماذا لو هاجر أصحاب المهارات؟ ماذا لو تغيرت الديمجرافيا؟ ماذا لو تحول التفوق التكنولوجي إلى تبعية؟ ماذا لو أصبحت الحرب الطويلة أكثر كلفة من قدرتنا على تحملها؟ تزيد فرص اكتشاف الأزمات قبل انفجارها. وهنا يمكن القول إن الاستشراف ليس توقع المستقبل، بل الاستعداد لعدة مستقبلات محتملة.
رأس المال البشري.. السلاح الذي لا يُرى
اختيار “رأس المال البشري” كأحد المحاور الستة ليس تفصيلًا ثانويًا. إنه ربما من أكثر المؤشرات دلالة على طبيعة التفكير الإسرائيلي. فالجيش المتقدم لا يعيش فقط على الأسلحة، بل على المهندسين، وعلماء الفيزياء، وخبراء الذكاء الاصطناعي، والمبرمجين، والأطباء، والباحثين، وقادة الأعمال، وضباط الاستخبارات، والأكاديميين، ورواد الأعمال. ولذلك فإن أي تراجع في جودة التعليم أو البحث العلمي أو قدرة الدولة على جذب المواهب والاحتفاظ بها يتحول تدريجيًا إلى مشكلة أمن قومي.
وقد ربطت دراسة حديثة لـ”عقل إسرائيل” بين إصلاح التعليم وبين الأمن القومي مباشرة، معتبرة أن التعليم يؤثر في رأس المال البشري والحصانة والتماسك وقدرة إسرائيل على مواجهة تحديات العقود المقبلة. وهذا يكشف شيئًا مهمًا: العقل الإسرائيلي لا يفصل المدرسة عن الجيش، فالمدرسة جزء من الأمن، والجامعة جزء من الأمن، والاقتصاد جزء من الأمن، والهجرة جزء من الأمن، والهوية الاجتماعية جزء من الأمن.
الاقتصاد ليس خلفية للأمن بل أحد مكوناته
المحور الثالث، المتعلق بالعلاقة بين الاقتصاد والأمن، يفتح بابًا بالغ الأهمية. في النموذج التقليدي، يبدو الأمر كأن الاقتصاد يمول الجيش، لكن في الدولة التي تعتمد على التكنولوجيا، فإن العلاقة أكثر تعقيدًا: الأمن يحمي الاقتصاد، والاقتصاد يمول الأمن، والتكنولوجيا العسكرية تدعم الاقتصاد، والاقتصاد التكنولوجي يمد الأمن بالخبرات، والجيش نفسه يصبح مختبرًا للتكنولوجيا.
ومن هنا تنشأ دائرة: الجيش، والتكنولوجيا، ورأس المال البشري، والشركات، والاستثمار، والاقتصاد، وميزانية الأمن، والجيش. لكن الدائرة نفسها يمكن أن تعمل في الاتجاه المعاكس إذا حدث خلل: الحرب الطويلة، وارتفاع الإنفاق، وضغط اقتصادي، وهجرة رأس المال والمواهب، وتراجع النمو، وضعف الموارد، وضغط على الأمن. وهذا يفسر لماذا يصبح الاقتصاد جزءًا من “العمق الاستراتيجي” لإسرائيل.
فإسرائيل ذات الجغرافيا المحدودة لا تستطيع الاعتماد فقط على العمق الجغرافي، ولذلك تحتاج إلى عمق مالي وتكنولوجي وبشري وتحالفي.
الحوكمة والحصانة الوطنية.. الجبهة الداخلية بوصفها ساحة المعركة
المحور الرابع أكثر حساسية لأنه ينقل النقاش إلى الداخل السياسي، فالحصانة الوطنية ليست مجرد قدرة المواطنين على تحمل القصف. إنها أيضًا الثقة بالمؤسسات، والقدرة على اتخاذ القرار، وشرعية القرارات، وقدرة الحكومة على تنفيذ السياسات، والعلاقة بين المركز والأطراف، وقدرة المجتمع على التعاون في الأزمات، والثقة بالجيش، والثقة بالقضاء، والثقة بالإدارة العامة، والقدرة على تجاوز الاستقطاب. ولهذا فإن الاستقطاب السياسي الإسرائيلي ليس مسألة انتخابية محضة. إنه، من منظور الأمن القومي، قد يتحول إلى مضاعف خطر إذا جعل المجتمع غير قادر على إنتاج توافقات في لحظات الأزمات.
وهنا تصبح مقولة “الربح السياسي القصير مقابل المصلحة الوطنية طويلة الأجل” شديدة الدلالة. فالدولة قد تنتصر في معركة، لكنها تخسر قدرة مؤسساتها على العمل. وقد تكسب الحكومة انتخابات، لكنها تخسر الثقة. وقد تحقق إنجازًا تكتيكيًا، لكنها تؤجل إصلاحًا استراتيجيًا. ومن ثم النجاح التكتيكي ليس بالضرورة نجاحًا استراتيجيًا.
الديمجرافيا.. عندما يصبح المستقبل السكاني قضية أمن قومي
الديمجرافيا الإسرائيلية ليست مجرد مسألة عدد سكان. إنها سؤال: من سيشكل إسرائيل بعد عشرين أو ثلاثين عامًا؟ وهذا يعني النظر إلى معدلات الولادة، والهجرة إلى إسرائيل، والهجرة من إسرائيل، وتركيب المجتمع، والحريديم، والفلسطينيين داخل إسرائيل، والعلمانيين، والمتدينين، وسوق العمل، والخدمة العسكرية، والتعليم، وتوزيع السكان جغرافيًا. من هنا تتضح العلاقة بين الديمجرافيا والجيش.
فإذا توسعت فئات اجتماعية كبيرة لا تشارك بالمستوى نفسه في سوق العمل أو الخدمة العسكرية أو التعليم العلمي، فإن العبء على الفئات الأخرى قد يتزايد. وفي المقابل، إذا أصبحت بعض القطاعات أكثر اندماجًا في الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا، فقد تتحول الديمجرافيا من مشكلة إلى مصدر قوة. إذن: الديمجرافيا ليست قدرًا؛ إنها متغير استراتيجي يمكن أن تنتج عنه مسارات مختلفة بحسب السياسات.
الولايات المتحدة ليست حليفًا فقط.. إنها جزء من العمق الاستراتيجي الإسرائيلي
اختيار العلاقات مع الولايات المتحدة ومايسمى بـ”الشتات اليهودي” كأحد المحاور الستة يوضح عمق الاعتماد المتبادل. فالولايات المتحدة بالنسبة لإسرائيل ليست مجرد دولة صديقة، إنها جزء من الأمن، والتكنولوجيا، والتسليح، والتمويل، والدبلوماسية، والردع، والعلاقات الدولية، والوصول إلى المؤسسات العالمية. ولهذا فإن سؤال المستقبل الإسرائيلي لا يمكن أن يُفصل عن السؤال: كيف ستبقى العلاقة مع واشنطن ذات قيمة استراتيجية في عالم يتغير؟
واللافت أن عاموس يدلين نفسه نشر في مايو 2026م رؤية تدعو إلى إعادة صياغة الشراكة الأمريكية-الإسرائيلية بحيث لا تقوم فقط على الأمن والالتزام التاريخي، بل على إنتاج قيمة استراتيجية مباشرة للولايات المتحدة. وهذه نقطة شديدة الأهمية. فالعقل الاستراتيجي لا يفكر فقط: ماذا تقدم أمريكا لإسرائيل؟ بل: ماذا تستطيع إسرائيل أن تقدم لأمريكا حتى تظل الشراكة ذات قيمة في المستقبل؟ وهذا هو التفكير في استدامة التحالف وليس مجرد الاستفادة منه.
من “رد الفعل” إلى “تصميم المستقبل“
أحد أهم الفروق بين التفكير الاستراتيجي والتفكير التكتيكي هو أن الأول لا ينتظر الأزمة حتى تبدأ. إن المؤسسة التي تجمع مائة خبير لتسأل: “ماذا بعد؟” تحاول بناء خريطة للمستقبل قبل الوصول إليه. وهذا لا يعني أنها ستنجح بالضرورة. فقد تمتلك إسرائيل عشرات الدراسات ولا تنفذ توصياتها، وقد تكون النخب منقسمة، وقد تتغلب السياسة اليومية على التخطيط، لكن مجرد وجود آلية مؤسسية مستمرة لصياغة السيناريوهات يمثل موردًا استراتيجيًا. وهنا يمكن التمييز بين ثلاث مستويات:
1-التفكير في الأزمة: ماذا نفعل الآن؟
2-التفكير في ما بعد الأزمة: كيف نمنع تكرارها؟
3-التفكير في بنية الدولة: أي دولة نحتاج لكي لا تنتج الأزمة أصلًا؟، والمستوى الثالث هو الأهم.
القوة الإسرائيلية الحقيقية هي “الترابط“
الخطأ المنهجي في دراسة إسرائيل هو تفكيك عناصر قوتها إلى ملفات منفصلة: الجيش ملف، والتكنولوجيا ملف، والاستخبارات ملف، والاقتصاد ملف، والجامعات ملف، والولايات المتحدة ملف، والصناعات العسكرية ملف. لكن القوة الحقيقية تنشأ من الترابط بين هذه الملفات.
فقد تتحول الوحدة الاستخباراتية إلى شركة تكنولوجيا، وقد تتحول الخبرة العسكرية إلى منتج مدني، وقد يتحول الابتكار المدني إلى قدرة عسكرية، وقد تتحول الجامعة إلى مصدر للمهندسين، وقد يتحول رأس المال الأمريكي إلى شركة إسرائيلية، وقد تتحول الشركة إلى صناعة أمنية، وهكذا. يمكن تسمية هذه المنظومة: اقتصاد المعرفة-الأمن. وهي من أهم جوانب القوة الإسرائيلية التي ينبغي دراستها عربيًا بعيدًا عن الصورة التقليدية التي تختزل التفوق في الأسلحة.
“العقل الإسرائيلي” ليس عقلًا واحدًا
هنا تبدأ القراءة النقدية الضرورية. لا ينبغي الوقوع في فخ تحويل إسرائيل إلى عقل واحد. هناك إسرائيل علمانية ومتدينة، يمين ويسار، مركز وأطراف، نخب أكاديمية وعسكرية، رأسماليون واشتراكيون، يهود شرقيون وغربيون، حريديم وقوميون دينيون، وفلسطينيون في الداخل الإسرائيلي، ومهاجرون قدامى وجدد، ومؤسسات أمنية لها حساباتها الخاصة، ومؤسسات سياسية لها مصالحها. وبالتالي فإن الحديث عن “العقل الإسرائيلي” يجب أن يكون مفهومًا تحليليًا لا مفهومًا جوهريًا.
والأصح أن نقول: هناك منظومة إسرائيلية متعددة العقول تتنافس داخلها رؤى مختلفة حول الدولة والأمن والهوية والمستقبل. وهذه المنافسة نفسها يمكن أن تكون مصدر قوة، لكنها يمكن أن تتحول إلى مصدر ضعف إذا تحولت إلى استقطاب يمنع إنتاج القرار.
المفارقة الكبرى.. العقل الذي يحذر من الانقسام يعيش الانقسام
هنا تظهر إحدى أهم المفارقات. “عقل إسرائيل” تحذر من تآكل التماسك، وضعف الثقة، وتفضيل المكاسب السياسية القصيرة، والجمود الفكري. لكن المجتمع الإسرائيلي نفسه يعيش صراعات عميقة حول القضاء، والحكومة، والجيش، والحرب، والمسؤولية عن 7 أكتوبر، وعلاقة الدين بالدولة، والحريديم، ومستقبل الأراضي الفلسطينية، والعلاقة مع الولايات المتحدة. وهذا يعني أن وجود وعي بالمشكلة لا يعني القدرة على حلها. وهذه نقطة يجب ألا يغفلها التحليل العربي.
إسرائيل ليست آلة استراتيجية تعمل بلا أخطاء. إنها دولة ذات قدرة عالية على إنتاج المعرفة، لكنها أيضًا دولة شديدة الاستقطاب. وقد تكون المفارقة أن: كلما ارتفعت قدرة المجتمع على إنتاج الأفكار، ارتفعت أيضًا قدرته على إنتاج أفكار متعارضة حول مستقبل الدولة.
المعضلة الأخطر ليست نقص العقل بل فجوة العقل والقرار
ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر أهمية في قراءة تقرير المؤسسة. يمكن أن تمتلك الدولة خبراء، وجامعات، ومراكز أبحاث، واستخبارات، ولجانًا، ومحاكاة، وسيناريوهات. لكن إذا لم تصل المعرفة إلى القرار، تتحول مراكز التفكير إلى مخازن للأفكار.
ولهذا يجب التفريق بين: إنتاج المعرفة، وإنتاج القرار، وتنفيذ القرار. والدولة القوية هي التي تستطيع ربط المراحل الثلاث. وهنا تظهر أهمية الحديث الإسرائيلي عن “المائة يوم الأولى” للحكومة المقبلة، أي الانتقال من التشخيص إلى جدول عمل سياسي. وقد ربطت “عقل إسرائيل” دراستها صراحة بفكرة وجود برنامج لأربع سنوات وخطة للمائة يوم الأولى بعد الانتخابات. وهذا يعني أن الهدف ليس كتابة تقرير فقط، بل محاولة تحويل التشخيص إلى أجندة حكم.
طريقة إسرائيل في النظر إلى الحرب
اللافت أن المؤسسة لا تنظر إلى الحرب بوصفها حدثًا منفصلًا. الحرب بالنسبة لهذا التفكير يمكن أن تكون اختبارًا للاقتصاد، واختبارًا للتكنولوجيا، واختبارًا للديمجرافيا، واختبارًا للتماسك، واختبارًا للعلاقة مع واشنطن، واختبارًا للشرعية، واختبارًا لرأس المال البشري. وهذا يعيد تعريف مفهوم “الجبهة الداخلية”.
فالجبهة الداخلية ليست فقط المكان الذي يسقط فيه الصاروخ. إنها الجامعة، والمصنع، والمستشفى، والمدرسة، وسوق المال، وشركة التكنولوجيا، والجيش، والحكومة، والإعلام، والأسرة، و”الشتات”. وبذلك تصبح الدولة كلها منظومة أمن قومي.
من السلاح إلى “منظومة إنتاج السلاح“
وهنا يمكن الوصول إلى خلاصة أكثر عمقًا. السلاح الإسرائيلي ليس فقط منظومات “חץ السهم” أو “מקלע דויד مقلاع داود” أو الطائرات أو الصواريخ أو أنظمة الدفاع. السلاح الحقيقي هو المنظومة التي تستطيع إنتاج السلاح وتحديثه وتطويره واستخدامه والتعلم من نتائجه. أي: العقل، والمختبر، والشركة، والجيش، والاختبار الميداني، والبيانات، والتطوير، والمنتج الجديد. وهذه دورة تعلم استراتيجية.
ولهذا فإن محاولة مجاراة إسرائيل في عدد الأسلحة وحده لا تعالج أصل المشكلة؛ لأن الفارق لا يكون دائمًا في المنتج النهائي، بل في سرعة إنتاج الجيل التالي من المنتج.
ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟
هنا ينتقل التقرير من كونه دراسة عن إسرائيل إلى كونه مرآة للسؤال العربي. والسؤال ليس: هل لدى العرب علماء؟ بالطبع لديهم. وليس: هل توجد جامعات عربية؟ بالطبع توجد. وليس: هل توجد مراكز أبحاث؟
توجد. لكن السؤال الأعمق: هل توجد منظومة عربية قادرة على جمع العقول المتفرقة، وتحويلها إلى معرفة استراتيجية متصلة، ثم تحويل المعرفة إلى سياسات، ثم تقييم السياسات، ثم تصحيحها؟ وهذا سؤال مختلف تمامًا. المشكلة ليست بالضرورة في نقص الذكاء، بل في غياب البنية التي تحول الذكاء الفردي إلى قدرة مؤسسية. وهنا تصبح عبارة “ماذا بعد؟” أكثر أهمية من عبارة “ماذا حدث؟”.
الفرق بين الخبير العربي والعقل الاستراتيجي المؤسسي
قد يمتلك العالم العربي خبيرًا ممتازًا في الاقتصاد، وآخر في الديمجرافيا، وثالثًا في الدفاع، ورابعًا في الطاقة، وخامسًا في التكنولوجيا. لكن إذا ظل كل خبير داخل جزيرته، فلن تتكون بالضرورة قدرة استراتيجية. العقل الاستراتيجي يحتاج إلى تجميع التخصصات. فالخبير العسكري يحتاج إلى الاقتصادي، والاقتصادي يحتاج إلى الديموجرافي، والديموجرافي يحتاج إلى عالم الاجتماع، والجميع يحتاج إلى التكنولوجيا، والكل يحتاج إلى صانع القرار. وهذا هو جوهر التفكير متعدد التخصصات الذي تعلن “عقل إسرائيل” اعتماده.
إسرائيل لا تحتكر التفكير الاستراتيجي… لكنها تؤسسه
من الخطأ أيضًا تحويل الدراسة إلى أسطورة عن “عبقرية إسرائيلية”. إسرائيل ليست الدولة الوحيدة التي تمتلك مراكز تفكير واستشراف. والعالم العربي لديه مؤسسات بحثية ومراكز استراتيجية وجامعات ومجالس وخبراء. كما أن إسرائيل نفسها تعاني من إخفاقات استراتيجية كبرى، وأكبر مثال حديث عليها هو الصدمة التي كشفها 7 أكتوبر، فضلًا عن أزمات سياسية واجتماعية واقتصادية متكررة. لكن الفارق الذي يستحق الدراسة هو كيفية تنظيم المعرفة وربطها بالسياسة والأمن. من هنا فإن الدرس العربي لا ينبغي أن يكون: تقليد إسرائيل، بل: بناء نموذج عربي مستقل لإنتاج المعرفة الاستراتيجية.
دوائر “العقل العربي الاستراتيجي“
يمكن تصور النموذج العربي المستقبلي في ثلاث دوائر:
الدائرة الأولى.. معرفة الواقع: جمع البيانات حول السكان، والاقتصاد، والمياه، والطاقة، والتعليم، والتكنولوجيا، والأمن، والتجارة، والبيئة، والتحولات الاجتماعية.
الدائرة الثانية.. استشراف المستقبل: إنتاج سيناريوهات 2030م، و2035م، و2040م، ليس سيناريو واحدًا، بل عدة سيناريوهات.
الدائرة الثالثة.. تحويل المعرفة إلى قرار: هنا تكمن الحلقة الأصعب: البحث، والسيناريو، والبدائل، والقرار، والتنفيذ، والقياس، والمراجعة. إذا انقطعت السلسلة عند البحث، لا تتحول المعرفة إلى قوة.
ماذا ينبغي أن نتعلم من “عقل إسرائيل” دون أن نتبنى رؤيتها السياسية؟
يمكن استخلاص عدد من الدروس المنهجية فقط:
-السؤال قبل الإجابة: لا تبدأ الاستراتيجية بتحديد الحل، ابدأ بتحديد السؤال.
-المستقبل قبل الأزمة: لا تنتظر الكارثة حتى تبدأ الدراسة.
-الجمع بين التخصصات: الأمن ليس عسكريًا فقط.
-السيناريوهات: لا تفترض مستقبلًا واحدًا.
-التفكير المضاد: اسأل دائمًا: ماذا لو كانت الفرضية الأساسية خاطئة؟
-ربط البحث بالقرار: التقرير الذي لا يدخل إلى عملية صنع القرار يظل وثيقة.
-مراجعة الفرضيات: لا يكفي إنتاج استراتيجية، يجب اختبارها باستمرار.
الاستشراف الإسرائيلي بعد 2026م
استنادًا إلى القضايا التي حددتها “عقل إسرائيل”، يمكن قراءة العقد المقبل إسرائيليًا عبر ستة اختبارات استراتيجية مترابطة:
الاختبار الأول: هل تستطيع إسرائيل تحويل قوتها العسكرية إلى مكانة إقليمية مستدامة؟
الاختبار الثاني: هل تستطيع المحافظة على رأس مالها البشري والتكنولوجي؟
الاختبار الثالث: هل تستطيع تمويل القوة العسكرية دون إنهاك اقتصادها؟
الاختبار الرابع: هل تستطيع الحفاظ على مؤسسات فعالة ومجتمع قادر على إدارة الخلاف؟
الاختبار الخامس: هل تستطيع إدارة التحول الديمجرافي دون أن يتحول إلى أزمة اقتصادية أو اجتماعية أو عسكرية؟
الاختبار السادس: هل تستطيع الحفاظ على الشراكة الأمريكية مع تغير أولويات واشنطن؟
هذه الاختبارات لا تعمل منفصلة، ففشل أحدها قد يضغط على الاختبارات الأخرى. الهجرة تؤثر في رأس المال البشري، ورأس المال البشري يؤثر في الاقتصاد، والاقتصاد يؤثر في الأمن، والأمن يؤثر في العلاقة مع الولايات المتحدة، والاستقطاب يؤثر في الحوكمة، والديمجرافيا تؤثر في الجيش والاقتصاد، وهكذا.
السيناريوهات الإسرائيلية المحتملة
السيناريو الأول.. ترميم داخلي وإعادة بناء القوة: في هذا المسار تنجح إسرائيل في تحويل ما بعد الحرب إلى عملية إصلاح مؤسسي. تتم معالجة التعليم ورأس المال البشري، ويعاد بناء الثقة بالمؤسسات، وتُعاد صياغة العلاقة بين الأمن والاقتصاد، وتُدار الديمجرافيا بفعالية، وتُحافظ إسرائيل على شراكة قوية مع الولايات المتحدة. في هذه الحالة يمكن أن تتحول الأزمات التي كشفتها الحرب إلى دافع لإعادة بناء القوة.
السيناريو الثاني.. قوة عسكرية عالية مع تآكل داخلي: هنا تستمر إسرائيل في إنتاج التكنولوجيا والأسلحة وتحافظ على تفوقها العسكري، لكنها لا تعالج جذور الاستقطاب والحوكمة والديمجرافيا ورأس المال البشري. فتصبح الدولة قوية عسكريًا، لكنها أكثر هشاشة سياسيًا واجتماعيًا. وهذا السيناريو بالغ الأهمية لأنه يوضح أن التفوق العسكري لا يساوي تلقائيًا الاستقرار الاستراتيجي.
السيناريو الثالث.. إعادة تشكيل العلاقة مع الولايات المتحدة: قد تضطر إسرائيل إلى إعادة تعريف تحالفها مع واشنطن من علاقة تقوم بدرجة كبيرة على الدعم الأمني إلى علاقة تبادل استراتيجي أوسع، خاصة مع تغير المنافسة العالمية على التكنولوجيا والاقتصاد والأمن. وهذا الاتجاه حاضر في الطروحات الحالية داخل دوائر التفكير الاستراتيجي الإسرائيلية.
السيناريو الرابع.. تآكل تدريجي للميزة التكنولوجية: إذا حدثت هجرة مستمرة للمهارات، أو تراجع التعليم، أو تراجع الاستثمار، أو أصبحت البيئة السياسية أقل جاذبية للكفاءات، فإن المشكلة لا تظهر فورًا، بل تظهر بعد سنوات. وهذه أخطر أنواع الأزمات: الأزمة المؤجلة.
السيناريو الخامس.. إعادة بناء “العقل الإسرائيلي” نفسه: هذا ربما يكون السيناريو الأكثر إثارة. قد تؤدي أزمات السنوات الأخيرة إلى مراجعة الافتراضات القديمة، وإعادة تعريف الأمن القومي، وتوسيع مفهوم الحصانة الوطنية، وإعادة النظر في العلاقة بين الجيش والسياسة والمجتمع والاقتصاد. أي أن إسرائيل قد لا تحاول فقط إصلاح المؤسسات، بل قد تحاول إعادة تعريف الدولة التي تريد أن تكونها.
نقطة الضعف في القوة الإسرائيلية
لكن التحليل النقدي لا ينبغي أن يتوقف عند حدود الإعجاب، بل يتجاوزه إلى مساءلة الأفكار وكشف مواطن القوة والقصور فيها، فالعقل الاستراتيجي نفسه قد يصبح مصدر خطر إذا تحول إلى ثقة زائدة بالنموذج، واعتقاد بالتفوق الدائم، والاعتماد المفرط على التكنولوجيا، وإغراء الحلول العسكرية، وتضخيم القدرة على التحكم في الخصوم، وتقليل قيمة العامل السياسي، والخلط بين السيطرة العسكرية والاستقرار السياسي. أي أن العقل الذي ينتج القوة يمكن أن ينتج أيضًا أوهام القوة، وهذه ربما تكون واحدة من أهم الدروس التي كشفتها أحداث السنوات الأخيرة.
من “العدو” إلى “النظام“
أحد التحولات المهمة التي ينبغي التوقف عنده هو أن التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي المتقدم لا يدرس عدوًا واحدًا فقط، بل يدرس النظام الإقليمي: إيران، وتركيا، والخليج، ومصر، والأردن، ولبنان، والفلسطينيون، والولايات المتحدة، وأوروبا، والصين، وروسيا، والتكنولوجيا، والاقتصاد، والطاقة. وكلها تتحرك داخل منظومة واحدة. وهذا يعني أن التعامل العربي مع إسرائيل يحتاج بدوره إلى الانتقال من: دراسة إسرائيل كجيش إلى: دراسة إسرائيل كنظام استراتيجي متكامل.
مؤشرات للمراقبه في السنوات المقبلة
إذا أردنا تحويل تحليل “العقل الإسرائيلي” إلى أداة إنذار مبكر، فإن المؤشرات الأهم ليست فقط عدد الصواريخ والطائرات، بل:
مؤشرات اجتماعية: مستوى الثقة بالمؤسسات، والاستقطاب السياسي، وعلاقة الفئات الاجتماعية بالدولة، والاحتجاجات والانقسامات.
مؤشرات بشرية: الهجرة، وعودة المهاجرين، والعلماء والمهندسون، وجودة التعليم، والاستثمار في البحث العلمي.
مؤشرات اقتصادية: نمو التكنولوجيا، والإنفاق الدفاعي، والاستثمار الأجنبي، والعلاقة بين الاقتصاد والحرب.
مؤشرات سياسية: استقلال المؤسسات، وجودة الحوكمة، واستقرار الائتلافات، والعلاقة بين الحكومة والأجهزة المهنية.
مؤشرات استراتيجية: علاقة إسرائيل بواشنطن، وموقعها الإقليمي، وعلاقاتها العربية، والعلاقة مع أوروبا، وإيران وتركيا.
هذه المؤشرات مجتمعة قد تكون أكثر قدرة على تفسير مستقبل إسرائيل من المؤشرات العسكرية وحدها.
السؤال العربي الحقيقي ليس “هل لدينا عقول؟“
السؤال المطروح ليس: هل توجد عقول عربية؟ فهذه ليست المشكلة. السؤال: هل توجد مؤسسة تستطيع أن تجعل هذه العقول تعمل معًا بصورة تراكمية، ومستقلة، ومستمرة، ومتصلة بصنع القرار؟ فهناك فرق هائل بين العقل الفردي والعقل المؤسسي، وبين المعرفة والقدرة على إنتاج المعرفة، وبين البحث والاستراتيجية، وبين الاستراتيجية والقرار، وبين القرار والتنفيذ. وهذه السلسلة هي جوهر القوة في القرن الحادي والعشرين.
الخاتمة
إن أكثر ما يستحق الانتباه في تجربة “عقل إسرائيل” ليس عدد الخبراء الذين شاركوا فيها، ولا أسماء القضايا الست وحدها، وإنما الفلسفة التي تقف وراءها: النظر إلى الدولة باعتبارها منظومة متكاملة، وإلى الأمن باعتباره نتيجة لتفاعل العسكري مع الاقتصادي والبشري والديمجرافي والسياسي والتحالف الاستراتيجي. هنا يمكن إعادة تعريف “العقل الإسرائيلي” بصورة أكثر دقة. ليس المقصود به عقلًا جماعيًا متجانسًا، ولا عبقرية قومية ثابتة، ولا تفوقًا فطريًا، وإنما بنية مؤسسية لإنتاج المعرفة الاستراتيجية، واختبار الفرضيات، وبناء السيناريوهات، وربط الخبراء بصناع القرار، وتحويل الأزمات إلى أسئلة عن المستقبل.
وهذا هو السلاح الذي لا يظهر في عروض الأسلحة. فالصاروخ يمكن رصده، والطائرة يمكن تصويرها، والدبابة يمكن إحصاؤها. لكن القدرة على إنتاج الجيل المقبل من السلاح، وعلى اكتشاف الخطأ قبل الخصم، وعلى تحويل الفشل إلى معرفة، وعلى تحويل المعرفة إلى مؤسسة، وعلى تحويل المؤسسة إلى قرار؛ هي قوة أقل ظهورًا وأكثر عمقًا. ولهذا فإن 7 أكتوبر لم يكن بالنسبة إلى إسرائيل مجرد اختبار لقدرة الجيش على حماية الحدود، بل اختبارًا لمنظومة التفكير التي سبقت الحدث.
والدراسة الجديدة لـ”عقل إسرائيل” تأتي، في أحد مستوياتها، جزءا من محاولة أوسع للإجابة عن السؤال: كيف تمنع إسرائيل تفوقها الحالي من أن يتحول إلى وهم استراتيجي يمنعها من رؤية تآكل مصادر القوة التي يقوم عليها؟ وفي المقابل، فإن السؤال العربي الذي ينبغي أن يخرج من هذه التجربة ليس: كيف نقلد إسرائيل؟ بل: كيف نبني عقلًا عربيًا مؤسسيًا قادرًا على التفكير في المستقبل قبل أن يفرض المستقبل نفسه علينا؟
وهنا تصبح المؤسسة أهم من الفرد، والاستمرارية أهم من المبادرة المؤقتة، وتراكم المعرفة أهم من المقالة المنفردة، والسيناريو أهم من التنبؤ، والبيانات أهم من الانطباعات، و”الفريق الأحمر” أهم من الإجماع السهل. إن أخطر فجوة بين الدول في عصر التحول التكنولوجي ليست بالضرورة فجوة السلاح. قد تكون فجوة القدرة على التفكير في السلاح، وعلى إنتاج المعرفة التي تسبق السلاح، وعلى بناء المؤسسات التي تجعل المعرفة قوة وطنية مستدامة.
ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن فهم العبارة الأكثر دلالة في التقرير الإسرائيلي: أن إسرائيل قد تمتلك فرصة التحول إلى قوة إقليمية، وفي الوقت نفسه تكون أسس هذه القوة عرضة للتآكل. وقد لخصت “عقل إسرائيل” هذه المفارقة بوضوح: الفرص والقوة موجودة، لكن بعض الأسس التي تقوم عليها تتآكل. وهذه المفارقة هي جوهر الورقة كلها: إسرائيل لا تخشى فقط أن يهزمها خصومها؛ بل تخشى أن تصبح أقل قدرة على الاستمرار في إنتاج القوة التي جعلتها قادرة على مواجهة خصومها. وهنا يصبح “العقل” سلاحًا، لكن يصبح أيضًا ساحة معركة.
فالمعركة القادمة ليست فقط على الأرض والجو والبحر والفضاء والسيبرانية؛ وإنما على من يملك القدرة على فهم التحولات قبل وقوعها، ومن يستطيع تحويل المعرفة إلى قرار، ومن يستطيع مراجعة قراره عندما تثبت الوقائع أنه أخطأ. وبهذا المعنى، فإن دراسة العقل الإسرائيلي ليست ترفًا فكريًا ولا إعجابًا بالنموذج الإسرائيلي، وإنما ضرورة لفهم أحد أهم مصادر القوة التي صنعت إسرائيل الحديثة؛ وفي الوقت نفسه لفهم نقاط الضعف التي يعترف جزء من النخبة الإسرائيلية نفسها بأنها أصبحت تحتاج إلى معالجة عاجلة.
فالدولة التي تملك السلاح تستطيع أن تخوض حربًا، أما الدولة التي تملك منظومة مستدامة لإنتاج المعرفة والقرار والتكنولوجيا، فتستطيع أن تعيد تشكيل شروط الحرب نفسها. وهذه، في النهاية، هي المسافة التي ينبغي أن يبدأ منها أي بحث عربي جاد في “العقل الإسرائيلي”.

