ا.د مروة إبراهيم
ملخص
تهدف هذه الورقة إلى تسليط الضوء على المشهد الإثيوبي الراهن وما يكتنفه من تداخل بين الأزمات الهيكلية الداخلية والطموحات الجيوسياسية الإقليمية؛ حيث ترصد الورقة من خلال قراءة لأبرز الصحف والمواقع الموالية والمعارضة للحكومة عبر محورين رئيسين: تداعيات الأزمات الإنسانية والاقتصادية والأمنية على المستوى الداخلي، للإجابة على تساؤل “هل تتبنى الحكومة الاثيوبية رؤية تنموية ظاهرية لمخاطبة المجتمع”، كما تتناول الورقة أبعاد المعارك الضارية بين إقليمى أوروميا وصومالى على خلفية مشاكل حدودية استخدمت فيها الأسلحة الثقيلة وتبادل النيران، بجانب تحليل الشراكات الدفاعية والتطورات الاستراتيجية للتوجه البحري الإثيوبي على المستوى الخارجي.
على المستوى الداخلي
اجتماعيًا
تداعيات ظاهرة “النينيو” تضاعف حدة الأزمات الإنسانية والمعيشية في إثيوبيا
تناولت الصحف والتقارير الإعلامية الإثيوبية – نحو ما نشرته صحيفة ذا ريبورتر الأمهرية بتاريخ 25 أكتوبر – الأزمات البيئية والإنسانية التي تشهدها أقاليم رئيسة عدة شملت أمهرة وتيجراي وأوروميا وعفار والصومال والمناطق الجنوبية من إثيوبيا، جراء تداعيات مناخية حادة لظاهرة “النينيو”، والتي استُهلت بتأخر هطول الأمطار الشتوية لفترة وصلت إلى أربعة أسابيع، مما أدى مباشرة إلى موجة جفاف قاسية، مما ترتب على هذا الجفاف تدمير ما يتجاوز 250 ألف هكتار من المحاصيل والأراضي الزراعية، ونفوق أكثر من 28 ألف رأس من الماشية، بالتوازي مع الجفاف الكلي لأكثر من 319 مسطحاً مائياً، وهو ما أفضى بدوره إلى ارتفاع حاد في تكلفة المعيشة وشح الموارد الأساسية، ليضع ملايين الأشخاص في مناطق متضررة أمام أزمة إنسانية ممتدة وانعدام حاد في الأمن الغذائي. وفي مقابل هذا أشار الخبر إلى تضافر الجهود المحلية والدولية لمواجهة تلك الكارثة عبر إطلاق جمعية الصليب الأحمر الإثيوبية آلية صندوق الاستجابة للكوارث لتقديم تمويل مادي لصالح المتضررين، بالتزامن مع تفعيل الحكومة الإثيوبية لـ “برنامج الشبكة المأمونة للإنتاجية” ونشر فرق ميدانية لتقييم الاحتياجات بدعم من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، للتخفيف من حدة الأزمة وبناء قدرة المجتمعات المحلية على الصمود.
مواجهة الفجوة العقارية: أديس أبابا تُعزز العدالة التوزيعية وسكن الفئات الأكثر هشاشة
في إطار التغطية الإعلامية للمواقع الموالية للحكومة لإبراز الرؤية الإصلاحية لإدارة آبي أحمد من خلال الاستشهاد بالبيانات الرسمية، كشفت تقارير مكتب عمدة إدارة مدينة أديس أبابا (بتاريخ 30 أكتوبر) المنشورة عبر شبكة “أمهرة الإعلامية” (AMN PLUS) عن مؤشرات عمرانية تعكس توجهًا استراتيجيًا لمعالجة أزمة السكن الحضرية عبر مسارات إصلاحية متعددة؛ إذ أسفرت أجندة التطوير خلال السنوات الخمس الماضية عن إنشاء ونقل ملكية مئات الوحدات السكنية لصالح المواطنين، وتمتد هذه المبادرات لتأهيل البيئة العمرانية وتحسين جودة الحياة الحضرية بإدماج البنية التحتية المجتمعية؛ كالمناطق الصديقة للمشاة، والمساحات الداعمة للتفاعل الاجتماعي. وتؤكد القراءة التحليلية للمصدر تَبَنِّي إدارة المدينة سياسات الاستهداف الاجتماعي لتحقيق العدالة التوزيعية والحد من التهميش الحضري، وذلك بمنح الأولوية للفئات الأكثر هشاشة – كالمتأثرين بمشاريع إعادة التخطيط والتنمية، ومحدودي الدخل وكبار السن، وذوي المساهمات الوطنية – بما يكفل حماية الكرامة الإنسانية وتعزيز استقرار المجتمعات المحلية.
اقتصاديًا
الاقتصاد الإثيوبي على حافة التحديات بين السد والحافلات: كيف ترسم إثيوبيا رؤيتها للاكتفاء الذاتي؟
نشرت مواقع إثيوبية نحو “أديس ميديا نيوز” وغيره- بتاريخ 23-10 ومقال آخر بتاريخ25-10- إعلان رئيس الوزراء الإثيوبي عن دخول أول 26 حافلة نقل عام – تُم تحويلها محلياً للعمل بالغاز الطبيعي بدلاً من الوقود التقليدي – الخدمة رسمياً في أديس أبابا، بعد نجاح الجهود في نقل الغاز المحلي وإنشاء محطات التزود به. وكما أشار الموقع أن هذه الخطوة التي نُفذت بكفاءات وتكنولوجيا وطنية، تسهم في تقليل الإنفاق بالعملة الأجنبية وخفض التكاليف التشغيلية، مما ينعكس مباشرة على المواطنين بتخفيض أسعار التذاكر إلى النصف، وتتطلع إثيوبيا تعزيزاً لهذا المسار إلى إضافة 400 حافلة جديدة تعمل بالغاز، ضمن رؤية اقتصادية وسياسية شاملة تتكامل مع مشاريع الطاقة الكبرى كالسد، بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة وتخفيف أزمة النقد الأجنبي.
وفي سياق خبر آخر نشر بتاريخ 26-10 حول مواصلة إثيوبيا تعزيز مسار تنميتها الشاملة وحماية مصالحها الوطنية عبر مبادرات متكاملة على كافة الأصعدة؛ ففي المجال الاقتصادي والزراعي، افتتحت الدولة سد “ميجيتش” للري – الذي يقع في إقليم أمهرة على نهر ميجيتش الذي يُعد أحد الروافد المغذية لبحيرة تانا المصدر الرئيس لنهر النيل – مبررة دعم القطاع الزراعي والدفع عجلة التنمية الإقليمية، بالتوازي مع جهود رئيس الوزراء في افتتاحه لمشروع تطوير الضفاف في أديس أبابا على مساحة 351 هكتاراً وبطول ممر يمتد لـ 10 كيلومترات لتحسين البيئة الحضرية.
هل تتبنى الحكومة الاثيوبية رؤية تنموية ظاهرية لمخاطبة المجتمع
في المقابل، يرى المحللون والاقتصاديون – عبر ما نشر في صحيفة “ذا ريبورتر” في مقال مستفيض – أن الاقتصاد الإثيوبي يمر بمشهد معقد لبرامج الإصلاح مع صندوق النقد الدولي؛ حيث يؤكد الخبير د. عبدالمنان محمد أن الحكومة تُفرط في التركيز على السياسات قصيرة الأجل على حساب الإصلاحات الهيكلية الجوهرية، ويتجلى هذا الخلل في تأجيل المراجعة السادسة للبرنامج لأسباب فنية وأمنية، وفي الترتيب المعيب لتحرير سعر صرف “البر” قبل تهيئة بيئة الأعمال وتنافسية الصادرات؛ مما أدى إلى تهاوي العملة وإجبار البنك المركزي على تبني “برنامج الذهب” المكلف بخسائر تجاوزت 57 مليار بر. وإلى جانب الشكوك حول واقعية معدلات النمو، وغياب انعكاسها على فرص العمل، تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة ضغوطاً بالغة بسبب نقص السيولة، والصدمات الضريبية المفاجئة، والتناقضات التشريعية الناتجة عن تجاوز القوانين بـ “التعميمات الإدارية”، مما يهدد باستمرار الأزمات المزمنة ما لم يتم التحول نحو إصلاحات هيكلية حقيقية.
أمنيًا
نزاع أوروميا والصومالي يُفاقم الأزمة الإنسانية جنوب إثيوبيا
على الرغم من تأكيد الصحف الموالية للحكومة الإثيوبية على مواصلة القوات المسلحة مسيرتها بتعزيز جاهزيتها لحماية السيادة الوطنية، وتأكيد تحقيق مكاسب ملموسة في الدبلوماسية العسكرية للدفاع عن المصالح الوطنية، فإن البلاد ما زالت تشهد موجة جديدة من الصراعات الإقليمية؛ وتحديداً بين إقليمي أوروميا والصومالي الإثيوبي، مع امتداد تأثيراتها لتطال الحدود الإثيوبية الكينية.
وفي هذا السياق، سلطت صحيفة “أديس ستاندرد” المعارضة الضوء في مقال موسع بتاريخ 30 أكتوبر على عجز السلطات الفيدرالية أو تباطؤها في السيطرة على النزاعات العرقية المسلحة، محذرةً من كيف يمكن لشرارة بسيطة أن تتحول إلى أزمة إنسانية واقتصادية حادة تشل الحياة العامة، وتمتد تداعياتها إلى الدول المجاورة، وقد أبرز المقال خطورة التداخل بين الخلافات الرمزية والنزاعات الحدودية الهيكلية بين الإقليمين؛ إذ اندلعت اشتباكات مسلحة في 18 أكتوبر إثر نزاع حول رفع علم إقليمي، مما أدى إلى مقتل فتاة تبلغ من العمر 13 عاماً، لِتتصاعد المواجهات وتتحول إلى معارك ضارية استخدمت فيها الأسلحة الثقيلة وتبادل النيران ليلاً. وقد انعكس هذا التصعيد الميداني بشكل مباشر على الأوضاع الإنسانية والخدمية، مسبباً انقطاعاً تاماً للتيار الكهربائي، وتكرار اضطرابات الاتصالات، وتوقف حركة النقل الداخلي والخارجي – ولا سيما الخط الحيوي الممتد إلى العاصمة أديس أبابا – مما أدى إلى قفزات قياسية في تكاليف التنقل نحو البلدات المجاورة كـ”يابيلو”. كما امتدت آثار الأزمة لتضرب القطاع التعليمي في مقتل عقب إغلاق المدارس وحرمان الطلاب من دراستهم، وبخاصة طلبة الصف الثاني عشر الذين يستعدون لاختبارات القبول الجامعي.
في المقابل أشار المقال إلى تفاقم الأزمة بانهيار محادثات السلام بين ممثلي الإقليمين، نتيجة تمسك جانب أوروميا بإدارة المدينة حصرياً تحت علمه الإقليمي، مقابل مطالبة الجانب الصومالي بترك المناطق الحدودية ومراكز الشرطة، وأمام هذا المأزق وتكرار مشاهد العنف التي تُستحضر معها ذكريات أحداث عام 2018 م الدامية، يجمع المسؤولون والأهالي على أن النزاع قد تجاوز القدرات المحلية للتسوية، مما يتطلب تدخلاً مباشراً وحاسماً من الحكومة الفيدرالية لفرض سيادة القانون وبلورة حل دائم يستند إلى الحقائق التاريخية ويصون دماء السكان.
على المستوى الخارجي
إثيوبيا وروسيا: آفاق التعاون والتسلح الدفاعي
تداولت المواقع والصحف الإخبارية الإثيوبية خبرًا – نحو “أديس ميديا نيوز” وغيره في أواخر أكتوبر حول تعزيز العلاقات بين روسيا وإثيوبيا، وذلك من خلال زيارة آبي أحمد الرسمية إلى موسكو للمشاركة في القمة الروسية – الإفريقية الثالثة، مشيرة إلى أن تلك العلاقات تشهد في الوقت الراهن تطوراً ملحوظاً على الصعيدين الاستراتيجي والثقافي، وقد عقد الرئيسان محادثات تناولت سبل تعزيز العلاقات بين إثيوبيا وروسيا. وشملت التعاون في مجالات الطاقة النووية والصحة والتجارة، بالإضافة إلى القضايا الثنائية والمتعددة الأطراف ذات الاهتمام المشترك.
وفي سياق الخبر تم الإشارة إلى إعلان آبي أحمد عن تسلم بلاده الدفعة الأولى المكونة من 12 مقاتلة متطورة من طراز سوخوي (Su-35) من الجيل (4++ ) بموجب الاتفاقيات المبرمة مع الحكومة الروسية، مع توقعات بتسلم 4 بطاريات إضافية من نظام الدفاع الجوي المتقدم (S-400) . واصفاً هذا التطور بأنه محطة بارزة في جهود البلاد لتعزيز قدراتها الدفاعية. بالإضافة إلى هذا ثمن الجانب الإثيوبي تسهيل الجانب الروسي لعمليات التسليم قبل موعدها المحدد بعام كامل، معتبرًا أن هذه المنظومات تمثل ركيزة أساسية لردع أي عدوان مستقبلي وحماية السيادة الوطنية ودعم الاستقرار الإقليمي المستدام؛ حيث ورد في سياق الخبر ما قاله رئيس الوزراء: “إن هذا الإنجاز التاريخي يعزز سيادة أمتنا بشكل أكبر، وسيُشكّل دفعة هائلة للقدرات تتيح لنا المضي قدماً بثقة نحو ضمان أمننا الجماعي واستقرارنا الإقليمي في المستقبل”.
أمين عام “الإنتربول” يصل أديس أبابا في زيارة عمل رسمية
في خطوة تعكس مساعي الحكومة الإثيوبية لتعزيز شرعيتها الدولية وتطوير كفاءة أجهزتها الأمنية، سلطت المواقع الرسمية المؤيدة للحكومة الضوء -نحو “أديس ميديا نيوز”-على زيارة العمل الرسمية التي يقوم بها الأمين العام للمنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول)، فالديسي أوركيزا إلى أديس أبابا. وقد حظي أوركيزا باستقبال رفيع المستوى في مطار بولى الدولي من قِبل كبار القيادات الشرطية والأكاديمية، وفي مقدمتهم المفوض العام للشرطة الفيدرالية الإثيوبية، وتتوج هذه الزيارة أهدافاً استراتيجية تتمثل في توقيع مذكرات تفاهم (MoU) بين الشرطة الفيدرالية الإثيوبية وأكاديمية الإنتربول العالمية، للارتقاء بجودة تدريب كوادر إنفاذ القانون وترسيخ موقع إثيوبيا كشريك أمني فاعل على الساحة الدولية.
في منتدى بحري موسع: أديس أبابا تؤكد حتمية استعادة منفذها على البحر
يتجلى مؤخرًا في الخطاب الرسمي والعسكري الإثيوبي عقيدة استراتيجية تُكرّس مفهوم “الحتمية الوجودية للوصول إلى البحر”، وفي هذا السياق، نشر موقع “أديس ميديا” الموالي للحكومة بتاريخ 29 أكتوبر بياناً رسمياً صادراً عن قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، ركّز على مخرجات “منتدى الأمن البحري الإقليمي” الذي استضافه مقر القيادة البحرية في أديس أبابا. وعقب اختتام المنتدى، دعا قائد القوات البحرية الإثيوبية، الفريق أول بحري كيندو جيزو، إلى تعزيز التعاون والحوار الإقليميين لحماية الأمن البحري، مُشدداً في كلمته على أن “عودة إثيوبيا إلى منفذ بحري هي أمر حتمي ولا مفر منه”. وأوضح أن تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي يتطلب تفاعلاً أكبر وعملاً عن قرب مع دول الجوار، مؤكداً أن التهديدات الأمنية المتزايدة في الممرات المائية وصولاً إلى مضيق هرمز تتجاوز قدرة أي دولة بمفردها على معالجتها، مما يفرض توحيد الإمكانيات الإقليمية لضمان سلامة الملاحة.
وسلط المقال الضوء على حضور المنتدى قيادات بحرية وممثلين عن اليمن وسلطنة عمان وجيبوتي، إضافة إلى إقليمي أرض الصومال (صوماليلاند) وبونتلاند؛ وكما ورد في سياق المقال على أن هذه الاجتماعات قد أرست أساساً عملياً لتبادل المعلومات عبر الحدود ووفق المعايير الدولية، وهو ما أشاد به كل من اللواء بحري كينيث نياغاه خبير مشاريع البحث والإنقاذ، وماستر كوراجا ميشيني مدير مدونة سلوك جيبوتي، معربَين عن التزامهما بمواصلة التعاون ودعم قنوات الاتصال والتنسيق المستمر.
ورغم محاولة أديس أبابا تسويق رؤيتها البحرية تحت مظلة الأمن والتكامل الإقليمي، إلا أن هذه الطموحات تصطدم بتحديات جيوسياسية بارزة؛ في مقدمتها الرفض الصومالي الصارم المتمسك بالسيادة الوطنية ورفض الاتفاقيات المنفردة مع الأقاليم، إلى جانب حساسية التوازنات الإقليمية والدولية في البحر الأحمر تجاه ظهور أي نفوذ عسكري جديد في واحد من أهم الممرات المائية عالمياً.

اترك تعليقاً
