أ/ أحمد جمال شفيق
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية
أولا: مقدمة عن إستعادة المكانة الروسية و إعادة البحث عن شركاء
منذ وصول فلاديمير بوتين إلى الحكم عام 2000، اتجهت السياسة الخارجية الروسية تدريجيًا نحو استعادة مكانتها الدولية والتي تري موسكو فيها أنها تراجعت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. ولم يكن هذا التوجه مجرد حنين إلى أمجاد الإمبراطورية الروسية، بل ارتبط بتصور استراتيجي يعتبر أن عودة روسيا كقوة عظمي يتطلب إعادة إمتلاك نفوذ يتجاوز حدودها الجغرافية، والقدرة على مقاومة الضغوط الغربية، وتوسيع شبكة الشركاء الدوليين. وقد مثّلت حرب جورجيا عام 2008، ثم ضم شبه جزيرة القرم عام 2014، محطتين بارزتين في تصاعد التوتر بين موسكو والغرب، وأظهرتا استعداد القيادة الروسية لاستخدام القوة وتحمل كلفة المواجهة دفاعًا عن تصوراتها لمصالحها الأمنية ومكانتها الدولية.
هنا، اكتسبت أفريقيا أهمية متزايدة في الحسابات الروسية؛ باعتبارها مجالًا يمكن من خلاله توسيع الحضور السياسي والأمني والاقتصادي، وبناء علاقات تمنح موسكو هامشًا أوسع للمناورة في أوقات الأزمات، وتحد من اعتمادها على الدوائر الغربية. غير أن أهمية أفريقيا لا تنبع فقط من كونها ساحة بديلة للتحرك الروسي، بل أيضًا من وزنها الدبلوماسي، ومواردها الطبيعية، واحتياجاتها الأمنية والتنموية، ورغبة عدد من دولها في تنويع علاقاتها الخارجية. ومن ثم، فإن السؤال الذي تطرحه العلاقات الروسية الأفريقية ليس فقط ما إذا كانت روسيا قد عادت إلى القارة، بل ما الذي يريد بوتين تحقيقه من هذه العودة، وما الذي تطمح الدول الأفريقية إلى الحصول عليه من الشراكة مع موسكو؟ وهل استطاعت القمم الروسية الأفريقية تحويل الطموحات السياسية إلى نتائج ملموسة، أم أن الفجوة لا تزال قائمة بين النفوذ المعلن والمكاسب الفعلية؟
ثانيًا: القمم الروسية الأفريقية بوصفها إطارًا مؤسسيًا للسياسة الخارجية الروسية
لم يكن التوجه الروسي نحو أفريقيا مجرد استئناف لعلاقات ثنائية متفرقة، بل اتجهت موسكو إلى بناء إطار مؤسسي يجمعها بالدول الأفريقية على مستوى القادة. ومن هنا جاءت فكرة القمم الروسية الأفريقية، التي دشنتها قمة سوتشي عام 2019، بوصفها منصة دورية للحوار السياسي وتوسيع التعاون الأمني والاقتصادي، وإظهار الحضور الروسي في القارة. وتمنح هذه القمم بوتين فرصة للتواصل المباشر مع عدد كبير من القادة الأفارقة، وتقديم روسيا باعتبارها شريكًا حاضرًا على مستوى القارة، لا من خلال علاقات منفردة فحسب. كما توفر لموسكو منصة لإعلان مبادرات واتفاقات، وتنسيق الخطاب السياسي بشأن قضايا مثل إصلاح المؤسسات الدولية، والسيادة الوطنية، ورفض العقوبات الأحادية، وتوابع الإستعمار الغربي وتوسيع التعاون التجاري والأمني.
وبذلك، فإن القمم لا تمثل مجرد مناسبات دبلوماسية، بل أداة من أدوات السياسة الخارجية الروسية. فهي تتيح لموسكو إظهار قدرتها على جمع عدد كبير من الدول حول طاولة واحدة، وتقديم نفسها بوصفها قوة دولية لا تزال تمتلك شبكة واسعة من الشركاء، رغم تصاعد المواجهة مع الولايات المتحدة وأوروبا. لكن القيمة الاستراتيجية لمثل هذه القمم لا تُقاس بحجم الحضور أو الخطاب الافتتاحي وحدهما، بل بقدرتها على تحويل الحوار الدوري إلى اتفاقات ومشروعات قابلة للتنفيذ. ومن هنا عمل بوتين علي عقد قمم روسية إفريقية تقام كل ثلاث سنوات وهو ما تم في سوتشي 2019، وسانت بطرسبرغ 2023 والتي كان من المقررعقدها في أديس أبابا 2022 لكن ظروف الحرب الأوكرانية حالت دون ذلك، وموسكو 2026، باعتبارها محطات تكشف تطور أهداف موسكو وحدود قدرتها على تحقيقها.
ثالثًا: مصالح بوتين من أفريقيا من الأساس
يمكن قراءة أهداف روسيا في أفريقيا عبر أربعة مستويات مترابطة: النفوذ الدبلوماسي، والتعاون الأمني، والوصول إلى الموارد، وتعزيز المكانة الدولية
- الثقل الدبلوماسي والأصوات الأفريقية في الأمم المتحدة
تمثل أفريقيا كتلة تصويتية مهمة في الأمم المتحدة؛ إذ تضم 54 دولة عضوًا في الجمعية العامة، أي ما يقارب 28% من إجمالي أعضائها. ولذلك فإن مواقف الدول الأفريقية يمكن أن تؤثر في نتائج التصويت، خصوصًا في القرارات التي تستخدمها القوى الغربية لإظهار عزلة روسيا أو حشد الدعم الدولي ضد سياساتها. هنا تأتي أهمية هذه الأصوات في قدرتها على التأثير في نتائج التصويت، أو تقليل حجم الإجماع الدولي حول قرارات تنتقد روسيا. وقد تكون مواقف الدول الأفريقية المؤيدة لموسكو مكسبًا دبلوماسيًا مباشرًا، كما قد يمثل امتناع بعض الدول عن التصويت أو عدم مشاركتها في التصويت مكسبًا سياسيًا غير مباشر، بحسب طبيعة القرار وسياقه.
وقد أظهرت التصويتات المتعلقة بالحرب الروسية على أوكرانيا أن المواقف الأفريقية ليست موحدة. ففي تصويت الجمعية العامة في مارس 2022 على إدانة الغزو الروسي، أيدت القرار 28 دولة أفريقية، وصوتت إريتريا ضده، بينما امتنعت 17 دولة ولم تشارك 8 دول. وتكشف هذه النتيجة أن موسكو لم تنجح في تحويل أفريقيا إلى كتلة مؤيدة لها، لكنها واجهت أيضًا مساحة من عدم الاصطفاف مع المواقف الغربية.
وهنا تكمن أهمية أفريقيا بالنسبة إلى روسيا: ليس بالضرورة أن تصوت جميع الدول لصالحها، بل قد يكون من مصلحتها أن تقلل عدد الدول التي تنضم إلى المواقف المناهضة لها، وأن تحد من قدرة القوى الغربية على تقديم قراراتها باعتبارها تعبيرًا عن إجماع دولي واسع. ومع ذلك، لا ينبغي تفسير كل امتناع أفريقي باعتباره نتيجة نفوذ روسي مباشر؛ فقد يعكس أيضًا رغبة الدول الأفريقية في عدم الانحياز، أو في تجنب تحويل صراع أوروبي إلى اختبار ولاء دولي.
- الحضور العسكري والأمني لتوسيع مجال النفوذ الروسي
يمثل التعاون الأمني أحد أهم الأدوات التي استخدمتها موسكو لتوسيع حضورها في أفريقيا. وقد ارتبط هذا الحضور في مراحل سابقة بمجموعة فاغنر، ثم اتجهت روسيا بعد عام 2023 إلى إعادة تنظيم جانب كبير من عملياتها ضمن «فيلق أفريقيا»، الذي أصبح أكثر ارتباطًا بوزارة الدفاع الروسية. وتتركز أبرز عمليات الانتشار الروسي في جمهورية أفريقيا الوسطى وليبيا ومالي، مع توسع أنشطة روسية في دول أخرى. غير أن الحديث عن الوجود الروسي في أفريقيا يتطلب التمييز بين وجود قوات أو عناصر أمنية على الأرض، واتفاقات التعاون العسكري، وتدريب القوات، وتقديم المعدات، ووجود قواعد أو منشآت لوجستية. فهذه الأشكال ليست متطابقة من حيث طبيعتها أو دلالتها الاستراتيجية.
ومن منظور موسكو، يتيح هذا الانتشار توسيع نطاق النشاط العسكري والأمني الروسي خارج المجال الأوروبي، وبناء علاقات مباشرة مع حكومات أفريقية، وربط التعاون الأمني بمصالح سياسية واقتصادية. كما يمنح روسيا فرصة لإظهار أن انشغالها بالحرب في أوكرانيا لا يعني انكفاءها الكامل عن ساحات أخرى. ويحمل هذا الحضور قيمة رمزية أيضًا؛ إذ تستطيع موسكو أن تقدم نفسها باعتبارها قوة قادرة على الاحتفاظ بشبكة من الشراكات الأمنية في أكثر من مسرح جغرافي. لكن هذه الدلالة لا ينبغي المبالغة فيها؛ فالانتشار المحدود أو التعاون الأمني لا يعادل امتلاك قدرة عسكرية مستقلة على إدارة حروب واسعة ومتزامنة في أوروبا وأفريقيا.
وبالنسبة إلى بعض الحكومات الأفريقية، قد يوفر التعاون مع روسيا دعمًا أمنيًا أو عسكريًا لا تستطيع الحصول عليه من شركاء آخرين بالشروط نفسها. إلا أن هذا التعاون لا يعالج بالضرورة جذور ضعف المؤسسات الأمنية أو الأزمات السياسية والاجتماعية، وقد يتحول إلى دعم لبقاء النظام السياسي أكثر من كونه معالجة مستدامة لمشكلات الدولة والمجتمع.
- المعادن وربط النفوذ الأمني بالمصالح الاقتصادية
تحتل الموارد الطبيعية موقعًا مهمًا في الحسابات الروسية داخل أفريقيا، خصوصًا الذهب والمعادن الاستراتيجية. وتظهر بعض الحالات أن التعاون الأمني الروسي قد يرتبط بمدفوعات أو فرص للوصول إلى الموارد الطبيعية، وهو ما دفع عددًا من التحليلات إلى وصف هذا النمط بأنه نموذج يجمع بين الأمن والأعمال. وتكتسب هذه العلاقة أهمية إضافية في ظل العقوبات الغربية المفروضة على روسيا بعد الحرب على أوكرانيا. فالوصول إلى الموارد أو العوائد المالية الناتجة عنها قد يتيح لموسكو تخفيف بعض الضغوط الاقتصادية، أو توفير مصادر تمويل بديلة، أو توسيع شبكات التجارة خارج المجال الغربي.
لكن من الضروري التمييز بين الوصول إلى الموارد، وتصديرها أو تحقيق عوائد مالية منها، واستخدام هذه العوائد أو المواد في دعم الاقتصاد الروسي أو المجهود للحرب الدائرة. فليس كل نشاط روسي في قطاع التعدين الأفريقي يعني أن إنتاجه يُنقل مباشرة إلى روسيا أو يدخل في تصنيع الأسلحة، ولكن في الأعم أن بعض الشراكات الأمنية والاقتصادية الروسية قد توفر لموسكو موارد مالية أو مادية تساعدها على تخفيف أثر العقوبات المفروضة من القوي الغربية
- تأكيد المكانة الدولية ومقاومة العزلة
تسعى روسيا إلى تقديم علاقاتها الأفريقية في إطار أوسع يتصل بتصورها لنظام دولي متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو في خطابها دعم السيادة الوطنية، ورفض التدخل الخارجي، وإصلاح المؤسسات الدولية، وزيادة تمثيل الدول الأفريقية في مراكز صنع القرار العالمي. وتلتقي بعض هذه الطموحات مع مطالب أفريقية حقيقية، خصوصًا فيما يتعلق بإصلاح مجلس الأمن الدولي والمؤسسات المالية الدولية، وزيادة قدرة الدول النامية على التأثير في القرارات التي تمس مصالحها. لكن هذا الالتقاء لا يعني تطابق المصالح؛ فالدول الأفريقية قد تدعم إصلاح النظام الدولي من منظور تمثيلها ومصالحها التنموية، بينما ترى روسيا في هذه المطالب أيضًا وسيلة لتوسيع نفوذها وتقليل قدرة القوى الغربية على التحكم في مسارات صنع القرار.
وبذلك، تمثل أفريقيا بالنسبة إلى موسكو أكثر من سوق أو ساحة أمنية؛ فهي أيضًا جزء من استراتيجية تهدف إلى تأكيد أن روسيا لا تزال قوة دولية قادرة على بناء شراكات خارج المجال الغربي.
رابعًا: ما تريده الدول الأفريقية من بوتين في المقابل
لا يمكن التعامل مع الدول الأفريقية باعتبارها كتلة واحدة تتبنى موقفًا موحدًا من موسكو. فالمصالح تختلف بين الدول بحسب موقعها الجغرافي، وطبيعة نظامها السياسي، واحتياجاتها الأمنية والاقتصادية، وعلاقاتها التاريخية بالقوى الدولية. ومع ذلك، يمكن تحديد عدد من المصالح المشتركة التي قد تدفع بعض الدول الأفريقية إلى توسيع تعاونها مع روسيا
- تنويع الشركاء وتعزيز هامش المناورة
تتعامل بعض الدول الأفريقية مع روسيا باعتبارها أحد الخيارات المتاحة ضمن سياسة أوسع لتنويع الشراكات الخارجية. فالدولة التي تعتمد على شريك دولي واحد في مجالات التسليح أو التمويل أو التجارة قد تجد نفسها محدودة القدرة على التفاوض، بينما يمنحها توسيع علاقاتها مع قوى أخرى مساحة أكبر للمناورة.
وفي هذا السياق، قد تكون العلاقة مع موسكو وسيلة لتعزيز قدرة بعض الحكومات على التفاوض مع الولايات المتحدة أو فرنسا أو الصين، حتى إذا لم تكن هذه الحكومات راغبة في استبدال شريك بآخر بصورة كاملة. ومن ثم، لا تكون العلاقة الروسية الأفريقية بالضرورة تحالفًا ثابتًا، بل قد تكون جزءًا من استراتيجية عنوانها تنويع الشركاء وتقليل الاعتماد على طرف واحد. وتكشف هذه النقطة أن الدول الأفريقية ليست مجرد ساحة تتنافس فيها القوى الكبرى، بل أطراف تحاول استخدام المنافسة الدولية لخدمة مصالحها، وإن تفاوتت قدرتها على ذلك
- . التعاون الأمني وحماية الأنظمة
تواجه بعض الدول الأفريقية تهديدات أمنية معقدة، تشمل الجماعات المسلحة والتمردات الداخلية والحركات الإرهابية وجميعها تؤدي إلي ضعف السيطرة على أجزاء من إقليم الدولة نفسها. وفي مثل هذه الحالات، قد ترى بعض الحكومات في روسيا شريكًا مستعدًا لتقديم الدعم العسكري أو الأمني، أو تدريب القوات، أو توفير المعدات، أو تقديم خدمات حماية لا تحصل عليها بالشروط نفسها من شركاء غربيين.
ويشير هذا النمط إلى أن التعاون الأمني الروسي قد يكتسب أهمية لدى بعض الأنظمة التي ترى أن أولويتها العاجلة هي الحفاظ على السيطرة الأمنية والسياسية. لكن هذا المكسب يحمل في الوقت نفسه مخاطر محتملة؛ إذ إن الاعتماد على شريك خارجي قد يعزز قدرة النظام على البقاء، دون أن يعالج جذور ضعف المؤسسات أو الأزمات الاجتماعية والسياسية. كما أن التقارير المتعلقة بانتهاكات ارتكبتها عناصر روسية أو مجموعات مرتبطة بها تطرح تساؤلات حول التكلفة التي قد تتحملها المجتمعات المحلية مقابل هذا التعاون. وبذلك، فإن المكسب الأمني لا ينبغي تقييمه فقط من زاوية ما تحصل عليه الحكومة، بل أيضًا من زاوية أثره على مؤسسات الدولة، وأمن السكان، واستدامة الاستقرار.
- البحث عن شريك يدعم مطالب أفريقيا في النظام الدولي
بعد عقود من الاستعمار الأوروبي، وما أعقبها من تحولات في النظام الدولي، لا تزال بعض النخب والحكومات الأفريقية ترى أن القارة لا تمتلك وزنًا يتناسب مع حجمها السكاني والسياسي والاقتصادي في مؤسسات صنع القرار العالمي. كما أن التعامل مع القوى الكبرى قد يُنظر إليه أحيانًا باعتباره محكومًا بأولويات تلك القوى، لا بالضرورة باحتياجات الدول الأفريقية.
وفي هذا السياق، تقدم روسيا نفسها بوصفها شريكًا ينتقد الهيمنة الغربية، ويدعم خطاب السيادة الوطنية، ويؤيد إصلاح المؤسسات الدولية وزيادة تمثيل أفريقيا. وقد يلقى هذا الخطاب قبولًا لدى بعض الحكومات التي تريد تنويع شركائها، أو الاعتراض على ما تعتبره تدخلًا خارجيًا في شؤونها، أو المطالبة بنظام دولي أكثر تمثيلًا.
لكن ينبغي ألا يتحول هذا التقاطع إلى استنتاج أن روسيا تدافع عن أفريقيا بصورة غير مشروطة. فموسكو تتحرك وفق مصالحها أيضًا، وقد تتقاطع هذه المصالح مع مطالب بعض الحكومات الأفريقية، بينما تتعارض مع مصالح دول أو مجتمعات أخرى. ولذلك فإن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كانت روسيا تتحدث باسم أفريقيا، بل بما إذا كانت الشراكة معها تساعد الدول الأفريقية على تحقيق مصالحها بصورة ملموسة.
- المصالح الاقتصادية والتكنولوجية
تبحث الدول الأفريقية عن شركاء قادرين على المساهمة في تمويل البنية التحتية، وتطوير قطاعات الطاقة، وتعزيز الأمن الغذائي، ونقل التكنولوجيا، وتوسيع فرص التصنيع. ويمكن لروسيا أن تقدم فرصًا في مجالات مثل الطاقة النووية، والحبوب والأسمدة، والتعدين، والتعاون العسكري، وبعض الصناعات والتقنيات.
غير أن هذه الفرص لا تعني بالضرورة أن روسيا قادرة على تلبية الاحتياجات الأفريقية الواسعة. فالتعاون في قطاع الطاقة النووية، على سبيل المثال، قد يفتح مجالًا لمشروعات طويلة الأمد، لكنه يحتاج إلى تمويل كبير، وقدرات تنفيذية، وإطار تنظيمي مستقر. كما أن توقيع اتفاقات التعاون لا يعني أن المشروعات قد اكتملت أو أصبحت منتجة. ومن هنا، فإن المكسب الاقتصادي الأفريقي يتوقف على قدرة الدول على تحويل الاتفاقات إلى استثمارات فعلية، وعلى ضمان أن تؤدي هذه الاستثمارات إلى قيمة مضافة محلية، وفرص عمل، ونقل معرفة، بدل الاكتفاء بتصدير الموارد أو استيراد المنتجات.
خامسًا: بناء علي ما سبق ماذا تحقق من سوتشي 2019 إلى موسكو 2026
- سوتشي 2019: إعلان العودة الروسية
مثلت قمة سوتشي عام 2019 نقطة انطلاق مؤسسية لمرحلة جديدة من العلاقات الروسية الأفريقية. فقد سعت موسكو إلى إعادة تنشيط الروابط التي تراجعت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وإلى تقديم نفسها شريكًا قادرًا على التعاون مع الدول الأفريقية في مجالات السياسة والأمن والاقتصاد.
كما أعلنت روسيا هدفًا طموحًا يتمثل في مضاعفة حجم التجارة الروسية الأفريقية خلال السنوات التالية. لكن حجم الاتفاقات ومذكرات التفاهم التي أُعلن عنها في القمة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره دليلًا مباشرًا على نجاحها الاقتصادي؛ إذ لم يتحول كل ما أُعلن عنه إلى عقود ملزمة أو مشروعات منفذة. وهنا تظهر مشكلة متكررة في تقييم العلاقات الروسية الأفريقية: الفارق بين الزخم الدبلوماسي الذي تنتجه القمم، والنتائج الاقتصادية التي يمكن قياسها على أرض الواقع.
- سانت بطرسبرغ 2023 والقمة في ظل الحرب
انعقدت القمة الثانية في سانت بطرسبرغ عام 2023 في سياق دولي مختلف عن قمة سوتشي. فالحرب الروسية على أوكرانيا كانت قد أدخلت موسكو في مواجهة أوسع مع الولايات المتحدة وأوروبا، وفرضت عليها ضغوطًا اقتصادية ودبلوماسية متزايدة. ولذلك اكتسبت القمة أهمية تتجاوز تطوير العلاقات الثنائية؛ إذ أتاحت لروسيا فرصة لإظهار استمرار علاقاتها الدولية، وتعزيز التعاون الأمني والعسكري والاقتصادي مع شركائها الأفارقة.
ومن بين النتائج التي أُعلن عنها في تلك القمة، تعهد روسيا بإلغاء ديون أفريقية بقيمة تقارب 23 مليار دولار، إلى جانب الإعلان عن اتفاقات للتعاون العسكري مع عدد كبير من الدول الأفريقية. ومع ذلك، فإن تقييم هذه النتائج يتطلب التمييز بين الالتزامات المعلنة وما نُفذ منها بالفعل، والنظر إلى القمة من زاويتين: ما الذي حققته موسكو في تعزيز حضورها، وما الذي حصلت عليه الدول الأفريقية في صورة منافع اقتصادية أو تنموية ملموسة.
- موسكو 2026 واختبار القدرة على التنفيذ في ظل المتغيرات الدولية
جاءت القمة الثالثة في موسكو يومي 28 و29 أكتوبر الماضيين في ظروف جيوسياسية معقدة، لتختبر قدرة روسيا على الانتقال من توسيع الحضور السياسي إلى تحقيق نتائج أكثر استدامة. وقد شاركت وفود من 48 دولة أفريقية، بينها 22 دولة ممثلة برؤساء دول أو حكومات. وأُعلن عن مخرجات شملت بيانًا ختاميًا، وخطة عمل لمنتدى الشراكة الروسية الأفريقية للفترة 2027–2029، وإعلانًا للتعاون في الاستخدامات المدنية للذكاء الاصطناعي. هنا تشير هذه المخرجات إلى محاولة توسيع نطاق العلاقة ليشمل التجارة والاستثمار والتكنولوجيا، إلى جانب مجالات التعاون التقليدية. غير أن دلالتها النهائية ستظل مرتبطة بمدى تنفيذها. فخطة العمل ليست في حد ذاتها دليلًا على تحقق الشراكة، وإعلان التعاون في الذكاء الاصطناعي لا يثبت وحده وجود قدرة على نقل التكنولوجيا أو بناء منظومات إنتاجية مشتركة.
وتكشف مؤشرات التجارة عن الفجوة بين الطموح والنتيجة. فقد تجاوز حجم التجارة الروسية الأفريقية 27 مليار دولار عام 2025، لكنه ظل دون هدف الـ40 مليار دولار الذي أعلنته موسكو هدفا في عام 2019. كما أن هذا الحجم التجاري يظل محدودًا مقارنة بحجم تجارة أفريقيا مع الاتحاد الأوروبي والصين. ويشير ذلك إلى أن قدرة روسيا على توسيع العلاقات الاقتصادية لا تزال أقل من طموحاتها السياسية، وأن الحرب في أوكرانيا والقيود المفروضة على الموارد الروسية قد تحد من قدرتها على تقديم استثمارات واسعة ومستدامة.
ومن ثم، فإن السؤال الأهم بعد قمة موسكو ليس عدد الوثائق التي أُقرت، بل ما إذا كانت ستفضي إلى مشروعات محددة، بتمويل واضح، وجدول زمني، وآليات متابعة. فالقمة قد تكشف حجم الطموح الروسي، لكن السنوات التالية هي التي ستحدد مدى قدرة موسكو على الوفاء بالتزاماتها.
خاتمة
تكشف القمم الروسية الأفريقية الثلاث عن استمرار سعي بوتين إلى تعزيز مكانة روسيا الدولية، وتوسيع شبكة شركائها خارج المجال الغربي، واستخدام العلاقات الأفريقية كوسيلة دعم سياسي وأمني واقتصادي. وقد منحت هذه العلاقات موسكو فرصًا لتأكيد حضورها الدولي، وفتح قنوات تعاون في مجالات متعددة، وإظهار أنها لا تزال قادرة على بناء شراكات رغم تصاعد المواجهة مع الغرب. لكن أفريقيا ليست ملاذًا مضمونًا لروسيا في أوقات الأزمات، ولا تمثل بديلًا كافيًا عن الأسواق والموارد والتكنولوجيا التي تحتاج إليها للحفاظ على مكانتها كقوة كبرى. فالدول الأفريقية ليست كتلة سياسية متجانسة، كما أن مصالحها لا تتطابق بالضرورة مع أولويات موسكو. والأهم أن النفوذ السياسي لا يتحول تلقائيًا إلى شراكة اقتصادية مستدامة؛ إذ يتطلب ذلك موارد مالية، وقدرات تنفيذية، ومشروعات ذات منفعة متبادلة.
وفي المقابل، لا ينبغي النظر إلى الدول الأفريقية باعتبارها أطرافًا سلبية في المنافسة الدولية. فبعضها يستخدم العلاقة مع روسيا لتنويع الشركاء، أو الحصول على دعم أمني، أو تعزيز هامش المناورة الدبلوماسية، أو الدفع بمطالب تتعلق بإصلاح النظام الدولي. لكن مدى نجاح هذه الاستراتيجية يتوقف على قدرة الدول الأفريقية على تحويل التنافس بين القوى الكبرى إلى مكاسب فعلية لشعوبها ومؤسساتها.
وبذلك، يمكن القول إن أفريقيا أصبحت إحدى ساحات اختبار استراتيجية بوتين الدولية وهي ساحة يستطيع من خلالها توسيع هامش المناورة، ومقاومة العزلة، وإظهار استمرار الحضور الروسي. أما الاختبار الحقيقي، فلا يتمثل في قدرة موسكو على عقد القمم أو إصدار البيانات، بل في قدرتها على تحويل هذا الحضور إلى شراكات مستقرة ومنافع ملموسة للدول الأفريقية، وهو ما سيتم التحقق منه في الأيام القادمة.

